بسم الله الرحمن الرحيم

 

منتخب من كتاب

المؤمن الصادق

لـ إيريـك هـوفــر

 

نبيـل الكرخي

 

منهج الكتاب ومساره:

الكتاب: "المؤمن الصادق" ... افكار حول طبيعة الحركات الجماهيرية [1].

ـ القسم الاول ، جاذبية الحركات الجماهيرية: ... الرغبة في التغيير ... الرغبة في بدائل ... التبادلية بين الحركات الجماهيرية.

ـ القسم الثاني ، الاتباع المتوقعون: ... دور المنبوذين في الشؤون الانسانية ... الفقراء ... محدثو الفقر ... الفقراء فقراً مدقعاً ... الفقراء الاحرار ... الفقراء المبدعون ... الفقراء المترابطون ... العاجزون عن التأقلم ... الانانيون انانية مفرطة ... الطموحون الذين يواجهون فرصاً غير محدودة ... الاقليات ... الملولون ... مرتكبو المعاصي.

ـ القسم الثالث ، العمل الجماعي والتضحية بالنفس: ... عوامل تشجع على التضحية بالنفس ... التماهي مع المجموع ... الخيال ... احتقار الحاضر ... الاشياء التي لم تكن ... العقيدة ... التطرف ... الحركات الجماهيرية والجيوش ... العوامل التي تشجع على العمل الجماعي ... الكراهية ... التقليد ... الاقناع والقمع ... من أين تأتي الرغبة في التبشير ... القيادة ... العمل ... الشك ... نتائج العمل الجماعي ... البداية والنهاية ... رجال الكلمة ... المتطرفون ... الرجال العمليون ... الحركات الجماهيرية النافعة والضارة ... المرحلة الديناميكية وما يواكبها من فساد وعقم ... بعض العوامل التي تحدد طول المرحلة النشطة ... الحركات الجماهيرية النافعة.

 

المقدمة:

{المؤمن الصادق – الرجل ذي الايمان المتطرف المستعد للتضحية بنفسه في سبيل القضية المقدسة – ويحاول الكتاب تحليل البذور والجذور التي تغذي طبيعة هذا الرجل. ويستعين الكتاب في تحليله بفرضية محددة انطلاقاً من الحقيقة التي تقول: إن المحبطين يشكلون غالبية الاتباع الجدد في كل الحركات الجماهيرية ، وانهم ينضمون اليها بإرادتهم الحرة}.

{يفترض الكتاب:

اولاً. إن الاحباط في حد ذاته ، ومن دون دعوة او محاولة للاستقطاب من الخارج ، يكفي لتوليد معظم خصائص المؤمن الصادق.

ثانياً. إن الاسلوب الفاعل في استقطاب الاتباع للحركة يعتمد أساساً على تشجيع النزاعات والاتجاهات التي تملأ عقل المحبط. }.

ويقصد بكلمة (المحبط) في هذا الكتاب {الناس الذين يشعرن لسبب أو لآخر أن حياتهم ميؤوس منها وضاعت هباءً}.

 

جاذبية الحركات الجماهيرية: ...

الرغبة في التغيير ...

{من البدهي ان كثيراً من الذين ينضمون الى حركة ثورية صاعدة يتطلعون الى تغيير مفاجيء كبير في اوضاعهم المعيشية.

إن الحركات الثورية ، بعبارة اخرى هي اداة واضحة من ادوات التغيير.

من الواضح أن نوعاً من الحماسة والانفعال ضروري لتحقيق أي تغيير كبير وسريع}.

 

{إنَّ عدم الرضا ، في حد ذاته ، لا يخلق بالضرورة رغبة في التغيير: لابدّ من وجود عوامل اخرى قبل ان يتحول عدم الرضا الى تذمّر ، وأحد هذه العوامل هو الاحساس بالقوّة.

ان الذين يخافون محيطهم لا يفكرون في التغيير مهما كان وضعهم بائساً}.

 

{ان الفقراء فقراً مدقعاً يرهبون محيطهم ولا تراودهم رغبة في التغيير. تبدو الحياة خطرة عندما يتهددنا الجوع والبرد.من هنا نجد عند الفقراء نزعة محافظة بعمق النزعة المحافظة عند الاغنياء ، وهذه النزعة لدى الطرفين عامل مهم في إبقاء الاوضاع القائمة.

ان الاشخاص الذين يندفعون لإحداث تغييرات واسعة يشعرون عادة انهم يمتلكون قوة لا تقهر ، كان الجيل الذي صنع الثورة الفرنسية يؤمن ايماناً قاطعاً بقوة العقل البشري الخارقة ، وبالآفاق غير المحدودة المفتوحة امام الذكاء البشري }.

 

{قد يبدو للوهلة الاولى ان امتلاك القوة سيؤدي في حد ذاته الى موقف يتحدى العالم ويتطلع الى التغيير ، الا ان الامور لا تسير بالضرورة على هذا النحو ، قد يكون القوي وديعاً وداعة الضعيف. ما يهم ليس امتلاك القوة ولكن الايمان المطلق بالمستقبل}.

{إن الذين يحاولون تغيير أمة ما أو تغيير العالم لا يستطيعون تحقيق هدفهم بتوليد التذمر واستثماره ، أو بإثبات أهمية التغييرات المنشودة وضرورتها ، أو بإجبار الناس على تغيير أسلوب حياتهم. على الراغبين في التغيير أن يوقدوا الآمال الجامحة}.

{لابد لكي يندفع الرجال في مغامرة تستهدف تغييراً شاملاً من توفر عدة شروط ، لابد أن يشعروا بالتذمّر من غير ان يكونوا فقراء فقراً مدقعاً ، ويجب ان يكون لديهم الشعور بأنهم عبر اعتناق العقيدة الصحيحة أو إتباع الزعيم الملهم أو اعتناق اساليب جديدة في العمل الثوري ، سيصبحون قوة لا تقهر.

بالاضافة الى ذلك كله يجب ان تكون لديهم تطلعات جامحة الى المنجزات التي ستجيء مع المستقبل.

وفي النهاية ، يجب ان يكونوا جاهلين تماماً العقبات التي ستعترض طريقهم}.

 

الرغبة في بدائل ...

{هناك فارق اساسي بين جاذبية الحركات الجماهيرية وجاذبية المنظمات العملية (كالاحزاب السياسية التقليدية والنقابات وتجمعات المهن الحرة).

تقدم المنظمة العملية لاعضائها فرصاً لتطوير الذات ، وتكمن جاذبيتها في تحقيق المصلحة الذاتية لاعضائها ، وعلى النقيض من ذلك ، نرى أن الحركة الجماهيرية ، خاصة في مرحلتها الاولى النشطة ، لا تجذب اولئك الذين يحبون أنفسهم ويحرصون على تطويرها ، بل تستميل أولئك الذين يودون أن يتخلصوا من أنفسهم نهائياً. تستطيع الحركة الجماهيرية أن تجذب اتباعاً وتحتفظ بهم لا لأنها تلبي الحاجة الى تطوير الذات ، ولكن لأنها تلبي الشوق الى الخلاص من الذات}.

 

{قد نجد بين الاتباع الذين يبادرون الى الانضمام الى حركة جماهيرية عدداً من المغامرين الطامعين في تحسين اوضاعهم والحصول على الشهرة أو القوة ، وفي الوقت نفسه قد نجد درجة من الاخلاص الذي ينكر الذات والولاء الاعم عند بعض الذين يلتحقون بالشركات والاحزاب السياسية التقليدية وبقية المنظمات العملية. إلا ان الحقيقة هي ان المنظمات العملية لا تستطيع البقاء ما لم تلبِّ المصالح الفردية لاتباعها ، بينما تعتمد قوة الحركة الجماهيرية وحيويتها على قدرتها على تلبية رغبة أتباعها في محو الذات. وعندما تبدأ حركة جماهيرية في اجتذاب اناس لا تهمهم سوى مصالحهم الذاتية فمعنى هذا انها اجتازت مرحلتها الاولى النشطة ، بمعنى انها لم تعد معنية بإيجاد عالم جديد ، بل بالحفاظ على الاوضاع الراهنة التي اوجدتها وحمايتها. يقول هتلر: (كلما زادت الوظائف والمناصب التي تقدمها الحركة كلما انخفض مستوى الاتباع الذين ينضمون اليها ، وفي النهاية سيكون السياسيون الانتهازيون من الكثرة بحيث لا يستطيع المجاهد القديم النزيه أن يتعرف على حركته القديمة ... وعندما يحدث هذا فإن رسالة هذه الحركة تكون قد انتهت) }.

 

{ان الايمان بقضية مقدسة هو – الى درجة كبيرة – محاولة للتعويض عن الايمان الذي فقدناه بأنفسنا}.

 

{كلما استحال على الانسان ان يدعي التفوق لنفسه كلما سهل عليه ان يدعي التفوق لامته أو لدينه او لعرقه او لقضيته المقدسة}.

 

{ولا شك في اننا عندما نستبدل بأنفسنا المنكفئة على ذاتها حياة بعيدة عن الانانية نكون قد حققنا قدراً كبيراً من احترام الذات. ان غرور منكري الذات ، حتى عندما يظهرون بمظهر التواضع ، لا حدود له}.

 

{من اهم ما يجذب الناس الى الحركة الجماهيرية انها تقدم بديلاً للامل الفردي الخائب}.

 

{العاطلون ينزعون الى اتباع الذين يبيعونهم الامل قبل اتباع الذين يقدمون لهم العون}.

{ان الامل هو السبيل الوحيد لإدخال القناعة والرضا في اذهان المحبطين}.

{ان الاخلاص لحركة ما وإعطاءها الولاء المطلق لا يعدو أن يكون محاولة للتعلق بشيء يمنح حياتنا الفاشلة معنى وقيمة}.

 

{لن نشعر أن لدينا شيئاً نستحق العيش من اجله ما لم نكن مستعدين للموت في سبيله. هذا الاستعداد للتضحية بالنفس هو الذي يثبت لنا وللآخرين أن البديل الذي فضلناه على الحاضر الفاسد الفاشل هو فعلاً أفضل بديل يمكن تصوّره}.

 

التبادلية بين الحركات الجماهيرية...

{في هذا العصر تنظر كل حركة جماهيرية الى اتباع الحركات الاخرى بوصفهم اعضاء محتملين يمكن نقل ولائهم}.

{جميع الحركات الجماهيرية تبادلية بوسع اي حركة منها ان تحول نفسها بسهولة الى حركة اخرى ، يمكن للحركة الدينية ان تتحول الى ثورة اجتماعية او حركة قومية ، كما يمكن للثورة الاجتماعية ان تتحول الى حركة قومية متطرفة او الى حركة دينية  ، ويمكن لحركة القومية ان تتحول الى ثورة اجتماعية او الى حركة دينية}.

{تحقق الهجرة للمحبطين الامل الذي يتوخونه عند الانضمام الى حركة جماهيرية: التغيير والبداية الجديدة. والاشخاص الذين يسارعون الى الانضمام الى الحركات الجماهيرية سوف يسارعون  الى الهجرة لو اتيحت لهم الفرصة. من هنا يمكن القول ان الهجرة يمكن ان تكون بديلاً للحركة الجماهيرية. لو رحبت الولايات المتحدة والامبراطورية البريطانية في أعقاب الحرب العالمية الاولى بأعداد كثيفة من اوربا لما قامت الحركات الفاشية والنازية. وفي الولايات المتحدة ساعد السماح بالهجرة الى انحاء القارة الضخمة على الاستقرار الاجتماعي}.

 

{تلجأ الحركات الجماهيرية النشطة الى الهجرة عندما تكون بصدد غزو خارجي أو حرب صليبية أو الاستيطان في اراضٍ جديدة}.

 

الاتباع المتوقعون: ...

دور المنبوذين في الشؤون الانسانية ...

{ان شخصية اي جماعة ومصيرها كثيراً ما تحدده العناصر الاقل قدراً فيها}.

{ان الجزء الثابت من اي امة هو وسطها ، الا ان هذا الوسط الذي يتكوّن من المواطنين العاديين الطيبين الذين يقومون بأعمالهم في المدن والارياف كثيراً ما تتحكم فيه أقليتان ، الصفوة من طرف ، والغوغاء من طرف آخر}.

{ان مسرحية التاريخ يمثلها عادة طرفان ، الصفوة من جانب ، والغوغاء من جانب آخر ، دون مبالاة بالاغلبية التي تقع في الوسط}.

{ان السبب الذي يجعل الغوغاء يؤدون دوراً مهماً في مسيرة الامة هو انهم لا يكنّون اي احترام للاوضاع القائمة ، انهم يعدون حياتهم فاسدة بلا أمل في العلاج ، ويحملون النظرة نفسها الى الاوضاع القائمة. ومن هنا فإنهم على استعداد دوماً لتحطيم كل شيء ولنشر الفوضى والقلاقل.

يتوق الغوغاء الى صهر انفسهم التي يعدونها بلا معنى في مجهود جماعي خارق والى الانخراط في عمل جماعي موحد.

إن الغوغاء دوماً هم في مقدمة الاتباع ، سواء كنا بصدد ثورة او هجرة جماعية او حركات عرقية او قومية ، وهم من ثم يطبعون بطابعهم الحركات التي تغير طبيعة الامم ومسار التاريخ.

ان المنبوذين والمهمشين هم المادة الخام التي يصنع منها مستقبل الامة}.

 

 

الفقراء ...

محدثوا الفقر ...

{ليس كل الفقراء محبطين ، بعض الفقراء الذين يعانون في الاحياء البائسة من المدن لا يشعرون بأي احباط بل انهم يرتعدون خوفاً من العيش خارج المحيط التعس الذي ألفوه}.

{عادة ما يكون محدثو الفقر ، الفقراء الذين لم يطل عهد فقرهم ، هم الذين يشعرون بالاحباط لأن ذكرى الاشياء التي فقدوها لا تزال حيّة في دمائهم. هؤلاء المحرومون هم الذين يسارعون الى الالتحاق بأي حركة جماهيرية صاعدة}.

 

الفقراء فقراً مدقعاً ...

{ان حياة الفقراء الذين يعيشون على حافة الجوع ابعد ما تكون عن الفراغ. ان الصراع اليومي المحمود في سبيل الحصول على الطعام والمأوى يجعلهم بلا دقيقة من الفراغ. .......  ما حاجة هؤلاء الى اهداف عليا تتجاوز الذات ، تمنح حياتهم معناها ؟ هؤلاء الفقراء محصنون ضد الحركات الجماهيرية.}.

{ان البؤس في حد ذاته لا يقود تلقائياً الى التذمّر. كما ان درجة التذمّر غير مرتبطة بدرجة البؤس. يبلغ التذمر اعلى درجاته حين يكون البؤس محتملاً أي حين تتحسن الاوضاع على نحو يسمح بالاعتقاد بإمكان تحسنها أكثر فأكثر}.

 

{ليس البؤس الفعلي ، إذاً ، هو الذي يدفع الى الثورة ، بل طعم الاشياء الطيبة القادمة}.

 

{ان احباطنا عندما نملك الكثير ونريد المزيد يفوق احباطنا عندما لا نملك شيئاً ونريد القليل}.

 

{نحن نغامر في سبيل الحصول على الكماليات أكثر مما نغامر لكي نحصل على الضروريات. وكثيراً ما يحدث أننا عندما نتخلى عن الكماليات نجد انفسنا وقد فقدنا الرغبة في الضروريات}.

 

{هناك امل يشجع على الثورة ، وأمل يشجع على الصبر ، وهذا هو الفرق بين الامل المباشر والامل البعيد.

تبشر الحركات الجماهيرية الصاعدة بالامل المباشر. لا شيء يحث اتباع هذه الحركات على التحرك مثل الاعتقاد ان الامل على وشك التحقق}.

{في وقت لاحق ن عندما تصل الحركة الى السلطة يبدأ التركيز على الهدف البعيد ، على الحلم والرؤية. تنشغل الحركة التي وصلت الى الحكم بالحفاظ على الوضع القائم ، وتشجع الطاعة والصبر بعد ان كانت تدعو الى الاعمال الفورية العفوية: (عندما نحلم بما لا نرى فبوسعنا ان نصبر في انتظار تحقيقه).

لكل حركة تصل الى السلطة هدفها البعيد ، مخدّرها الذي يكبح اندفاع الجموع ويدعوها الى التأقلم مع واقعها. وهكذا نجد أن الستالينية تحولت الى أفيون الجماهير ، نفس التعبير الذي سبق للستالينية أن استخدمته في وصف الاديان}.

 

 

الفقراء الاحرار ...

{الارقاء فقراء ، إلا انه حين يكون الرق منتشراً ومتجذراً لا يكون هناك احتمال ان تقوم حركة جماهيرية}.

{إن اكثر البيئات صلاحية لنمو الحركات الجماهيرية هي المجتمعات التي تتمتع بقدر كبير من الحرية ولكنها تفتقر الى ما يزيل الاحباط}.

{ان الحركات الجماهيرية عندما تنسى أو تؤجل الحريات الفردية لا تصطدم مع رغبات اتباعها المتحمسين. ان المتطرفين كما يقول رينان: يخافون الحرية آكثر من الاضطهاد}.

{ان الذين يشكون فشل حياتهم وقبحها يتوقون الى المساواة أكثر من توقهم الى الحريّة. حتى عندما يضجون في طلب الحرية فإن مطلبهم الحقيقي هو حرية المساواة والتماثل}.

{ اكثر الناس صراخاً في سبيل الحرية كثيراً ما يكونون أقل الناس سعادة في مجتمع حرا}.

{ان المساواة بلا حرية تخلق نظاماً اجتماعياً أكثر استقراراً من الحرية بلا مساواة}.

 

الفقراء المبدعون ...

{ليس من المستبعد ان يكون اختفاء الحرف اليدوية في الاوقات المعاصرة سبباً في تزايد الاحباط وفي انجذاب الفرد الى الحركات الجماهيرية}.

 

الفقراء المترابطون ...

{إن الفقراء الذين ينتمون الى مجموعة مترابطة ، سواء كانت قبيلة او عائلة او فئة عرقية او دينية ، لا يكادون يشعرون بالاحباط ، ومن ثم لا يحسون برغبة في الانضمام الى حركة جماهيرية}.

{ان على الحركات الجماهيرية الصاعدة ان تلجأ الى تحطيم كل الروابط بين الجماعات اذا ارادت ان يزداد اتباعها}.

{ان موقف الحركات الجماهيرية الصاعدة من الاسرة جدير بالاهتمام والتأمل. ابدت هذه الحركات كلها في مراحلها الاولى عداء تجاه الاسرة ، وقامت بكل ما تستطيع القيام به لتفكيكها. وفي هذا السبيل لجأت إلى اضعاف السلطة الابوية والى تسهيل الطلاق والى تحمل المسؤولية عن إطعام الاطفال وتغذيتهم وتسليتهم والى تشجيع العلاقات غير المشروعة بين الجنسين}.

 

{يمكن للمرء أن يتوقع أن تفكك عرى الاسرة ، مهما كان سببه ، يساعد على نشوء روح جماعية ، ويخلق حافزاً للاستجابة الى نداء الحركات الثورية}.

{ان تطور اليابان المذهل لم يكن ليتم لولا المحيط المشحون بالعمل الجماعي والشعور بالانتماء القويّ الى الجماعة}.

{ان الشعور العميق بالتضامن ، سواء كان عرقياً أو قومياً أو دينياً ، هو خير ضمانة ضد الاضطرابات العمّالية}.

{لكي تنجح الحركات الجماهيرية فلا بد لها من تطوير تنظيم جماعي متماسك قادر على اجتذاب القادمين وصهرهم}.

{تمكنت الحركة البلشفية من التغلب على منافسيها من الحركات الماركسية بفضل تنظيمها الجماعي المحكم ، كما ان النازية استطاعت التغلب على كل الحركات الشعبية التي عاصرتها في المانيا في العشرينيات لأن هتلر ادرك في وقت مبكر انه لا يمكن ان تنجح حركات جماهيرية صاعدة من دون تنظيم جماعي فاعل. ادرك هتلر مدى شوق المحبطين الى "الانتماء" ، الذوبان في كيان جماعي موحّد}.

{ان البيئة المناسبة لظهور الحركات الجماهيرية وانتشارها هي البيئة التي عرفت في الماضي تنظيماً جماعياً تخلخل ، لسببٍ او لآخر}.

{يبدو ان القاعدة هي انه بمجرد ان يضعف نمط من التنظيم الجماعي تصبح الظروف مواتية لصعود حركة جماهيرية ونجاحها في ايجاد تنظيم جماعي اشد تماسكاً وقوة من التنظيم المنهار}.

{عندما يثور الناس في مجتمع ديكتاتوري فانهم لا يثورون على ظلم النظام بل على ضعفه}.

{ان الرجل المسرّح لتوّه من الجيش مرشح مثالي للحركات الثورية}.

 

 

العاجزون عن التأقلم ...

{ان احباط العاجزين عن التأقلم يتراوح في شدته من حالة الى اخرى. هناك ، اولاً ، العاجزون عن التأقلم بصفة مؤقتة: اولئك الذين لم يجدوا بعد موقعهم في الحياة ولكنهم لا يزالون يأملون في الحصول عليه. ينتمي المراهقون وخريجو الجامعة العاطلون ، والجنود المسرّحون ، والمهاجرون الجدد  الى هذه الفئة. نجد كل هؤلاء قلقين متذمّرين يسيطر عليهم الخوف من ان احسن سنوات عمرهم سوف تذهب هدراً قبل ان يحققوا اهدافهم. يستمع هؤلاء الى نداءات الحركات الجماهيرية ، ولكنهم ليسوا افضل المرشحين للانضمام اليها. يكمن السبب في انهم لم يفقدوا الصلة نهائياً مع نفوسهم ، وانهم لا يعدّون حياتهم ميؤوساً منها. إن اقل بارقة من الامل تعيدهم الى التأقلم مع العالم ومع نفوسهم}.

{ان العبور من الحرب الى السلام اخطر على النظام القائم من العبور من السلام الى الحرب}.

{اما العاجزون عن التأقلم عجزاً دائماً فهم اولئك الذين لا يستطيعون ، بسبب نقص في الموهبة أو عيب آخر لا يقبل العلاج في الجسم او العقل ، من تحقيق الشيء الوحيد الذي يصبوا كيانهم كله الى تحقيقه. وأي انجاز مهما كان باهراً ، خارج المجال الذي يريدونه لا يعطيهم اي شعور بالرضا. يحوّل هؤلاء كل مسعى في حياتهم الى مطاردة محمومة ، من غير ان يتمكنوا من التوقف او من الوصول الى الهدف. يثبت هؤلاء اننا لا نشعر بالرضا عند تحقيق شيء غير الشيء الذي نريده إننا نجري اسرع ما نجري ، عندما نهرب من انفسنا.

إن العاجزين عن التأقلم عجزاً دائماً لا يرون خلاصاً الا في الانفصال التام عن انفسهم وهم يجدون هذا الانفصال ، عادة ، في الرابطة الجماعية الصلبة التي توجدها الحركة الجماهيرية}.

 

الانانيون انانية مفرطة ...

{إن الانانيين أنانية مفرطة معرضون بصفة خاصة ، للاحباط}.

 

 

الطموحون الذين يواجهون فرصاً غير محدودة ...

{نجد عند الباحثين عن الترهيب وسارقي الاراضي وبقية المغامرين الذين يريدون الاثراء بأسرع وسيلة ، كما نجد عند ذوي الانانية المفرطة استعداداً دائماً للتضحية والعمل الجماعي. إن نداءات القومية والتضامن العرقي ، والثورة تجد استجابة بين الاشخاص الذين يرون فرصاً لا حدود لها في المستقبل تفوق الاستجابة التي توجد بين اشخاص يعيشون حياة يومية رتيبة يمكن توقع كل ما فيها}.

 

الاقليات ...

{نجد داخل الاقلية التي تنوي الاندماج فئتين ، الاكثر نجاحاً والاقل نجاحاً (اقتصادياً واجتماعياً) هما أشد عرضة للاحباط من الفئات الاخرى}.

{ان اقل الناس نجاحاً واكثرهم نجاحاً في اقلية تنوي الذوبان هم الاكثر استجابة لنداء الحركة الجماهيرية}.

 

الملولون ...

{لعله لا يوجد مؤشر على نضج مجتمع ما للحركة الجماهيرية أدق من انتشار الملل الذي لا يجدي معه علاج}.

{يفرح الذي يحاول نشر حركة جماهيرية حين يرى الناس يعانون الملل الخانق ، مثلما يفرح حين يجدهم يعانون وطأة ظلامات اقتصادية أو سياسية لا تطاق}.

 

مرتكبو المعاصي ...

{كثيراً ما تكون الوطنية المحمومة أو الحماسة الدينية أو الثورية ، مهرباً من تعذيب الضمير. ومن الغريب ان الجاني والمجني عليه ، المجرم والضحية ، قد يجدون في الحركة الجماهيرية الخلاص من حياة ملوثة. يبدو ان الشعور بالظلم والشعور بالندم يدفعان الناس في الاتجاه نفسه}.

 

 

العمل الجماعي والتضحية بالنفس ...

{تستمد الحركة الجماهيرية حيويتها من نزعة اتباعها الى العمل الجماعي والتضحية بالنفس}.

{ان المحبطين إحباطاً شديداً تنمو لديهم على نحو عفوي ، الرغبة في العمل الجماعي ، وفي الوقت نفسه ، في التضحية بالنفس ، وهكذا فإنه من الممكن تفهم هذه النزعات والاساليب التي تتبع لغسل الادمغة إذا راقبنا كيف تولد داخل العقل المحبط}.

{يتطلب كل من العمل الجماعي والتضحية بالنفس الانقاص من قيمة النفس. ولكي يصبح الفرد عضواً في جماعة مترابطة فإن عليه أن يتخلى عن الكثير: عن خصوصيته ، وعن آرائه الشخصية ، وفي كثير من الحالات عن ممتلكاته}.

{إن آلية غرس الاستعداد للقتال والموت تتكون من فصل الفرد عن نفسه ، عن شخصه المكوّن من لحم ودم ، وعنه من أن يكون ما تريده نفسه الحقيقية أن يكون. ويتحقق هذا الهدف بتذويب الفرد في المجموعة الموحّدة المترابطة ، بإعطائه نفساً جديدة متخيلة ، بأن تغرس فيه اتجاهاً الى احتقار الحاضر وشغفاً بالاشياء القادمةالتي سوف تجيء في المستقبل ، بأن نضع حجاباً بينه وبين الحقائق بأن نشحنه بالعواطف المتفجرة على نحو يجعل من المستحيل عليه أن يعيش مع نفسه}.

 

عوامل تشجّع على التضحية بالنفس ...

التماهي مع المجموع ...

{لكي تهيء شخصاً ما للتضحية بالنفس فلا بد من سلخه عن هويته الذاتية وعن تميّزه. يجب ان يكف عن كونه جورج ، اوهانس ، أو ايفان او تادوا ، أي يجب أن يكفّ عن الشعور أنه خلية بشرية مستقلة لها وجود يحده المولد والوفاة. واكثر الطرق فاعلية في الوصول الى هذا الهدف هو صهر الفرد كلية في الجسم الجماعي. ان الفرد المنصهر في الجماعة لا يعد نفسه ولا الاخرين كائنات بشرية فعلية. عندما تسأله من هو؟ فإن جوابه التلقائي هو أنه الماني أو روسي أو ياباني أو مسيحي أو مسلم ، أو عضو في قبيلة معينة أو عائلة ما. ليس لهذا الفرد من معنى أوهدف أو مصير إلا من خلال الجسم الجماعي ، وما دام هذا الجسم الجماعي حيّاً فلا يمكن للفرد أن يموت}.

{الحياة عند الشخص الذي لا ينتمي الى مجموعة هي همّه الاول والاخير. الحياة هي الحقيقة الوحيدة بين مجموعة أشياء وهمية ، ولهذا فهو يتشبث بها بقوة وبلا خجل}.

{ان طمس الاستقلال الفردي يجب ان يكون كاملاً بحيث يصبح الفرد في اي عمل يقوم به مهما كان تافهاً ، أن يربط نفسه على نحو رمزي ، بالجماعة ، بالقبيلة ، بالحزب ، وما الى ذلك. إن مزاحه واحزانه واعتزازه وثقته يجب ان تنبع من مصير المجموعة لا من مصيره الفردي أو قراراته الفردية. وفوق كل ذلك يجب ان لا يراوده أي شعور بالعزلة حتى عندما يكون في جزيرة نائية يجب ان يشعر أنه يتمتع برعاية الجماعة. وتخلّي الجماعة عنه لا يختلف عن خلي الحياة ذاتها}.

{ان الاستنتاج الذي لا يمكن أن نتجاهله هو أن الفرد الذي يواجه التعذيب أو القتل لا يستطيع الاعتماد على القوة النابعة من فرديته. إن نبع القوة لا يكمن في كونه فرداً ، بل في كونه جزءاً من كيان قوي مجيد لا يمكن ان يتحطم ، والايمان هنا هو اساساً عملية تحرر المرء من فرديته وتجعله يتماهى مع كيان خالد. فلنتأمل الايمان ، والايمان بالانسانية أو بالابدية أو بالدين او بالامة ، أو بالعرق ، أو بالحزب ، أو بالعائلة. ما هو هذا الايمان إن لم يكن تصور شيء خالد لا يمكن ان يموت نربط به أنفسنا الموشكة على الموت؟}.

 

 

الخيال ...

{يصبح الموت والقتل اسهل عندما يصبحان جزءاً من طقوس درامية في مسرحية. لابد من كثير من الخيال لكي يستطيع الانسان مواجهة الموت بلا تردد. في نفوسنا الحقيقية العارية لا يوجد شيء يستحق ان نموت من اجله ، ولكن عندما نتصور انفسنا ممثلين في مسرحية خيالية يفقد الموت رهبته ، ويصبح عملاً من اعمال الخيال ، ومشهداً مسرحياً. اهم واجبات القائد في الحركات الجماهيرية طمس حقيقة الموت والقتل المرعبة بأن يخلق في نفوس اتباعه الوهم: أنهم يشاركون في منظر باهر ، في طقس من الطقوس المسرحية المثيرة}.

{إن دور الخيال في تلطيف قسوة القتل والموت يتضح اكثر ما يتضح في حالة الجيوش. إن الملابس العسكرية والاعلام والشعارات والاستعراضات والموسيقى والطقوس الصارمة والاتيكيت المحكم ، كلّها وسائل لفصل الجندي عن نفسه الحقيقية المكوّنة من لحم ودم ، وطمس حقائق الموت والحياة. وليس من قبيل المصادفة اننا نتحدث عن "مسرح الحرب" وعن "مشاهد المعارك". ينزع القادة العسكريون عنه إصدار اوامرهم الى تذكير جنودهم ان انظار العالم تتجه اليهم وان اسلافهم يشاهدون ما يفعلونه ، وأنهم سيدخلون عالم الخلود ، والقائد العسكري الناجح يستطيع ان يجعل جنوده ينسون ما يعانونه في الواقع المحيط بهم ، ينسون رمال الصحراء القاحلة ، أو امواج المحيط العاتية}.

{يؤدي الخيال في ممارسة الحركات الجماهيرية دوراً دائماً لا يشابهه دور اي عنصر آخر. عندما تضعف قوة الايمان بالمبدأ ، وتختفي القدرة على الاقناع أو القمع ، يظل الخيال باقياً قوياً. وليس هناك أدنى شك في ان الحركة الجماهيرية تستطيع عن طريق الاستعراضات والمواكب والطقوس والمراسم ملامسة كل القلوب. حتى أكثر الناس عقلانية يمكن ان يصبح عاطفياً امام مشهد جماهيري حاشد. هناك شعور بالنشوة ، بالتحرر من سجن الذات ، يعمّ المشاركين والمتفرجين على حد سواء. كما أنه من المحتمل ان يكون المحبطون اكثر استجابة لسحر الطقوس الجماعية من الراضين والقانعين: ان الرغبة في الهرب من النفس الفاشلة او طمسها يوجد لدى المحبطين قدرة كبيرة على التخيّل ، والرغبة في خلق مشهد مسرحي ، كما يجعلهم اكثر استعداداً للتماهي مع الحشود الجماهيرية المثيرة}.

 

احتقار الحاضر ...

{لا تكتفي الحركة الجماهيرية بتصوير الحاضر على انه بغيض وبائس ، بل انها تسعى عامدة لجعله على هذا النحو. كما انها تصوغ للفرد وجوداً متجهماً وقاسياً ومتسلطاً ومملاً. وهذه الحركة تدين كل الشهوات والرغائب ووسائل الراحة وتمجد الحياة الصعبة. انها تعد المتعة المادية امراً تافهاً ، بل مكروهاً ، وتعد اي مسعى للحصول على السعادة الشخصية امراً غير اخلاقي}.

{ان تمجيد الماضي يمكن ان يكون وسيلة للاستهانة بالحاضر. الا ان هذا التمجيد ما لم يمتزج بتوقعات معقولة عن المستقبل فسوف يؤدي الى تعظيم الماضي على نحو يقود للحذر ، لا للسلوك المغامر الذي تعتمد عليه الحركة الجماهيرية. ومن ناحية اخرى ، لا توجد وسيلة لتقزيم الحاضر أجدى من تصويره كمجرد حلقة بين ماضٍ عظيم ومستقبل عظيم}.

{ان الوعي بالتاريخ يعطي الفرد انطباعاً بالاستمرارية. يرى المؤمن الصادق عندما تعطيه الحركة صورة رائعة عن الماضي والمستقبل ، نفسه جزءاً من شيء يمتد الى ما لا نهاية في الماضي والمستقبل ، جزءاً من الخلود. يصبح بوسعه ان يضحي بالحاضر وبنفسه}.

{وهذا يعني ان الحركة الجماهيرية التي تسعى الى جعل الحاضر مكروهاً وغير محتمل تلمس وتراً حساساً لدى المحبطين. والانضباط الذي يمارسه المحبطون لقمع شهيتهم للحياة يعطيهم شعوراً زائفاً بالقوة ، وتتبنى الحركة الجماهيرية اهدافاً مستحيلة وغير واقعية يتمشى مع رغبات المحبطين. ان الذين يفشلون في امورهم الحياتية اليومية ينزعون الى البحث عن المستحيل كوسيلة لستر عيوبهم. ذلك اننا عندما نفشل في الحصول على الممكن لا نستطيع ان نلوم احداً سوى انفسنا ، أما عندما نفشل في الحصول على المستحيل فبإمكاننا ان نعزو الفشل الى صعوبة المهمة. والانسان لا يعرض نفسه للسخرية عندما يشرئب الى المستحيل بقدر ما يعرضها للسخرية وهو يحاول الممكن. ومن هنا نجد أن فشل المحبط في القيام بأموره اليومية كثيراً ما يولد لديه شجاعة غير عادية.

يشعر المحبط بالرضا عن الوسائل العنيفة التي تتبعها الحركة الجماهيرية أكثر من شعوره بالرضا عن اهداف الحركة. إن فرح المحبط بالفوضى وبسقوط المحظوظين والميسورين لا ينبع من إحساسه انهم بهذا السقوط يفسحون المجال لقيام مدنية مثالية بقدر ما ينتج عن احساس بالشماتة. عندما تعلو صرخة المحبطين المتشنجة تطالب (بكل شيء أو لا شيء) فانهم في حقيقة الامر يتطلعون الى لا شيء}.

 

الاشياء التي لم تكن ...

{ثمة قاعدة تتضح لنا من تحليل العوامل التي تشجّع على التضحية بالنفس ، وهي اننا لا نكون مستعدين للموت من اجل ما لدينا الآن ، أو من اجل هويتنا الحاضرة ، بقدر ما نكون من أجل ما نود أن نكون ، من أجل هويتنا في المستقبل. هناك حقيقة محيرة ومزعجة وهي ان الذين يملكون بالفعل شيئاً يستحق القتال دفاعاً عنه لا يشعرون برغبة في القتال. إن الذين يعيشون حياة مليئة ذات قيمة لا يكونون عادة مستعدين للموت في سبيل وطنهم أو من أجل قضية مقدسة. إنَّ التطلّع الى الشيء لا امتلاكه بالفعل هو الذي يولد الاندفاع الذي يؤدي الى التضحية بالنفس}.

{انه من الغريب حقاً ان نجد أن اولئك الذين يحتضنون الحاضر ويتمسكون به بكل ما اوتوا من قوة هم الاقل استعداداً للدفاع عنه. بينما نجد في الناحية الاخرى ان الذين يحتقرون الحاضر وينفضون منه ايديهم هم الذين يحصلون دون ان يطلبوا ، على جوائز المعركة}.

{إنَّ رجل الاعمال الناجح كثيراً ما يكون قائداً سياسياً فاشلاً ، لأن عقله ، لاعتبارات تجارية ، يظل مرتبطاً بما هو كائن ، وقلبه يتطلع الى تحقيق (ما يمكن ان يكون). وعلى العكس ، فالفشل في التعامل مع الامور الواقعية كثيراً ما يكون المؤهل للنجاح في ادارة الشؤون السياسية. ومن حسن الحظ أن كثيراً من الرجال الواثقين في أنفسهم عندما يعانون الهزيمة في التعامل مع الامور العملية لا يشعرون بالاحباط بل يصبحون فجأة مليئين بشعور غريب أن بوسعهم أن يديروا أمور المجتمع والدولة}.

 

العقيدة ...

{ان قدرة المؤمن الصادق على ان "يغمض عينيه ويسد اذنيه" عن الحقائق التي لا تستحق أن ترى أو تسمع هي التي توجد حماسه الدائم وثباته على موقفه ، لا يمكن للمؤمن الصادق ان يخاف الخطر أو يخشى العقبات ، أو يرتبك أمام التناقضات ، لأنه يرفض الاعتراف بوجود هذه الاشياء. ان قوة الايمان كما لاحظ بيرجسون "لا تتجلى في القدرة على تحريك الجبال ، ولكن في القدرة على عدم رؤيتها وهي تتحرك". إن اعتقاد المؤمن الصادق بعصمة العقيدة التي يعتنقها تجعله لا يقيم أي وزن للشكوك أو المفاجآت أو الحقائق غير السارة التي يمتليء بها العالم من حوله.

ومن هنا نجد أن فاعلية عقيدة ما لا تقاس بعمقها أو سموّها أو صدق الحقائق التي تنطوي عليها ، بل بقدرتها على حجب الشخص عن نفسه وعن العالم ، كما هو عليه بالفعل. عن العقيدة الفاعلة قال باسكال انها: "لابد ان تعارض الطبيعة والمنطق والرغبة"}.

{إن فاعلية العقيدة لا تنبع من مضمونها ، ولكن من عصمتها عن الخطأ. لا يمكن لأي عقيدة مهما كانت عميقة وسامية ، أن تكون فاعلة ما لم تدّع انها وحدها تحتوي على الحقيقة الكاملة. لابد ان تكون هي الكلمة التي ينبثق منها كل شيء وينطق بها كل انسان. تتساوى الاشياء السخيفة المضحكة والحقائق السامية في تحفيز الناس على التضحية بأنفسهم ، إذا عدّوها حقائق مطلقة لا توجد حقائق سواها.

ليس من الضروري لكي تصبح العقيدة فاعلة ان يفهمها المرء ، ولكن من الضروري ان يؤمن بها. ونحن في الحقيقة لا نؤمن ايماناً اعمى إلا بالاشياء التي لا نفهمها. عندما تصبح العقيدة مفهومة تفقد الكثير من قوَّتها. عندما نتمكن من فهم شيء ما نشعر كم لو ان هذا الشيء ولد داخل انفسنا. ومن البدهيّ أن الذين يطلب منهم أن يتنكروا لانفسهم ويضحوا بها لا يستطيعون ان يؤمنوا إيماناً أعمى بشيء بدأ داخل انفسهم. وهكذا نجد انه يطلب من المؤمنين ان يبحثوا عن الحقيقة المطلقة بقلوبهم لا بعقولهم: "القلب هو الذي يحس بالله وليس العقل". قال رودلف هس سنة 1934 وهو يطلب من الشباب النازي ان يرددوا قسم الولاء خلفه: "لا تبحثوا عن إدولف هتلر بعقولكم ، ستجدونه كلكم في قلوبكم". وعندما تبدأ حركة في عقلنة عقيدتها وجعلها مفهومة ، فمعنى هذا أن فترتها الديناميكية قد انتهت ، وأنها أصبحت حريصة على الاستقرار. إن استقرار النظام يعتمد على ولاء المثقفين ولهذا يصبح هم الحركة استقطاب المثقفين بدلاً من همها القديم ، وهو تحريض الجماهير على التضحية بالتفس. من الحرص على الاستقرار يجيء الحرص على شرح العقيدة وعقلنتها}.

{هل يمكن غسل دماغ المحبطين بسهولة لا توجد عند غيرهم؟ هل هم سُذّج يصدقون كل شيء؟ كان باسكال يرى "ان المرء يستطيع فهم الكتاب المقدس حين يبدأ في كراهية نفسه".

هناك ، على ما يبدو علاقة بين عدم الرضا عن النفس والنزعة الى سرعة التصديق}.

 

التطرّف ...

{ان همّ الحركات الجماهيرية الاوحد هو ان تغرس في نفوس اتباعها القدرة على العمل الجماعي والتضحية بالذات}.

 

{قدر المتطرّف أن يشعر بالنقص وفقدان الثقة. لا يستطيع المتطرّف ان يستمد الثقة من قدراته الذاتية أو من نفسه التي تنكّر لها ، ولكنه يجدها في الالتصاق المتشنج بالكيان لذي احتضنه. يجد المتطرف في هذا الالتحام ما يحفزًه على الولاء الاعمى الذي يشبه التدين ، كما انه يجد فيه نبع الخير والقوة ، وبرغم أن المتطرّف يهدف ، بهذا الولاء الاعمى ، في الدرجة الاولى أن يحافظ على بقائه إلا أنه قادر على أن يعدّ نفسه جندياً يحمي القضية المقدسة التي اعتنقها. والمتطرف على استعداد للتضحية بحياته لكي يثبت لنفسه وللآخرين أن هذا بالفعل هو دوره ، أن يضحي بحياته ، ليثبت اهميته.

من الغنيّ عن الذكر أن المتطرف مؤمن أن القضية التي اعتنقها قضية مثالية أبدية ، صخرة تبقى صامدة على مرّ العصور. ومع هذا فشعوره بالثقة مستمد من التحاق المتشنج بالقضية ، لا من كون القضية سامية بالفعل. من هنا لا نستطيع أن نعدّ المتطرّف إنساناً متمسكاً بالمباديء: إنه يعتنق قضية ما لا بسبب عدالتها أو سموّها ، ولكن لحاجته الملحة الى شيء يتمسك به. يعدّ المتطرف أي قضية يعتنقها قضية مقدسة}.

 

{ان نقيض المتدين المتعصب ليس الملحد المتعصب ، ولكن المتشكك الذي لا يتخذ موقفاً محدداً من الدين ن الملحد متدين من نوع ما ، لأنه يعتنق الالحاد كما يعتنق المرء ديناً جديداً. الملحد يتبع مبدأه بحماسه وقوة. يقول رينان: "عندما يكف العالم عن الايمان بالله فإن الملحدين سيكونون أشد الناس تعاسة".

ومن المنطلق نفسه ، نجد أن نقيش الوطني المتطرف ليس الخائن ، بل المواطن المنطقي المعتدل الذي يحب الحاضر ، ولا يتطلع الى الاستشهاد والمغامرات البطولية}.

 

{إن الذين يدعون الى الديمقراطية لا يستطيعون تقديم قضايا مقدّسة يمكن الالتحام بها ، ولا جمهوراً متماسكاً يستطيع المرء أن يذوب فيه}.

 

 

الحركات الجماهيرية والجيوش ...

{ان وجوه الشبه كثيرة: كل من الحركات الجماهيرية والجيوش تنظيمات جماعية ،

كل منها يسلب الفرد استقلاليته وتميزه ،

كل منها يتطلب التضحية بالنفس ،

والطاعة العمياء ،

والولاء المطلق ،

كل منها يستعين بالخيال والاوهام للتحفيز على المغامرة والعمل الجماعي ،

وكل منها يصبح ملجأ للفرد المحبط الذي لا يستطيع أن يتحمل وجوده المستقل.

 

بوسع تنظيم عسكري ، كالفرقة الاجنبية في الجيش الفرنسي ، أن يجتذب كثيراً من العناصر التي تستهويها الحركات الجماهيرية.

ومن الملاحظ ان ضابط التجنيد العسكري ، والناشط الشيوعي ، والداعية التبشيري ، يصيدون الاسماك من البحرية نفسها ، بحيرة المحبطين.

ومع ذلك ، فان هناك فروقاً جوهرية بين الجيوش والحركات الجماهيرية: لا يهدف الجيش الى ايجاد اسلوب جديد للحياة ، ولا يشكل طريقاً للخلاص. صحيح ان بإمكان سلطة قمعية ما أن تستخدم الجيش هراوة لفرض اسلوب جديد من الحياة على الذين يرفضون هذا الاسلوب ، الا ان الجيش في الاساس أداة للحفاظ على نظام قائم أو اداة لتوسّعه ، سواء كان النظام قديماً أو جديداً.

والجيش أداة يمكن ان تفعل ، بالتجنيد ويمكن ان تحل بالتسريح. إلا ان الحركة الجماهيرية تعدّ نفسها منظمة ابدية ، والاعضاء الذين ينضمون اليها ينضمون مدى الحياة}.

 

{عندما تبدأ الحركة الجماهيرية في الانشغال بالحاضر ، فمعنى هذا انها حققت هدفها. في هذه المرحلة ينتهي كونها حركة ، وتتحول الى كيان مؤسسي ، كنيسة منظمة ، أو حكومة ، أو جيش (من الجنود والعمّال).

يحمل الجيش الشعبي الذي كثيراً ما يكون من إنتاج حركة جماهيرية بعض خصائص هذه الحركة: الخطاب المثير ، والشعارات الملتهبة ، والرموز المقدسة. إلا أنه كأي جيش آخر ، يحتفظ بتماسكه لا بسبب العقيدة والحماسة بل بفضل التدريب المستمر والضبط وأخوة السلاح. بعد مدة ، يفقد الجيش الشعبي سمات الحركة الجماهيرية ويصبح جيشاً مولعاً بالحاضر ، وبما يتيحه من ملذات ومتع ، شأنه شأن الجيوش كلها}.

{ان قائد الحركة الجماهيرية يشعر بإحتقار هائل للحاضر ، بكل حقائقه ، بما فيها حقائق الجغرافيا والمناخ ، ويحاول أن يتجاوزها بالايمان بالمعجزات. ويصل احتقاره للماضي أوجّه عندما يزداد الموقف الذي يواجهه خطورة. إنه على استعداد لتدمير بلاده وشعبه قبل أن يستسلم}.

 

{يلاحظ دي توكيفيل De Tocqueville أن الجنود "هم الذين يفقدون حياتهم بسهولة ، ويبدو ضعفهم خلال أيام الثورة". ينظر قائد الجيش الى الغوغاء باعتبار أن جيشه سيصبح منهم اذا ما تفكك. وهذا القائد يرى في الغوغاء النزعة الى الفوضى والتخريب قبل ان يلحظ نزعتها الى التضحية بالنفس. يرى في الغوغاء بقايا من بناء اجتماعي تهدم ، ولا يعدهم المادة الخام لغد افضل. وهكذا نجد ان موقفه مزيج من الخوف والاحتقار: يستطيع أن يقمع الغوغاء ، ولكنه لا يستطيع ان يستميلهم ، اما قائد الحركة الجماهيرية فيستمد الالهام من المجموع ووجوهها الملتفتة إليه ، ويعد زئير المجموع في اذنيه صوت القدر. يرى في الغوغاء قوة قاهرة تحت تصرفه ، قوة يستطيع هو وحده التحكم فيها ، وعن طريقها يستطيع تدمير الجيوش والامبراطوريات ، والحاضر كله ، برغم قوته. يبدو وجه المجموع في نظر قائد الحركة وجهاً قادماً من الاعماق ، وجهاً يستطيع أن يخلق العالم الجديد}.

 

 

العوامل التي تشجّع العمل الجماعي ...

الكراهية ...

{الكراهية هي أكثر العوامل الموحدة شمولاً ووضوحاً. تجتذب الكراهية الشخص من نفسه ، وتنسيه ما حوله ، يومه ومستقبله ، وتحرره من الشعور بالغيرة والرغبة في الانجاز.

وهكذا يصبح الشخص جزءاً لا هوية له يتحرّق بالرغبة الى الالتحام بالاجزاء التي تشبهه ، ليكونوا جمهوراً شديد الاشتعال ، ويرى هاين Heine أن ما لا يمكن تحقيقه بالحب على الطريقة المسيحية يمكن تحقيقه بالكراهية الجماعية.

تستطيع الحركة الجماهيرية أن تبدأ وتنتشر ، دون أن تؤمن بالله ، ولكنها لا تستطيع ان تفعل ذلك دون الايمان بالشيطان. ويمكن عادة أن نقيس قوة الحركة الجماهيرية بمدى نجاحها في ايجاد شيطانها وتجسيده. عندما سُئِلَ هتلر عمّا اذا كان من الضروري إبادة اليهود قال: "كلا لو زال اليهود لكان علينا أن نخترعهم ... من الضروري أن يكون هناك عدو ملموس لا مجرد عدو مفترض"}.

{تستطيع الكراهية الجماعية ان توحد العناصر المتنافرة. بل إن هذه الكراهية يمكن أن توجد رابطاً مشتركاً مع عدو على نحو ينخر قواه ويضعف مقاومته. لقد استطاع هتلر أن يستغل كراهية اليهود لا لكي يوحد المانيا فحسب ، بل ليضعف مقاومة دول تكره اليهود مثل بولندا ورومانيا وهنغاريا ، وحتى في النهاية ، فرنسا ، كما استطاع أن يستخدم كراهية الشيوعية بالطريقة نفسها}.

{ان الشيطان المثالي لابد ان يكون أجنبياً. ومن هنا فإنه لابد لكي تكتمل الصورة من منح الشيطان المحلي أصولاً أجنبية. كان بوسع هتلر بسهولة أن يدفع اليهود الالمان بوصمة الاجانب. وقد ركزت الحركة الروسية الثورية على الاصول الاجنبية للارستقراطية الروسية}.

 

التقليد ...

{التقليد عامل أساسي من عوامل التوحيد. لا يمكن تصور مجموعة متلاحمة تماماً دون انتشار أنماط السلوك المتشابهة خلالها. إن الوحدة التي تفخر الحركات الجماهيرية بتحقيقها تعود الى التقليد بقدر ما تعود الى الطاعة. والطاعة نفسها تتجلّى في تقليد النموذج ، كما تتجلّى في أتباع المبدأ}.

 

{إن مشكلة المحبطين الاساسية شعورهم بعيوب أنفسهم وانعدام فاعليتها. وهدفهم الرئيس هو التخلص من هذه الانفس المكروهة والمبدأ من جديد. يحاول المحبطون تحقيق هذه الرغبة إمّا بالعثور على هويّة جديدة أو محاولة القضاء على تميزهم الفردي وإخفائه ، وكلا هذين الهدفين يتحقق عن طريق التقليد}.

 

{إن قدرة الجماعة المتلاحمة على التقليد تشكل في الحركات الجماهيرية عنصر قوة وعنصر خطر في الوقت نفسه. من السهل صهر أتباع الحركة في المجموع ، إلا أنهم يبقون عرضة للتأثيرات الخارجية ، وهذا ما يخلق الانطباع بأن المجموعة المتلاحمة تماماً يسهل إغراؤها وإفسادها. ومن هنا نجد أن أدبيات الحركة الجماهيرية مليئة بالتحذير من تقليد النماذج الاجنبية (واتباع مناهجها الشيطانية. تعد هذه الادبيات تقليد الاجانب خيانة وردّة). (كل من يقلد الاجنبي يهين الامة ، شأنه شأن الجاسوس الذي يسمح بدخول العدوّ من باب جانبي). تتبع كل الوسائل لمنع أي اتصال بين الاتباع المؤمنين وبين غير المؤمنين. بل إن بعض الحركات الجماهيرية تصل إلى حد أخذ أتباعها الى الصحراء ، حتى يتاح للانماط الجديدة أن تستقر في نفوسهم من دون أي مؤثرات خارجية}.

 

{إن النزعة الى التقليد تمنح الجماعة المتحدة المتماسكة الكثير من المرونة والقدرة على التأقلم. تستطيع هذه الجماعة تبني التجديدات وتغيير التوجهات بسهولة متناهية. إن التطوّر السريع الذي شهدته كل من اليابان وتركيا المتحدتين يختلف تماماً عمّا شهدته الصين من تطور بطيء وتأقلم مؤلم مع العادات الجديدة}.

 

الاقناع والقمع ...

{ينزع الناس – في ايامنا هذه – الى المبالغة في تأثير الاقناع بوصفه وسيلة لنقل الافكار وصياغة السلوك ، ويعدون الدعاية سلاحاً لا مثيل لفاعليتهز وهم من المنطق نفسه ، يعزون النجاحات المذهلة التي حققتها الحركات الجماهيرية في هذا العصر الى الدعاية ، بحيث اصبحوا يخافون من الكلمة خوفهم من السيف.

إلا أن الواقع يثبت أن كثيراً من النجاحات الرائعة التي تنسب الى تأثير الدعاية لا علاقة لها بالدعاية. لو كان للدعاية هذه الفاعلية الخارقة التي تنسب لها لكانت الانظمة الشمولية في روسيا والمانيا وايطاليا واسبانيا ستبدو مقبولة الى حد ما. كانت ستظهر متبجحة ومتعالية ، ولكن من دون الوحشية المرعبة التي مارسها البوليس السري ومراكز الاعتقالات والاعدامات الجماعية. الحقيقة أن هذه الانظمة كانت تعتمد على القمع أكثر من اعتمادها على الدعاية.

يبدو ان الدعاية وحدها لا تستطيع ان تشق طريقها الى العقول التي ترفضها ، ولا تستطيع أن تفرض على الناس مواقف جديدة كل الجدة ، ولا تستطيع ان تبقيهم على المباديء التي كفروا بها ن تتغلغل الدعاية في العقول المفتوحة لها بالفعل ، وبدلاً من ان تفرض آراء جديدة ن فإنها تعمل على ترسيخ الآراء الموجودة في هذه العقول وتطويرها. إن الدعائي الموهوب هو الذي يفجر العواطف والمشاعر التي كانت تختمر في عقول السامعين ن وهو بهذا يحاكي اعمق احاسيسهم الداخلية. وهذا الدعائي لا يحاول فرض آراء ، ولكنه يسعى الى اقناع الناس بصدق الاشياء التي كانوا يعرفونها من قبل.

ان الدعاية وحدها ، لا تنجح عادة ، الا مع المحبطين. يجد هؤلاء انفسهم محاصرين بالمخاوف والاوهام التي تحول بين مداركهم وبين العالم الخارجي ، انهم لا يستطيعون ان يروا الا ما كانوا يتخيلونه ، ولهذا تجيء كلمات الدعائيّ الذي يدغدغ مشاعرهم ، وكأنها موسيقى تنبع من انفسهم الخفية. والمحبطون ، في الحقيقة ، اقدر على التعرف على مشاعرهم في الشعارات الضخمة والكلمات الكبيرة الجوفاء منهم على تبينها في الكلمات المتزنة المنطقية.

ان الدعاية وحدها ، مهما كانت مؤثرة لا تستطيع ان تبقي على ايمان الناس بعد ان فقدوه. ومن هنا تعمد الحركات الجماهيرية عندما ترى ان الناس لم يعودوا مؤمنين بها ، كما كانوا من قبل ن الى اجبارهم باستخدام القوة}.

 

{كل من الذين اعتنقوا المبدأ الجديد باقتناع ، والذين اعتنقوه قسراً ، يحتاجون الى ايمان قاطع أن هذا المبدأ وحده هو المبدأ الصحيح. من دون هذا الايمان القاطع يتحول الارهابي في نظر نفسه الى مجرم ، كما ان الاتباع الذين تم ضمهم قسراً سيعدون ارواحهم مجرد بضائع معروضة للبيع.

وهكذا نجد ان الدعاية تساعدنا على تبرير ما نفعله ، لا على اقناع الاخرين ، وكلما ازداد شعورنا بالذنب ازدادت حاجتنا الى الدعاية}.

 

{ان المقولة التي تذهب الى ان العنف يولد التطرف صحيحة ، كأختها التي تقول: ان التطرف يولد العنف. كثيراً ما يكون من المتعذر ان نعرف من الذي سبق الآخر ، العنف او التطرف}.

 

{ان ممارسة العنف تخدم المؤمن الصادق ، لا لأن الرعب يخيف الخصوم ويسحقهم فحسب ، بل لأنه يقوّي ايمانه ويجعله اكثر حدّة}.

 

{يبدو انه كلما كان امام الحركة الجماهيرية خيار الاقناع والقمع ، فانها تنزع الى اختيار القمع. ان الاقناع عملية صعبة ذات نتائج غير مضمونة}.

 

{وهكذا يبدو انه لابد لنا من ايمان متحمس ، لا لكي نستطيع مقاومة القمع فحسب ، بل لكي نستطيع ممارسته بفاعلية}.    

 

 

من أين تأتي الرغبة بالتبشير ...

{يبدو ان الرغبة في التبشير تجيء من شك عميق ، من شعور بعدم الثقة في صميم الحركة. ويمكن النظر الى التبشير بوصفه محاولة عاطفية للبحث عن شيء لم نجده نحن بعد قبل ان يكون محاولة لاعطاء العالم شيئاً نملكه بالفعل: انه بحث عن إثبات نهائي قاطع ان الحقيقة المطلقة التي نؤمن بها هي بالفعل ، الحقيقة المطلقة الوحيدة. والتبشيري المتطرف يغذي ايمانه هو عن طريق اقناع الآخرين باعتناق عقيدته. والمذهب الذي تسهل مهاجمة شرعيته سوف يكون اكثر المذاهب حرصاً على التبشير}.

{الحركات التي يتفشى فيها الشعور بالذنب ستكون الاكثر حماسة لفرض عقيدتها على الاخرين}.

{ان المبشرين والغزاة بأسم الدين شأنهم شأن اللاجئين ، يذهبون الى الشطآن البعيدة هرباً من واقع لا يمكن تحمله في الوطن}.

 

القيادة ...

{من المؤكد ان القائد لا يستطيع خلق الظروف التي تجعل صعود حركة جماهيرية امراً ممكناً ، أي لا يستطيع صنع الحركة من فراغ ، لابد أن يكون هناك توق الى الانقياد والطاعة وشعور عميق بعدم الرضا عن الاوضاع الراهنة قبل ان تظهر الحركة وتظهر قيادتها. وفي غياب الظروف المواتية فإن القائد ، مهما كان موهوباً ومهما كانت قضيته المقدسة جذابة فسيبقى بلا اتباع}.

 

{عندما يصبح المسرح جاهزاً فإن ظهور القائد الموهوب يصبح امراً محتوماً. من دون هذا القائد لا يمكن ان تولد الحركة الجماهيرية. إن اكثر الظروف نضجاً لا تنتج ، بالضرورة ، حركة جماهيرية ، كما ان الانتخابات والتشريعات والمكاتب الادارية لا تستطيع ان تفرّخ الحركة}.

 

{اهم الصفات المطلوبة في قائد الحركة الجماهيرية الشجاعة والايمان المطلق بقضيته المقدسة وإدراكه اهمية قيام كيان جماعي متلاحم ، واهم من ذلك القدرة على خلق ولاء اعمى عند مجموعة من المساعدين الفاعلين}.

 

{يتبع المحبطون القائد لا لأنه سيقودهم الى الارض الموعودة ، بل لأنه يقودهم بعيداً عن انفسهم التي يكرهونها. الاستسلام للقائد ليس وسيلة ولكنه غاية في حد ذاته ، اما الاتجاه الذي يسير فيه القائد فأمر لا يهم كثيراً}.

 

العمل ...

{كل الحركات الجماهيرية تعد العمل وسيلة للتوحيد. ان المعارك التي تثيرها الحركة الجماهيرية وتبحث عنها لا تقضي على اعداء الحركة فحسب ، بل تعمل على تجريد اتباعها من تميزهم الذاتي ، وتجعلهم اكثر قابلية للذوبان في المجموع}.

 

{إن دعوة الحركة الجماهيرية الى العمل تلقى استجابة متحمسة من المحبطين الذين يرون في العمل شفاءً لجميع امراضهم. ينسيهم العمل أنفسهم ويمنحهم شعوراً بالاهمية. ان الاحباط ينبع أساساً من العجز عن العمل ، وأشد المحبطين توتراً هم اولئك الذين تؤهلهم مواهبهم وامزجتهم لحياة من العمل بينما تجبرهم ظروفهم على الفراغ والصدأ. هذا وحده ما يفسّر لنا كيف ان اشخاصاً مثل لينين وتروتسكي وموسوليني وهتلر قضوا معظم سنواتهم يثرثرون في المقاهي والاجتماعات ، ثم برزوا بغتةً كأكفأ قادة جيلهم وأشجعهم}.

 

{ينظم الايمان نفسية الفرد ويعدها للعمل.ان يشعر المرء أنه يمتلك الحقيقة الوحيدة المطلقة ولا يشك ، قط ، في صحتها ، ان بشعر انه محمي بقوة يمكن ان تكون الله ، أو القدر ، أو حتمية التاريخ ، إنه يعتقد ان اعداءه تجسيد للشر ويجب سحقهم ؛ ان يبتهج بإنكار الذات والانقطاع للواجب ، هذه المؤهلات رائعة تحفّز على العمل القاسي الجاد في أي ميدان ، لقد ثبت أن الذين يرددون المقطوعات الدينية ، خلال عملهم ، سواء كانوا جنوداً أو مكتشفين أو رجال اعمال ، او حتى رياضيين ، رجال صعبون شديدو المراس. ويمكن للحماسة القومية أو الثورية أن تحقق الهدف نفسه: أن تحوّل الرجال الكسالى التافهين الى مقاتلين وعاملين نشطين. من هنا يمكن القول: إنه لابد من ظهور حركة جماهيرية ، من نوع ما ؛ ليمكن تطوير المجتمعات الجامدة المتخلفة}.

 

الشك ...

{ان احساس المحبط بعيوبه ونواقصه يجعله يرى سوء النية واللؤم عند جميع البشر. واحتقار النفس ، حتى عندما يكون خفياً ، يجعلنا اكثر قدرة على اكتشاف عيوب الاخرين: نحاول جهدنا أن نكتشف لدى الاخرين العيوب التي نعاني منها. وهكذا يصبح الجوّ عندما يجتمع المحبطون في حركة جماهيرية مليئاً بالشك: هناك تلصص وتجسس ومراقبة دائمة وشعور حاد أن المرء تحت المراقبة. والمدهش هنا ، هو ان هذا الشك المرَضي بين افراد الجماعة لا يقود الى الخلاف ، بل الى العمل الجماعي المنضبط. ينزع اتباع الحركة الذين يشعرون انهم تحت مراقبة دائمة الى إزالة الشكوك عنهم بالالتزام الكامل بتوجيهات الحركة والمسلك التذي تتطلّبه.

إنَّ الانضباط المفرط قد يكون نتيجة الشكوك المتبادلة ، وقد يكون نتيجة الايمان المتحمّس.

تعتمد الحركات الجماهيرية اعتماداً كبيراً على الشك بوصفه آلية من آليات السيطرة}.

 

 

نتائج العمل الجماعي ...

{إن التوحيد الكامل ، سواء جاء نتيجة الاستسلام العفوي ، او الاقتناع ن او القمع ، او الضرورة ، او العادة المتأصلة ، او مزيج من هذه العوامل ، ينزع الى تقوية الرغبات والاتجاهات التي تنحاز الى الجماعة على حساب الفرد. سبق ان رأينا كيف تقوي الوحدة النزعة الى الكراهية ، كما تقوي القدرة على التقليد. ان الشخص الذي يتم صهره في المجموع اكثر قابلية للتصديق والطاعة من الشخص الذي لا يزال يتمتع بقدر من الاستقلال الذاتي. صحيح ان قيادة الحركة تحرص على ابقاء الكراهية مشتعلة ، وتشجع التقليد ، والقابلية للتصديق وتنشر الطاعة ، الا انه من الصحيح ، ايضاً ، ان التوحيد ، في حد ذاته ، حتى عندما لا تتدخل الاعيب القيادة ، يقوّي ردود الفعل التي تعمل في اتجاه الوحدة.

قد يبدو هذا لاول وهلة محيّراً. سبق ان رأينا أن معظم عوامل التوحيد تنبع من الكراهية التي يحس بها المحبط تجاه نفسه التي لا يحبّها ، ووجوده الذي لا يطيقه. الا ان المؤمن الصادق الذي ينصهر كليّة في مجموع كلّي متماسك لا يصدق عليه وصف المحبط: لقد وجد هويّة جديدة وحياة جديدة. أصبح يعدّ نفسه واحداً من الصفوة المختارين ، الذين تحميه قوى لا تقهر ، حتى يحقق مصيره ويرث الارض. وهذه العقلية الجديدة على النقيض تماماً من عقلية الشخص المحبط. إلا أن المؤمن الصادق برغم ذلك يبدي ، على نحو متزايد ، ردود الفعل التي تدل على صراع داخلي ونقص في الثقة}.

 

ماذا يحدث للفرد الذي يتم صهره في المجموع؟

{إن التوحيد عملية تعني اختزال شخصية الفرد لا تنميتها. لكي يتم دمج الفرد في المجموع لابد من تحريره من تميزه الذاتي ، وحرمانه من حرية الاختيار والاحكام المستقلة ، ولا بد من طمس الكثير من نزعاته واتجاهاته الطبيعية او كسر شوكتها. كل هذه العوامل تنخر في الشخصية المستقلة. اما العناصر الجديدة التي يضيفها الصهر ، العقيدة ، الامل ، الكرامة ، الثقة ، فهي عناصر سلبية في جوهرها. ما يشعر به المؤمن الصادق من رضا وبهجة لا ينبع من مخزون من القوة والحكمة ، بل من شعوره بالتحرّر من الاعباء التي ترهق وجوده المستقل. (نحن الالمان سعداء جداً. نحن احرار من الحرية) ، يجيء إحساسه بالسعادة من كون نفسه لم تعد النفس القديمة والهجوم على شخصيته لا يؤثر فيه. وما لديه من قوة الاحتمال عندما يواجه عدواً لدوداً او ظروفاً بالغة الصعوبة تفوق الاحتمال عند الشخص المستقل. إلا ان هذه القوة تعتمد على الحبل السرّي الذي يربطه بالمجموع الكلّي: ما دام يشعر في قرارة نفسه أنه جزء من هذا المجموع. وليس من شيء آخر ، فإنه يظل خالداً وصامداً. وهكذا تتمحور كل طاقاته ومشاعره حول هذا الحبل السري. يصبح تطلعه الى اقصى حد ممكن من الوحدة أقوى من الحنين الغامض ، الذي يعمل في نفسية المحبط ، الى الافلات من ذاته الفاشلة. لا يزال أمام المحبط خيار ، فهو يستطيع أن يجد حياة جديدة ، لا بأن يصبح جزءاً من كل فحسب ، بل بتغيير بيئته والانغماس كلية في جهود تستنفد طاقاته ، اما الشخص الذي تم صهره في المجموع فلا يملك هذا الخيار. لا بد له أن يلتصق بشدة بالجماعة او يسقط كورقة ذابلة من شجرة وينتهي. من الصعب على القسيس الذي طرد من الكنيسة ، او الشيوعي الذي فصل من الحزب ، او الوطني المتهم بالخيانة ، ان يجد راحة البال ، وهو فرد مستقل. لا يمكنه الوقوف على رجليه ، ولهذا فلا بُدّ له من تبني قضية جديدة والانضمام الى مجموعة جديدة.

إن العضو الذي انصهر في الجماعة يظل ، دائماً وابداً ، يعاني من شعور بعدم النضج وغياب الثقة في النفس}.

 

{تتم صياغة الاشخاص المنخرطين في الحركة الجماهيرية على نحو يجعلهم دوماً ، معدومي الشخصية ، معتمدين على الاخرين ، حتى عندما يحملون في داخلهم بذور شخصيات مستقلة. برغم انهم يصبحون بمنأى عن الاحباط القديم والظلامات القديمة ، إلا أنهم يبدون كل سمات الافراد الذين يتوقون الى طمس أنفسهم ، والتخلص من وجود يرونه معيباً بلا أمل في الخلاص}.

 

 

البداية والنهاية ...

رجال الكلمة ...

{ان تهيئة التربة لحركة جماهيرية تؤدّى على افضل وجه على يد رجال موهبتهم الاساسية استخدام الكلمة المسموعة او المقروءة ، وان ولادة الحركة الفعلية تتطلب مزاجاً ومواهب لا تتوفر الا عند المتطرف ، وان استقرار الحركة وشكلها النهائي هو اساساً مهمة الرجال العمليين.

عندما تظهر على مسرح الاحداث أقلية تجيد صياغة الكلمة ، لم تكن موجودة من قبل ، فإن ظهورها يمكن ان يشكّل حركة ثورية محتملة. قامت القوى الغربية على نحو غير مباشر ، وربما غير مقصود ، بتهيئة الجو لحركات جماهيرية في آسيا ، لا بسبب ما اثارته من نقمة ولكن بخلق أقليات مثقفة عن طريق التعليم الذي كان ، في معظمه اهلياً وخيرياً. تلقى عدد كبير من القادة الثوريين ، في الهند والصين واندونيسيا ، تعليمهم في مؤسسات غربية محافظة. وكانت الجامعة الامريكية في بيروت التي يديرها ويدعمها مسيحيون امريكيون أتقياء محافظون ، مدرسة للثورة في العالم العربي الامّي. ولا يوجد ادنى شك أن اساتذة المدارس التبشيرية المسيحية الاتقياء كانوا ، من غير قصد ، ضمن اولئك الذين اعدوا المسرح للثورة الصينية}.

 

{ينتمي رجال الكلمة الى عدة فئات مختلفة. قد يكونون قساوسة ، او كتاباً ، او فنانين ، او اساتذة ، او طلاباً ، او مثقفين عموماً وإجمالاً. .....

ومهما كان نوعهم ، فغن هناك رغبة مشتركة تجمع كل رجال الكلمة ، وتحدد موقفهم من النظام القائم: الحرص على الاعتراف بهم ، والحرص على حصولهم على وضع يميزهم عن العامة}.

 

{يبدو ان هناك شعوراً بالنقص لا يمكن تجاوزه في داخل كل مثقف ، سواء كان مبدعاً او غير مبدع. ويبدو انه حتى اكثر المثقفين إنتاجاً وموهبة يعيش في حالة دائمة من الشك في نفسهن ويحتاج الى اثبات ذاته من جديد كل يوم}.

 

{هناك لحظة ما ، في حياة كل رجل من رجال الكلمة تقريباً ، يمكن فيها اجتذابه الى صف النظام عن طريق مبادرة سلام وتقدير يقوم بها الحاكمون. وهناك ، في مرحلة من المراحل ، استعداد لدى معظم رجال الكلمة للانضمام الى النظام القائم وخدمته}.

 

{لا يمكن ان يطول بقاء عهد ما ، برغم عدم كفاءته ن إلا اذا كان هناك غياب كامل للطبقة المثقفة ، او كان هناك تحالف وثيق بين الحاكمين ورجال الكلمة. وعندما يكون جميع المثقفين من الكهنوت ، تصبح للكنيسة سلطة مطلقة. وعندما يكون جميع المثقفين موظفين ، او عندما يتمتعون بوضع متميز عن وضع الآخرين ، فإن النظام القائم سوف يكون بمنأى عن الاضطرابات والمعارضة}.

 

{كان هناك دوماً عدد محدود من رجال الفكر غير العمليين وراء جميع الحركات الوطنية}.

 

 

 

المتطرفون ...

{المتطرّف ، وحده ، هو الذي يستطيع ، عندما تجيء اللحظة المناسبة ، أن يفرّخ حركة جماهيرية حقيقية. في غياب المتطرف ، يظل التذمّر الذي اثاره رجال الكلمة المعارضون بلا هدف ، ويمكن ان يتبدد في اضطرابات لا غاية لها يسهل القضاء عليها. وأي اصلاحات جديدة ، حتى عندما تكون جذرية ، لا تستطيع في غياب المتطرف ، تغيير نمط الحياة القديم. وأي انتقال لللسلطة ، في غياب المتطرف ، لا يتجاوز ، عادة نقل الحكم من رجال عمليين الى رجال عمليين مثلهم ، باختصار ، يمكن القول: إنه بدزن المتطرف ، لا يمكن أن تكون هناك بداية جديدة}.

 

{من أين يجيء المتطرفون؟ يجيئون غالباً من صفوف رجال الكلمة غير المبدعين. إن اهم تفرقة بين رجال الكلمة هي بين اولئك الذين يحصلون على الرضا والشعور بالاعتزاز نتيجة عملهم وبين اولئك الذين لا يشعرون بشيء من هذا. إن رجل الكلمة المبدع برغم انتقاداته المريرة للنظام القائم هو في الحقيقة إنسان مرتبط بالحاضر ، يتطلّع الى الاصلاح لا الهدم. وعندما تبقى الحركة الجماهيريةفي عهدته فانه ينزع الى تحويلها الى حركة سلمية ، واي اصلاحات يقوم بها تظل سطحية تجري الحياة تحتها دون انقطاع. إلا ان بقاء رجل الكلمة المبدع في قيادة الحركة لا يتحقق الا بغياب الفوضى من المسرح ، اما لأن النظام تنازل بلا مقاومة او لانه حالف رجالاً عمليين أقوياء قبل انفلات الفوضى من عقالها. إلا انه عندما يكون الصراع مع النظام القديم مريراً تسوده الفوضى ، وعندما يتعذر الانتصار دون العمل الجماعي والتضحية بالذات ، فان رجال الكلمة المبدعين يدفعون جانباً وتصبح السيطرة على الاحداث في يد رجال الكلمة غير مبدعين ، لا يستطيعون الانتماء الى الحاضر ولا يكنّون له سوى الكراهية}.

 

{يكمن خطر المتطرّف على تطور الحركة الجماهيرية في عجزه عن الهدوء. عندما يتم النصر ، ويبدأ النظام الجديد في التبلور ن يصبح المتطرف عامل توتر وارباك. ..... ومن هنا تجد معظم الحركات الجماهيرية نفسها غداة انتصارها في قبضة الشقاق والخلاف}. ..... {ينزع المتطرفون ن اذا سمح لهم بحرية العمل ن الى شق الحركة وإدخال انحرافات وخلافات تهدد بقاءها. وحتى عندما لا يتعمّد المتطرفون إثارة الفرقة ، فإنهم يستطيعون تحطيم الحركة بدفعها نحو أهداف يستحيل تحقيقها. لا ينقذ الحركة شيء في هذه المرحلة سوى دخول رجل من الرجال العمليين}.

 

الرجال العمليون ...

{بإختصار ، الحركة الجماهيرية يخطط لها رجال الكلمة ، ويظهرها الى حيز الوجود المتطرفون ، ويحافظ على بقائها الرجال العمليون}.

 

{قد يكون من فائدة الحركة ، بل قد يكون شرطاً من شروط بقائها ، أن يؤدي هذه الادوار المختلفة رجال مختلفون يأتي الواحد منهم بعد الآخر حسب متطلبات المرحلة. عندما يقود الشخص نفسه ، أو اشخاص بطبيعة واحدة ، الحركة من بدايتها الى نهايتها ، فان الحركة تنتهي ، عادةً ، بكارثة ، لم يحدث أي تغيير في قيادة الحركة النازية أو الحركة الفاشية ، وانتهت الحركتان نهاية مأساوية. كان تطرف هتلر وما تبعه من عجز عن الهدوء والقيام بدور الرجل العملي ، المسؤول عن تدمير النازية}.

 

 

الحركات الجماهيرية النافعة والضارة ...

المرحلة الديناميكة وما يواكبها من فساد وعقم ...

{المرحلة الديناميكية من الحركة الجماهيرية وهي المرحلة التي يصوغها ويهيمن عليها المؤمنون الصادقون}.

 

{إن المرحلة الديناميكية نفسها مرحلة فقيرة في الابداع ..... فجع كل من نابليون وهتلر بالمستوى الهزيل للادب والفن المنتجين في فترتيهما البطوليتين وارادا ابداعاً عظيماً يتمشى مع الاحداث العظيمة. لم يكن لديهما ادنى قدر من المعرفة أن الجو الذي يحيط بالحركة الجماهيرية يخنق روح الابداع ويقضي عليها}.

{تكفي حالة التطرف ، في حد ذاتها ، لخنق كل اشكال العمل الابداعي}.

 

 

بعض العوامل التي تحدد طول المرحلة النشطة ...

{هناك ، على ما يبدو علاقة اخرى بين نوعية الجماهير وطبيعة الحركة الجماهيرية النشطة ومدتها}.

{إن شخصية القائد ، على الاغلب ، عامل حاسم في تحديد طبيعة الحركة الجماهيرية ومدتها}.

 

 

حركات جماهيرية نافعة ...

{كل المؤمنين الصادقين في ايامنا ، سواء كانوا شيوعيين أو نازيين أو فاشيين أو يابانيين او كاثوليكاً ن ادانوا في الماضي (والشيوعيين حتى الوقت الحاضر) خواء الديمقراطيات الغربية ، اتهموا الديمقراطية بالترف والشغف بالملذات والانانية على نحو افقدها القدرة على الموت في سبيل الامة أو الله او القضية المقدسة. يصوَّر هذا العزوف عن التضحية على انه دليل على تفسخ من الداخل ، على انحلال اخلاقي وجسدي. تصور الديمقراطيات الغربية على انها كيانات قديمة فاسدة ومنحلة. والنتيجة هي أن الديمقراطيات عاجزة عن ان تهزم جموع المؤمنين الصادقين المستعدين للعمل الجماعي والموت. والتي توشك ان ترث الارض}.

 

{ان الاستعداد للعمل الجماعي والتضحية بالنفس خصيصتان من خصائص الحركة الجماهيرية}.

 

{يبقى من الصحيح ، مع ذلك ، أن القدرة على ايجاد حركة جماهيرية في وقت قصير ، في مدة كمدة هتلر ، امر بالغ الاهمية. إن قدرة القائد في المجتمع الديمقراطي على "قدسنة" القضايا امر ضروري ، حتى عندما لا تظهر الحاجة الى ممارسة "القدسنة" فعلياً. }.

 

{لا يمكن قياس العنفوان في امة ما الا بقياس مخزون تطلعاتها. وما قاله هيركاليتس: (ليس من صالح البشر ان يعطوا جميع ما يطلبونه) ينطبق على الدول ن كما ينطبق على الافراد. يضعف عنفوان الامة عندما تكف عن التطلع بلهفة الى اشياء تريدها وتكف عن توجيه طاقاتها الى اهداف ملموسة محددة. لا تبقى الامة في حالة عنفوان دائم إلا وهي تسير خلف هدف يقودها بدوره الى هدف جديد ، حتى عندما تكون قد اشبعت حاجاتها المادّية}.

 

{سبق ان ناقشنا التأثير الثوري للمؤسسات التعليمية التي اقامتها الدول الغربية المستعمرة – وللمرء ان يتساءل: هل لظهور قادة مثل غاندي ونهرو أسباب تتعلق بطبيعة المجتمع الهندي ، او ان السبب ، وهذا ما ارجحه ، حول طول بقاء الاستعمار البريطاني. يبدو ان النفوذ الاجنبي عامل مهم في حركات الاحياء الوطني. نلاحظ خلال نهضة اوروبا من جمود القرون الوسطى تأثيرات اجنبية مهمة يونانية / رومانية وعربية. وكان النفوذ الغربي عاملاً حاسماً في نهضة روسيا واليابان وعدد من الدول الاسيوية. والنقطة المهمة هنا هي أن التأثير الاجنبي لا يعمل بطريقة مباشرة. لا يكفي دخول أشياء أجنبية مثل الموضات والعادات وطرق التفكير والتصرف.

إن التأثير الحقيقي للنفوذ الاجنبي يتجلى في ايجاد أقلية متعلمة لم تكن موجود من قبل ، أو في حرمان أقلية مؤثرة مودودة من مزايا النظام القائم. هذه الاقلية المؤثرة هي التي تبدأ عملية الاحياء بإطلاق حركة جماهيرية. إن التاثير الاجنبي ، بعبارة اخرى ، هو الحلقة الاولى من العملية ، اما الحلقة الاخيرة فتتخذ عادة شكل حركة جماهيرية. وهذا ما حدث في اوروبا: سهّل التأثير الاجنبي اليوناني / الروماني والعربي ظهور رجال كلمة لم يكن لهم ارتباط بالكنيسة ، وابعد عدداً من رجال الكلمة التقليديين من معسكر النظام الكاثوليكي القائم. كانت النتيجة حركة الاصلاح البروتستانتي التي ايقظت اوروبا من غفوتها. وفي روسيا أدى النفوذ الغربي (الذي يشمل النظرية الماركسية) الى زعزعة هؤلاء المثقفين للنظام القيصري والى الثورة البلشفية التي لا تزال تحكم الامبراطورية الشيوعية. أما في اليابان فلم يؤثر النفوذ الاجنبي على رجال الكلمة ، وانما على مجموعة استثنائية من الرجال منهم الامبراطور ميجي والمحيطون به.

امتلك هؤلاء الرجال العمليون الواقعيون ، الرؤية التي افتقر اليها بيتر الكبير ، برغم انه كان بدوره من الرجال العمليين الواقعيين ، ولهذا نجحوا حيث فشل هو. أدرك هؤلاء القادة اليابانيون أن مجرد إدخال العادات والآلات الاجنبية لن يغير مسيرة الحياة في اليابان ولن يدفعها الى التخلص من التخلّف الذي سيطر عليها عبر قرون طويلة. أدركوا ان (القدسنة) عملية لا بد منها في هذه المحاولة النهضوية الشاملة ، ولهذا اطلقوا واحدة من أكثر الحركات الجماهيرية فاعلية في العصور الحديثة. اشرنا في اماكن عديدة من هذا الكتاب الى شرور هذه الحركة ، ومع ذلك ، فإن من المشكوك فيه ان أي وسيلة اخرى ذات طبيعة مختلفة كانت تستطيع إنجاز التحديث المذهل الذي حققته اليابان. وفي تركيا ، بدورها ، أثر النفوذ الاجنبي على اتاتورك ، الذي كان من الرجال العمليين ، وكانت النتيجة النهائية نشوء حركة جماهيرية.

يعدّ المفكر ج.بي.س هالدين التطرف ضمن أربعة مخترعات بالغة الاهمية فيما بين سنتي 3000 ق.م و1400م ويعدّه اختراعاً يهودياً /مسيحياً.

ومن الغريب أن هذا الداء النفسي المخيف ، قد يتحول ، في سياق حركة جماهيرية الى عامل يستطيع ايقاظ المجتمعات من الركود وتحديثها}.

 

 


 

[1]  المؤمن الصادق The True Believer: Thoughts on the Nature of Mass Movements / إيريك هوفر  Eric Hoffer/ ترجمة د. غازي بن عبد الرحمن القصيبي / هيثة ابو ظبي للثقافة والتراث / الطبعة الاولى 2010م.

 

 

 

 

الصفحة الرئيسية