بسم الله الرحمن الرحيم

قال تعالى: ((وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُداً))

 

شمس التشيّع وغربال العرفان

تمسكاً بمذهب آل البيت الاطهار (عليهم السلام)
ونبذاً لمنهج إبن عربي وملا صدرا وكل أهل التصوّف والعرفان
 

نبيـل الكرخي

 

الفصل الخامس

من الاخطاء العقائدية عند مدرسة الحكمة المتعالية الشيعية

تبعاً لانتسابها الى تراث ابن عربي

 

"لا شك ان للعقل قيمة كبيرة فهو الوسيلة للمعرفة والركيزة الاساسية للمعارف الاسلامية والانسانية , وقد دأب المفكرون على التمسك به واللجوء الى مقرراته في معرفة الحق والصواب و الباطل والخطأ , وبه يعرف الصادق على الله تعالى فيصدقه , والكاذب على الله عز وجل فيكذّبه , فالعقل هو القوة المودعة عند الانسان ليميز بواسطتها بين الصواب والخطأ , وقد تكفلت المدارس العقلية بيان قوانين العقل في الفكر فكان علم المنطق هو الاساس العلمي والمرجعية الفكرية للباحثين عن الحقيقة , ثم اعطت المدارس الفلسفية لنفسها الصلاحية لتقدم منظومة معارفية بعنوان القوانين العقلية , ونعتقد ان تلك المنظومة الفلسفية بمدارسها وتوجهاتها المختلفة قد وقعت في المخالفات القطعية لما جاء به الاسلام كما خالفت العقل ايضاً. ولم تكتف تلك التوجهات البشرية بجعل نفسها قيَمة على التعقل الانساني الذي هو عامل مشترك بين البشر , واستقلالها بالنظر في تقرير قوانين العقل ونتائجه , بل حكمت على مخالفها بسوء الفهم وقلة التدبر ! ولئن مضت الفلسفة المشائية ببريقها فلقد اخذ البرق الخلب لمدرسة ملا صدرا بابصار الكثير من الباحثين في العصر الاخير , وقد عُرف في الاوساط العلمية دراسة كتب معينة ما زال معروفا منها المنظومة للسبزواري ، وبداية الحكمة ونهاية الحكمة للسيد الطباطبائي , فشكلت هذه الكتب روافد المعرفة الفلسفية في عصرنا الراهن"[1].

ولا شك كما اسلفنا في بحثنا هذا ان مدرسة ملا صدرا تنتمي الى تراث ابن عربي كما اعترف بذلك اساطين علمائها انفسهم ، وكان ابن عربي وتراثه الفكري يقف في وادٍ من وديان الضلال بعيداً عن شموخ هدى تعاليم آل البيت الاطهار (عليهم السلام) ولذلك لا بد من تدقيق النتائج الفكرية التي توصلت لها مدرسة ملا صدرا (الحكمة المتعالية) التابعة لتراث ابن عربي  وتدقيق ما يتلائم منه مع فكر وتراث آل البيت الاطهار (صلوات الله عليهم).

وربما يتسائل احدهم عن المبرِّرات التي تجعلنا نختلف مع مدرسة الحكمة المتعالية ، فهل إنًّ  مشكلتنا معهم هي مشكلة في صميم الجانب العقائدي ، ام هي مشكلة فكرية ترفيّة ؟!

فهل يا تُرى إنَّ مشكلتنا معهم هي لأحد الاسباب التالية:

ـ لأنهم يتبعون الفلسفة والتصوّف ، وقد ورد في بعض الاحاديث الشريفة النهي عنهما.

ـ لأنهم يتبعون الفلسفة ونحن وجدنا ان طريقة الائمة الاطهار (عليهم السلام) بعيدة عن الفلسفة.

ـ لأنهم يتبعون التصوّف ونحن وجدنا ان طريقة الائمة الاطهار (عليهم السلام) بعيدة عن التصوّف.

ـ لأنهم يقسِّمون عقيدة التشيّع أي اصول الدين الى ثلاثة انواع ، فهناك عقيدة عامة ، وعقيدة خاصة ، وعقيدة خاصة الخاصة !!

ـ لأنهم يقسّمون المؤمنين طبقات وفقاً لأنتمائهم العقائدي، فهناك طبقة عقيدة عامة المؤمنين، وطبقة عقيدة خواص المؤمنين، وطبقة عقيدة خواص الخواص !!

ـ لأنهم يمسّون جوهر التوحيد ، وينسبون الله تعالى شأنه الى العجز وحاشاه ، من خلال تبنيهم المبدأ اليوناني: "الواحد لا يصدر عنه الا الواحد" !

ـ لأنهم يمسّون جوهر التوحيد وينسبون للخالق تعالى وجود شريك له في خلقه اطلقوا عليه اسم: "الحقيقة المحمدية" !

ـ لأنهم يمسّون جوهر التوحيد من خلال تبنيهم القول بقدم العالم ، فيكون العالم قديماً كما انه تعالى قديم !

ـ لأنهم تبنّوا القول بوحدة الوجود والموجود ! ومؤدى ذلك عندهم ظهور الله تعالى في الاصنام والاوثان والنار وغيرها ، أي تعدد المعبود !!

ـ لأنهم زعموا انهم يتمكنون من خلال الكشف من معرفة الله تعالى شأنه معرفة تفصيلية ، ومن ذلك تجرّأ ابن عربي فوضع مفهوم الاعيان الثابتة عند الله تعالى ! وهو اول من تحدث بذلك !!

ـ لأنهم قسّموا العلم الالهي الى علم ذاتي وعلم فعلي ، وهو من جهة يثير شبهة التشبيه ، ومن جهة اخرى يثير شبهة التغيُّر في علمه تعالى وحاشاه ! ومن جهة ثالثة يُخضِعون العلم الالهي بقولهم هذا الى علّة الزمن رغم أنَّه مخلوق ! أي يُخضِعون العلم الالهي الى علة مخلوقة !!

ـ لأنهم قسّموا العلم الالهي الى علم ذاتي وعلم فعلي ، وهو امر لم  يقل به الائمة الاطهار (عليهم السلام) فلو كان حقاً لأرشدونا اليه ، ام تراهم تركونا بعقيدة ناقصة احتاجت الى ابن عربي وتراثه ليكملها لنا !؟

ـ لأنهم يريدوننا أن نتشبه بالنصارى الذين يؤمنون بناسوت المسيح (عليه السلام)  ولاهوته ! وهؤلاء يؤمنون بناسوت النبي (صلى الله عليه وآله) في حياته البشرية وعن لاهوته في "الحقيقة المحمدية" التي زعموا انها الصادر الاول وانها خلقت جميع الكائنات !!

ـ لأنهم قالوا بأن المعاد يكون بالجسم المثالي وليس بجسمنا الترابي هذا نفسه!

ـ لأنهم قالوا بأن عذاب الكفار والعُصاة في جهنم – نستجير بالله سبحانه وتعالى منها -  ينقلب الى عذوبة!

ـ لأنهم قالوا بعدم خلود الكفار في جهنم.

وفي الحقيقة فإنَّ جميع هذه الاسباب منفردةً ومجتمعةً تجعلنا على خلاف مع مدرسة الحكمة المتعالية وعلى حذر من الانخداع بأفكارها والانجرار وراء عقائدها وأقوال علمائها.

 

معرفة الله سبحانه وتعالى:

في الكافي ان الامام موسى بن جعفر الكاظم (عليهما السلام) كتب: (أنَّ الله أعلى وأجلّ وأعظم من أن يبلغ كُنهُ صفته ، فصفوه بما وصف به نفسه ، وكفّوا عما سواه). وقال ملا صدرا شارحاً هذا الحديث الشريف من منطلقات مدرسته الفلسفية: (اعلم ان لكل واحدة من صفات الله تعالى مفهوماً كلياً عاماً من شأنه أن يعقل ويتصور في الذهن ، ولها نحواً من الوجود لا يمكن أن يعقل ويتصوّر في ذهن من الاذهان ، ووزان كلَّ واحدة من صفاته الكمالية الايجابية كوزان وجوده ، وكما أن للوجود معنى مشتركاً بينه تعالى وبين الحوادث ، ولكن وجوده الخاصّ به لكونه في غاية الشدّة والبهاء ممّا لا يبلغ أحد كنهه ((ولا يحيطون به علماً)) فكذلك العلم معنى مشترك بين القديم والحادث ، وعلم الله موجود لذاته ، قديم لذاته ، ولكماليّة وجوده علم بجميع الاشياء ، لا يعزب عنه مثقال ذرّة في الارض ولا في السماء ، ولا يمكن تصوّر علمه لأحد ، وكذا قدرته متعلّقة بجميع المقدورات ، لشدّة وجودها وفرط كماليَّتها مع اشتراكها مع سائر القوى والقدر في المفهوم من معنى القدرة ، وكذلك في سائر الصفات الإلهيّة. فهكذا يجب عليك ان تعرف كون صفاته تعالى اجلَّ وأعظم من أن يبلغ أحد كنهها ، حتى لا تقع في التعطيل ولا في التشبيه ، فلمّا كان الامر في صفاته تعالى على هذا المنهاج ، من أنَّ الكلّ منها الحقيقة الإلهيّة والوجود الربَّاني ، من حيث لا كثرة أمر (عليه السلام) بالتوقيف الشرعّي ، والقصر فيها على ما ورد في الكتاب والسنّة والكفّ عمّا سواه)[2].

ولذلك قال العلامة الحلي (رض) : (المعقول من الله تعالى كونه قادراً فاعلاً عالماً ، ليس بجسم ، الى غير ذلك من الصفات السلبية والاضافية وهي امور مغايرة للذات اعتباراً ، أما حقيقته فهي غير مدركة بالعقل ، وكيف يتوصل عقل بشرٍ الى ادراك كنهه ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ، مع ان العقل قاصر عن إدراك ما دونه ما لم يؤيَّد بآلة يتوصل بها إليه؟ فكيف يتحقق توسط آلة بينه وبين الله تعالى)[3].

ومن ذلك يتبين أنَّ "معرفة الله تعالى على نحوين :

 الاول : المعرفة الاجمالية .

 الثاني : المعرفة التفصيلية .

والنحو الاول ممكن في ما هو المهم من المعرفة , والنحو الثاني يجب الاقتصار فيه على مفاد النصوص الشريفة.

والسر في ذلك : أن كل ما يتصوره الانسان بعقله بل كل ما يناله وهمه وخياله هو صور لاشياء حادثة متغيرة متجزئة محدودة مضطرة , فلا يكون القديم الممتنع فيه التغير والتجزي والتحديد والاضطرار , لا يكون من مدركات العقل بنفسه ولوحده , فلا بد له من معرف يعرفه ربه الخالق الباريء القديم , ودون ذلك التعريف يتيه الانسان في ضلالات الاوهام ويعبد أي شيء سوى الله تعالى. وقد دلت النصوص الشريفة على ذلك فاستمع لما يوحى و لا تكن من المتكبرين[4]:           

1 – الكافي: عن جميل بن دراج ، عن ابن الطيار ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : إن الله احتج على الناس بما آتاهم وعرفهم . محمد بن إسماعيل ، عن الفضل بن شاذان ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل بن دراج مثله .

 2 – الكافي: عن محمد بن أبي عمير ، عن محمد بن حكيم قال : قلت لابي عبد الله عليه السلام : المعرفة من صنع من هي ؟ قال : من صنع الله ، ليس للعباد فيها صنع .

 3 – الكافي: عن حمزة بن محمد الطيار ، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل : " وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون " قال : حتى يعرفهم ما يرضيه وما يسخطه ، وقال : " فألهمها فجورها وتقويها " قال : بين لها ما تأتي وما تترك ، وقال : " إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا " قال : عرفناه ، إما آخذ وإما تارك ، وعن قوله : " وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى " قال : عرفناهم فاستحبوا العمى على الهدى وهم يعرفون ؟ وفي رواية : بينا لهم .

 4 – الكافي: عن حمزة بن محمد ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : سألته عن قول الله عزوجل : "وهديناه النجدين" قال : نجد الخير والشر .

 5 – الكافي: عن عبد الاعلى قال : قلت لابي عبد الله عليه السلام: أصلحك الله هل جعل في الناس أداة ينالون بها المعرفة ؟ قال : فقال : لا، قلت : فهل كلفوا المعرفة ؟ قال : لا ، على الله البيان " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " " ولا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها " قال : وسألته عن قوله : " وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون " قال : حتى يعرفهم ما يرضيه وما يسخطه.

 6 – الكافي: عن درست بن أبي منصور ، عمن حدثه ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : ستة أشياء ليس للعباد فيها صنع : المعرفة والجهل والرضا والغضب والنوم واليقظة .

7 - مستدرك الوسائل: محمد بن مسعود العياشي في تفسيره: عن مسعدة بن صدقة ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه (عليهما السلام): إن رجلاً قال لامير المؤمنين عليه السلام : هل تصف ربنا نزداد له حباً وبه معرفة ؟ فغضب وخطب الناس ، فقال فيما قال: عليك يا عبدالله بما دلك عليه القرآن من صفته ، وتقدمك فيه الرسول من معرفته، فائتم به ، واستضي بنور هدايته ، فإنما هي نعمة وحكمة أوتيتها ، فخذ ما أوتيت وكن من الشاكرين ، وما كلفك الشيطان علمه مما ليس عليك في الكتاب فرضه ، ولا في سنة الرسول وأئمة الهدى أثره ، فكل علمه إلى الله ، ولا تقدر عظمة الله عليه قدر عقلك ، فتكون من الهالكين ، وأعلم يا عبدالله أن الراسخين في العلم ، هم الذين أغناهم الله عن الاقتحام على السدد المضروبة دون الغيوب ، إقراراً بجهل ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب ، فقالوا: آمنا به كل من عند ربنا ، وقد مدح الله اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علماً ، وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عن كنهه رسوخاً ونجد ان الفلسفة ـ بمشاربها المختلفة ـ لما جعلت العقل او الكشف معيارا في المعرفة أدت بها تلك السبل الى غير الحق وأمثلة ذلك كثيرة ومن واضحاتها اعتقادهم بان الارادة من صفات الذات ومنه الاعتقاد بوحدة الوجود والموجود وغيرها الكثير. "ومن هنا يتضح أن لا مجال للفلسفة للتوصل الى النتيجة المرجوة والغاية المدعاة لانها بمسائلها لا تصل والوصول الى معرفة الله تعالى منوط بتعريف الحجج صلوات الله عليهم , ودون تعريف منهم يظل الطريق مسدودا والمطلوب ممتنعا , فكيف تكون المعارف البشرية المنفصلة عن تعريف الحجج بل المباينة لبيانتهم صلوات الله عليهم هي المُعرِّفة بالله تعالى ؟!! "[5].  

ومع ذلك يزعم ملا صدرا تفصيله لعلم الله تعالى الى مراتب ويتحدث عن وجود الاشياء وجوداً عقلياً في علم الله تعالى ! متغافلاً عن ان علمه تعالى هو عين ذاته سبحانه ، فيقول وهو يشرح المروي عن الفضيل بن يسار عن الامام ابي عبد الله جعفر الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى : (وسع كرسيه السموات والارض) قال الامام (عليه السلام): (يا فضيل كل شيء في الكرسي ، السموات والارض وكل شيء في الكرسي). قال ملا صدرا: (قوله: "السموات والارض وكل شيء" أي كل شيء غيرهما ، تفصيل لكل شيء الاول ، والقضية الثانية تأكيد للقضية الاولى ، وقد علمت سابقاً أنَّ كل شيء في علمه تعالى ، وان لعلمه مراتب: أولاها إجمالية لا إجمال فوقها ، وهي عين ذاتها ، وثانيتها مرتبة علمه القضائي العقلي ، وهو عبارة عن وجود الاشياء كلها وجوداً عقلياً في قلم الله ، وهو جوهر مقدَّس عقلي ، وهو باطن العرش ، وثالثتها مرتبة علمه القدري التفصيلي ، وهو عبارة عن وجود صور الاشياء كلها وجوداً صورياً نفسانياً في لوح الله ، وهو جوهر نفساني وجوداً على نحو القبول ، كما أنَّ وجودها في القلم كان على نحو الفعل ، وهو باطن الكرسي ، فظهر أنَّ كل شيء في الكرسي ، كما أنَّ كل شيء في العرش ، إلا أنَّ كونها هناك على نحو الاجمال والافاضة ، وها هنا على وجه التفصيل والاستفاضة ، ولهذا عبّر عنه بالسعة)[6]! فأين ملا صدرا من الالتزام بأوامر ونواهي الائمة الاطهار (عليهم السلام) ؟! ثم ألم يسبق لمدرسة الحكمة المتعالية أن قالت (إن الانسان يرتبط بالله تعالى من بواسطة اسماء الله التكوينية ، لا من طريق الذات الالهية ، لأن ذاته تعالى لا متناهية ، فلا يمكن معرفتها والاطلاع عليها ، لعدم إمكان إحاطة المتناهي باللامتناهي)[7]. فكيف اذن تحدث عن وجود ثلاثة مراتب لعلمه تعالى ، وهو علم لا محدود كما هي ذاته المقدسة !

قال الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي: (يمكن أن يتصور نوعان لمعرفة الله: المعرفة الحضورية ، والاخر: المعرفة الحصولية. والمعرفة الحضورية تعني: أن يتعرف الانسان على الله من طريق نوع من الشهود الباطني والقلبي من دون توسّط المفاهيم الذهنيّة. ومن البديهي أنّ من يملك هذا الشهود الشعوري (النابه أو الواعي) بالنسبة لله تعالى – كما يدّعيه كبار العرفاء – لا يحتاج معه الى الاستدلال والبرهان العقلي ولكن – وكما ذكرنا سابقاً – ان مثل هذا العلم الحضوري والشهودي غير ممكن للفرد العادي. وقبل ان يقوم بمهمة تربية نفسه وبنائها واجتياز مراحل السير والسلوك العرفانيّة ، واما المراتب الضعيفة لهذه المعرفة وإن وجدت عند الافراد العادييّن أيضاً. ولكن بما أنها غير شعورية وواعية ، ولذلك لا تكفي لوحدها في التوصل إلى رؤية كونيّة شعوريّة وواعية)[8]. وقال أيضاً: (من الطبيعي أننا لا يمكن أن ننكر وجود بعض الافراد المتميزين ، الاستثنائيين ، الذين يملكون مثل هذا الشهود الشعوري ، (النابه والواعي) وكما نعترض نحن في حق الانبياء والائمة المعصومين (عليهم الصلاة والسلام) بأنهم كانوا يتميزون بنوع من الشهود منذ طفولتهم ، بل أن بعضهم كان يمتلك مثل هذا الشهود وهو جنين)[9].

إنَّ ادعاء ملا صدرا وجود شهود شعوري عند المعصومين (عليهم السلام) هواولا. ادعاء بلا دليل. وثانياً هو يتعارض مع ما ورد في الاحاديث الشريفة التي استعرضنا بعضها والتي تنص على ان الانسان لا يمكن ان يعرف ربه الا بما يعرفه الله سبحانه وتعالى. وثالثاً هذا الادعاء قد يرتقي الى مستوى الكذب على المعصومين (عليهم السلام) حيث ينسب اليهم ما لم يصرّحوا به وما لم يدًعوه.

ويعترف ابن سينا احد كبار اساطين المدرسة الفلسفية المشّائيّة بأن ادراك حقائق الاشياء المادية وغيرها ليس في قدرة الذهن البشري ، فيكون من باب اولى عدم قدرة الذهن البشري على الاطلاع على حقيقة الذات الالهية المقدسة ، فيقول: "ان الوقوف على حقائق الاشياء ليس في قدرة البشر ونحن لا نعرف من الاشياء الا الخواص واللوازم ولا نعرف الفصول المقوّمة لكل واحد منها الداخلة على حقيقته " الخ[10].

ويقول الشيخ محمد رضا المظفر احد علماء مدرسة الحكمة المتعالية الشيعية: "الا ان المعروف عند العلماء ان الاطلاع على حقائق الاشيا وفصولها من الامور المستحيلة او المتعذّرة وكل ما يذكر من الفصول فإنما هي خواص لازمة تكشف عن الفصول الحقيقية. فالتعاريف الموجودة بين ايدينا اكثرها او كلها رسوم تشبه الحدود"[11].

بينما يعمَد سيد كمال الحيدري الى نقض كلام الشيخ المظفر بتوجيهه الى ان عدم الامكانية المذكورة انما متعلقة بالعلم الحصولي لا بالعلم الشهودي المزعوم ! فيقول: (إلا أن المعروف عند العلماء يعني الفلاسفة: أن الاطلاع على حقائق الاشياء وفصولها من الامور المستحيلة او المتعذرة. وفيه اشارة الى ما ذكرناه من أن مَن يجيب بالحدّ التام ليسوا هم علماء الطبيعة أو الرياضيات ... بل الفيلسوف هو الذي يجيب ، ولكن الاطلاع على حقائق الاشياء وفصولها من الامور المتعذّر كسبها بالعلم الحصولي ، وكل ما يُذكر من الفصول فإنما هي خواص لازمة تكشف عن الفصول الحقيقية أي: إنها تكشف عن وجود الفصول الحقيقية ، وإلا فإن كانت تكشف عن حقائقها فلماذا نطوّل الطريق ويكون الامر من قبيل الاكل من القفا ، فإنّ النطق – بمعنى التكلّم أو بمعنى إدراك الكلّيات – يكشف عن وجود فصلٍ يؤدي آثار الكلام أو آثار إدراك الكلّيات ، كما إذا نظرنا الى النار فإنّا نجد آثارها وهي الحرارة والضوء ، وهذه الآثار ليست هي النار ، بل تكشف عن وجود النار ، وهكذا الماء حين نسأل عن حقيقته ، فإن علم الكيمياء يحلّله الى عناصره وأجزائه ، لكنّا لا نريد معرفة طبيعته الماديّة وهي بيان عنصريه الاوكسجين والهيدروجين لأن هذين العنصرين لا ندري هل هما من الجواهر حتى تكون حقيقة الماء عقلاً أو جسماً أو نفساً ، أم من الاعراض حتى تكون من الكمّ والكيف والمتى والأين ... ، بل نريد معرفة حقيقته الماهويّة ، وهي التي تكشف عنها آثار الماء ومنها رفع العطش. إذن حقيقة المؤثر مجهولة ولا يمكن التعرّف عليها بالعلم الحصولي. فالتعاريف الموجودة بين أيدينا في المنطق والفلسفة أكثرها أو كلها رسوم تشبه الحدود وليست حدوداً حقيقية تامةً أو ناقصة)[12].

كما إنَّ ملا صدرا يعترض على كلام ابن سينا فيقول: (تأويل كلامه ما أومأنا اليه وأقمنا البرهان عليه في مباحث الوجود من أن افراد الوجود لا برهان عليها إلا على ضرب من الحيلة برهاناً شبيها باللم حيث ذكرنا ان حقيقة كل موجود لا تعرف بخصوصها إلا بالمشاهدة الحضورية وفصول الاشياء عندنا عين صورها الخارجية فحق انها لا تعرف الا بمفهومات وعنوانات صادقة عليها وتلك المفهومات وان كانت داخلة في المفهوم المركب المسمى بالحد المشتمل على ما يسمى جنسا وما يسمى فصلاً الا انها خارجة من نحو الوجود الصوري الذي به يكون الشيء حقيقة أو ذا حقيقة والشيخ ذكر في بعض مواضع الشفاء ما معناه ان فصل الحيوان ليس مفهوم الحساس بل جوهر نفسه التي بها تمام ذاته وهويته وحقيقته وكذا فصول سائر الانواع والاجناس والاول يسمى فصلا منطقياً والثاني فصلاً اشتقاقياً لأنه غير محمول على النوع المركب والمحمول عليه هو المفهوم المأخوذ منه وذلك بالحقيقة لازم من لوازمه ومن هذا الموضع يعلم أن للوجود اعياناً خارجية وليس عبارة عن مفهوم عقلي انتزاعي إضافي يتكثر بتكثر ما أضيف اليه كما زعمه المتأخرون وهذا الكلام من الشيخ كالنص على ما ادعيناه)[13].

وكلام ملا صدرا هذا يستفاد منه نقضه لكلام ابن سينا بتاويله حسب رؤيته الفلسفية القائمة على امكانية الاطلاع على كنه الذات الالهية!

ويقول ملا صدرا ايضاً: "ولهذا ورد النهي عن التفكر في ذات الله كقوله: (تفكرّوا في آلاء الله ولا تتفكرّوا في ذات الله) ، ولأنه تحترق النفس في إدراك اشعّة نور وجهه فكيف في نور وجهه ؟ فلا يمكن الوصول الى معرفة ذاته إلا بفناء السالك عن نفسه وباندكاك جبل إنّيته حتى شهد ذاته تعالى على ذاته. كما قال بعض العارفين : (عرفت ربي بربي ولولا ربي ما عرفت ربي)"[14].

ويذهب السيد محمد حسين الطباطبائي نفس مذهب ملا صدرا في امكانية رؤية الله تعالى شأنه حيث يقول في تفسيره الميزان في أواخر تفسيره لسورة النجم المباركة: (وفي النهي عن التفكر في الله سبحانه روايات كثيرة أخر مودعة في جوامع الفريقين ، والنهي إرشادي متعلّق بمن لا يحسن الورود في المسائل العقلية العميقة فيكون خوضه فيها تعرضاً للهلاك)[15]. مما يعني انه لا يعارض التفكر بذات الله جلَّ شأنه لمن يمتلك رؤيته الفلسفية !!

 

التوحيد عند العرفاء الغنوصيين:

قال سيد حيدر الآملي: (فعند الشيخ الكامل المكمّل محي الدين العربي قدّس الله روحه ، التوحيد ينقسم الى قسمين ، كما ذكره في "التدبيرات الإلهية" بقوله: "فإنّ التوحيد توحيدان: توحيد الاحدية وتوحيد الفردانية. فتوحيد الاحدية توحيد العصاة من الامة الاسلامة ، وهو توحيد صحيح مركّب على اصل فاسد. وتوحيد الفردانية هو توحيد الانبياء والاولياء (عليهم السلام) والعارفين من الامة الاسلامية ، وهو توحيد صحيح مركّب على أصل صحيح")[16].

وقال الاملي ان التوحيد عند "الشيخ العارف المحقق أبي عبد الله الانصاري الهروي": (ينقسم الى ثلاثة أقسام: توحيد العامّة ، وتوحيد الخاصة ، وتوحيد خاصة الخاصة ، كما ذكره في "منازل السائرين" بقوله "التوحيد على ثلاثة وجوه: الاول توحيد العامة الذي يصح بالشواهد ، والثاني توحيد الخاصة وهو الذي ثبت بالحقائق ، والوجه الثالث توحيد قائم بالقدم وهو توحيد خاصة الخاصة")[17].

واما عند "الشيخ العارف عز الدين الكاشي": (التوحيد أيضاً ينقسم الى ثلاثة أقسام: علمي وعيني وحقّي ، كما ذكره في "شرحه للقصيدة التائية" بقوله: "وللتوحيد مراتب ثلاثة: علم وعين وحق ، كما لليقين علمه (وهو) ما ظهر بالبرهان وعينه (وهو) ما ثبت بالوجدان وحقّه (وهو) ما اختص بالرحمن")[18].

والتوحيد عند "المولى الاعظم صدر الحق والملّة والدين القونوي" كما يعبر الآملي عنه ، ينقسم الى ثلاثة أقسام: توحيد الافعال ، وتوحيد الصفات ، وتوحيد الذات[19].

والتوحيد عند "الامام العالم محمد بن محمد الغزالي" كما يصفه الآملي ، يقسم ، كما في كتابه "إحياء علوم الدين" ، الى اربعة اقسام: "قشر" وهو ايمان المنافقين ، و"قشر القشر" وهو ايمان عموم المسلمين ، و"لب" وهو ان يشاهد ذلك بطريق الكشف وهو مقام المقربين وذلك بأن يرى أشياء كثيرة ولكن مع كثرتها هي صادرة عن الواحد القهار ، و"لب اللب"[20] وهو ان لا يرى في الوجود إلا واحداً وهو مشاهدة الصديقين ويسميه الصوفية "الفناء في التوحيد" حتى لا يرى نفسه لكون باطنه مستغرقاً بالواحد القهار[21].

والتوحيد عند "الامام الفاضل والشيخ الكامل كمال الدين ميثم البحراني" بحسب الآملي يقسم الى خمسة أقسام: اولاها وادناها أن يعرف العبد للعالم صانعاً ، والمرتبة الثانية أن يصدّق بوجوده ، والثالثة أن يترقى بجذب العناية الإلهية الى توحيده وتنزيهه عن الشركاء ، والرابعة هي مرتبة الاخلاص له ، والخامسة نفي الصفات - التي تعتبرها الاذهان له – عنه وهذه المرتبة هي غاية العرفان ومنتهى قوّة الانسان[22].

واما سيد حيدر الآملي فيرى ان التوحيد نوعين: توحيد الانبياء وتوحيد الاولياء ! فالاول توحيد الانبياء هو التوحيد الظاهر وهو دعوة العباد الى عبادة إله مطلق من عبادة آلهة مقيّدة أو إلى اثبات اله واحد ونفي آلهة كثيرة ، وهو التوحيد الموسوم بالألوهي. والثاني توحيد الاولياء وهو التوحيد الباطن ، وهو دعوة العباد الى مشاهدة وجود واحد ، ونفي وجودات كثيرة ، وهذا هو الموسوم بالتوحيد الوجودي ، وليس غير هذين التوحيدين توحيد ثالث اصلاً. والاملي يرى ان ظهور جميع الانبياء من آدم (عليه السلام) الى محمد (صلى الله عليه وآله) ما كان الا لدعوة الخلق الى التوحيد الالوهي الذي هو الدعوة الى الاله المطلق من الالهة المقيدة والخلاص من الشرك الجلي الذي هو بإزائه. واما ظهور جميع الاولياء من آدم الى المهدي صاحب الزمان (عجّل الله فرجه الشريف) ما كان الا لدعوة الخلق الى التوحيد الوجودي الذي هو الدعوة الى الوجود المطلق من الوجود المقيّد والخلاص من الشرك الخفي الذي هو بإزائه. ويؤكد سيد حيدر الاملي عقيدته التوحيدية الفريدة التي لم يعرفها التشيّع في يومٍ من الايام قبله فيقول: (فكل من توجّه الى الاله المطلق من المقيّد وعدل عن عبادة المخلوق الى عبادة الخالق ونطق بكلمة التوحيد الظاهر التي هي "لا إله إلا الله" خلص من الشرك الجليّ وصار من المسلمين مؤمناً موحداً بالتوحيد الألوهي طاهراً في الظاهر والباطن وغن لم يكن كذلك يكن مشركاً نجساً في الظاهر والباطن. وكل من توجّه الى الوجود المطلق من المقيّد وعدل من مشاهدة المخلوق الى مشاهدة الخالق ، ونطق بكلمة التوحيد الباطن التي هي "ليس في الوجود سوى الله" ، خلص من الشرك الخفي وصار عند المحققين عارفاً بالتوحيد الوجودي طاهراً في الظاهر والباطن ، وإن لم يكن كذلك يكن مشركاً ملحداً نجساً في الباطن بخلاف الظاهر عند البعض ، لأن عند الكثرين من ارباب التوحيد ، هو أيضاً نجس في الظاهر والباطن. وهذا أصل كبير وتقسيم شريف حسن ، فافهم ! فإنّه دقيق لطيف)[23].

 

ادعاء السنخية بين الخالق والمخلوق:

الله سبحانه وتعالى ليس علّة وجود العالم ولا هو افاضه بل هو خالقه وموجده من العدم. إذ ان قولهم انه علّة للعالم معناها ان هناك سنخية بين الخالق والمخلوق وهذا باطل قطعاً.

قال السيد محمد حسين الطباطبائي في نهاية الحكمة: " ثم إن المتحصل مما تقدم من المباحث وما سيأتي أن هذا العالم المادي معلول لعالم نوري مجرد عن المادة متقدس عن القوة وأن بين العلة والمعلول سنخية وجودية بها يحكى المعلول بما له من الكمال الوجودي بحسب مرتبته الكمال الوجودي المتحقق في العلة بنحو أعلى وأشرف والحكم جار إن كان هناك علل عقلية مجردة بعضها فوق بعض حتى ينتهي إلى الواجب لذاته جل ذكره. ويستنتج من ذلك أن فوق هذا النظام الجاري في العالم المشهود نظاما عقليا نوريا مسانخا له هو مبدأ هذا النظام وينتهي إلى نظام رباني في علمه تعالى هو مبدأ الكل وهذا أيضا أصل. ومن الضروري أيضا أن علة علة الشي‏ء علة لذلك الشي‏ء وأن معلول معلول الشي‏ء معلول لذلك الشي‏ء وإذ كانت العلل تنتهي إلى الواجب تعالى فكل موجود كيفما فرض فهو أثره وليس في العين إلا وجود جواهر وآثارها والنسب والروابط التي بينها ولا مستقل في وجوده إلا الواجب بالذات ولا مفيض للوجود إلا هو. فقد تبين بما تقدم أن الواجب تعالى هو المجري لهذا النظام الجاري في نشأتنا المشهودة والمدبر بهذا التدبير العام المظل على أجزاء العالم وكذا النظامات العقلية النورية التي فوق هذا النظام وبحذائه على ما يليق بحال كل منها حسب ما له من مرتبة الوجود فالواجب لذاته رب للعالم مدبر لأمره بالإيجاد بعد الإيجاد وليس للعلل المتوسطة إلا أنها مسخرة للتوسط من غير استقلال وهو المطلوب فمن المحال أن يكون في العالم رب غيره لا واحد ولا كثير. على أنه لو فرض كثرة الأرباب المدبرين لأمر العالم كما يقول به الوثنية أدى ذلك إلى المحال من جهة أخرى وهي فساد النظام بيان ذلك أن الكثرة لا تتحقق إلا بالآحاد ولا آحاد إلا مع تميز البعض من البعض ولا يتم تميز إلا باشتمال كل واحد من آحاد الكثرة على جهة ذاتية يفرضا الواحد الآخر فيغاير بذلك الآخر ويتمايزان كل ذلك بالضرورة والسنخية بين الفاعل وفعله تقضي بظهور المغايرة بين الفعلين حسب ما بين الفاعلين فلو كان هناك أرباب متفرقون سواء اجتمعوا على فعل واحد أو كان لكل جهة من جهات النظام العالمي العام رب مستقل في ربوبيته كرب السماء والأرض ورب الإنسان وغير ذلك أدى ذلك إلى فساد النظام والتدافع بين أجزائه ووحدة النظام والتلازم المستمر بين أجزائه تدفعه. فإن قيل إحكام النظام وإتقانه العجيب الحاكم بين أجزائه يشهد أن التدبير الجاري تدبير عن علم والأصول الحكمية القاضية باستناد العالم المشهود إلى علل مجردة عالمة يؤيد ذلك فهب أن الأرباب المفروضين متكثرة الذوات ومتغايرتها ويؤدي ذلك بالطبع إلى اختلاف الأفعال وتدافعها لكن من الجائز أن يتواطئوا على التسالم وهم عقلاء ويتوافقوا على التلاؤم رعاية لمصلحة النظام الواحد وتحفظا على بقائه. قلت لا ريب أن العلوم التي يبني عليها العقلاء أعمالهم صور علمية وقوانين كلية مأخوذة من النظام الخارجي الجاري في العالم فللنظام الخارجي نوع تقدم على تلك الصور العلمية والقوانين الكلية وهي تابعة له ثم هذا النظام الخارجي بوجوده الخارجي فعل أولئك الأرباب المفروضين ومن المستحيل أن يتأثر الفاعل في فعله عن الصور العلمية المنتزعة عن فعله المتأخرة عن الفعل"[24].

ونقضاً لمباديء الحكمة المتعالية يقول المحقق البهبهاني (رض) توفي 1205هـ: (وتوهّم انه تعالى علّة لوجود العالم ، وهو معلول عنه ، ومن شرائط العلّة تحقق السنخية بينهما كسنخية الشيء والفيء وَهمٌ واضح. فإنه تعالى شأنه موجد الاشياء وفاعلها بمشيئته ولا تلزم السنخية بين الفاعل المختار وافعاله. وغنما تجب السنخية بين العلل المضطرّة ومعلولاتها كالنار وإحراقها مثلاً)[25].

"ان الادعاء ان الوجود لا يصدر منه الا الوجود اصله من اعتقاد السنخيّة بين العلّة والمعلول باعتبار ان حقيقة الوجود واحدة فإذا قيل ان الله سبحانه يساوي الوجود ولا يصدر منه الا الوجود فقد حافظوا بذلك على التناسب والتسانخ بين العلّة والمعلول ، ويلزم من ذلك ان يكون كل ما في هذا العالم موجوداً في ذاته تعالى عن ذلك علواً كبيراً فجسمانية هذا العالم وائتلاف بعضه بالبعض كما في اشتمال جسم الانسان على الروح وتخالف بعضه مع البعض الآخر كما في الذكورة والانوثة وماديته وتلوّنه بألوان مختلفة وما الى ذلك من اختلافات وتنوعات يلزم ان يكون كل ذلك في ذاته عزَّ وجلَّ حتى نحافظ على السنخيّة بينه جلَّ وعلا وبينها فيلزم ان يكون جلَّ وعلا جسماً ماديّاّ مشتملاً على روح وروحه غير بدنه والى آخره بل ويلزم ان يكون محدوداً لأنها محدودة ! فإن قيل نعم كل ذلك موجود في ذاته جلَّ وعلا إلا أنه من نوع عالم الالوهية وبنحو اتمّ وارقى. ولكن هذا ما لا دليل عليه ، فكيف يكون المجرّد على تجرّده "بمعنى أنه غير محدود ولا يتطرق اليه التحديد وفوق المادة" عين الوجود المادي وهو محدود ؟! وهل هذا الا الجمع بين النقيضين !! والحاصل: اما ان نحافظ على تجرّد المجرّد وعدم محدوديته فهو جلّ وعلا اذاً غير الماديات فلا سنخيّة اذاً بينها وبينه جلّ وعلا واما ان نقول انه تعالى عينها ونحافظ على هذه القاعدة وهو خلاف البرهان العقلي القاطع الآتي من كونه جلَّ وعلا لا يتطرق إليه الحد ولا يشتمل على صفات المخلوقات)[26].

ويقول الشيخ غلام رضا الفياضي[27] وهو من مدرسة الحكمة المتعالية: (من المسائل القطعية في الفلسفة قاعدة السنخية بين العلة والمعلول، لكن الذين لا معرفة لهم بالفلسفة يعتقدون أن السنخية تعني المشابهة، ثم يستنتجون أن المشابهة تتعارض مع الآية الشريفة {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، وأن الفلسفة تتعارض مع العرفان. إذاً يجب أن لا تدخل الفلسفة إلى الحوزات العلمية. وكل هذا ناشىء من عدم الفهم الصحيح للسنخية. لكنه عندما يفسر السنخية، بمعنى ضرورة وجود خصوصية (مناسبة) في العلة، وبسببها نشأ منه  ذلك المعلول الخاص، وهذا هو معنى السنخية، وليس نفس معنى المشابهة. وبناء على ذلك المعنى الذي يذكره الفلاسفة، ولأن في أغلب الكتب الفلسفية فصلاً تحت عنوان: إن الله تعالى لا يشاركه شيء في أي معنى من المعاني، فإن هذا هو معنى الآية الشريفة {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، لكنه يطرحه بلغة فلسفية، وببيان عقلي واستدلالي، ولا يطرحه مثل الآية القرآنية، ويقول: إنّه تعبد؛ لأنه حينها لم يتوصل إلى اعتبار القرآن كلاماً إلهياً؛ لأن سؤاله الأساسي هو عن وجود الله تعالى، ونريد أن نعرف الله بإحدى صفاته السلبية، وهي «ليس كمثله شيء»، فلابد أن نثبت محتوى الآية ببيان عقلي)[28].

وكتب السيد علي حسن مطر: (لا شك في أن أي معلول لا يمكن أن يصدر من أية علة ، وحتى الظواهر المتعاقبة أو المتقارنة لا يمكن ان توجد بينها دائماً علاقة العلّية ، وإنما العلّية علاقة خاصة بين موجودات معيّنة ، وبعبارة أخرى: لابد أن تكون بين العلّة والمعلول مناسبة خاصة يعبّر عنها (السنخية بين العلّة والمعلول). ولكن هذه السنخية في العلل المانحة للوجود تختلف عنها في العلل المادّية والاعدادية إذ يمكن في المورد الاول إثبات هذه السنخية بالبرهان العقلي ، دون المورد الثاني. وبيان ذلك: أنَّ العلّة المانحة للوجود تُفيضُ وجود المعلول ، فلا بد أن يكون لها الوجود  لكي تمنحه للمعلول ، وبملاحظة أن إعطاءها الوجود للمعلول لا يُنقص منها شيئاً ، يتضح ثبوت الوجود لها بصورة أكمل ، حيث يعتبر وجود المعلول شعاعاً منه وظِلاً له ، إذن السنخية بين العلّة المانحة للوجود ومعلولها تعني: أنَّ للعلّة كمال المعلول بصورة أكمل ، ويتضح هذا الموضوع اكثر بالالتفات الى كون المعلول رابطاً بالنسبة الى علّته المفيضة لوجوده ، والى وجود التشكيك الخاص بينهما. إلا أنه لا وجود لمثل هذه السنخية بين العلل المادية والاعدادية وبين معلولاتها لأنها ليست مفيضة للوجود وإنما ينحصر تأثيرها في إحداث تغييرات في وجود المعلولات ولكن بملاحظة أنَّه لا يصدر كل تغيير من كل شيء ، نعلم إجمالاً بضرورة وجود السنخية بينها أيضاً ، إلا أنه لا يمكن إثبات هذه السنخية بالبرهان العقلي ، بل بواسطة التجربة)[29].

نعم يريدنا الله سبحانه ان نعرفه بصفته السلبية في قوله تعالى: ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)) وهو يطابق الرواية عن الامام الباقر (عليه السلام) انه قال: (فما وقع وهمُك عليه من شيءٍ فهو خلافه ، لا يُشبهُه شيء ولا تدركه الاوهام ، كيف تدركه الاوهام وهو خلاف ما يُعقل ، وخلاف ما يُتصوّر في الاوهام. إنما يُتوهّم شيء غير معقول ولا محدود)[30]. واما قضية فَهْم السنخية بأنها تعني وجود خصوصية مناسبة في العلّة (الخالق جلَّ شأنه) وبسببها نشأ منه ذلك المعلول (الكون) ، فهو من جانب منه تشبيه حقيقي وليس فقط تشبيه لفظي كالسميع والبصير ، بل هو حقيقي لأنه يؤدي حسب دعواهم الى وجود خصوصية في الخالق تعالى انتجت المخلوقات جميعها !! ومن جانب آخر فإن السنخية اذا فسرناها بأنها خصوصية بين العلة والمعلول فهي بذلك تكون شيء من الاشياء ، والله تعالى ليس كمثله شيء. اما انه يريد تفسير الآية الكريمة بمنطوق فلسفي فهو لا يجوز لأنه من باب تفسير القرآن بالرأي ، ولا فرق بين أن يكون تفسير الرأي مرفوضاً اذا كان رأياً شخصياً أو فلسفياً ، فالقرآن الكريم لا يفسر بالآراء الفلسفية لسبب بسيط هو ان الفلسفة ليست قانوناً واحداً بل يصح ان نقول ان هناك فلسفات عديدة مبنية على اساليب تفكير الفلاسفة الناتجة من مسبوقاتهم الفكرية وبيئتهم وموروثهم ، ولذلك اختلف الفلاسفة في الفلسفة وإنما منشا اختلافهم هو أنها تنتمي لآراء بشرية ، فلا يصح تفسير القرآن الكريم بتلك الاراء الفلسفية. قال تعالى في سورة الانعام: ((وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ)).

 

معنى الماهية والوجود:

الماهية هي ما به الشيء هو هو[31] ، او ما يقال في جواب ما هو[32]. "والمراد من الماهية مصداقها اعني المفاهيم التي هي ماهيات كالانسان والشجر والكتاب. والتباين بين المفاهيم من الواضحات فمفهوم الانسان يغاير مفهوم الوجود، كما ان مفهوم الانسان يباين مفهوم الكتاب"[33].

أما الوجود فهناك عدّة شروحات لمفهوم الوجود منها:

ـ الوجود هو الثابت العين. واعترض العلامة الحلي (رض) على هذا التعريف وقال: (إنَّ الثابت مرادف للموجود)[34]. في معرض تمييزه بين الوجود والموجود. واعترض العلامة الحلي (رض) على هذا التعريف وقال: (ولفظة "الذي" انما يشار بها الى متحقق ثابت ، فيؤخذ الوجود في حد نفسه)[35]. ومعنى ذلك انه اذا كان الوجود هو كل متحقق ثابت ، وكل متحقق ثابت له وجود فتدور المسألة ! كما انه لا يمكن ان يكون الوجود حد نفسه حيث أنَّ الماهية هي حد الوجود.

ـ الوجود هو الذي يمكن ان يُخبر عنه.

ـ لا شيء أعرف من الوجود إذ لا معنى أعمّ منه[36]. فهو المعنى البديهي المرتكز في الاذهان[37]. والبداهة تعني الحصول في الذهن دون توسط الفكر[38].

والمشهور بين الفلاسفة المشائيين والمتكلمين هو كون الوجود غير قابل للشدّة والضعف إلا أن الاشراقيين قالوا به وتابعهم ملا صدرا في ذلك ، على خلاف قول المشائيين والمتكلمين. وقد ابطل المحقق الطوسي (ره) في تجريده وتقرير العلامة الحلي (ره) له وبالاستدلال ، القول بجواز الشدّة والضعف في الوجود فراجع. ويرد القول بأن للوجود مراتب متعددة وأنه حقيقة مشككة إن هذه المراتب إما عين الوجود الحقيقي أم غيره. والاول يستلزم وحدة الوجود الحقيقية وبه صرّح ملا صدرا ونتيجته أن لا فرق بين الممكنات والواجب ، وإن الكل هو وجود واحد وأنه لا علّة ولا معلول ، وليس في دار الوجود ديار غيره على حد تعبير ملا صدرا ، وان الشرك عبارة عن الاعتقاد بوجود غيره تعالى كما صرّح بذلك بقوله: "وويل للثنويين". واما الثاني فيلزم منه تعدد الحقائق وهو عين القول بالماهيات. فإن قلت: إن للوجود مراتب متعددة على سبيل التشكيك مع حفظ وحدته. قلنا إنه ادعاء بلا دليل ، وقول بلا برهان. وبعبارة أخرى: إن هذه المراتب إما أن تكون شيئاً واحداً أو اشياء متعددة ، فإن كانت شيئاً واحداً فيلزم ما ذكرنا من محذور ، وإن كانت اشياء متعددة فيلزم تعدد الوجود ، لأنه لا محالة من تقوّم الشديد بشدته والضعيف بضعفه ، فيمتاز كل منهما عن الآخر. وذلك عين القول باصالة الماهية ، ولم يكن هناك شيء واحد ، بل اشياء متفاوتة ، وحقائق متعددة ، والقول بتعدد المراتب ، بلا أن يقوّم الشديد مرتبته ولا الضعيف مرتبته ، فهو نفي لتعدد المراتب وتناقض بالكلام وادّعاء بلا دليل ولا برهان ، وبذلك يظهر بطلان كون الوجود حقيقة واحدة مشككة. ولو كان كذلك "يعني له مراتب" والمفروض أن مراتبه حقيقية لا وهمية ، فكيف يدّعي ملا صدرا كونه حقيقة واحدة وإنَّ كثرته وهمية؟ وإذا كانت كثرته وهمية فلا يمكن أن يجعل الوهم حقيقة. واما أن يقال: بحقيقة المراتب ، فيخرج عن كونه واحداً ويصبح الوجود عبارة عن حقائق متعددة. أضف الى ذلك: فقد ذكر السيد الطباطبائي في بحث معاني الإمكان: "إن الفرق بين الإمكان الذاتي والإستعدادي ان الاول لا يقبل الشدّة والضعف على العكس من الثاني ، لأنه صفة وجودية". أقول: والامر لا ينحصر في الإمكان الذاتي بل في كل المعقولات الفلسفية الثانية "ومنها الوجود" التي عروضها في الذهن واتصافها في الخارج ، فهي اعتبار تحليلي لا تقبل الشدّة والضعف)[39].

 

الاصالة للوجود ام للماهية؟

وقد دار خلاف كبير بين الفلاسفة حول الاصالة هل هي للماهية ام للوجود !

"ومعنى اصالة احدهما  هو أحد معنيين:

الاول ان يكون بمعنى ما يملأ الواقع الخارجي.

والثاني ان يكون بمعنى ذو الآثار.

وهذان المعنيان للاصالة مرتبطان لان المصداق الخارجي هو منشأ الاثر"[40].

وقال السيد محمد حسين الطباطبائي: (فذهب المشاؤون إلى أصالة الوجود ، ونسب إلى الإشراقيين القول بأصالة الماهية. وأما القول بأصالتهما معا ، فلم يذهب إليه أحد منهم ، لاستلزام ذلك كون كل شئ شيئين اثنين ، وهو خلاف الضرورة)[41]، وقوله ان القول باصالتهما معا لم يذهب اليه احد منهم هو تعريض بالشيخ احمد الاحسائي بانه ليس من الفلاسفة[42] ! حيث انه كان يذهب الى اصالتهما معاً[43] ! ومن المعلوم ان للشيخ احمد الاحسائي ردود عديدة على ملا صدرا فنّد فيها العديد من افكاره ومبادئه الفلسفية. والى جانب الشيخ احمد الاحسائي فقد ذهب آخرون الى القول باصالتهما معاً أي الوجود والماهية ، منهم الشيخ غلام رضا فياضي في تعليقته على نهاية الحكمة[44]، والشيخ حيدر الوكيل في تعليقته على بداية الحكمة[45]. وفي معرض تعليقه على كلام السيد الطباطبائي من أن احداً من الحكماء لم يقل بأصالتهما معاً قال الشيخ حيدر الوكيل: "وأما ان الحكماء لم يذهب منهم احد لذلك ففيه ان المسائل العقلية يُرجع فيها الى البرهان لا الى اقوال الرجال"[46].

وذهب المحقق الدواني الى اصالة الوجود في الواجب تعالى وأصالة الماهية في الممكنات[47]. وكان الفيلسوف المير داماد (توفي 1041هـ) يذهب الى اصالة الماهية وهو استاذ ملا صدرا وهو قوله ايضاً قبل ان يتحول عنه الى اصالة الوجود ، واكثر الفلاسفة الذين جاؤوا بعد ملا صدرا قالوا بأصالة الوجود إلا تلميذه عبد الرزاق اللاهيجي (توفي 1071هـ) ومحمد صالح المازندراني المعروف بالعلامة السمناني (توفي 1391هـ) وغيرهما ، أمّا ابن سينا وتلميذه بهمنيار والشيخ نصير الدين الطوسي فلم يترددوا بالقول بأصالة الوجود[48].

ويقول الشيخ ماجد الكاظمي: "ولنرجع الى اصل الدليل الدال على اصالة الوجود واعتبارية الماهية وبالعكس. فنقول: من الواضح انه لا يوجد لدى الطرفين دليل برهاني يثبت المطلوب ، بل كل منهما يدّعي الوجدان والبداهة ويقيم الشواهد المتعددة بما يبرز فيه الامر البديهي والوجداني ، وكل الادلة المذكورة لاصالة الوجود ادلّة الزامية او مصادرة على المطلوب ... مضافاً الى وجود اعترافات متعددة من قبل القائلين باصالة الوجود حيث قالوا: ان العقل يثبت اصالة الماهية ولكن بالذوق العرفاني نفهم ونُثبت اصالة الوجود. فراجع عبارة ملا هادي السبزواري في حاشيته على شرح المنظومة حيث يقول: "فصحة سلب الوجود عن الكلي الطبيعي ضعيفة ، وثبوت الوجود له كاد أن يكون بالحقيقة. فالكلي الطبيعي موجود بحكم العقل الفكري ، وهذه حقيقة عقلية مجاز عرفاني. وبهذا يمكن التوفيق بين قولي المثبت والنافي ، فإن الطبيعي موجود بواسطة في العروض ، وغير موجود لصحة سلب الوجود ، وإن كانت هذه الصحّة أخفى واحتاجت الى زيادة تدقيق وإعانة مذاق رشيق". فهبارته تضمّنت أن هنالك جانب عقلي وجانب عرفاني ، والفرق بينهما "حسب مقتضى العبارة" إنه يمكن ان يصل العقل الى نتيجة من النتائج لكن النفس بإشراقها يمكن أن ترى خلاف ذلك. كما حصل لهم في اصالة الوجود فالذوق العرفاني واشراق الروح حكم باصالة الوجود والعقل حكم بأصالة الماهية"[49].

وقد ذكر سيد كمال الحيدري ان سيد محمد باقر الصدر (رض): (انتهى في تطور فكره الفلسفي إلى الاعتقاد بأن الاختلاف المطروح بين القائلين بأصالة الماهية والقائلين بأصالة الوجود لا يعدوا أن يكون اختلافاً لفظياً ليس اختلاف معنوي حقيقي)[50].

 

الوجود بين مشتركين معنوي ولفظي:

هذه واحدة من اهم القضايا التي لها تماس مع العقيدة ، فهي تتحدث عن وجود الله تعالى هل انه مشترك مع وجود مخلوقاته فيكون لفظ (الوجود) مشتركاً معنوياً ام إنَّه مشترك لفظي ؟ وهنا يجب ان نميز بين الاستعمال المفهومي والاستعمال المصداقي.

فمن حيث المفهوم هل ان مفهوم وجوده سبحانه هو نفس مفهوم وجود مخلوقاته ام لا ؟

وهل ان مصداق وجوده تعالى هو نفس مصداق وجود مخلوقاته ام لا؟

بعض الفلاسفة قال ان المشترك معنوي والبعض الاخر قال ان المشترك لفظي ! وقد ذهبت مدرسة الحكمة المتعالية الى انه مشترك معنوي ، فالوجود الواحد ولكن بحقيقة مشككة ! أي انهم يقولون ان وجوده سبحانه مع وجود مخلوقاته هو وجود واحد من حيث المفهوم والمصداق وهو وجود مشترك معنوي مفهوماً ومصداقاً ، ويمكن ان نختصر هذا كله في العبارة التي يؤمنون بها وهي رؤيتهم في وحدة الوجود والموجود.

واختلف القائلون بأصالة الوجود ، فذهب بعضهم إلى أن الوجود حقيقة واحدة مشككة[51] ، وهو المنسوب إلى الفهلويين من حكماء الفرس[52] ، وذهب قوم من المشائين إلى كون الوجود حقائق متباينة بتمام ذواتها  ، أما كونه حقائق متباينة ، فلاختلاف آثارها ، وأما كونها متباينة بتمام الذوات ، فلبساطتها . وعلى هذا يكون مفهوم الوجود المحمول عليها عرضيا خارجا عنها  لازما لها[53]. غير ان رأي السيد محمد حسين الطباطبائي تبعاً للحكمة المتعالية يبينه بقوله: والحق أنه حقيقة واحدة مشككة[54].

تقول مدرسة الحكمة المتعالية متمثلة بالسيد محمد حسين الطباطبائي: (يحمل الوجود على موضوعاته بمعنى واحد اشتراكا معنوياً)[55]. ومما قاله تأييداً لفكرته الفلسفية هذه: (ومن الدليل عليه : أن العدم يناقض الوجود  ، وله معنى واحد ، إذ لا تمايز في العدم ، فللوجود الذي هو نقيضه معنى واحد ، وإلا ارتفع النقيضان ، وهو محال). فمن كل هذا يتضح ما قدمناه من ان مدرسة الحكمة المتعالية القائلة باصالة الوجود هي في نفس الوقت تقول بالاشتراك المعنوي للوجود بين الخالق والمخلوقات من حيث المفهوم والمصداق ، مما يعني وحدة الوجود والموجود.

نعم في الممكنات ، أي الكائنات المخلوقة ، يكون الوجود مشترك لفظي من حيث المفهوم والمصداق. اما حينما يكون الوجود شاملاً لوجود المكنات مع وجود الخالق جلَّ وعلا ، فهذا إنْ قبلناه من حيث المفهوم فلا يمكن أن نقبل به من حيث المصداق بدليل ان العدم هو نقيض وجود الممكنات (المخلوقات) لكنه ليس نقيضاً لوجود الخالق جلَّ وعلا لأن الخالق سبحانه وتعالى أزلي غير مسبوق بالعدم ولا يمكن ان ينتهي الى العدم ، فلا عدم نقيض لوجوده تبارك وتعالى. وهنا نزعم ان هذه النقطة هي محط تعارض بين الفكر الفلسفي وبين الفكر العقائدي الكلامي. ففي الفلسفة يكون مفهوم ومصداق العدم هو نقيض الوجود سواء عند الممكنات او عند الخالق جلَّ وعلا ، فهي تعامل الممكن بنفس تعاملها مع الواجب ! بينما الفكر العقائدي الكلامي ينظر الى انه سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء ، فهو ينظر الى الخالق تعالى بحقيقة ان البشر لا يمكن ادراكهم لكنهه ولا يمكنهم ان يعرفوا صفاته الا ما عرفهم ربهم بكلامه في كتابه الكريم وكلام المعصومين (عليهم السلام) ، وان وجوده سبحانه ليس نقيضاً للعدم لأنه وجود أزلي. وأن وجوده تبارك وتعالى ليس مماثلاً لوجود مخلوقاته من حيث المصداق على أقل تقدير.

وقال السيد محمد حسين الطباطبائي: (والقائلون باشتراكه اللفظي بين الأشياء ، أو بين الواجب والممكن ، إنما ذهبوا إليه حذرا من لزوم السنخية  بين العلة والمعلول مطلقا أو بين الواجب والممكن). ثم يقول: (والقائلون باشتراكه اللفظي بين الأشياء ، أو بين الواجب والممكن ، إنما ذهبوا إليه حذرا من لزوم السنخية  بين العلة والمعلول مطلقا أو بين الواجب والممكن. ورد  بأنه يستلزم تعطيل  العقول عن المعرفة ، فإنا إذا قلنا : " الواجب موجود " فإن كان المفهوم منه المعنى الذي يفهم من وجود الممكن ، لزم الاشتراك المعنوي ، وإن كان المفهوم منه ما يقابله ، وهو مصداق نقيضه ، كان نفيا لوجوده ، تعالى عن ذلك ، وإن لم يفهم منه شئ ، كان تعطيلا للعقل عن المعرفة ، وهو خلاف ما نجده من أنفسنا بالضرورة) .

بينما يقول الشيخ ماجد الكاظمي ناقضاً رؤية الحكمة المتعالية: "هذا البحث من جملة المباحث المرتبطة بالمفاهيم ، وهو بحث لفظي ، وليس ببحث فلسفي ، ولا شك أن له دخلاً في فهم المطالب الفلسفية. فالمفاهيم قبل معرفتها وتحديدها لا يمكن الاستدلال بها استدلالاً دقيقاً ومفيداً. فالوجود اطلق على الاشياء ، فهل هذا الاطلاق كان على معنى واحد أم معانٍ متعددة؟ ولا شك إن معناه "عرفاً ولغةً" واحد ، وغن الذي يفهم من جملة (زيد موجود) هو نفس ما يفهم من جملة (المَلَك موجود) و(النفس موجودة) و(العقل موجود) لكن لا ربط بين وحدة الوجود المفهومية ، وبين وحدة الوجود الحقيقية. فمفهوم الوجود واحد إلا أن كنه الموجودات وحقيقتها قد تكون واحدة وقد تكون متعددة وهذه مسالة اخرى. فبناءاً على رأي المشائين والمتكلمين: إن مفهوم الوجود واحد حيث انه منتزع من مصاديق متعددة ، وهو مفهوم اعتباري ، وأنْ كان ما يصدق عليه مختلف في الكنه والحقيقة إلا أنها مشتركة في صدق المفهوم الواحد. فالصحيح في هذا الباب أن نقول: إنَّ مفهوم الوجود واحد ، إنه مشترك بين الاشياء مفهوماً ، واما أن حقيقة الاشياء "لأنها تشترك بأسم واحد" واحدة فهذه مغالطة ، ولا دليل عليها ، كما لا يوجد في الاطلاق العرفي واللغوي تسمية حقائق الاشياء بالوجود"[56].

ومن جهة اخرى نجد انه بالاضافة الى المدرسة الكلامية الشيعية فإنَّه من خلال المنظور الفلسفي المشّائي (مدرسة ابن سينا وغيره) لا يصح القول بان للوجود حقيقة واحدة ، وهو أيضاً بخلاف ما ادعته مدرسة الحكمة المتعالية التابعة لتراث ابن عربي.

وقال الشيخ حيدر الوكيل وهو يجمع بين الانتصار للفكر العقائدي (حيث ان الاشتراك لفظي من حيث المصداق) وبين البيان الفلسفي (حيث الاشتراك معنوي) من وجهة نظره لهذه القضية الشائكة – حيث يوجد مفكرون آخرون يرون الاشتراك اللفظي من الناحية الفلسفية أيضاً - فيقول: (الوجود ان اخذناه كسائر الصفات الالهية المقدسة فمن الضروري القول بالاشتراك اللفظي ، ولكننا نقول ان الوجود هو تحصل الشي ومقابله عدم التحصل والتحقق فكيف يكون الواجب خارجا عن هذه القسمة ؟! ولعل الى هذا البيان اشارت الرواية عن ابي عبد الله ع "هو الله الثابت الموجود" توحيد الصدوق ص102 وغيرها)[57]. ويقول ايضاً حول الاشتراك اللفظي والمعنوي لمفهوم الوجود: (الاشتراك المعنوي او اللفظي لكل منهما قائل ولكن الظاهر ان النزاع لفظي ، فالوجود بمعنی التحقق الخارجي هو معنوي اذ من الواضح ان الواجب والممكن اشياء خارجية ، وان اريد من الوجود الواجبي ما يكون دخيلا في الذات لا مجرد تحققها فهو يختلف جزما عن الوجود الامكاني العارض علی الذات ، وللشيخ الميلاني بيان آخر فالوجود القابل للعدم يختلف عن الوجود الابي له. فوحدة الوجود مفهوماً لا اشكال فيها علی البيان الذي بينته سابقاً ، ولكن ليس الكلام في وحدة مفهوم الوجود بل مصداقه وهي ترجع الی وحدة الوجود والموجود مهما حاولوا ايجاد الفرق. مثلاً دعواهم الوحدة التشكيكية عجيب اذ مع بساطة الوجود واصالته كيف تتحقق المراتب !)[58].

ونقول: ان هذه النقطة تكشف عن ضعف في الفلسفة نفسها حينما تقيس المخلوق على الخالق جلَّ وعلا. فهي تنظر للوجود على انه تحصل الشيء بينما هذا التحصل للوجود لا يتمكن ان يجمع جميع اطرافه (الواجب والممكن) وهذا ما يكشفه لنا قوله تعالى: (( ليس كمثله شيء )) الذي نستفيد منه ان وجود الواجب ليس كوجود الممكن. فالفلسفة البشرية تقف مكتوفة الايدي على اعتاب الخالق تبارك وتعالى. ونحن هنا نتحدث من حيث المصداق.

إنَّ قولنا ان الله سبحانه موجود هو تعبير مجازي كقولنا عنه انه سميع بصير ، فحقيقة سمعه وبصره ووجوده لا ندرك كنهها. فالله تعالى هو خالق الوجود ، لا شبيه له ، ليس كمثله شيء ، ولو كان الوجود حقيقة واحدة وتحصل واحد فكيف يكون الوجود المخلوق هو نفس الوجود القديم !! وكيف يمكن ان يُعدم وجودنا فيما لا يمكن على الاطلاق ان يعدم وجود القديم تبارك وتعالى !؟ فمن هذا يتبين ان الوجود ليس حقيقة واحدة ولا تحصل واحد بين الواجب والممكن.

ان الله تبارك وتعالى اعظم من ان يكون موجوداً فقط ، بل هو كما في الرواية الشريفة في الكافي: (هو الله الثابت الموجود). فالثابت الموجود ربما تعني انه لا نقيض له ، أي ان العدم ليس نقيضاً لوجود الواجب بخلاف كونه نقيضاً لوجود الممكن. فالوجود حقيقتان وتحصلان. ولا صحة لفلسفتهم المتهالكة القائلة بوحدة الوجود. وهذا يثبت تهافت الفلسفة امام عظمة الله تبارك وتعالى ، الفلسفة التي يمكنها ان تعبر فقط عن الفكر البشري والموجودات الممكنة الوجود أي التي خلقها الله سبحانه. اما ما يخص الخالق جلَّ وعلا فلا تتمكن الفلسفة البشرية من ادراك كنهه تبارك وتعالى.

وفي رواية الكافي عن الامام الصادق (عليه السلام): (وكيف أصف ربي بالكيف والكيف مخلوق والله لا يوصف بخلقه)[59]. ويعلق علي أكبر الغفاري على كلمة (الكيف) نقلاً عن مرآة العقول للعلامة المجلسي (رض) بقوله: (أي بصفة زائدة على ذاته وكل ما يغاير ذاته فهو مخلوق والله لا يوصف بخلقه لأنه لا يجوز حلول غيره فيه لأنه يوجب استكماله بغيره وكونه في مرتبة ايجاده ناقصاً. وأيضاً لا يتحقق الحلول الا بقوة في المحل وفعلية بالحال وهو سبحانه لا يصح عليه قوة الوجود لأن قوة الوجود عدم وهو بريء في ذاته من كل وجه من العدم)[60].

وذهب الشيخ شريعتمدار (توفي 1263هـ) الى "أنّ الحق تعدد الوجود بمعنى أن الوجود على أقسام منها: الوجود المطلق ، ومنها: الوجود المقيّد الممكن ، ومنها: الوجود الحق الواجبي. وبعبارة اخرى: الوجود وجود عام ووجود خاص واجبي ، ووجود خاص ممكني بالبرهان العقلي والنقلي والوجدان والعيان ، بمعنى أن الوجود الواجبي منشأ للوجود العلمي الممكني وهو منشا للوجود العيني الممكني الذي هو من آثار الوجود الواجبي سواء كان على وجه الابداع غير المسبوق بالمادة والمدّة كالسماوات أو الصنع المسبوق بالمدّة دون المادة ، كالعناصر أو التكوين المسبوق بهما ، كالمواليد المركّبات أو نحو ذلك ، كما يستفاد من النقل ، خلافاً لما ذهب اليه جماعة من الصوفية الذين يسمون انفسهم بالعرفاء. بيان ذلك انّ التحقيق أنّ الصوفية على سبع فِرَقٍ بعدد أبواب جهنّم ، فإنها أيضاً سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم ، ومن زاد على هذه السبعة فهو مَن جعل قسم القسم قسماً ، وعدّد الشعب من الاقسام ، لما لا يخفى"[61].

فحتى على فرض صحة المبنى القائل بأصالة الوجود فهذا لا يستلزم صحة مذهب ابن عربي والحكمة المتعالية في وحدة الوجود بإعتبار ان الوجود حقيقة واحدة مشككة ، بل هناك من القائلين بأصالة الوجود كإبن سينا والمشائيين من يذهب الى ان الوجود حقائق متباينة – وقد ذكرناه آنفاً - وهو ما يتعارض مع وحدة الوجود ، فتقف الفلسفة المشائية بالضد من تراث ابن عربي ومتبنيات الحكمة المتعالية.

وفي إطار رفض الملازمة غير الموضوعية بين مفهوم الوجود ومصداقه ، فعلى فرض ان مفهوم الوجود واحد فلا ملازمة تجعل مفهوم الوجود الواحد يتحول الى حقيقة واحدة ، وفي هذا السياق يقول الشيخ ماجد الكاظمي: (واذا كانت حقيقة الوجود واحدة فمعناه ان حقيقة الانسان والشجر والبقر والمَلَك والخالق "استغفر الله" واحدة فلا فرق بين النبي والكافر ، والخالق والمخلوق ، والشيطان والانسان و... بل كلها شيء واحد وهو مما تضحك منه الثكلى)[62].

 

هل هناك وجود لا ماهية له:

يقول العلامة الحلي (رض) عن وجود الله تبارك وتعالى: "ان وجوده نفس حقيقته"[63]. وقال: "فإذن لا ماهية لواجب الوجود إلا انه واجب الوجود"[64].

هناك من يذهب الى ان الله تبارك وتعال وجود ليس له ماهية ، فيقال "ان الوجود الذي لا ماهية له هو الوجود الواجب , اما الوجود الممكن فله ماهية وذلك لانهم قالوا ان الماهية هي "حد الوجود" فالممكن محدود فله ماهية . فاذا امكن تعريف الوجود الممكن عُرف الوجود الواجب لان بينهما اشتراكا معنويا في الوجود , والمصنف – اي السيد الطباطبائي في بداية الحكمة - ادعى وحدة معنى الوجود في الواجب والممكن والا لزم التعطيل"[65].

وفي نفس الاطار يقول الفيلسوف المشّائي المير داماد: (إذ الحدّ لشيء هو الصورة المساوية لذاته ، وكلُّ ما يُصوف بحدّ لا بدّ أن يكون له ماهية كُلّية مركبة من جنس وفصل ، والحق تعالى بسيط الحقيقة ، وجوده عين ذاته بلا ماهيّة ، فلا حد له ، كما لا برهان عليه)[66].

إذن يمكن تمييز وجود الخالق جلَّ وعلا عن وجود المخلوق بحسب رؤيتهم الفلسفية تلك بالتالي:

1.    وجود الخالق لا حد له بخلاف وجود المخلوق الذي حدّه الماهية. وهو امر يتفقون به مع علماء الكلام.

2.    وجود الخالق لا ماهية له بخلاف وجود المخلوق. وهو امر مختلف فيه.

حيث ان هناك من المعاصرين من يذهبون الى ان لله تعالى ماهية ، فحين يكون السؤال: (ماهو؟) يمكن ان يكون الجواب: هو الله ، هو الخالق ، هو الباريء. فله ماهية ، وماهيته هي غير محدودة كوجوده غير المحدود. وتكون ماهيته عين وجوده وعين ذاته المقدسة كما هي صفاته الذاتية. واذا كانت ماهيته تعالى عين وجوده بطل بذلك قول الفلاسفة بوحدة الوجود لأنه مستند الى ان وجود الممكنات هو نفس وجود الواجب تعالى ، فإذا ثبت ان وجوده تعالى هو عين ماهيته فلا يمكن القول بأن ماهية الممكنات هي نفس ماهية الله تعالى شأنه لأن الواقع يكذب ذلك فإن لكل ممكن ماهية مختلفة عن ماهية الآخر.

يقول الشيخ عبد الهادي الفضلي وهو يتحدث عن اصطلاح الوحدانية: (هي صفة من صفات الله تعالى ، معناها: ان يمتنع ان يشاركه شيء في ماهيته وصفات كماله ، وانه منفرد بالايجاد والتدبير العام بلا واسطة ولا معالجة ولا مؤثر سواه في أثرها عموماً)[67]. فصّرح بوجود ماهيّة له تعالى شأنه.

ويؤيد القول بوجود ماهية له سبحانه الحديث في الكافي والمروي عن الامام جعفر الصادق (عليه السلام) انه: (قال له السائل: " فله إنية ومائية؟ " قال: " نعم لا يثبت الشئ إلا بإنية ومائية ")[68]. قال الشيخ الكليني: (أقول ليس المقصود بالانية والمائية في المقام ما اصطلحنا عليه في علم المعقول المطلق على جميع الممكنات في قولنا " كل ممكن زوج تركيبي " بل اللازم بقرينة المعاني المذكورة المثبتة لبساطته وعدم معلوليته جل وعلا أن يراد بهما الحقيقة والوجود ولكن لا بمعنى الماهية المنتزعة عن الجنس والفصل المستلزمين للتركب ونسبتهما أي نسبة الانية والمائية في المقام إليه تعالى نظير نسبة الصفات الذاتية إلى الذات في كونهما مشيرين إلى حقيقة واحدة كما ذكر)[69]. وقال العلامة المجلسي : (واعلم ان للماهية معنيين: أحدهما ما بإزاء الوجود كما يقال وجود الممكن زائد على مهيته والمهية بهذا المعنى مما يعرضه العموم والاشتراك فليست له تعالى مهية بهذا المعنى ، وثانيهما ما به الشيء هو هو  ، وهذا يصح له)[70]. وهو مماثل لما ذهب اليه ملا صدرا في شرحه (العرفاني- الفلسفي) للكافي[71].

وقال ابن ميثم البحراني: (ماهيّة الله تعالى مخالفة لسائر الماهيات لعين ذاتها المخصوصة) ، (ان ماهيته تعالى نفس وجوده ولا شيء من ماهيات الممكنات كذلك ، فماهية الله تعالى غير مشاركة لشيء من ماهيات الممكنات في حقيقتها)[72].

ويقول المولى الشيخ محمد صالح المازندراني ، وهو من اهل العرفان (وإنْ كان من غير اتباع ملا صدرا): (لا يقال فعلى هذا يقع المشابهة بينه وبين خلقه في الوجود المشترك بينهما لأنّا نقول: المراد بالوجود مبدء الآثار ومبدء الآثار فيه جلّ شأنه هو ذاته المقدّسة الحقّة الاحديّة المنزَّهة عن التكثّر والتعدّد مطلقاً  وفي الخلق أمر زايد على ذواتهم عارض لها موجب لحصولها في الاعيان وهو الذي يعبّر عنه بكونهم في الخارج سواء كان متحققاً فيه أو أمر اعتبارياً محضاً منتزعاً من المهيفات على اختلاف القولين – اي اصالة الوجود واصالة الماهية – فعلى هذا لا تشارك بينه وبين خلقه في الوجود إلا بإعتبار الاسم كما في العالم والقادر وسائر الاسماء المشتركة لا يقال: هذا لا ينفع لوقوع التشابه حينئذِ بينه وبين وجود الاشياء في كون كل منهما مبدء الآثار لأنّا نقول: هو مبدء الآثار بحيث لا يحتاج في صدورها إلى غيره اصلاً ووجودات الاشياء في المبدئيّة لآثارها تحتاج الى غيرها من جهات شتّى كما لا يخفى ، فلا تشارك في المبدء أيضاً إلا بإعتبار الاسم ، لا يقال: ما ذكرته من أنّ وجوده عين ذاته مناف لقوله (عليه السلام) : "نعم" أي نعم فله إنيّة ومائيّة لأنه يفيد أن وجوده مغاير لذاته ، لأنّا نقول: المراد بالمغايرة الاعتبارية فإنّه ذات من حيث هو ووجود من حيث أنّه مبدء كما أنّه ذات وقدرة وعلم بإعتبار الحيثيّات ولا يوجب ذلك التكثّر في الذات وإنّما التكثّر في الامور الخارجة عنها ، وقد يقال: المراد بإنيّة الواجب وإنيّة الممكن الامر المنتزع من الحقيقة العينية الذي يعبّر عنها بحصولها في الاعيان وهذا الامر المنتزع مغاير لجميع الحقايقالعينيّة حتى لحقيقة الواجب أيضاً ولا يلزم ان يكون للواجب صفة زايدة عن ذاته لأن هذا المنتزع أمر اعتباري لا تحقق له في الخارج)[73].

ونجد الميرزا الشيخ ابو الحسن الشعراني (1320-1393)هـ ، وهو من اهل الفلسفة والعرفان، وله ترجمة وشرح لمنظومة السبزواري باللغة الفارسية ، يقول: (قوله "لا يثبت الشيء إلا بإنيّة ومائية" لا ينافي ما يقال من ان وجوده عين ماهيته)[74]، وهذا مؤشر واضح على تهافت فلسفة وحدة الوجود. فالشيخ المازندراني والميرزا الشعراني يذهبون للقول ان وجوده سبحانه هو عين ماهيته وذلك يعني تهافت قولهم بوحدة الوجود؟ باعتبار اذا كان الوجود واحد في الواجب والممكن، وفي الواجب هو عين ماهيته ، فتكون ماهيات الممكنات كلها هي عين وجود الواجب، وهذا يعني وحدة الماهية بين الممكنات والواجب، بمعنى ان الممكنات جميعها هي الله تعالى، وهذه سفسطة مؤكدة !!

قال العلامة الحلي في شرحه لتجريد الاعتقاد: (واعلم ان الناس اختلفوا في ان الوجود هل هو نفس الماهيّة أو زائد عليها؟ فقال ابو الحسن الاشعري[75] وابو الحسين البصري وجماعة تبعوهما: إن وجود كل ماهية نفس تلك الماهية. وقال جماعة من المتكلمين والحكماء: إن وجود كل ماهية مغاير لها إلا واجب الوجود تعالى فإن اكثر الحكماء قالوا: إن وجوده نفس حقيقته)[76].

وقال الشيخ احمد الاحسائي رداً على ملا صدرا: (وقول المصنف – اي ملا صدرا – تبعاً لغيره: "إلا ان الواجب لا ماهية له" ، غلط ، لأنه شيء بحقيقة الشيئية ، والشيئية هي الماهية ، وفي الادعية: "يا من لا يعلم ما هو إلا هو" فقد اثبت الماهية إلا أن وجوده تعالى ليس على نمط وجود الحادث ، لأن وجود الحادث لا يجد نفسه ولا يجد غيره لنفسه ، وإنما يجده نوراً لغيره وهو حقيقة الشيء من جهة فعل ربّه ، والماهية حقيقته من جهة نفسه) الى أن يقول: (فالواجب تعالى ماهيّته وجوده ووجوده ماهيّته ، لا أنه لا ماهية له ، إذ كل من لا ماهية له لا شيئية له فافهم)[77].

وهناك رواية رواها الشهيد الفتال النيسابوري (توفي 508هـ) بدون ذكر سند لها او مصدر ، فقط قال: (وروي عن امير المؤمنين (عليه السلام) قال له رجل أين المعبود؟ فقال لا يقال له أين لأنه أين الأينية ، ولا يقال له كيف لأنه كيّف الكيفية ، ولا يقال له ما هو لأنه خلق الماهية ، سبحانه من عظيم تاهت الفطن في تيار أمواج عظمته وحصرت الألباب عن ذكر أزليته وتحيّرت العقول في أفلاك ملكوته)[78]. وهي رواية غير ناهضة سنداً. اما من حيث معناها فقد تقدم معنى الماهية التي يمكن نسبتها اليه سبحانه والتي هي عين وجوده تبارك وتعالى.

ومن المعاصرين الذين ذهبوا الى القول بان لله تعالى ماهية السيد محمد باقر الحكيم في حوزة النجف الاشرف والسيد حسين شمس الخراساني في حوزة قم المقدسة[79].

 

وحدة الوجود والموجود:

وقف العرفاء المؤمنون بوحدة الوجود والموجودات، يقولون: إنّ الوجود أمرٌ واحد وشخصي ، ومن هنا يصبح تقسيم الوجود إلى تام وناقص أو واجب وممكن، أمرٌ لا معنى له ؛ لأنّه لا شيء غير الوجود ؛ ولذلك فجميع الموجودات وظواهر عالم الوجود هي تجلّيات وانعكاسات لذلك الوجود الواحد، بمعنى آخر: كل ما في الكون وحدة محضة، ولا توجد أي علاقة ثنائية بين الموجودات وظواهر العالم. وتنسب هذه النظرية العرفانية إلى ابن عربي ، وهو القائل في فصوصه أنّ وجود الحقّ هو وجود مطلق، وقد أخذ القونوي هذه الفكرة في مفتاح الغيب وطوّرها بقوله: إنّما الوجود هو لله وأسمائه وصفاته وكمالاته، وأنّ عالم الخلق أمرٌ اعتباري لا غير. يصف السبزواري في أسرار الحكم هذه المدرسة بقوله: "الطريق الثاني في التوحيد هي طريقة معظم العرفاء القائلين بوحدة الوجود.. وكذلك وحدة الموجودات، والذين لا يرون للوجود مراتب، ويؤكّدون على أن لا وجود في الواقع إلا وجود الله، وما الكثرة إلا وهم وخيال". ويقول العلامة الشعراني في تعليقته، في إشارة لهذا القول: مراد المؤلف هو طريقة المتوسّطين من المتصوفة، وإلاّ فالعرفاء الأجلاء يقولون بمراتب الوجود وبالكثرة في الوحدة. ينظر العرفاء إلى حقيقة الوجود على أنّها واحدة متفرّدة، وجوهر هذه الحقيقة حصرٌ في الله، بينما جميع الممكنات والخلائق تجلّيات وظهورات لذلك الجوهر الواحد ولتلك الحقيقة المتفرّدة. وهذه الشمولية هي موضع اتفاق مشاهير العرفاء من أمثال ابن عربي، إلى درجة تصير معها عبادة الأصنام وباقي الأجسام في المحصّلة النهائية مظهراً ورمزاً لعبادة الحقّ، ذلك أنّه لمّا كانت ظواهر العالم مجالي ومرايا للحقّ تعالى، فالصنم أيضاً ـ شأنه شأن المظاهر كافّة ـ لا يملك حقيقةً لذاته، بل هو مظهرٌ من مظاهر الوجود، وفي هذا المعنى ينشد العارف محمود الشبستري أبياتاً شعرية رائعة راجعها إن شئت. وهذا بالذات ما جعل المتصوّفة في مرمى سهام القدح والطعن من قبل أهل الشريعة. يذكر المرحوم الآملي صاحب التعليقات على منظومة السبزواري ما يلي: وحدة الوجود والموجودات هو مذهب المتصوّفة، وهم في هذا على طائفتين: طائفة تقول بوجود حقيقة واحدة فقط في عالم خارج الذهن مطابقة لمفهوم الوجود، وأنّ سائر المراتب وهمٌ وخيال. وطائفة أخرى في الصوفية ترى أنّ للحقيقة وجوداً مجرّداً ومستقلاً عن المجالي والصور المتعدّدة للظواهر، ولكنّ الوجود ـ بوصفه حقيقةً جامعة ـ واجبٌ، سواء أكان في مرتبة التجرّد عن المجالي أو في غيرها، وهذه المرتبة في جميع الموجودات هي ذلك الوجود الواحد[80].

ويتحدث الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء عن "وحدة الوجود والموجود" بقوله: "فإن المعقول في باديء النظر وحدة الوجود ، وتعدد الموجود المتحصل من الحدود والقيود والتعينات ، ولكن الذي طفح وطغى في كلمات العرفاء الشامخين ومشايخ الصوفية السالكين والواصلين هو وحدة الوجود ووحدة الموجود أيضاً ، وكانت هذه الكلمة العصماء يلوح بها أكابر العرفاء والأساطين في القرون الاولى كالجنيد والشبلي وابا يزيد البسطامي ومعروف الكرخي وامثالهم حتى وصلت الى الحلّاج وأقرانه الى ان نبغ في القرون الوسطى محي الدين العربي وتلميذاه القونوي والقيصري فجعلوها فناً من الفنون والمؤلفات الضخام كالفتوحات المكية وغيرها ، والمتون المختصرة كالفصوص والنصوص التي شرحها ونقحها صدر الدين القونوي ، وانتشرت ، وعند عرفاء القرون الوسطى من العبر كابن الفارض وابن عفيف التلمساني وغيرهما ، ومن الفرس كثير لا يحصى عددهم كالعطار والهاتف والجامي وأضرابهم وأحسن من أبدع فيها نظماً العارف التبريزي الشبستري في كتابه المعروف (كلشن راز) وخلاصة هذه النظرية ان تلك الطائفة لما أرادوا ان يبالغوا ويبلغوا أقصى مراتب التوحيد الذي ما عليه من مزيد ، وأن لا يجعلوا للحق شريكاً لا في الربوبية كما هو المعروف عند أرباب الأديان بل نفوا الشريك له حتى في الوجود فقالوا لا موجود سوى الحق ، وهذه الكائنات من المجردات والماديات من أرضين وسماوات ، وما فيها من الافلاك والانسان والحيوان والنبات بل العوالم بأجمعها كلها تطوراته وظهوراته وليس في الدار غيره ديار ، وكل ما نراه أو نحس به او نتعقله لا وجود له ، وانما الوجود والموجود هو الحق جل شأنه ، ونحن اعدام وليس وجودنا إلا وجوده"... الى ان يقول: "وقد تفنن هؤلاء العرفاء في تقريب هذه النظرية الى الاذهان وسبحوا سبحاً طويلاً في بحر هذا الخيال ، وضربوا له الأمثال (فصوروه) تارة بالبحر وهذه العوالم والكائنات كأمواج البحر فإنها ليست غير البحر وتطوراته ، وليس الأمواج شيء سوى البحر فإذا تحرك ظهرت ، وإذا سكن عدمت واندحرت ، وهو معنى الفناء المشار اليه بقوله تعالى: [كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ] يفنى وجه الممكن ويبقى وجه الواجب"... "ومن هذا القبيل التمثيل بالشعلة الجوّالة التي ترسم دائرة نارية من سرعة حركتها وليست هي إلا تلك الشعلة الصغيرة" ... "والوجود واحد والموجود واحد له ظهورات وتطورات ، يترآئى انها كثرت وليست إلا الذات ومظاهر الاسماء والصفات وشؤون الجمال والجلال والقهر واللطف ، وقد رفع الكثير منهم حجب الاستار عن هذه الاسرار حتى ان محي الدين العربي عبّر عن كل هذا بتغيير كلمة في البيت المشهور: (وفي كل شيء له آية * تدل على أنه واحد) فقال: (تدل على انه عينه) ثم تحامل وتقحم الى ما هو أصرح وأعظم حيث قال:

سبحان من حجب ناسوته * نور سنا لاهوته الثاقب

ثم بدا في خلقه بارزاً * بصورة الآكل والشارب"

... الى ان يقول: "لأن الوجود لا يقبل العدم وهو منافر له وضد له بطبيعته ، مع غننا نراها بالعيان توجد وتعدم وتظهر وتفنى فلا محيص من الالتزام بأنها غير موجودة وليس الموجود إلا وجود واجب الوجود الزلي الحق الذي يستحيل عليه العدم بطبيعة ذاته المقدسة وكل ما نراه من هذه الكائنات التي نحسبها بالوهم موجودة هي اطواره ومظاهره يفيضها ويقبضها يبقيها ويفنيها وياخذها ويعطيها وهو المانع والمعطي والقابض والباسط وهو على كل شيء قدير وكل شيء هالك الا وجهه ، وكل الاشياء تجلياته وظهوراته وإشراقاته وأنواره وكل الكائنات والممكنات كلها مضافة إليه بالإضافة الاشراقية لا المقولية أطرافها اثنان لا ثلاثة وسواء قلنا بأن هذا البرهان صخرة صماء لا تمسه أظافر الخدشة أو ان للمناقشة فيه مجال فهو برهان منطقي على أصول الحكمة والمنطق هذا عدا ما يدعونه من الشهود والمكاشفة والعيان الذي هو اسمى من الدليل والبرهان" ... "ومع هذا كله فإن علماء الظاهر وأمناء الشرع يقولون ان سالك هذا الطريق كافر زنديق وهذه الطريقة أعني وحدة الوجود والموجود عندهم زندقة والحاد ، تضاد عامة الشرائع والاديان مهما قام عليها الدليل والبرهان ، إذ حينئذٍ اين الرب والمربوب ، أين الخالق والمخلوق ، وما معنى الشرائع والتكاليف ، وما هو الثواب والعقاب ، وما الجنة والنار ، وما المؤمن والكافر ، والشقي والسعيد ، الى آخر ما هنالك من المحاذير واللوازم الفاسدة ، ولعل هذا هو مدرك ما ذكره السيد الاستاذ (رض) في العروة الوثقى ما نصه: (القائلين بوحدة الوجود من الصوفية إذا التزموا بأحكام الاسلام فالأقوى عدم نجاستهم) وإذا أحطت خبراً بما ذكرنا تعرف ما في هذا وامثاله من كلمات الفقهاء رضوان الله عليهم ، وإني لا أرى من العدل والأنصاف ، ولا من الورع والسداد ، المبادرة الى تكفير من يريد المبالغة في التوحيد وعدم جعل الشريك لله تعالى في كل كمال والكمال والوجود كله لله وحده لا شريك له ، ومع ذلك فهم يؤمنون بالشرائع والنبوات والحساب والعقاب والثواب والتكاليف بأجمعها على ظواهرها فالحقيقة لا تصح عندهم ولا تنفع بدون الطريقة والطريقة لا تجدي بدون الشريعة والشريعة هي الأساس وبها يتوصل ملازم العبادة ، الى اقصى منازل السعادة وعندهم في هذه المسائل مراحل منازل وتحقيقات انيقة وتطبيقات رشيقة ومعارج يرتقي السالك بها الى اسمى المناهج ومؤلفات مختصرة ومطولة فوق حد الاحصاء نظماً ونثراً وأذكار سراص وجهراً ورياضات ومجاهدات لتهذيب النفس وتصفيتها كي تستعد للحوق بالمل الاعلى والمبدأ الاول وهناك من البهجة والمسرة والجمال والجلال ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وههنا اسرار عميقة ومباحث دقيقة لا تحيط بها العبارة ولا تدركها الاشارة فلنتركها لأهلها ، ونساله تعالى ان يفيض علينا من فضله بفضلها ، نعم لا ريب ان كل طائفة اندس فيها من ليس من اهلها من الدخلاء ، وأهل الأهواء حتى يكاد ان يغلبوا على اربابها الاصحاء ، فلا ينبغي ضرب الجميع بسهم واحد واخذهم أو نبذهم على سواء كما ان بعض المتطرفين المتوغلين في الغرام والهيام والشوق الى ذلك المقام الاسمى قد توقدت شعلة المعرفة في قلوبهم فلم يستطيعوا ضبط عقولهم وألسنتهم فصدرت منهم شطحات لا تليق بمقام العبودية مثل قول بعضهم (أنا الحق) (وما في جبتي إلا الحق) وأعظم منها في الجرأة والغلظ والشطط قول بعضهم (سبحاني ما أعظم شأني) وهذه الكلمات قد حملها الثابتون منهم على انها صدرت من البعض حالة المحو لا حالة الصحو ، وفي مقام الفناء في الذات ، لا في مقام الاستقلال والثبات ، ولو صدرت في غير هذه الحال لكانت كفراً ، على ان المنقول عن الحلاج انه قال للذين اجتمعوا على قتله اقتلوني فأن دمي لكم مباح لأني قد تجاوزت الحدود ومن تجاوز الحدود (اقيمت عليه الحدود) ولكن العارف الشبستري التمس العذر لهذه الشطحات وجملها على احسن وجه حيث قال:

انا الحق كشف ان اسرار مطلق * بجز حق كيست تاويد انا الحق

روا باشد أنا الحق از درختي * جرا نبود روا از نيك بختي

 

يقول من ذا يستطيع ان يقول أنا الحق وإذا صح وحسن من الشجرة ان تقول أنا الله فلماذا لا يحسن ذلك من العارف الحسن الحظ وحقاً أقول انَّ من أجال فكره وأمعن النظر في جملة من آيات القرآن العزيز زكلمات النبي والأئمة المعصومين (عليهم السلام) وأدعيتهم وأورادهم سيجد في الكثير منها الإشارة الى تلك النظرية العبقرية ، وقد شاعت كلمة رسول الله (ص) وهي قوله (سلام الله عليه): (أصدق كلمة قالها شاعر قول لبيد): (الا كل شيء ما خلا الله باطل) وقد تضمنت هذه الكلمة في طياتها كل ما قاله العرفاء الشامخون من ان الاشياء اعدام إذ ليس الباطل إلا العدم وليس الحق إلا الوجود فالأشياء كلها باطلة وأعدام وليس الحي والموجود إلا واجب الوجود وهذا كل ما يقوله ويعترض أولئك القوم أفاض الله سبحانه هذه الكلمة على لسان ذلك الشاعر العربي الذي عاش اكثر عمره في الجاهلية وأدرك في أخريات حياته شرف الاسلام فأسلم وقد صدق تلك الجوهرة الثمينة الصادق الامين ومثلها كلمة ولده صادق أهل البيت صلوات الله عليه (العبودية جوهرة كنهها الربوبية) بل لو امعنت النظر في جملة من مفردات القرآن المجيد تجدها وافية بذلك الغرض واضحة جلية مثل قوله تعالى: [كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ] و[كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ] فان المشتق حقيقة فيمن تلبس بالمبدأ حالاً فكل شيء فان وهالك حالاً لا انه سوف يهلك ويفنى"[81].

وقد نقلنا هذا النص بطوله لأهميته لأنه يكشف عن جانب من فكر الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء ، ذلك الجانب الخفي على الكثير من المؤمنين ، أي جانب اعتقاده لعقيدة وحدة الوجود والموجود ، وكذلك ليتبين للقاريء الكريم الارتباط الوثيق بين مدرسة الحكمة المتعالية وبين التصوّف والصوفية ولاسيما ابن عربي وتراثه.

ولو اردنا تتبع الرد على كل ما ذكره الشيخ في هذا النص الذي نقلنا لطال بنا المقام. ولكن ننبه الى ما ذكرناه في موضع آخر من بحثنا هذا من ان اتباع الحكمة المتعالية والشيخ محمد حسين آل كاشف غطاء منهم ، يعتبرون ان مفهوم ومصداق وجود الله سبحانه وتعالى كمفهوم ومصداق وجود مخلوقاته مع انه تعالى قد قال باللفظ العربي الصريح في سورة الشورى: ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)) فلا هو كسائر الموجودات ، ولا وجوده كوجود المخلوقات من حيث المصداق. وهذه الاية الكريمة تفند كل نظرية وحدة الوجود والموجود.

كما ان استشهاده بشعر لبيد (الا كل شيء ما خلا الله باطل) لم يكن في صالحه في (نظرية وحدة الوجود والموجود) بل هو ضد عقيدته ، فلو كان كل شيء باطل من المخلوقات فكيف يدّعي وحدته مع الحق بنظريتهم البائسة (وحدة الوجود والموجود) !! فالله سبحانه هو الحق ، وهو موجود ومتوحد مع سائر الموجودات التي يدّعي في الشعر انها باطل ، في وحدة واحدة بحسب مزاعمهم ، فكيف تكون تلك الموجودات باطلة !!

ومن جهة اخرى فإن هذا البيت الشعري ايضاً شيء من الاشياء فهل يكون باطلاً أيضاً !! وفي هذا الاطار يقول الشريف المرتضى (رض) بعد ذكره شعر لبيد آنف الذكر: "ولم يرد أن الحق باطل ولا أن شعره هذا الذي قاله باطل ، وقد قال كل شيء وإنما اراد بعض الأشياء ، ويقول القائل (دخلنا السوق فاشترينا كل شيء ورأينا كل شيء حسن) وإنما أراد كل شيء مما اشتروا ، وكل شيء مما رأوا ، وكذا ((خالق كل شيء)) مما خلقه لا مما فعله عباده لأنه لا يجوز أن يفعل العباد خلق رب العالمين"[82].

واما الحديث الذي نسبه للامام الصادق (صلوات الله عليه) على انه قال: (العبودية جوهرة كنهها الربوبية) فهو مروي في كتاب مصباح الشريعة ، وقد بيّنا في الفصل الرابع في بحثنا هذا عدم صحة نسبة هذا الكتاب للأمام الصادق (عليه السلام) وانه ربما كان من كلام شقيق البلخي الصوفي المشهور.

 

خلق ام صدور ام تجلي:

تحدث ابو العلا عفيفي في شرحه للفص العيسوي من فصوص الحكم لابن عربي ، عن فكر ابن عربي حول  تجلي الله سبحانه وتعالى في كل المخلوقات وليس في المسيح عيسى (عليه السلام) وحده ! فقال: "كذلك الحال في ظهور الحق في صورة عيسى فإنه لا يلزم منه أن تكون الالوهية التي هي صفة ذاتية للحق صفة لهذه الصورة الخاصة. أي أن تجلّي الحق في أية صورة من صور الوجود شيء وكونه عين هذه الصورة شيء آخر ، أو أن الالوهية ليست جزءاً من حد الصورة التي يتجلّى فيها الله ، كما أن النفخ ليس جزءاً من حد الصورة البشرية التي ظهر فيها جبريل. كان النفخ إذن من جبريل الروح لا من الصورة التي ظهر فيها ، ولهذا ينسب النفخ إليه لا إليها ، كما أنّ الالوهية تنسب الى الله لا الى الصورة التي يتجلى فيها"[83].

ويقول الشيخ حسن زادة آملي وهو من علماء الحكمة المتعالية: "المعلول هو المخلوق وقد اعتبر في الخلق التقدير فينبغي أن يفرق ويميز في هذا المقام بين اول ما صدر وبين اول ما خلق. أما الصادر الاول فهو نور مرشوش ورق منشور عليها جميع الكلمات النورية الخلقية من العقل الاول الى آخر الخلق. والبحث عن ذلك بالتفصيل والاستيفاء موكول الى محله ، ولعل ما في رسالتنا بالفارسية الموسومة بالوحدة في نظر الحكيم والعارف يجديك في المقام"[84].

وقال ابو العلاء عفيفي متحدثاً عن الفرضيات الفلسفية والعرفانية بشأن الصدور والتجلّي والاختلاف بين الفلاسفة والعرفاء : "يذهب الفلاسفة المسلمون الذين تأثروا بنظرية أفلوطين في الفيوضات الى ان اول ما فاض عن "الواحد" هو "العقل الفعال" ثم توالت الفيوضات بعد ذلك في نظام تنازلي حتى انتهى الامر بالعقل الفعال آخر العقول ومبدأ الحياة الناطقة في كل ما يحتوي عليه فلك ما تحت القمر. فالعقول البشرية في نظرهم ليست سوى تعينات أو صور للعقل الفعال: تهبط على الاجسام وتبقى بها زمناً محدوداً ، فإذا فارقتها رجعت الى اصلها واتصلت به. أما فلاسفة الصوفية فلم يصوروا المسألة هذا التصوير بالرغم من استعمالهم ألفاظ الفيض والصدور وما إليها. فمذهب ابن عربي على الاقل – وهو في مقدمة المذاهب الصوفية الفلسفية في الاسلام – يحمل طابع وحدة الوجود التي لا أرى انها تتفق تماماً مع نظرية الفيوضات الافلوطينية. نعم يستعمل كلمة الفيض وما يتصل بها من اصطلاحات ، وقد يذكر فيوضات افلوطين بأسمائها وعلى النحو الذي ذكره هذا الفيلسوف ، ولكن للفيض عنده معنى يختلف عن معنى اصحاب الافلاطونية الحديثة كما اشرنا الى ذلك من قبل. فالوجود فائض عن "الواحد" – على مذهبه – بمعنى أن "الواحد" متجلّ في صور أعيان الممكنات التي لا تتناهى: كان ذلك منذ الأزل وسيبقى كذلك على الدوام. لم يجد ابن عربي وأصحابه إذت حرجاً – كما وجد الفلاسفة المشاؤن من المسلمين – في القول بأن الكثرة قد صدرت عن الواحد بالمعنى الذي ذكرناه: أي أن الواحد قد ظهر بصور الاعيان المتكثرة في الوجود الخارجي. ولم يأخذ بالقاعدة التي أخذ بها المشّاؤن وجعلوها أساساً لمذهبهم ، وهي أن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد ، بل قال إن الواحد قد صدر عنه العقل الأول كما صدر عنه الأرواح المهيمة وأرواح الكاملين من الخلق كالأنبياء والأولياء ، بل وروح كل موجود (وليس في الوجود إلا ما له روح). بعبارة اخرى صدر عن الواحد الحق كل شيء لأنه حقيقة كل شيء والمتجلّي في كل شيء"[85].

 

الصادر الاول ، الصادر الوحيد ، الحقيقة المحمدية:

قاعدة (الواحد لا يصدر عنه إلا واحد)، "عُدّت هذه القاعدة من اُمهات الاصول العقلية، كما عبّر بذلك المير داماد في القبسات، بقوله: (من امهات الاصول العقلية أن الواحد بما هو واحد لا يصدر منه، من تلك الحيثية، إلا واحد)، بل اعتبرها البعض الأصل الأصيل كونها إحدى اهم القواعد الفلسفية، لأنها تلعب دوراً كبيراً في ظهور الكثير من الاصول والمسائل الفلسفية الأخرى ونتائجها، بحيث لو أدعى أحد ان معظم المسائل الفلسفية تترتب عليها بشكل مباشر او غير مباشر لما كان ادعاؤه جزافاً"[86]... واما عن تأريخ ظهور هذه القاعدة فيقول الشيخ حميد رمح الحلي:"مما لا شك فيه ان قاعدة (الواحد لا يصدر عنه إلا واحد) ذات منشأ يوناني، ولكن الخلاف واقع في نسبتها لأي واحد من الفيلسوفين اليونانيين القديمين إفلاطون وثامسطيوس أم الى الفيلسوف اليوناني ارسطو طاليس"[87].

فكرة الصادر الاول هي فكرة فلسفية قديمة افتراها الفلاسفة رجماً بالغيب – وتبعهم في ذلك مدرسة الحكمة المتعالية الشيعية التي اسسها "صدر المتألهين" (ملا صدرا) – ومفادها ان الله سبحانه لم يصدر عنه الا كائن واحد اطلقوا عليه اسم الصادر الاول أو العقل الاول أو الحقيقة المحمدية ، وانه تعالى شأنه لا يتمكن ان يصدر عنه كائن آخر ، ومن الصادر الاول تم خلق بقية الكائنات !! فنسبوا العجز الى الله تعالى ويتفلسفون في اثبات العجز له وحاشاه.

وممن تحدث عن الصادر الاول من المدرسة الافلاطونية الحديثة والتي ابرز رموزها الفيلسوف اليهودي فيلون الإسكندري (30ق.م- 50م) والفيلسوف المسيحي المصري افلوطين (205م-270م).

كان فيلون الاسكندري يرى أنَّ وعناية الله بالعلم ليست مباشرة ، ولكنها تتخذ وسطاء ،"فالله لا يستطيع أن يتصرف في العالم مباشرة ، وذلك لأن هذا سيتضمن الحط من شأنه بالهيولى ، وتحديد لا تناهيه، ولهذا توجد كائنات روحية وبسيطة تخلق العالم وتديره باعتبارها وراء الله".  وكذلك لا تبلغ النفس إلى الله إلا بوسطاء .والوسيط الأول هو "اللوغوس " أو الكلمة ابن الله نموذج العالم ، ويليه الحكمة فرجل الله أو آدم الأول ، فالملائكة ، فنفس الله ، وأخيرا القوات وهي كثيرة من ملائكة وجن نارية أو هوائية تنفذ الأوامر الإلهية. وكل هذه الوسائط واردة في اللوجوس الذي هو التفكير العقلاني الذي يحكم العالم، وعلاقة الله باللوجوس ، وعلاقة اللوجوس بالعالم هي علاقة فيض ، ولكن فكرة الفيض عنده ، بل وفكرة اللوجوس غير واضحة ،فهناك  في تفسيره "أقوال متعددة متباينة فاللوغوس تارة الوسيط الذي به خلق الله العالم ، كمايصنع الفنان بآلة ، والذي به نعرف الله ، والذي يشفع لنا عند الله ، وهو طورا ملاك الله الذي ظهر للآباء وأعلن إليهم أوامر الله ، على ما تذكر التوراة ، وهو مرة قانون العالم". "وتعتبر فكرة الفيض أو الكلمة logos هي أهم الجوانب التي أضافها فيلون ، تلك الفكرة التي قبلها كثير من فلاسفة المسلمين قبولا مصحوبا بالإعجاب"[88].

وكان أفلوطين يؤمن بأن الله واحد بسيط من كل وجه ، وأن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد ، وكان أفلوطين مشغولا بمشكلة فلسفية وهي كيف صدرت الكثرة عن الواحد البسيط؟ أو كيف وجدت هذه الموجودات المتكثرة عن الواحد ". فمذهب أفلوطين هو عبارة عن تسلسل مراتب الوجود ابتداء من المركز الأول ، وامتدادا حتى أكثر درجات الوجود تفرقا وتبددا .فهو يشرح سير موكب الوجود من الواحد تدريجيا حتى ينتهي إلى المادة التي تعد عنده أحط الموجودات مرتبة[89].

ولمعالجة اشكالية كيف ان الكثرة صدرت عن الواحد ، يقول "ابن رشد (ت 595هـ) الى أن الواحد الاول صدر عنه مباشرة وبلا واسطة جميع الموجودات المتغايرة ، ويعلل ابن رشد ذلك بأن الفاعل المطلق لا يصدر عنه الا فعل مطلق ، والفعل المطلق لا يختص بمفعول دون مفعول[90].

ورغم ان ابن عربي كان يرفض فرضية (الواحد لا يصدر منه الا واحد) وهو قول فلسفي لا عرفاني غنوصي، الا انه كان يرى ان "المفعول الابداعي الذي هو الحقيقة المحمدية عندنا والعقل الاول عند غيرنا وهو القلم الاعلى الذي أبدعه الله تعالى من غير شيء ، هو اعجز وامنع عن ادراك فاعله من كل مفعول تقدم ذكره"[91].

يقول الاستاذ يحيى محمد[92]: " وحول الاستدلال على قاعدة الصدور، يقال انه لو جاز صدور اكثر من واحد عن الواحد البسيط الحقيقي فانه يبعث على التناقض، اذ تعتبر الذات في المبدأ الحق علة واحدة لبساطتها، وهي لكونها علة واحدة فان لها جهة واحدة للعلية، وبالتالي فانه لا يمكن ان يصدر عنها معلولان، والا لتعددت الجهة واصبحت اثنتين وقد فرضناهما واحدة، فاذا كانت احدى الجهتين تمثل ذات المبدأ الحق فان الجهة الاخرى ستكون غيرها، فيحصل التناقض. لكن مع هذا فان الذين يجيزون صدور الكثير عن الواحد لا يعدون المبدأ الحق يحمل تلك البساطة المطلقة التي تخلو من جميع الاعتبارات والتعددات، الى الدرجة التي لا تكون فيها غير الجهة الواحدة التي تبرر صدور الواحد فقط. وبالتالي فان مشكلة الاستدلال على قاعدة الصدور تعتمد على كيفية فهمنا لخصوصية المبدأ الحق وماهية الوحدة فيه. يضاف الى ان هناك نقداً اخر وهو ان من الممكن الجواب على مقولة كون صدور الكثرة عن الواحد يقتضي كثرة الجهات فيه، بان يقال انه لو كان الصدور حقيقياً، وذلك باخراج الشيء من الامكان والعدم الى الفعل والوجود عبر الارادة، فان كثرة الجهات مما يقتضيه، لكنه لا يخلّ بوحدة الذات، فحال ذلك كحال الكثرة الصورية في الذات الواحدة. أما لو كان الصدور مجازياً، كالذي عليه الرؤية الفلسفية، وهو ان يكون الصادر لازماً قديماً بقدم مبدئه، فان كثرته جائزة مع وحدة الذات، اذ يصبح المبدأ الاول مع لوازمه المتعددة على غرار العلاقة الخاصة بالذات الاحدية مع الصفات الذاتية الموجودة بوجودها. وهو امر شبيه بالانسان النفساني على ما صرح به صدر المتألهين؛ فرغم ما له من ابصار وشم وذوق ولمس وسمع فان ذلك لا يقتضي التخالف في الجهات والاوضاع، فكيف الحال مع ذات الحق. لكن مع هذا فقد اضطر الفلاسفة الى اعتبار الصفات الذاتية بعضها عين البعض الاخر كي لا تتكثر اللوازم الموجودة بالوجود الواحد البسيط.. ومن ثم لجأوا الى تطبيق القاعدة على الصفات الاضافية الفعلية المعبر عنها بالصور المفارقة او العقول التي ليست هي من العالم ولا خارجة عن ذاته المقدسة، لانها تمثل صور اسمائه وكلماته التامات وصور علمه التفصيلي بما عداه ؛ القديمة بقدمه والثابتة من دون جعل وايجاد، باعتبارها من لوازمه الموجودة بوجوده البسيط ، وهي المعبر عنها بالخزائن في قوله تعالى: {وإن من شيء الا عندنا خزائنه} الحجر/12.27"[93].

وتحدث يحيى محمد من وجهة نظر عرفانية فقال: "قد ظهر لابن عربي تصورات مختلفة وعديدة ازاء موقفه من نظرية الصدور. فهو احياناً يستدل على خطأ التعميم القائل (الواحد لا يصدر عنه الا واحد) بدليل هندسي مفاده ان النقطة رغم انها تعد واحدة الا ان من الممكن ان ينشأ منها خطوط متعددة، فاذا كانت النقطة مفترضة في مركز الدائرة فان من الجائز ان يرسم عليها خطوط تنتهي الى نقط متعددة في المحيط، بحيث ان جميعها يقابل تلك النقطة وجهاً لوجه. والواقع انه يمكن انشاء ما لا نهاية له من الخطوط المنبعثة من نقطة المركز والتي تفضي الى رسم ما لا نهاية له من النقط على المحيط. لكن انما يصح ذلك باعتبار ان نقطة المركز لم تعد نقطة بسيطة، بل هي مركبة الى ما لا نهاية له من النقط الجزئية، وهو امر لا يتنافى مع قاعدة الصدور، مثلما اشار الى ذلك صدر المتألهين وهو في معرض ردّه على ذلك الاستدلال الذي نسبه الى بعض الأذكياء. وحيث رفض ابن عربي مفاد نظرية (الواحد لا يصدر عنه الا واحد) حاول ان يفسر علة الكثرة من خلال فكرة التثليث[94] التي اناط بها الايجاد والتنزيل. فالثلاثة عنده هي ابسط الكثرة ، او انها اول الافراد وعنها وجد العالم. فهي في الحضرة الالهية عبارة عن علم وعالم ومعلوم، وان هذه العلاقة الثلاثية اقتضت العلاقة بين الحق والاعيان الثابتة. فالواحد بمفرده لا ينتج، وكذا الاثنان لا ينتجان ما لم يقم بينهما حركة الجماع وهي الفردية، وبالتالي فبالاحدية ظهرت الاشياء عن الله الواحد من جميع الوجوه، فالموجود الذي صدر انما صدر بثلاثة اعتبارات، هي اصل النتائج كلها، وهي وجود الذات وكونها قادرة وكونها متوجهة. فبهذه الاعتبارات والوجوه ظهرت الاعيان"[95].

وقال ايضاً: "لا يختلف العرفاء كثيراً عن زملائهم الفلاسفة حول طبيعة التنزيل والصدور لدى المفارقات العلوية. فعندهم ان ما صدر عن المبدأ الحق انما هو جملة العالم بأسره دفعة واحدة، وهو المطلق عليه الوجود المنبسط العام، والذي يفيض على كل موجود من الموجودات الخاصة. لكن مع ذلك فان اول تعين لهذا الصدور ضمن الوجود المنبسط العام هو العقل الاول1. وعليه ذهب صدر المتألهين الى التوفيق بين المذهبين الفلسفي والعرفاني، وذلك لان العرفاء وإن قالوا بالصدور الجملي والكلي للعالم دفعة واحدة عبر ذلك الوجود المنبسط، فانهم لا ينكرون التسلسل والترتيب في التعينات الخاصة، وبالتالي فقد اعتبر ان ما ذكره العرفاء حول الوجود المنبسط هو ذاته عبارة عن العقل الاول من حيث التفصيل، أما من حيث تعينه الخاص فهو ايضاً عبارة عن جميع ما في العالم من موجودات؛ ولكن على نحو الكمال والاجمال. وهنا ان مقالة العرفاء لا تبتعد عن مقالة ابن رشد المشائية، وهي ذاتها التي نحا اليها صدر المتألهين كما هو واضح"[96].

ثم اضاف: "مع هذا فهناك موقف اخر لابن عربي ازاء قاعدة الصدور الانفة الذكر، حيث عدّها صحيحة تماماً من الناحية العقلية، بل وتنطبق على جميع الموجودات باستثناء احدية الحق، حيث الكثرة تصدر عنها، وذلك لان احديته خارجة عن حكم العقل وطوره ‹‹فأحدية حكم العقل هي التي لا يصدر عنها الا واحد، واحدية الحق لا تدخل تحت الحكم››. كذلك فلو صدر عن الحق جميع العالم فانه لا يصدر عنه الا واحد، حيث انه مع كل واحد من حيث احديته، لكن الامر يختلف عما يقوله الفلاسفة كما اشار الى ذلك. وهو في محل اخر رأى ان التعدد الصادر عن الواحد ممكن باعتبار القوابل لا باعتبار ذات الواحد. والمسألة عنده مفسرة بحسب ظهور الحقيقة الواحدة في المرايا المتعددة والمختلفة، حيث تتعدد الصور وتختلف في هذه المرايا مع ان الحقيقة واحدة، وكذا في علاقة المبدأ الحق مع تجلياته المختلفة. فهو لا يرى غير الذات الالهية وهي متجلية في كل شيء، كأمر واحد يظهر بمظاهر مختلفة كلها تبدي كونها مرايا لحقيقة واحدة، او انها اسماء وصفات هذه الحقيقة المطلقة، وان تجلي الواحد في المقامات والمراتب تظهر الوحدات المتعددة، تعدد الوجه الواحد في المرايا المتعددة، وليست هناك كثرة دالة على الاختلاف، حيث العدد لا يولد كثرة في العين، فالعالم كله وحدات ينضاف بعضها الى بعض فتسمى مركبات. وكما قيل في الشعر:

وما الوجه الا واحد غير انهاذا انت عددت المرايا تعددا

او يمكن القول ان صدور الكثرة او التعدد عن الواحد هو باعتبار ما عليه الاعيان الثابتة التي هي قوابل متعددة وغير متناهية، وعليه صحّ ما يقوله العرفاء بأن المبدأ الحق هو الواحد الكثير فكيف لا تصدر عنه كثرة؟!

مع هذا فان رؤية ابن عربي في علاقة المبدأ الحق بالكائنات هي رؤية مبتنية الى حد بعيد على تلك القاعدة. فاستناداً الى تصويره الرمزي تبعاً للالفاظ الدينية، اعتبر ان للتجلي مراتب، وان اول هذه المراتب هي الروح الكلي او العقل الاول الموصوف بالقلم، ومنه تشتق سائر العقول، ثم النفس الكلية الموصوفة باللوح المحفوظ ، حيث انها اول موجود انبعاثي، فقد طلب القلم موضع اثر لكتابته فانبعث من هذا الطلب اللوح، كانبعاث حواء من ادم، اي كان بين القلم واللوح اول نكاح معنوي معقول وله اثر حسي مشهود، ومنه عملنا بالحروف المرقومة عندنا. ومن عملية النكاح بينهما ولد توأمان، حيث اول ما القت النفس علم الطبيعة الكلية، والتي ظهرت عنها العناصر الاربعة، ثم بعدها الهباء او الهيولى الكلية، ومن نكاح هذين التوأمين ولدت صورة الجسم الكلي، وهكذا استمر التوالد ونزل الى العالم السفلي. وفي محل اخر اشار ابن عربي الى ان الله اوجد بعد تكون علم الطبيعة - وهي من عالم النور - الظلمة المحضة، ومن ثم فاض عليها النور فظهر الجسم المعبر عنه بالعرش، وهو اول ما ظهر من عالم الخلق، ثم اوجد الكرسي في جوف العرش وجعل فيه الملائكة من جنس طبيعته، ثم خلق في جوف الكرسي فلكاً في جوف فلك، وخلق في كل فلك عالماً يعمرونه هم الملائكة، الى ان خلق المولدات الطبيعية، حيث تصدر عن حركات السماوات والارض اعيان المولدات والتكوينات"[97].

وقال يحيى محمد في مقال آخر: (على الرغم من الاتهام الذي وجهه إبن رشد للفلاسفة المسلمين في تأثرهم بالكلاميين ومنهجهم المفضل (قياس الغائب على الشاهد)، الا انه أقر بأن تاريخ القول بتلك النظرية (الواحد لا يصدر عنه إلا واحد) قديم يرجع حتى إلى ما قبل أرسطو، إذ اعترف بأنها «قضية اتفق عليها القدماء حين كانوا يفحصون عن المبدأ الأول للعالم بالفحص الجدلي وهم يظنونه الفحص البرهاني، فاستقر رأي الجميع منهم على أن المبدأ واحد للجميع، وأن الواحد يجب ألا يصدر عنه إلا واحد. فلما استقر عندهم هذان الأصلان طلبوا من أين جاءت الكثرة»، فهناك ثلاثة أجوبة: «فبعضهم زعم أن الكثرة إنما جاءت من قبل الهيولى، وهو انكساغورس وآله»، وبعض آخر قال بأنها جاءت من قبل كثرة الآلات، أما الثالث فقد قال إنها جاءت «من قبل المتوسطات، وأول من وضع هذا افلاطون. وهو أقنعها رأياً»)... وقال ايضاً: (كذلك انطلق إبن رشد من الموقع ذاته الذي انطلق منه الصوفية وبعض المتكلمين، فهم جميعاً سلّموا بصحة قاعدة (الواحد لا يصدر عنه إلا واحد) نظرياً، لكنهم نفوا أن يكون لها مصداق في الوجود. فالمبدأ الأول عندهم عبارة عن (الواحد الكثير) ولو اعتباراً. فقد اثبت الصوفية للمبدأ الأول صفات ونسباً مغايرة لذاته عقلاً لا خارجاً، وبالتالي جاز عندهم صدور الكثير عن الواحد. وعلى هذه الشاكلة أثبت بعض المتكلمين الكثرة الاعتبارية في ذاته. ومع ذلك فانهم يتفقون جميعاً على صدق القاعدة نظرياً)[98].

وقال يحيى محمد في مقال بعنوان (إبن رشد ووحدة الوجود النوعية): (كذلك فطبقاً لمبدأ السنخية تمكّن إبن رشد من حل مشكلة الصدور بما يقترب من مآل طريقة المتأخرين من الإشراقيين الذين وفّقوا بين السلوكين الفلسفي والعرفاني. إذ لم يتقبّل الإتجاه العرفاني تلك النظرية بصورتها القائلة (الواحد لا يصدر عنه إلا واحد). فعلى الرغم من إعتقاده بصدق المقالة نظرياً، لكنه لم يجد لها تطبيقاً على أرض الوجود. فالمبدأ الأول عنده ليس مجرد واحد بسيط، بل له نسب متكثرة تجعله واحداً وكثيراً في الوقت ذاته، الأمر الذي يبرر على أساسه صدور الكثرة عنه).

وقال في هامش رقم (7) في نفس المقال المذكور في الفقرة السابقة: (رغم أن إبن عربي استدل بدليل رياضي ذهني على خطأ النظرية، حيث أشار إلى قضية خروج خطوط متعددة من مركز الدائرة إلى محيطها، فبرغم أن نقطة المركز واحدة غير متعددة، إلا أن هناك خطوطاً عديدة تخرج منها لتنتهي إلى نقط متعددة على المحيط، كلها تكون في مقابل تلـك الـنقطة وجهاً لوجه (ابن عربي: الفتوحات المكية، ج1، ص260. كذلك: حيدر الآملي: المقدمات من نص النصوص، طبعة طهران، 1975م، ص115و116). إلا أن صدر المتألهين سخّف الاستدلال المذكور، فردّ عليه من جهة إعتبار النقطة مركبة من أمور غير متناهية، لهذا يصح عنها الصدور المتكثر، وبالتالي فإنها لا تتعارض مع مقالة الواحد لا يصدر عنه إلا واحد (الأسفار، ج2، ص206). علماً بأن إبن عربي أقرّ في محل آخر من كتابه الفتوحات - الذي ضمّن فيه دليله السابق - بعدم صحة تبرير صدور الكثرة عن طريق تلك المقالة، لذلك فقد فسّر الكثرة إستناداً إلى فكرة العدد (3) المقتبس عن الفيثاغوريين لكونه يمثل عندهم الأصل في الأعداد الفردية، معتبراً أن أبسط الكثرة في داخل العدد هو الثلاثة (أستين بلاثيوس: إبن عربي حياته ومذهبه، ترجمه عن الاسبانية عبد الرحمن بدوي، دار القلم، بيروت، وكالة المطبوعات بالكويت، 1979م، ص268).

وقال يحيى محمد في نفس المقال: (كذلك انطلق إبن رشد من الموقع ذاته الذي انطلق منه الصوفية وبعض المتكلمين. فهم جميعاً قد سلّموا بصحة قاعدة (الواحد لا يصدر عنه إلا واحد) نظرياً، لكنهم نفوا أن يكون لها مصداق في الوجود. فالمبدأ الأول عندهم عبارة عن «الواحد الكثير» ولو إعتباراً. فقد اثبت الصوفية للمبدأ الأول صفات ونسباً مغايرة لذاته عقلاً لا خارجاً، وبالتالي جاز عندهم صدور الـكثير عن الـواحد، وعلى هذه الشاكلة أثبت بعض الـمتكلمين الكثرة الإعتبارية في ذاته. ومع ذلك فإنهم يتفقون جميعاً على صدق القاعدة نظرياً. وكذا هو الحال مع إبن رشد، فهو لا ينفي المقولة نظرياً، بل على العكس أن تحليله لها يجعله يؤكدها. فإعتقاده بجواز صدور الكثرة عن الواحد مستمد من منطق إعتقاده بأن هذا الواحد البسيط فيه كـثـرة صوريـة مختلفة لا تتنافى مع كونه واحداً بسيطاً. ومن هذا الموقع فهو يصحح جواز صدور الكثرة عنه إلى درجة أنه يقول: «ليس يمتنع في ما هو بذاته عقل ومعقول أن يكون علة لموجودات شتى من جهة ما يعقل منه أنحاء شتى، وذلك إذا كانت تلك العقول - أي المعلولات الفلكية المفارقة - منه أنحاء مختلفة من الصور». ويتوغل فيلسوفنا إلى أكثر من هذا، فهو لا يعترف بقاعدة الصدور نظرياً فحسب، بل يقيم مذهبه انطلاقاً منها دون تجاوزها، فيرى أن الكثرة التي تصدر عن الواحد البسيط هي كثرة مجملة في الواحد، فكما أن المبدأ الأول هو مطلق لأنه كل الأشياء، فكذا أن ما يصدر عنه من فعل لا بد من أن يكون مطلقاً بحمله للكثرة، وذلك على شاكلة الأول طبقاً للسنخية، فيكون الصادر واحداً وكثيراً، مثلما أن الأول هو «الواحد الكثير». لذا اعتبر قضية صدور الواحد عن الأول صادقة، مثلما أن قضية صدور الكثرة عنه صادقة أيضاً. وهو بهذا ينحو منحى قريباً جداً من المنحى الذي سلكه الإشراقيون، سيما صدر المتألهين، وهو المسلك الذي جمع بين رأي الفلاسفة كالفارابيين وأتباعهما من جهة، ورأي العرفاء من جهة ثانية. فهو وإن كان يقول بصدور الفعل المطلق دفعة واحدة، لكنه في الوقت نفسه لا ينكر تسلسل مضامين هذا الفعل طبقاً لقاعدة «الإمكان الأشرف» القائمة على السنخية. وكما يرى بأن ما من صفة ناقصة إلا ويسبقها وجود صفة كاملة على شاكلتها، فمثلاً «أن ما وجدت فيه حرارة ناقصة فهي موجودة له من قبل شيء حار بحرارة كاملة، وكذلك ما وجد حياً بحياة ناقصة... وكذلك ما وجد عاقلاً بعقل ناقص فهو موجود له من قبل شيء هو عقل بعقل كامل، وكذلك كل ما وجد له فعل عقلي كامل فهو موجود له من قبل عقل كامل». وينطبق هذا الحال على عالم العقول المفارقة الموصوفة بالبساطة والكمال، فهي ليست متغايرة تغاير النوع ولا تغاير الشخص، بل تتغاير بمراتب البساطة في الشدة، بإعتبارها لا تحمل مرتبة واحدة من الإضافة أو المعلولية إلى المبدأ الأول، بل تتفاضل بحسب حالها من القرب والبعد منه، فكلما كانت متقدمة في رتبة الوجود وقريبة من الأول كانت أكثر كمالاً وبساطة، وبالتالي فإن المعلول الأول هو أكمل وأبسط من المعلول الثاني، وهذا أكمل وأبسط من الثالث، وهكذا. وهي وإن كانت بسيطة لأنها وحدات تامة بالفعل دون مادة ولا قوة، إلا أن لها نوعاً من الكثرة والتركيب، إذ تتفاوت في ما بينها بحسب القرب والبعد من المبدأ الأول، فهي تعقل من ذواتها معنى مضافاً إلى عللها، خلافاً لما هو الحال مع المبدأ الأول الذي نفى عنه مثل تلك الكثرة والتركيب، إذ أنه «يعقل من ذاته معنى موجوداً لا معنى ما مضافاً إلى علة». على أن الجمع بين الدفعة الواحدة للفعل المطلق، وبين التسلسل الذي يقتضيه التفكير الفلسفي، جعل إبن رشد يعتقد بوجود قوة روحية واحدة تربط بين أجزاء ذلك التسلسل وتجعل من الكثرة أمراً واحداً، فهي تسري في الكل سرياناً واحداً. وإذا لم يصح وجود الأشياء إلا بإرتباط بعضها ببعض، لإفتقار كل منها للآخر كما تقتضيه علاقة العلة والمعلول؛ فإن وجودها يصبح تابعاً لإرتباطها، مما يعني أن معطي الرباط هو معطي الوجود، إذ الأشياء تفتقر بوجودها إلى المبدأ الأول من حيث إرتباطها وعالقيتها به، وحيث أن هذا المبدأ واحد، فما يعطيه يجب أن يكون واحداً طبقاً لقاعدة الصدور (الواحد لا يصدر عنه إلا واحد)، لكن «هذه الوحدة تتنوّع على جميع الموجودات بحسب طبائعها، ويحصل من تلك الوحدة المعطاة في موجود موجود وجود ذلك الموجود، وتترقى كلها إلى الوحدة الأولى». وعلى هذا الأساس قام إبن رشد بتصوير فيض هذه القوة السارية في الكل وتشبيهها بجسم الحيوان، مشيراً إلى أن الفلاسفة القدماء أجمعوا على ذلك، وهو يعوّل في هذه النظرية على كلام الاسكندر الذي يقول: «إنه لا بد أن تكون هنا قوة روحانية سارية في جميع أجزاء العالم كما يوجد في جميع أجزاء الحيوان الواحد قوة ترتبط أجزاءه بعضها ببعض». فقد صرح إبن رشد قائلاً: «وأما كون جميع المبادئ المفارقة وغير المفارقة فائضة عن المبدأ الأول وأن بفيضان هذه القوة الواحدة صار العالم بأسره واحداً وبها ارتبطت جميع أجزائه حتى صار الكل يؤم فعلاً واحداً كالحال في بدن الحيوان الواحد المختلف القوى والأعضاء والأفعال، فإنه إنما صار عند العلماء واحداً وموجوداً بقوة واحدة فيه فاضت عن الأول، فأمر أجمعوا عليه لأن السماء عندهم بأسرها هي بمنزلة حيوان واحد.. وقد قام عندهم البرهان على أن في الحيوان قوة واحدة بها صار واحداً وبها صارت جميع القوى التي فيه تؤم فعلاً واحداً وهو سلامة الحيوان، وهذه القوى مرتبطة بالقوة الفائضة عن المبدأ الأول.. فإن كان واجباً أن يكون في الحيوان الواحد قوة واحدة روحانية سارية في جميع أجزائه بها صارت الكثرة الموجودة فيه من القوى والأجسام واحدة، حتى قيل في الأجسام الموجودة فيه أنها جسم واحد، وقيل في القوى الموجودة فيه أنها قوة واحدة، وكانت نسبة أجزاء الموجودات من العالم كله نسبة أجزاء الحيوان الواحد من الحيوان الواحد، فباضطرار أن يكون حالها في أجزائه الحيوانية وفي قواها المحركة النفسانية والعقلية هذه الحال، أعني أن فيها قوة واحدة روحانية بها ارتبطت جميع القوى الروحانية والجسمانية وهي سارية في الكل سرياناً واحداً». وهذا التصور لعلاقة الكثرة بالوحدة من خلال الفعل الساري الفائض عن المبدأ الأول؛ يتفق تماماً مع ما يقوله الإشراقيون في المشرق العربي والإسلامي، فهم يعبّرون عن هذا الفعل المطلق بأنه وجود منبسط مطلق يرتبط بالمبدأ الأول إرتباط الفعل بالذات، فهو فعل الله الساري في كل شيء، وهو واحد وكثير ومجمل ومفصّل.

فالفيلسوف المشرقي صدر المتألهين يقسّم الوجود إلى مراتب ثلاث: الأولى عبارة عن مبدأ الكل، وهو الواجب الأول. والثانية عبارة عن الوجود المتعلق بغيره، كالعقول والنفوس والطبائع والأجرام والمواد. أما المرتبة الثالثة فهي الوجود المنبسط على هياكل الأعيان والماهيات، وهو المسمّى بالنفس الرحماني وبالحق المخلوق به، حيث أنه الصادر الأول وأصل وجود العالم وحياته ونوره الساري في جميع ما في السماوات والأرضين؛ كل بحسب رتبته. وهذا هو وجه إختلاف الإشراقيين عن الصوفية، فكلا الفريقين يعتقد بأصالة وثبوت الوجود الواحد البسيط ذي المراتب المتنزلة، إلا أن الإشراقيين يعتبرون المبدأ الأول تمام الأشياء وعينها - كلها - من حيث جمعه لكمالاتها، وغيره يعد من المتعلقات المرتبطة به ، وهي ما تمثل أطواره وشؤونه. أما الصوفية فتجعل من المبدأ الأول عين هذا الوجود المنبسط، إذ سريانه كسريان النفس في البدن، بل الكل واحد بمراتبه من التجرد والتجسّد، كما هو الحال مع النفس حيث تحتفظ بمرتبة لها في نفسها ومراتب أخرى تجامع فيها سائر الأعضاء. مما يعني أن الخلاف بين الفريقين ينحصر في موضوع السريان إن كان يخص الذات الإلهية أم فعلها، إذ الصوفية تقول بسريان الذات، والإشراقيون يقولون بسريان الفعل الواجب مع حفظ الذات في عزّ مرتبتها وعلوّها. أما المشّاؤون فهم وإن اعتقدوا بأن الوجود يمثل حقائق متخالفة، لكن إقرارهم بأنه عبارة عن معنى بسيط لجميع الكائنات يجعلهم يقتربون من المعنى الإشراقي الآنف الذكر، بل ربما لهذا السبب كان صدر المتألهين يرى طريقته لا تختلف عن طريقتهم عند التدقيق والتفتيش. ولعل أعظم إتفاق للمشّائين مع الإشراقيين يتمثل بما نقله إبن رشد عن القدماء حول الفعل المطلق الواحد الساري في سلسلة الوجودات، إذ نقل أنهم أجمعوا عليه، كما نصّ عليه شارح أرسطو الاسكندر. فهذا المنقول هو نفس ما قصده الإشراقيون من العقل الأول، فهو صادر أول تستمد منه سائر السلسلة الوجودية وجودها وإرتباطها وحياتها، لأنها تمثل تنزلات هذا الفعل. وبعبارة أخرى، إن هذا الفعل المطلق الساري كما يسميه المشّاؤون، أو الوجود المطلق المنبسط كما يسميه الإشراقيون، هو ذات العقل الأول الفائض عن المبدأ الواجب بإعتبارين مختلفين، إذ يمثل هذا العقل من جهة صدارة وكمال ذلك الفعل أو الوجود وتمامه، كما يعتبر من جهة أخرى سارياً في جميع أرجاء ما دونه، أي أنه مفارق مع كل مفارق، وملابس للمادة مع كل مادة، فهو مفارق وملابس؛ كل بحسب رتبته الخاصة في سلسلة الوجود، ولولا حضوره فيها بنحو ما من الأنحاء ما كان لها أثر ولا وجود)[99].

وانبرى احد اساطين الحكمة المتعالية لتصحيح فرضية الصادر الاول والوحيد (الواحد لا يصدر عنه الا واحد) وهو السيد محمد حسين الطباطبائي فنجده يقول في بداية الحكمة: (لما كان الواجب تعالى واحداً بسيطاً من جميع الجهات امتنع ان يصدر منه الكثير سواء كان الصادر مجرداً كالعقول العرضية أو مادياً كالانواع المادية ، لأن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد ، فأول صادر منه تعالى عقل واحد يحاكي بوجوده الواحد الظلّي ، وجود الواجب تعالى في وحدته ... لكن الجهات الموجودة في عالم المثال الذي دون عالم العقل ، بالغة مبلغاً لا تفي بصدورها الجهات القليلة التي في العقل الاول ، فلابد من صدور عقلٍ ثانٍ ، ثم ثالث ، وهكذا حتى تبلغ جهات الكثرة عدداً يفي بصدور العالم الذي يتلوه من المثال فتبين أن هناك عقولا طولية كثيرة وإن لم يكن لنا طريق الى إحصاء عددها)[100].

ويقول السيد الخميني مؤيداً فرضية الصادر الاول والوحيد: (ومنها أنه تعالى لما كان بسيطا في غاية البساطة وجميع صفاته وشـئونه الذاتية يرجع إلى الوجود الصرف البسيط فلا يتـصور فـي ذاتـه وصـفاته التجدد والتصرم والتغير وإلا لانقلب البسيط مركبا والفعليـة الـصرف قـوة والوجوب بالذات إمكان ولازم بساطة الذات والصفات أن ما يصدر منـه يكون صادرا من حاق ذاتـه وتمـام هويتـه وصـرف حقيقـة فلـو صـدر المتجددات والمتصرمات عنه تعالى من غير وسط وبالمباشـرة والمزاولـة يلزم منه التصرم والتغير في ذاته وصفاته التي هي ذاته وقد تقـدم فـساد كون الإرادة من صفات الفعل لا الذات فما صدر عنه تعالى لا يمكـن أن يصدر من إرادته لا من ذاته أومن ذاته دونها فأنها عين ذاته فـإذا صـدور المتغير والمنصرم منه تعالى مستلزم لحـدوث القـديم أو قـدم الحـادث بالذات)[101].

وقال الشيخ حسن حسن زاده الآملي: "إن هذه المسالة اي الواحد الاحدي لا يصدر عنه إلا واحد من اُمهات المسائل الفلسفية وقد تعاضد العقل والنقل فيها فإنه تحقق عن الشرع اول ما خلق الله العقل ، ثم إن لهذه المسالة الرصينة شأناً آخر أجلّ وأدقّ مما ذكر في هذا الكتاب واترابه ، وقد برهن في الحكمة المتعالية والصحف العرفانية والوصول الى ادراك حقيقته يحتاج الى تلطيف سرّ وتدقيق فكر وتجريد نظر. وذلك الشأن هو الفرق بين أوّل ما صدر وبين أوّل ما خلق ، فإنّ أوّل ما خلق هو العقل والخلق هو التقدير فالعقل هو تعيّن تقديري في التعينات التقديرية ، وهذا التعين شأن من شؤون الصادر الاوّل ونقش من نقوشه وكلمة من كلماته العليا ، وبتعبير آخر على نحو توسع في التعبير أنّ هذا التعين عارض على مادة الممكنات وتلك المادة هو الوجود المطلق بمعنى نفس الرحمن لا الوجود المطلق الحق الاحدي المنزّه عن هذا الاطلاق. والصادر الاول هو الوجود المنبسط الساري في الممكنات ومنها العقل. فأول ما خلقه الله تعالى هو العقل ، وامّا أوّل ما صدر عنه تعالى فهو الوجود المنبسط الذي هو مادة العقل ومادة جميع الممكنات"[102].

ويظهر التدليس واضحاً في كلامه فهو ادعى في بدء كلامه ان فرضية (الواحد لا يصدر عنه الا الواحد) يعاضدها النقل الى جانب العقل ، ثم استشهد بحديث (اول ما خلق الله العقل) ثم تراجع في موضع آخر ليميز بين الصدور والخلق فجعل خلق العقل من باب الخلق وليس من باب الصادر الاول ، فكيف زعم معاضدة تلكم الفرضية بالنقل ؟!!

ويشير في مكان آخر الى التمييز بين الصادر الاول والمخلوق الاول فيقول: "فينبغي ان يفرّق ويميّز في هذا المقام بين أول ما صدر وبين أول ما خلق. أما الصادر الاول فهو نور مرشوش ورق منشور عليها جميع الكلمات النورية الخلقية من العقل الاول الى آخر الخلق"[103].

وقال الشيخ القونوي: "والحقّ سبحانه وتعالى من حيث وحدة وجوده لم يصدر عنه الا واحد لاستحالة اظهار الواحد وايجاده من حيث كونه واحداً ما هو أكثر من واحد. لكن ذلك الواحد عندنا هو الوجود العام المفاض على أعيان المكوّنات وما وجد منها وما لم يوجد مما سبق العلم بوجوده ، وهذا الوجود مشترك بين القلم الاعلى الذي هو أوّل موجود المسمّى أيضاً بالعقل الاول وبين سائر الوجودات ، إلخ[104].

فما معنى قولهم انه لم يصدر منه سبحانه الا واحد وان ذلك الواحد هو كل شيء ! سوى السفسطة التي بها يريدون انقاذ ماء وجههم ! ثم يزعمون ان الصادر الاول هو الذي خلق المخلوقات !! بينما الله سبحانه وتعالى يقول انه هو ((خالق كل شيء)) ، وهؤلاء يقولون بل الصادر الاول الذي هو كل شيء قد خلق كل شيء !!

ولِمَ يتمكن الصادر الاول والوحيد من خلق كل شيء بينما لا يتمكن الله تعالى من خلق كل شيء مع ان الصادر الاول والوحيد هو فيضه تعالى بحسب عقيدتهم الفلسفية الفاسدة ؟!! نعم هم ربما لديهم تعليل فلسفي جواباً على سؤالنا بل اعتراضنا ، ولكن جوابهم قد يكشف عن تهافت الفلسفة عن بلوغ تفسير فعل المقام الالهي تعالى عمّا يصفون.

ومن العلماء الذين عثرنا على تأييدهم لنظرية الصادر الوحيد (الواحد لا يصدر منه الا واحد): الشيخ محمد مهدي النراقي صاحب "جامع السعادات" في كتابه "شرح الالهيات من كتاب الشفاء"[105]، والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء في كتابه "الفردوس الاعلى"[106] .

فقد قال الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء منظّراً لـ (الحقيقة المحمدية): "اوجد عز شأنه ذلك الصادر الاول الجامع لجميع الكائنات والوجودات الممكنات ، اوجده بمحض المشيئة ، وصرف الارادة في أزل الآزال الى ابد الآباد [وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ] والتشبيه من ضيق نطاق الالفاظ ، وإلا فالحقيقة أدق وارق من ذلك وهو المثل الأعلى الحاكي بنوع من الحكاية عن تلك الذات المقدّسة المحتجبة بسرادق العظمة وجبروت وغيب الغيوب (يا من لا يعلم ما هو الا هو) وذلك العقل الكلي أو الصادر الاول (ما شئت فعبّر) أو الحقيقة المحمدية متصلة بمبتدئها غير منفصلة عنه ، لا فرق بينك وبينها ألا انهم عبادك وخلقك ، بدؤها منك وعودها إليك ، (أنا اصغر من ربي بسنتين) والكل وجود واحد ممتد بلا مدة ولا مادة ، من صبح الأزل الى عشية الأبد بلا حد ولا عد ، ولا بداية ولا نهاية ، ومن المجاز البعيد ، وضيق خناق الألفاظ قولنا: هو الأول والآخر والظاهر والباطن ، وجوده قبل القبل في أزل الآزال ، وبقائه بعد البعد من غير انتقال ولا زوال"[107].

وقال الشيخ جعفر سبحاني متحدثا عن اصالة الوجود وإنّه مما يترتب عليها امور منها: "توحيد الافعال قد أثبت البرهان على أنّه لا يصدر من الواحد إلا الواحد ، فالله سبحانه هو الواحد لا يصدر منه إلا واحد)[108] !

 

وقال سيد كمال الحيدري وقد سُئِلَ عن القاعدة الفلسفية الواحد لا يصدر عنه الا واحد: (القاعدة ليس للمتكلمين وإنما هذه القاعدة للفلاسفة هذه القاعدة أعزائي من القواعد الاساسية والمهمة في المعارف الفلسفية ومنظومة الفكر الفلسفي وخصوصاً طبعا هذه موروثة من ارسطوا منذ الفين وخمسة مئة عام والى يومنا هذا وهي أيضا من القواعد المعروفة في كلمات العرفاء وخصوصا في موروثات شيخ العرفاء ابن عربي وتلامذة الشيخ ابن عربي وهذه القاعدة أعزائي وان وردت في كلمات الفلاسفة وأهل الحقيقة وأهل الصوفية بأنها الواحد لا يصدر منها إلا واحد أو الواحد لم يصدر منه إلا واحد إلا انه بحسب النصوص الروائية عندنا تطبقها ومصداقها هذا الواحد الصادر هو من؟ هو نور نبينا لأنه من الخاتم بأنه البعد المادي المقصود الحقيقة فهناك واقعا تشابك حقيقي بين الروايات التي قالت أول ما خلق نور نبيكم التي إن شاء الله سنقف عندها أين قاعدة الواحد يعني من حاول ان ينكر قاعدة الواحد على الفلاسفة والعرفاء والصوفية واقعا لم يلتفت إلى ان الروايات التي قالت أول ما خلق نور نبيكم بيان لمصداق قاعدة الواحد وهذا هو الذي أنا ادعوا إليه أقول ان عالم الدين انظروا إذا لم يكن واقفاً على مباني الفلسفية لم يكن واقفاً على مباني الصوفية العرفاية عندما يأتي إلى هذه الروايات لا يستطيع ان يفهمها جيداً والعكس كذلك إذن اعزائي الفقهية القرآني يختلف عن الفقهية الاصطلاحي وعندما أقول اصطلاحي يعني الذي يحاول الاقتصار على جزء معين من الدين العالم الديني أو الفقيه القرني هو الذي يستوعب هذه الحقيقة نعم هناك ترابط وثيق بين قاعدة الواحد وبين أول ما خلق نور نبينا)[109].

وقال سيد حسين نصر: "ان انتشار عقائد ابن عربي في الشرق يرجع اغلب ما يرجع الى صدر الدين القونوي .. احد تلامذة الشيخ وشارحي عقائده" ... "وقد طرح ابن عربي التطابق بين (الحقيقة المحمدية) التي اشارت اليها الاحاديث: (اول ما خلق الله نوري) او ما يسمى بــ (النور المحمدي) وبين العقل الكلي او الفيض الاول ، وهذا هو رأي كبار المتصوفة أيضاً"[110].

والملفت للنظر ان الربط بين احاديث اول ما خلق الله نور نبينا وبين "الواحد لا يصدر عنه الا واحد" هو ربط ساذج والاستدلال على صحة هذه القاعدة الفلسفية بتلك الاحاديث الشريفة لا يصح لأن معنى الصدور في القاعدة المذكورة يختلف عن معنى الخلق. فالفلاسفة لا يقولون بأن الواحد لا يمكنه ان يخلق الا واحد بل يتحدثون عن صدور عن الواحد وذلك الصدور يحمل معاني اخرى غير الخلق كما هو واضح من كلام الفلاسفة ! ومن جهة اخرى فإنه اذا كان اول ما خلق الله هو نور النبي (صلى الله عليه وآله) فإن ذلك لا يمنع من وجود ثاني ما خلق وثالث ما خلق الخ ... فالاحاديث الشريفة لا تتحدث عن خلق وحيد بل عن اول المخلوقات وهو نور النبي (صلى الله عليه وآله) والعقيدة الاسلامية لا تمنع من خلق كائنات اخرى بعده بخلاف القاعدة الفلسفية المذكورة. ولا ادري هل فات ذلك سيد كمال الحيدري ام أغفله انتصاراً لمذهبه (الفلسفي- الصوفي) !؟

ولقيت نظرية الصادر الوحيد (الواحد لا يصدر منه الا واحد) رفضاً من كبار مراجع واساطين علماء الشيعة الامامية ، فهذا السيد الخوئي (رض) وقد وُجِّهَ له السؤال التالي:"هل ان قاعدة (الواحد لا يصدر عنه الا الواحد) ثابتة لديكم ن واذا كانت ثابتة أو غير ثابتة فهل ان الصادر الاول هو النبي محمد صلى الله عليه وآله"؟ فكان جوابه قُدّسَ سرّه: (هذه القاعدة اسسها اهل المعقول لاثبات وحدة الصادر الاول وهي غير تامة عندنا ، وعلى تقدير تماميتها لا تجري في خلق الله سبحانه وتعالى ، فالله سبحانه فاعل بالاختيار وتلك القاعدة موردها الفاعل بالجبر ، والمقام لا يتسع التفصيل ، والله العالم) [111].

ولقد اجاد السيد الخوئي (قدس سره) في مباحثه الاصولية حيث قال: إن ارتباط المعلول بالعلة الطبيعية يفترق عن ارتباط المعلول بالعلة الفاعلية في نقطة ويشترك معه في نقطة ، اما نقطة الافتراق فهي: أن المعلول في العلل الطبيعية يرتبط بذات العلة وينبثق من صميم كيانها ووجودها ، ومن هنا قلنا ان تأثير العلة في المعلول يقوم على ضوء قانون التناسب. واما المعلول في الفواعل الارادية فلا يرتبط بذات الفاعل والعلة ولا ينبثق من صميم وجودها ، ومن هنا لا يقوم تأثيره فيه على أساس مسالة التناسب ، نعم يرتبط المعلول فيها بمشية الفاعل وإعمال قدرته ارتباطاً ذاتياً يعني يستحيل انفكاكه عنها حدوثاً وبقاءاً ، ومتى تحققت المشية تحقق الفعل ومتى انعدمت انعدم. وعلى ذلك فمرد ارتباط الاشياء الكونية بالمبدأ الازلي وتعلقها به ذاتاً الى ارتباط تلك الاشياء بمشيته وإعمال قدرته ، وإنها خاضعة لها خضوعاً ذاتياً ، وتتعلق بها حدوثاً وبقاءاً فمتى تحققت المشية اللإلهية بإيجاد شيء وجد ، ومتى انعدمت انعدم ، فلا يعقل بقاؤه مع انعدامها ، ولا تتعلق بالذات الازلية ولا تنبثق من صميم كيانها ووجودها كما عليه الفلاسفة[112].

وكذلك جواب للسيد ابو القاسم الخوئي (رض) فنّد فيه نظرية الصادر الاول ، حيث تم توجيه السؤال التالي اليه: "أرجو بيان ماهيّة الحقيقة المحمدية والعلوية والفاطمية على الترتيب وهل هي موجودة أم من الامور التي تدخل في الشرك ؟" فكان جوابه (قدّس سره الشريف): (لا نعلم من حقيقتهم إلا أنّ انوارهم مخلوقة من الاول وأجسادهم باقية على حالها مفارقة لأرواحهم ، والله العالم)[113]. وفيه تصريح بان انوارهم (صلوات الله عليهم) مخلوقة ، وليست صادرة عن الله تبارك وتعالى كما يظن اتباع الحكمة المتعالية صدور افاضة بلا خلق !!

وقال الميرزا جواد التبريزي (رض): (ولا يخفى أنّ القاعدة المشار اليها بأصلها وعكسها (أصل القاعدة: "الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد" ، وعكس القاعدة: "الواحدلا يصدر الا عن الواحد") أسسها أهل المعقول لإثبات وحدة الصادر الاول من المبدأ الاعلى. وقد ذكر في محله أنها على تقدير تماميّتها لا تجري في الفعل بالإرادة ، بل موردها الفعل بالايجاب ، لإمكان صدور فعلين عن فاعل بالارادة مع كونهما من مقولتين ، وبما ان الصادر من المبدأ الاعلى يعدُّ من الفعل بالارادة قلا شهادة لها بوحدة الصادر الاول)[114].

وقال (رض) في موضع آخر: (ان ما اشتهر من "أنّ الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد" وهي القاعدة التي أسسها أهل المعمول لإثبات وحدة الصادر الاول عنه (سبحانه وتعالى) لا تجري في الفاعل المختار من ممكن الوجود فضلاً عن الفاعل الغني القادر العالم بالذات فهذه القاعدة لا ترتبط بالمقام)[115].

 

وممن انتقد نظرية الصادر الاول والوحيد على المستوى العقائدي: العلامة الحلي (قدس سره) في كتاب "كشف المراد"[116] ، وكذلك في كتابه (مناهج اليقين في اصول الدين)[117] ، والمولى محمد صالح المازندراني في شرحه للكافي[118] رغم انه من اهل العرفان ولكنه لا يتبع تراث ابن عربي ومدرسة الحكمة المتعالية فيما يبدو. والعلامة المجلسي (رض) في بحار الانوار[119] ، والشيخ البهائي العاملي في كتابه "الحبل المتين"[120].

ويبدو ان الشيخ نصير الدين الطوسي (رضوان الله عليه) هو اول فيلسوف شيعي يعارض هذه الفرضية[121] ، حيث نجده يقول: (قالت الفلاسفة: الواحد لا يصدر عنه الا واحد. وكل شبهة لهم على هذه الدعوى (هي) في غاية الركاكة ولذلك قالوا: لا يصدر عن الباريء تعالى بلا واسطة الا عقل واحد والعقل فيه كثرة ، هي الوجوب والامكان وتعقّل الواجب وتعقّل ذاته ونفس وفلك مركب من الهيولي والصورة ويلزمهم أن أيّ موجودين فرضنا (وجودهما) في العالم ، كان احدهما (ضرورة) علّة للآخر بواسطة أو بغيرها. وأيضاً: التكثرات التي في العقل ، ان كانت موجودة صادرة عن الباريء لزم صدورها عن الواحد وان صدرت عن غيره لزم تعدد الواجب وإنْ لم تكن موجودة لم يكن تأثيرها في الموجودات معقولاً)[122].

وفي كتابه "قواعد العقائد" يقول المحقق الشيخ نصير الدين الطوسي ما نصّه: (فصل: قالت الحكمـاء: الواحد لايصدر عنه من حيث هو واحد إلاّ شيء واحد، وذلك لأنّه إن صدر عنه شيئان، فمن حيث [انه] صدر عنه أحدهما لم يصدر عنه الآخر، وبالعكس، فإذن صدرا عنه من حيثيتين، والمبدأ الأوّل تعالى واحد من كل الوجوه ، فأوّل ما يصدر عنه لايكون إلاّ واحداً. ثمّ إنّ ذلك الواحد يلزمه أشياء، إذ له اعتبار من حيث ذاته، واعتبار بقياسه إلى مبدئه، واعتبار للمبدأ بالقياس إليه، وإذا تركّبت الاعتبارات حصلت اعتبارات كثيرة، وحينئذ يمكن أن يصدر عن المبدأ الأوّل بكلّ اعتبار شيء واحد ، وعلى هذا الوجه تكثّرت الموجودات الصادرة عنه تعالى. واما المتكلمون فبعضهم يقولون إنّ هذا إنّما يصحّ أن يقال في العلل والمعلولات، أمّا [في] القادر أعني الفاعل المختار، فيجوز أن يفعل اشياء من غير تكثر الاعتبارات ومن غير ترجيح بعضها على بعض. وبعضهم ينكرون وجود العلل والمعلولات أصلاً ، فيقولون بأنّ لامؤثّر إلاّ اللّه [تعالى] ، وأنّه تعالى إذا فعل شيئاً، [كالإحراق] مقارناً لشيء كالنار على سبيل العادة، ظنّ الخلق أنّ النّار علّة ، والإحراق أثره ومعلوله، وذلك الظنّ باطل)[123].

وقال الشيخ عبد الله نعمة: (ومن آثارهم البارزة ان بعض فلاسفتهم ومنهم (نصير الدين الطوسي) قد اتى على نظرية الصدور والعقول العشرة يهدمها من اساسها. ونظرية العقول العشر لتعليل كيفية صدور الكثير من الواحد البسيط وتفسير صدور المخلوقات الكثيرة المتضادة عن المبدأ الاول ، كانت هي النظرية البارزة التي اخذ بها الفلاسفة الاسلاميون امثال الفارابي وابن سينا. وهي نظرية اغريقية نمت في احضان الصابئة الحرانيين ، وتلقفها عنهم الاسلاميون باعجاب وتقدير. اما فيلسوفنا الطوسي فقد اثبت بالبرهان المنطقي انها غير صحيحة وخاصة في "الفاعل المختار")[124].

وبيّن الشيخ ماجد الكاظمي بقوله: (فما عليه المحقق نصير الدين الطوسي (ره) في تجريده من بطلان قاعدة "الواحد لا يصدر منه إلا واحد" ، هو الحق الذي لا محيص عنه)[125].

وقال الشيخ الكاظمي ايضاً في معرض جوابه عن سؤال: (هل ان الواحد لايصدر منه الا واحد): (والجواب عن السؤال الاخير وهو هل ان الواحد لايصدر منه الا واحد؟ فنکتفي بجواب المحقق البهبهاني قدس سره حيث قال: (ان قاعدة الواحد لايصدر منه الا واحد تبتني على مسألة السنخيّة بين العلة والمعلول وهي باطلة من وجوه ثلاثة:

     الاول: انها لو صحت فموردها العلة الموجبة لا الفاعل المختار والله جل‌ وعلا فاعل مختار وعلى هذا الاساس فلا تحقق للسنخيّة اصلاً. ومن جهة اخرى ان الله جل‌ وعلا لا شبيه ولا نظير له والسنخيّة تحتاج الى شبيه ولذا فهي محالة في حقه جل ‌وعلا.

      الثاني: ان وحدة الباري تختلف عن وحدة الممكنات فان وحدته غير عددية بمعنى انه لا شبيه له ولانظير في حين ان وحدة العالم من قبيل الوحدة العدديّة فلا سنخيّة ولا تناسب بين الوحدتين.

     الثالث: اصلاً واساساً لايوجد موجود له وحدة حقيقّية الا الله جل وعلا وذلك فان كل ممكن فهو مركب من الوجود والماهيّة ولذا قالوا «كل ممكن زوج تركيبي وكل زوج تركيبي ممكن» وذلك فان كل وجود لوكان وجوداً فقط فلا امتياز له مع باقي الموجودات، وامتياز كل موجود عن سائر الموجودات دليل على تركبه من الوجودِ والماهية ) انتهى ما افاده قدس‌ سره.

    و لا يخفی ان رؤية الاسلام حول هذه القاعدة المزعومة واضحة حيث يقول تعالی: في سورة الرعد ام جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار. و ان الله تعالی فعال لما يريد و ان امره اذا اراد شيئاً  انما هو کن فيکون لاانه يخلق الخلائق بواسطة الصادر الاوّل و نکتفي من الروايات الدالة علی بطلان هذه القاعدة بما رواه الصدوق عن ياسر الخادم قال قلت للرضا (ع) ما تقول في التفويض؟فقال (ان الله تبارك وتعالى فوضّ الى نبيه (ص) امر دينه فقال ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا فاما الخلق والرزق فلا ثم قال (ع) ان الله عزوجل يقول الله خالق كل شيء ويقول الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون) فان قوله ˜ (ان الله خالق کل شيئ) بعد نفي الخالقية التفويضية فضلاً عن الاستقلالية بيان صريح لعدم وجود اي  واسطة في البين  لخالقتيه تعالی للمخلوقات و حتی جريان المعجزة علی يد الانبياء و الائمة عليهم السلام لم يکن بالاستقلال و لا بالتفويض و الذي ذهب اليه علماؤنا ونطقت به الاخبار انما هو من باب استجابة الدعاء يقول الشيخ المفيد (ره) في الرد علی المفوضة بعد قوله اولاً { والغلاة من المتظاهرين بالاسلام هم الذين نسبوا امير المؤمنين والائمة من ذريته عليهم السلام الى الالوهية والنبوة ووصفوهم من الفضل في الدين والدنيا الى ما تجاوزوا فيه الحد وخرجوا عن خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار  و ان الله تعالی فعال لما يريد و ان امره اذا اراد شيئاً  انما هو کن فيکون لاانه يخلق الخلائق بواسطة الصادر الاوّل و نکتفي من الروايات الدالة علی بطلان هذه القاعدة بما رواه الصدوق عن ياسر الخادم قال قلت للرضا (ع) ما تقول في التفويض؟فقال (ان الله تبارك وتعالى فوضّ الى نبيه (ص) امر دينه فقال ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا فاما الخلق والرزق فلا ثم قال (ع) ان الله عزوجل يقول الله خالق كل شيء ويقول الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون) فان قوله (ان الله خالق کل شيئ) بعد نفي الخالقية التفويضية فضلاً عن الاستقلالية بيان صريح لعدم وجود اي  واسطة في البين  لخالقتيه تعالی للمخلوقات و حتی جريان المعجزة علی يد الانبياء و الائمة عليهم السلام لم يکن بالاستقلال و لا بالتفويض و الذي ذهب اليه علماؤنا ونطقت به الاخبار انما هو من باب استجابة الدعاء يقول الشيخ المفيد (ره) في الرد علی المفوضة بعد قوله اولاً {والغلاة من المتظاهرين بالاسلام هم الذين نسبوا امير المؤمنين والائمة من ذريته عليهم السلام الى الالوهية والنبوة ووصفوهم من الفضل في الدين والدنيا الى ما تجاوزوا فيه الحد وخرجوا عن القصد وهم ضلال كفار حكم فيهم اميرامؤمنين(ع) بالقتل والتحريق بالنار وقضت الائمة (ع) عليهم بالاكفار والخروج عن الاسلام}: والمفوضة صنف من الغلاة وقولهم الذي فارقوا به من سواهم من الغلاة اعترافهم بحدوث الائمة وخلقهم ونفي القدم عنهم واضافة الخلق والرزق مع ذلك اليهم ودعواهم ان الله سبحانه وتعالى تفرد بخلقهم خاصة وانه فوّض اليهم خلق العالم بمافيه وجميع الافعال)[126].

وقال الشيخ محمد طاهر آل شبير الخاقاني في رد فرضية الصادر الاول والوحيد: (ان من كمال الابداع التكويني صدور الكثرة من الواحد ولا يستلزم الاشكال اصلاً في خصوص ذات الواجب وإنما الاشكال يمكن تصويره بالقياس الى الممكنات التي في واقعها الفقر الذاتي دون الغناء الذاتي. وبهذا العرض يتنور لديك حقيقة الامر بأنه لسنا في حاجة الى التمسك بأن المعلول الصادر من قبل مبدأ العلة الاولى ان يكون المعلول واحداً لكفاءة العلة وصلاحيتها ان توجد عدة معاليل في عرض واحد من غير حاجة الى الطولية بالقياس الى المطلق وإنْ كان الاشكال محققاً في جانب الممكنات)[127].

وقال السيد قاسم علي الاحمدي في رد فرضية الصادر الاول والوحيد: (حيث ان فاعليته تعالى ليست على نحو الفيضان والتنزل بل هي على نحو الابداع لا من شيء ، فلا يمتنع منه ايجاد المركب أو الاشياء الكثيرة كائنة ما كانت في رتبة واحدة. فإن الفطرة والعقل كما أشرنا يحكمان بأن الموجود القادر على إبداع الحقائق والاشياء لا من شيء أشرف وأكمل من الموجود الذي تكون فاعليته وقادريته بفياضيته من ذاته. وهذا النحو من الفاعلية هو من كمالاته وخصائص ذاته تعالى شأنه وليس كمثله شيء ، والذين ذهبوا الى خلاف ذلك ما قدروا الله حق قدره)[128].

قال الشيخ محمد الخالصي: (روّج مذهب التفويض في العصر الاخير ثلاثة نفر: الشيخ احمد الاحسائي والسيد كاظم الرشتي والحاج كريم خان الكرماني ، وزادوا فيه واوغلوا في الغلو حتى زعموا استحالة ان يكون الله خالقاً ورازقاً وانما الخلق والرزق للحقيقة المحمدية)[129]. فأين انت يا شيخ محمد الخالصي (رحمك الله) من مدرسة الحكمة المتعالية التي التزمت فرضية الحقيقة المحمدية وروّجت لها بأشد مما روجت له الشيخية ؟!!

وقال السيد محمد حسن آل الطالقاني: (والحقيقة ان الغلو ليس مما ابتليت بع بعض فرق الشيعة وحدها ، فهو صفة عامة لكل من حاول أن يجمع بين الدين والفلسفة الافلاطونية الحديثة)[130]. وقد وردت عدة احاديث عن الائمة الاطهار (عليهم السلام) في النهي عن الغلو ، منها قول الصادق (عليه السلام): (اللهم لا تليق الربــوبـيــة إلا بـك ولا تـصـلـــح الالوهيــــة إلا لك) ، (والتفـويـض مـن اقـســـام الغلـو ، وهـو الاعتقاد بأن محمداً (صلى الله عليه وآله) أو علياً (عليه السلام) أو احـد الائمة المعصومين (عليهـم السـلام) يخلــق أو يــرزق أو يحيي او يميـت بالاستقـلال عـن الله أو التفويض إليه او الشراكة معه او نحو ذلك. قال الشيخ المفيد: "والمفوضة صنف من الغلاة ، وقولهم الذي فارقوا به من سواهم من الغلاة اعترافهم بحدوث الائمة (عليهم السلام) وخلقهم ونفي القدم عنهم وغضافة الخلق والرزق مع ذلك اليهم. ودعواهم ان الله تفرّد بخلقهم خاصة وانه فوض إليهم خلق العالم بما فيه وجميع الفعال" ...)[131].

قال المولى محمد صالح المازندراني: ( (وهو جل وعز لا يشبه جسما) وكذا لا يشبه جسمانيا (ولا روحا) لتنزهه عن الجسمية ولواحقها وعن التشبه بالخلق المحتاج (وليس لأحد في خلق الروح الحساس الدراك أمر ولا سبب ، هو المتفرد بخلق الأرواح) السماوية والحيوانية (والأجسام) الأرضية والفلكية ، وفيه رد على من نسب خلقها إلى العقول المردة والمبادي العالية زعما منهم أنه تعالى واحد لا يصدر عنه إلا واحد ، وتنبيه على استحالة مشابهته بمخلوقاته الحادثة (فإذا نفي عنه الشبهين : شبه الأبدان وشبه الأرواح) يمكن إدراج الأجسام والجسمانيات كلها في الأبدان وإدراج المجردات ولواحقها كلها في الأرواح للاشتراك في علة النفي فيكون المراد حينئذ نفي مشابهته عن جميع ما سواه)[132].

وحول "الحقيقة المحمدية" يقول الشيخ محمد جواد مغنية: "(( قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ)) ، ابداً لا احد يملك مع الله شيئاً حتى الانبياء ، ((وَلاَ أَعْلَمُ الغَيْبَ)) ، إنما الغيب لله ، ((وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ)) ، وهكذا يحدد محمد (ص) نفسه في انه يقف مع كل الناس أمام سلطان الله وقدرته على قدم المساواة ، فأين مكان الحقيقة المحمدية في كتاب الله ، وانها الروح الذي سرى في جميع الكائنات والنور الذي خلق الله منه جميع الموجودات؟ وأعظم ما في محمد وآل محمد الاطهار أنهم بلغوا من كمال البشرية وجلالها الغاية والنهاية بحيث لا موجود فوقهم إلا خالق الوجود وخالقهم وكفاهم بذلك عظمة ، ((قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ)) ، ابداً لا أحد يقاس بمحمد وآل محمد ، فهم المطهرون من الرجس والدنس تطهيراً بإرادة الله ، ومودتهم حق وفرض على الناس في كتاب الله"[133].

 

علم الله تعالى:

وسنناقش فيما يخص علمه تعالى الذي هو عين ذاته المقدسة القضايا التالية:

الاولى: علم الله سبحانه بذاته:

يناقش الفلاسفة والعرفاء مفادها هل يعلم الله تعالى ذاته ! وهي قضية سفيهة لانها تناقش الخالق الذي تعجز العقول البشرية عن ادراك كنهه. ومن سخافة هذه القضية ان بعض الفلاسفة والعرفاء يرفضون (علم الحق بذاته) ومنهم شُرّاح كتب ابن عربي كالجندي وعبد الرحمن الجامي ، بينما ابن عربي نفسه يقول بغير ذلك فيذهب الى صحة القول بـ (علم الحق بذاته)[134] ، والحق هو ما علمنا اياه الأئمة الاطهار (عليهم السلام) من أن علم الله سبحانه هو عين ذاته. لا اكثر من ذلك ولا اقل. فلا يصح ان نقول هل يعلم الله ذاته لان علمه هو ذاته فكيف لا يعلم ذاته !!

 

الثانية: علم الله سبحانه وتعالى بالمخلوقات:

وسفسطة اخرى خاض بها اهل الفلسفة والعرفان مفادها: (ان الله لا علم له بالموجودات الاخرى)[135] ويناقشون هذه القضية رغم ان كبارهم لم يحفلوا بهذا الاعتقاد او الراي ويقيمون الدليل على بطلانه ، الا انهم انطلقوا منه الى سفسطة اخرى وهي اثباتهم كيفية علم الله تعالى بالمخلوقات !! فانقسموا في ذلك الى:

ـ هناك من يقول بأن علمه تعالى بالاشياء علم حصولي ! وهذا القول لأبي نصر الفارابي (توفي 338هـ) ، وابن سينا (توفي 428هـ) ، وبهمنيار (توفي 458هـ) ، وابي العباس اللوكري (تلميذ بهمنيار). حيث يقولون بأن علم الحق التفصيلي بالاشياء يتم عن طريق الصور المرتسمة حيث تحصل صور الممكنات في ذاته بوجه كلي ، ولا يغيب اي امر جزئي عن علمه ، أي ان علمه بالجزئيات عن طريق الكليات  ، وعلمه بهذه الصور علم حضوري مثل علمه بذاته ، إلا ان علمه بالاشياء الخارجية يحصل عن طريق هذه الصور فيُعدّ علمه حصولياً في هذه الحالة[136]!

ـ وهناك من يقول بالعلم الحضوري التفصيلي في مقام الفعل ، وبالعلم الحضوري الاجمالي في مقام الذات. وهذا قول شيخ الاشراق شهاب الدين السهروردي (توفي 586هـ) ، والشيخ نصير الدين الطوسي (توفي 672هـ) ، وقطب الدين الشيرازي (توفي 710هـ) ، ومحمد الشهرزوري (توفي في القرن السابع الهجري) ، وسعد او سعيد بن منصور اليهودي المعروف بابن كمونة (توفي 676هـ)[137].

ـ وهناك من يقول بتعلق علم الله تعالى بالثابتات الازلية ، وهو قول المعتزلة[138].

ـ وهناك من يقول بالعلم الحضوري الاجمالي قبل الايجاد في عين الكشف التفصيلي ، وهو قول الشيخ صدر الدين الشيرازي (ملا صدرا) المتوفي 1050هـ.

ـ وهناك من يقول بأن علم الحق بالاشياء في مقام الاحدية - والذي هو مقام تجلي الذات للذات وقبل ظهور الاسماء والصفات – عبارة عن ظهور المفصّل مجملاً ، وفي مقام الواحدية – والذي هو مقام ظهور الاسماء والصفات ومظاهرها ، أي الاعيان الثابتة وذوات الاشياء وماهياتها – عبارة عن ظهور المجمل مفصلاً. وهو قول بعض العرفاء وأصحاب الكشف والشهود[139] !

ـ وهناك من يقول إنّ الله تعالى عالم بالكليات والجزئيات بالتفصيل وفي جميع المراتب قبل الوجود الخارجي للاشياء وبعده ظاهراً ، ويؤكدون انّ علمه بالاشياء تفصيلي حتى قبل حتى قبل ايجادها في الخارج في جميع المراتب أحدية كانت او واحدية ، لأن الاعيان الثابتة والتي هي في الحقيقة لوازم الذات والصور العلمية للاشياء العينية معلومة للحق تعالى بشكل متمايز ومفصّل من أزل الآزال. وهو قول ابن عربي واتباعه[140].

الثالثة: العلم الموهوب لله (تعالى عما يصفون):

يقول ابن عربي: "(حضرة العلم وهي للاسم العليم والعالم والعلّام)" ... "يدعى صاحب هذه الحضرة عبد العليم ، والعلماء في هذه الحضرة على ثلاث مراتب: عالم علم ذاته ، وعالم علمه موهوب ، وعالم علمه مكتسب. وله حكم في الإلهيات وله حكم في الكون ، ففي الله علمه بكل شيء لذاته وعموم تعلقها بكل معلوم ، وقد بيّنا من أين تعلق علمه بالعالم ، والمكتسب في الله قوله (حتى نعلم) والموهوب في الله ما اعطاه العبد من تصرفه في المباح فإنه لا يتعين تقييده تعين الواجب والمحظور والمندوب والمكروه فحصول العلم بالتصريف في المباح علم وهب يعلمه الحق من العبد بطريق إلهية لأنه لا يجب عليه الإتيان به كما يجب عليه اعتقاده فيه إنه مباح والايمان به واجب واما مراتب هذه العلوم في الكون فهينة الخطب فإن الكون قابل للعلم بالذات فالعلم الذاتي له هو ما يدركه من العلم بعين وجوده خاصة لا يفتقر في تحصيله الى امر آخر إلا بمجرد كونه فإذا ورد عليه ما لا يقبله إلا بكونه موجوداً على مزاج خاص هو علمه الذاتي له. والمكتسب ما له في تحصيله تعمل من أي نوع كان من العلوم المكتسبة. والموهوب هو ما لم يخطر بالبال ولا له فيه اكتساب كعلم الافراد وهو علم الخضر فعلّمه من لدنه علماً رحمة من عند الله به حتى كان مثل موسى ع الذي كلمه ربه يستفيد منه ما لم يكن عنده ولا أحاط به خبراً يقول لم نذق له طعماً فيما علمه الله من العلم بالله"[141].

هذا هو ابن عربي الذي يقول السيد محمد حسين الطباطبائي عنه انه لم يستطع أحد في الاسلام أن يأتي بسطر واحد مما كتبه ابن عربي[142].

وعلى نفس المنوال يقول الحكيم مولى علي نوري: "سر عظيم عجيب غريب محصله انه (صلى الله عليه وآله) في عين كونه متعلماً من جبرائيل يكون معلماً لمن كان يتعلم منه جبرائيل وهو العلوية المسماة بذات الله العليا ، فاحتفظ بهذا"[143].

فأي شرك اعظم من هذا ؟!!

 

الرابعة: العلم الذاتي والعلم الفعلي:

تتناول مدرسة الحكمة المتعالية علم الله تعالى بالاشياء قبل ايجادها وعلمه بالاشياء بعد الايجاد. يقول سيد كمال الحيدري: (علمه تعالى بالموجودات قبل ايجادها وبعده علم حضوري)[144]. اما علمه بالاشياء بعد ايجادها فهو الذي يسمونه (العلم الفعلي) ، يقول سيد كمال الحيدري: (العلم الفعلي هو عين الفعل وهو غير الله سبحانه)[145].

ويقول سيد كمال الحيدري: (كما يوصف فعل الله بأنّه مخلوق له سبحانه ، كذلك يوصف بأنّه معلوم له ، وهذا هو العلم الفعلي)[146]. ويضيف: (كما أن الفعل الالهي هو خلقه فكذلك هو علمه. عند هذه النقطة تبرز ملاحظة مهمة تفيد أن هذا العلم ليس في مقام الذات ، بل هو خارج عن ذلك)[147]. ثم ذكر ان من الآيات التي تدل على العلم الفعلي هي قوله تعالى: (( الآن خفف الله عنكم وعلم ان فيكم ضعفاً ))[148] وقال: (وجه الدلالة على الاية على العلم الفعلي أنها تتحدث عن علمٍ حادثٍ لم يكن ثم كان. من الواضح أن مثل هذا العلم لا يمكن ان يكون ذاتياً لأنه حادث ، والعلم الذاتي عين الذات قديم بقدمها)[149]. وهنا يقع سيد كمال في التناقض فهو اولاً قال ان العلم الفعلي هو عين الفعل ثم عاد ليستشهد بالآية الكريمة ويقول انها تدل على علم لم يكن ثم كان مع انها لا تتحدث عن فعل لله تعالى !! علماً ان تفسيره للآية الكريمة بانها تخص "العلم الفعلي" هو تفسير بالرأي لا يخضع للقواعد التفسيرية المعتبرة. والتفسير بالرأي حرام بإتفاق المذاهب الاسلامية جميعها.

كما ان هناك إثارات اخرى يمكن تلخيصها بالتالي:

1.      العلم الذاتي لله تعالى هو علم حضوري فهو يعلم كل شيء مسبقاً حتى علمه الفعلي قبل ان يخلقه.

2.      الفعل الالهي هو إرادة الله وهو في نفس الوقت علمه الفعلي.

3.      العلم الفعلي لم يكن ثم كان.

فهذه الإثارات تكشف عن خلل واضح في فرضية "العلم الفعلي" عند مدرسة الحكمة المتعالية التي اطلقت على إرادة الله اسم "العلم الفعلي" ثم افترضت ان علم الله تعالى يتغير تبعاً للزمن !! متناسيةً ان الله تعالى هو الذي خلق الزمن فكيف يخضع له بزعم حدوث "علم فعلي" لم يكن ثم كان !!

كما إنّ فرضية "العلم الفعلي" لم تتمكن من تفسير المقصود بعلم الله سبحانه في الاية الكريمة المذكورة آنفاً والتي تظن مدرسة الحكمة المتعالية انها وضعت تفسيراً لها ولكنه مبني على التفسير بالرأي وهو امر محرّم !!؟

ومن جهة اخرى فإنَّ قول سيد كمال الحيدري بتفسيره الآية الكريمة المشار اليها ما نصه: " وجه الدلالة على الاية على العلم الفعلي أنها تتحدث عن علمٍ حادثٍ لم يكن ثم كان. من الواضح أن مثل هذا العلم لا يمكن ان يكون ذاتياً لأنه حادث" هو يناغم مزاعم ابن عربي بالعلم الموهوب الذي تحدثنا عن بطلانه بالفقرة (ثالثاً) الماضية ، فإن قول الحكمة المتعالية بالعلم الفعلي هو نفس قول ابن عربي بالعلم الموهوب لله تعالى. فأي باطل اوضح من قولهما هذا ؟!

 

الارادة والمشيئة صفة فعل ام صفة ذات:

لكلمة الارادة ثلاث معانٍ:

الاول: معنى عام يرادف تقريباً الحب والرغبة وهي بهذا المعنى تستعمل في مورد الله تعالى وفي مورد الانسان أيضاً بوصفها كيفية نفسانية (في مقابل الكراهية) ، فهي من هذه الجهة كالعلم الذي يشمل العلم الذاتي الالهي ، كما يشمل العلم الحصولي للانسان الذي الذي يعتبر من قبيل الكيفيات النفسانية. ولا بد من الاشارة الى ان (الارادة التشريعية) التي تتعلق بالفعل الاختياري لفاعل آخر ، هي أيضاً من مصاديق الارادة بمعناها العام.

الثاني: معنى خاص هو: العزم على انجاز فعل ، وتتوقف على تصور ذلك الفعل وللتصديق بلون من الفائدة (ومن جملتها اللذة) له ، وهي الفصل الحقيقي للحيوان ، كما انها من مشخِّصات (الفاعل بالقصد) أيضاً.

الثالث: معنى أخصّ ، ينحصر في الموجود العاقل ، وهو: العزمُ على الفعل الناشيء من الترجيح العقلي ، وهي لا تستعمل بهذا المعنى في الحيوانات ، وحسب هذا المعنى يكون الفعل الارادي مرادفاً للفعل التدبيري ، ومقابلاً للفعل الغريزي والالتذاذي الخالص[150].

فكلمة الارادة تستعمل في الاقل في معنيين ، احدهما: الرغبة والمحبة ، والآخر: التصميم على انجاز الفعل[151].

يقول ملا صدرا بان العلم والارادة بمعنى واحد فيما يتعلق بالله سبحانه ولا يوجد بينهما تغاير لا ذاتاً ولا اعتباراً ، وإرادته هي عين علمه بالنظام الاتم[152]. ويرى الشيخ نصير الدين الطوسي إنَّ الارادة نفس داعي الفعل[153]. بينما إرادة الحق تعالى في عرفان ابن عربي هي الميل نحو المراد الخاص ، وتختلف عن العلم طبقاً لبعض عباراته وشروح المعتبرين من شرّاحه. والمشيئة من حيث الاحدية عين الارادة الذاتية ، إلا انها تغايرها من حيث الالهية. والمشيئة تابعة ومترتبة على العلم والارادة مترتبة على المشيئة . والمشيئة عناية إلهية تتعلق بالكليات ولهذا لا يزيد متعلقه ولا ينقص ، لأن الكلّي لا يقبل الزيادة والنقصان ، في حين تتعلق الارادة بالجزئيات ولهذا يزداد متعلقها وينقص ويتغير لأن الجزئي يتعرض للتغيير. أضف الى ذلك أنّ المشيئة العامة قد تتعلق بايجاد المعدوم أحياناً واعدام الموجود في احيان اخرى ، بينما الارادة تقتصر على ايجاد المعدوم ، وهي التجلي الذاتي للحق لإيجاد المعدوم[154].

 

ويذهب ابن عربي بالرغم من اعتقاده بأنّ الله تعالى متصف بصفتي المشيئة والارادة معاً ، فهو "يذهب الى ان الامر الالهي واحد ، وتعارض احدية المشيئة مع الاختيار: (فإنّ الاختيار يعارضه أحدية المشيئة) ، وأن الله مريد غير مختار. فقد اورد في إنشاء الدوائر بأنّ الله سبحانه مريد غير مختار ولا وجود لممكن في الكون لأن الوجود منحصر في الوجوب والاستحالة. والموارد التي وردت فيها بالقرآن عبارات مثل ((ولو شئنا)) ، ((ولو شاء)) واقترنت فيها المشيئة بحرف الامتناع لكونها موجوداً قديماً مستحيل العدم ، إنما تدل على استحالة ما هو ضد لمشيئته"[155].

فابن عربي يناقش ويدحض بحسب فهمه الرأي القائل "ان الارادة هي صفة فعل وليس صفة ذات" ثم بعد ان يثبت لله تعالى ارادة يعود فيقول بأن الله مريد ولكنه غير مختار كما في النص السابق !!

وعلى الرغم من اعتقاد ابن عربي بأنّ الله تعالى متصف بصفتي المشيئة والارادة معاً بالمعنى الذي اشرنا اليه ، يذهب الى ان الامر الالهي الواحد ، وتعارض احدية المشيئة مع الاختيار: "فان الاختيار يعارضه احدية المشيئة" وان الله مريد غير مختار. فقد اورد في "انشاء الدوائر" بأن الله سبحانه مريد غير مختار ولا وجود لممكن في الكون لأنّ الوجود منحصر في الوجوب والاستحالة. والموارد التي وردت فيها بالقرآن عبارات مثل ((ولو شئنا)) ، ((ولو شاء)) ، واقترنت فيها المشيئة بحرف الامتناع لكونها موجوداً قديماً مستحيل العدم ، انما تدل على استحالة ما هو ضد لمشيئته[156].

وضمن اطار القول بأن الارادة صفة ذات وليست صفة فعل ، يقول السيد الخميني: (وما قرع سمعك من بعض أصحاب الحديث واغتـرارا بظـواهر بعـض  الأحاديث من غير الغور إلى مغزاها من كون إرادته تعالى حادثة مع الفعل  ومن صفات الفعل مما يدفعه البرهان المتين جل جنابه تعالى أن يكون في ذاته خلوا عن الإرادة التي هي من صفات الكمال للموجـودات بمـا أنـه موجود وكون كالطبايع في فعله الصادر من ذاته للزوم التركيب في ذاتـه وتصور ما هو الأكمل منه تعالى قدسه : قلت لأبي عبد الله ـ عليه السلام ـ علم الله ومـشيته همـا مختلفـان أو متفقان ؟ فقال : العلم ليس ألا ترى أنك تقول سأفعل كذا إن شـاء الله ولا تقول : سأفعل كذا إن علم الله فقولك إن شاء االله دليل على انه لم يشأ فإذا  شاء كان الذي شاء كما شاء وعلم الله السابق.  شك ودفع ربما يقال أن إرادته تعالى لا يمكن أن تكـون عـين علمـه تعالى فإنه يعلم كل شيء ولا يريد شرا ولا ظلما ولا شيئا من القبائح فعله متعلق بكل شيء دون إرادته فعلمه غير إرادته وعلمه عين ذاته فيجب أن يكون إرادته غير ذاته فهو مريد لا بإرادة ذاتية وعالم بعلم ذاتي. فيدفع بما في مسفورات أئمة الفلسفة بأن إفاضة الخيرات غيـر منافيـة لذات الجواد المنطلق بل اختيارها لازم ذاته وكون إفاضة الخيرات مرضيا لها بحسب ذاته هو معنى إرادته ووزان الإرادة المتعلقة بالخيرات بالإضافة إلى العلم وزان السمع والبصر فإنهما عين ذاته تعالى مع أنهما . متعلقان بالمسموعات والمبصرات فذاته تعالى علم بكل معلوم وسـمع بكل مسموع وبصر بكل مب صر وكذلك الإرادة الحقـة مـع كونهـا متعلقـة بالخيرات عين ذاته : ولنا مسلك آخر في دفعه نش ير إليه إجمالا والتفـصيل كالبرهـان عليـه موكول إلى محله وهو أن العلم الذي هو عـين ذاتـه تعـال وهـو كـشف تفصيلي في عين البساطة حقيقته حقيقة الوجود الصرف الجامع لكل وجود بنحو الوحدة و الكشف التام المتعلق بتبع كشفه عن الأشياء إنما هو كشف الوجد بما هو وجود بالذات وجهـات الـشرور والنقـائص الراجعـة إلـى الأعدام لا يمكن أن يتعلق بذاتها العلم بالذات لنقص فيهـا لا فـي العلـم وإنما يتعلق العلم بها بوجه على جهة التبعية وبالعرض كما أن الإرادة أيضا متعلقة بها كذلك فـوزان الإرادة بعينهـا وزان العلـم فـي التعلـق الـذاتي والعرضي فما قيل من أن العلم يتعلق بكل شئ دون الإرادة غير تـام بـل كلما يتعلق به العلم بالذات تتعلق به العلم بالذات تتعلق به الإرادة كذلك وكلما يتعلق به بالعرض تتعلق هي أيضا به بالعرض. فتحصل مما ذكر أن الإرادة فيه تعالى من صفات الذات)[157].

والارادة عند صدر الدين الشيرازي (الملا صدرا) والفلاسفة تعد من الصفات الذاتية للواجب تعالى[158]، بينما هي عند السيد محمد حسين الطباطبائي هي صفة فعلية للواجب تعالى منتزعة من مقام الفعل[159].

ومن المعلوم ان الارادة تكوينية هي التي يدور حولها الخلاف بين علماء الشيعة الامامية (الذين يقولون انها من صفات الفعل) وعلماء الحكمة المتعالية (الذين يقولون انها من صفات الذات) ، أمّا الارادة التشريعية فهي خارج النزاع بين المذاهب لأنها تتعلق بما يريده الله سبحانه من عباده.

يقول الشيخ المفيد (رض): " لا يخلو تعالى جدّه أن يكون مريداً لنفسه او بإرادة ، ولا يجوز أن يكون مريداً لنفسه لأنه لو كان كذلك لوجب أن يكون مريداً للحسن والقبيح ، وقد دلّ الدليل على أنه لا يريد القبيح ولا يفعله. ولا يجوز أن يكون مريداً بارادة لانها لا تخلو من ان تكون موجودة او معدومة ، ولايجوز ان تكون معدومة لأن المعدوم ليس بشيء [ولا] يوجب لغيره حكماً. وإن كانت موجودة لم تخل من أن تكون قديمة أو محدثة ، فإن كانت قديمة وجب تماثلها للقديم تعالى ، وكذلك السوادان والبياضان ، فيجب تماثل القديمين كذلك. وأيضاً فلو كان مريداً بارادة قديمة لوجب قدم المرادات بأدلّة قد ذكرت في مواضعها. فلم يبق إلا أن يكون تعالى مريداً بإرادة محدثة ، وهذا باطل ، من حيث كانت الارادة عند مثبتيها عرض ، والاعراض لا تقوم بانفسها ولا بد لها من محال ، ولم تخلّ محلّ هذه من ان يكون هو أو غيره ، ومحال كونه تعالى محلّ شيء من الاعراض لقدمه. ولا يجوز ان يكون مريداً بارادة محدثة تحلّ في غيره لوجوب رجوع حكمها الى المحلّ ، ولا يصح أن يكون حكمها راجعاً الى محلها ، ويكون تعالى مريداً بها ، ووجودها لا في محل غير معقول ، واثبات ما ليس بمعقول يؤدي الى الجهالات ، فثبت أنّه مريد مجازاً لا حقيقة ، فتأمل ذلك"[160].

وقال الشيخ ابو الصلاح تقي بن نجم الحلبي ت 447هـ: (وهو سبحانه مريد، لوقوع أفعاله على وجه دون وجه، وفي حال دون أخرى، وافتقار وقوع الافعال على ذلك الى كون فاعلها مريداً. لتعلّق كونه قادراً عالماً بجميعها على حد سواء، فلا يجوز اسناد وقوعها على الوجوه وفي الاوقات المخصوصة الى كون فاعلها قادراً عالماً. وإرادته فعله. لاستحالة كونه مريداً لنفسه مع كونه كارهاً، لأن ذلك يقتضي كونه مريداً كارهاً لكل ما يصح كونه مراداً، وذلك محال. ولأن ذلك يوجب كونه مريداً لكل ما تصح ارادته من الحسن والقبح، وسنبين فساد ذلك. أو بإرادة قديمة، لفساد قديم ثانٍ، ولأن ذلك يقتضي قدم المرادات، أو كون إرادته عزماً، وكلا الامرين مستحيل، وكونها من فعل غيره من المحدَثين محال، لأن المحدَث لا يقدر على فعل الارادة في غيره، لاختصاص إحداثها بالابتداء، وتعذر الابتداء من المحدَث في غيره، ويستحيل وجود قديم ثان على ما نبينه، فلا يمكن تقدير إحداثها به. وهي موجودة لا في محل، لإستحالة حلولها فيه تعالى، لكونه قديماً يستحيل كونه بصفة المحالّ، وحلولها في غيره في حيّ أو جماد يقتضي اختصاص حكمها بما حلّته، ويحيل تعلّقها به تعالى، فثبت وجودها لا في محلّ، ولوجودها على هذا الوجه الذي له انقطعت عن كلّ حيّ ما وجب اختصاصه به تعالى)[161].

وقال العلامة الحلي (رض): "والاوائل نفوا الارادة عنه تعالى لأن القاصد الى ايجاد شيء يكون مستكملاً بذلك الشيء من حيث انه اذا فعله حصل ما هو اولى به ان يفعله فإن القاصد لإيجاد شيء لو لم يكن له ذلك اولى به لما توجه القصدُ نحوه"[162].

وقال في (مناهج اليقين): "الحق عندي أن الارادة ليست بزائدة على الداعي"[163].

وقال في (الاسرار الخفية في العلوم العقلية): "انها العلم الخاص بما في المخلوقات من المصالح الراجعة اليهم وهو الداعي الى الايجاد ، والحكماء عبّروا عنها بالعناية وهو قريب من هذا ، فإنهم فسّروها بالعلم بنظام الكلّ على الوجه الاكمل الموجب لصدور الفعل ، والارادة والقدرة والعلم متغايرة بالاعتبار وإن كانت واحدة بالذات"[164].

وبخصوص قول العلامة الحلي (رض): "ويجب ان يعتقد أنّه تعالى مريد لأن نسبة الحدوث الى جميع الاوقات بالسويّة فلا بد من مخصّص هو: الارادة". يشرحه المقداد السيوري بقوله: "أقول لمّا ثبت أنّ العالم محدث ، فتخصيص وجود المحدثات بوقت دون وقت مع تساوي الاوقات بالنسبة اليها لا بد له من مخصّص خصّص وجوده بذلك الوقت دون غيره من الاوقات ، وإلا لزم التخصيص من غير مخصص ، وهو محال. وذلك المخصّص هو الارادة ، وهو علمه بما في وجود ذلك الحادث في هذا الوقت من المصلحة دون غيره من الاوقات ، فلهذا اختصّ وجود بذلك الوقت. هذا معنى كونه مريداً لما يفعله ، كما تقول: انّه تعالى اراد خلق العالم لما علم في وجوده من المصلحة. واما معنى كونه مريداً لأفعال عباده ، فإذا قلنا: انّه تعالى اراد من العبد الايمان ، فمعناه: انه اراد: امر به ، لأن كل من امر بشيء لا بد أن يكون مريداً [له] ، وقد أمر العبد بالايمان ، فيكون مريداً له"[165].

وقال العلامة الحلي (رض) في كتابه (شرح الباب الحادي عشر): (انه تعالى مُريد وكاره، لأن تخصيص الافعال بايجادها في وقت دون آخر، لابدّ له من مُخصص وهو الارادة، ولأنه تعالى أمَرَ ونهى، وهما يستلزمان الارادة والكراهة بالضرورة). وقد شرح المقداد السيوري هذا النص بقوله: (اتفق المسلمون على وصفه بالارادة، واختلفوا في معناها. فقال ابو الحسين البصري هي عبارة عن علمه تعالى بما في الفعل من المصلحة الداعي الى ايجاده) ، الى ان يقول: (فإذن الحق ما قاله ابو الحسين البصري. والدليل على ثبوت الارادة من وجهين الاول ان تخصيص الافعال بالايجاد في وقت دون وقت آخر، وعلى وجه دون آخر، مع تساوي الاوقات والاحوال بالنسبة الى الفاعل والقابل، لا بد له من مخصص، فذلك المخصص إما القدرة الذاتية، فهي متساوية النسبة، فليست صالحة للتخصيص، ولأن من شأنها التأثير والايجاد من غير ترجيح، وأما العلم المطلق فذلك تابع لتعيين الممكن وتقدير صدوره، فليس مخصصاً والا لكان متبوعاً. واما في باقي الصفات فظاهر انها ليست صالحة للتخصيص. فإذن المخصص هو علم خاص مقتضي التعيين الممكن ووجوب صدوره عنه، وهو العلم باشتماله على مصلحة لا تحصل الا في ذلك الوقت او على ذلك الوجه، وذلك المخصص هو الارادة. الثاني: أنّه تعالى أمر بقوله ((اقيموا الصلاة)) ونهى بقوله ((ولا تقربوا الزنا)) فالامر بالشيء يستلزم ارادته ضرورة والنهي عن الشيء يستلزم كراهته ضرورة، فالباري تعالى مريد وكاره وهو المطلوب)[166].

وقال السيد ابو القاسم الخوئي (رض): (الارادة منه تعالى عبارة عن المشيّة التي هي فعل من أفعاله سبحانه ، فيوجد الافعال بإعمال القدرة ويوجد إعمال القدرة بنفسه ، وهذا المعنى هو المراد في صحيحة عمر بن أذينة ، من قوله (عليه السلام): ((خلق الله المشيّة بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشيّة)) ، وقرأ بعض الفلاسفة – واظن انه المير داماد – المشيّة بالرفع مع حذف لفظ خلق، أي المشيّة ثابتة بنفسها ، مع أنّ الموجود في الرواية ذكر لفظ خلق قبل المشيّة وتكراره بعدها ، فراجع. فتحصّل أنّ إرادته تعالى لا تكون من صفاته الذاتيّة بل من صفاته الفعليّة ، [وأنّه] قد عبّر عنها في الروايات تارة بالمشيّة – كما في صحيحة محمد بن مسلم ، وكما في صحيحة عمر بن اُينة التي تقدّمت الاشارة اليها – واخرى بالإحداث ، وثالثة بالفعل ، كما في صحيحة صفوان بن يحيى. فالمتعيّن هو الاخذ بهذه الروايات الدالّة على أنّ إرادته تعالى هي مشيّته وإعمال قدرته ، وهي فعله فقط ، وإما الإرادة الذاتية وقد يعبّر عنها بالإرادة الازليّة التي هي الأساس لمذهب الجبر وما يرجع إليه من أنّ أفعال العباد منتهية إليها ممّا لا حقيقة له)[167].

وقال السيد عبد الاعلى السبزواري: (والائمّة الهداة (عليهم السلام) جعلوا إرادته تعالى عين فعله)[168].

ويقول الشيخ حيدر الوكيل: "الارادة وهي من صفاته الفعلية ، وهي بمعنى فعله ، فارادته هي فعله ، والمراد بارادته هنا هي التكوينية ، اما التشريعية فهي المرتبطة بفعل العبد بمعنى انه يريد صدور الفعل من العبد بارادة العبد ، فيأمره وينهاه"[169].

وفي معرض ابطال مذهب ابن عربي هذا في ان (الله مريد غير مختار) – آنف الذكر - يقول الشيخ ماجد الكاظمي: (هل ان ارادة الله جلّ وعلا ذاتية فلا يتخلف المراد عن الارادة؟ ام ان ارادته صفة من صفات الافعال لا من صفات الذات وانه فاعل بالاختيار؟ اقول: هذه احدى نقاط الخلاف بين الفلاسفة والاخرين حيث ان الفلاسفة تبنّوا ان ارادته تعالى عين ذاته وعليه فلا ينفك المراد عن الارادة وحاصله قدم العالم لقدم الذات المقدسة الالهية) ، وقال: (ويلاحظ عليه: ان الله جل وعلا مريد مضافاً لكونه مختاراً فليست ارادته منفكة عن اختياره فلا يمتنع ان تكون الارادة "بالمعنى الاتي من العلم" عين الذات وقديمة لكن متعلقها "يعني المراد" يحصل في وقت خاص فكون الارادة عين الذات لا ينافي تعلقها بمراد منفك زمناً عن الارادة فالذات الالهية حسب ما تقدم من الدليل العقلي القاطع قاهرة لا مقهورية ولا مغلوبية فيها. واما اعتبار ان المراد لا ينفك عن الارادة زماناً ووجوداً فمعناه حذف الاختيار عن الذات المقدسة وهو باطل عقلاً وهل يصح ان يكون لنا اختيار ونحن لا نملك من امرنا شيئاً الا ما ملّكنا الله اياه وربنا لا يملك قدرة الاختيار. ! والحاصل فسواء قلنا ان الارادة من صفات الذات ام من صفات الافعال فذلك لا يستلزم صدور الخلائق عنه تعالى بالايجاب لا بالاختيار ولذا ارجع العلماء ارادته تعالى الى صفة العلم وقالوا: "ارادته لأفعال ذاته عبارة عن علمه الموجب لوجود الفعل في وقت دون وقت بسبب اشتماله على مصلحة داعية الى الايجاد في ذلك الوقت دون غيره". هذا الى ان الفاعل بالايجاب لا يسمى مريداً وذلك لأنه مضطر ومقهور على صدور الفعل منه[170].

وفرّق السيد محمد جعفر المروّج الجزائري بين الفاعل بالايجاب فخصه بأسم العلّة وبين الفاعل بالاختيار حيث قال في ضمن كلام له : (لعدم كونه تعالى علة للكائنات بل هو موجد لها بالارادة والاختيار ولا سنخية بين الواجب والممكن حتى يكون وجود الممكن من مراتب وجوده جلّ وعلا)[171].

وقال القاضي الفيلسوف محمد سعيد القمي: (اعلم ان حدوث الارادة والمشيئة من مقررات طريقة أهل البيت ، بل من ضروريات مذهبهم صلوات الله عليهم)[172].

 

الأعيـان الثابتـة:

نفس الإخفاق الفكري دائما يصاحب ابن عربي حيث يقيس الخالق تعالى شأنه بالمخلوق !  فيظن انه حيث إنَّ علم الله تعالى قديم فيكون علمه بالممكنات قديم ايضاً ، ولذلك ذهب الى اعتبار ان هناك اعيان ثابتة هي اعيان الممكنات وانها قديمة ومعدومة في نفس الوقت !! وفاته انه حيث لم يأخذ معرفته عن طريق آل البيت (عليهم السلام) فهو لا يؤمن بأن علم الله تعالى عين ذاته ، والخالق تبارك وتعالى لا يقاس على المخلوق ، فلا يُقال ان علم الله تعالى الذي هو ذاته المقدسة حيث انه قديم فعلمه بالممكنات قديم ايضاً ، حيث لا يجوز ان يكون علمه محدث او متغير لان ذلك من صفات الممكنات لا من صفات القديم. ولذلك ذهب ابن عربي الى القول بوجود اعيان ثابتة هي اعيان الممكنات جميعها وهي اعيان معدومة وازلية في نفس الوقت !! والحق هو ان يتوقف عند العلم الالهي ولا يفكر بعقله البشري القاصر عن كيفية تكوّن العلم الالهي وعدم تغيره بوجود الممكنات ، فهذا شيء لا يمكن ان يدركه عقل ابن عربي ولا غيره من العقول البشرية القاصرة. ولا يُقال عن هذا انه تعطيل عن معرفة الله تبارك وتعالى حيث ان المعرفة البشرية لهذا حدود تقف عندها فيما يخص عظمة الخالق جلَّ وعلا.

فلنلق نظرة على فكرة الاعيان الثابتة وفق تصور ابن عربي ، حيث يشرحها الدكتور محسن جهانگيري فيقول: "يبدو ان ابن عربي اول مفكر اسلامي واضع اصطلاح الاعيان الثابتة"[173] ، وقال: "الاعيان الثابتة في عرفان ابن عربي وأتباعه عبارة عن حقائق وذوات وماهيات الأشياء في علم الحق. او هي بتعبير آخر الصور العلمية للأشياء والتي هي ثابتة في علم الحق منذ أزل الآزال وتبقى ثابتة حتى أبد الآباد"[174]... "ان الاعيان ثابتة في علم الحق بالتجلي الذاتي والفيض الاقدس ، وهي موجودة بوجوده ، إلا انها معدومة في نفس الوقت ، أي غير مجعولة وليس لديها وجود خارج ومستقل عن ذاته ، وتبقى في حالة العدم والاختفاء الى الابد. وأن ما يظهر بالتجلي الشهودي للحق تعالى ويصبح ذا وجود عيني وخارجي بفيضه المقدس ، هي أحكام الأعيان وآثارها وليست الأعيان"[175].

"بل يصل الامر عند العارف حيدر الآملي الى ان يعد العلم المتمثل بالاعيان الثابتة هو ذاته  الخالق. فالاعيان من حيث إنها موجودة في العلم ومعدومة في الخارج فإنها مجعولة من حيث هي هي ، او انه لا يصدق عليها انها مخلوقة في العلم والخارج ، لذلك تكون عبارة عن الخالق بالضرورة ، حيث لا واسطة بين الخالق والمخلوق ، فالخالق واحد ومن ثم فإن الفاعل والقابل واحد لا غير ، وهو ذات هذه الاعيان"[176].

ويرى سيد كمال الحيدري وهو من اعلام الحكمة المتعالية: "ذهب الباحثون المحققون الى ان صفحة الاعيان الى الله سبحانه كصفحة الاذهان الى الانسان"[177].

ويشرح يحيى محمد فرضية الاعيان الثابتة فيقول: "لفظ الاعيان الثابتة هو لفظ عرفاني اريد به معنى الماهية الامكانية قبل ان يفيض عليها الوجود. وهو يصدق على الاشياء الكلية والجزئية ، بينما يطلق الفلاسفة على الكليات عادة مصطلح الماهيات والحقائق، وعلى الجزئيات مصطلح الهويات. ويُقصد بالاعيان الثابتة انها صور الاشياء الكامنة في العالم الالهي ، او انها صور الوجودات الامكانية. لكن اذا كنا قد علمنا ان الماهيات هي اظلال الوجود وان لها خصوصية محاكاته في الشبه، فان الامر في العلاقة بين الاعيان الثابتة والوجودات الممكنة لا يستقيم الا بان يتخذ صورة العكس، حيث يكون الوجود الامكاني تابعاً وظلاً حاكياً لما عليه تلك الاعيان. فهذه الاخيرة تسبق الوجود وتتقدمه رتبة باعتبارها كائنة في محل الجمع الالهي. والاعيان مع هذا السبق والتقدم والاصالة فانها ليست معدودة في لوح الوجود، وعلى حد قول الفلاسفة والعرفاء انها ما شمت رائحة الوجود ولا كانت موضعاً للجعل والتأثير، بخلاف الحال مع نظيرها الوجود. لكن من جانب اخر انها بهيئتها الجمعية تعبر عن ذات الوجود الالهي الذي يمثل صور الاشياء جميعاً ضمن قاعدة (بسيط الحقيقة كل الاشياء). وهنا ان الفارق بين الوجود والماهية يتحدد بحسب اعتبارات الحدود، حيث تتصف الماهية بكونها محدودة، أما الوجود المحض فهو عبارة عن مجموع الماهيات من غير ان يكون محدوداً بحد خاص، مثلما صوره صدر المتألهين. فها نحن امام مشاكلة ومطابقة اخرى بين الوجود والماهية، او الاشياء والاعيان الثابتة. فالمشاكلة والسنخية بين الوجود والماهية على الصعيد المعرفي الانساني ما هي الا نتاج تلك المشاكلة السابقة بين الاعيان الثابتة والاشياء، وبالتالي بين المبدأ الاول والوجودات الفائضة عنه. ورغم ان صدر المتألهين انكر وجود سنخية بين المبدأ الاول والماهيات الكلية ، الا ان اعتبار الماهية شبحاً وصورة للوجود، لا بد ان يحتم وجود نوع من التناسب بينها وبين الاول. نعم انه عند اخذ الوجود بمعناه الفعلي فانه لا مجال للقول بوجود اي شبه ومشاكلة بين الطرفين، لكن اخذ الوجود بمعناه الذاتي يقيم هذه العلاقة، وهو المعنى الذي صرح به ذلك الحكيم في العديد من المرات، واعترف بوجود المشاكلة والمحاكاة بين الوجود والماهية، وبالتالي يتحتم ان يكون بين المبدأ الاول والماهيات نوع من الشبه والمشاكلة مهما بدا ضعيفاً، فمن المقرر وجود هذه المشاكلة بينه وبين الوجودات الفائضة عنه، وانه مع وجود المحاكاة بين هذه الوجودات وماهياتها، فانه لا محالة ان تكون هناك مشاكلة ومحاكاة بين ذلك المبدأ والماهيات المجعولة عرضاً بجعل الوجود. بل نجد في بعض المواضع ان كلام صدر المتألهين يتضمن هذه المسانخة والمحاكاة، كالذي صرح به تعويلاً على اثولوجيا افلوطين، اذ قال: ‹‹ان جميع الماهيات والممكنات مرائي لوجود الحق تعالى، ومجالي لحقيقته المقدسة، لكن المحسوسات لكثرة قشورها لا يمكن فيها حكاية الحق››. ورغم اننا لا نجد اتحاداً نوعياً بين الماهيات المجردة او المفاهيم النوعية الكلية باعتبارها مفاهيم مبهمة، لكن فيما يخص الماهيات الجزئية يلاحظ انها تعكس ما عليه رتب الوجود الخاصة، وبالتالي فان تكثر الماهيات واختلافها انما يأتي من حيث كونها مفاهيم كلية غير مجعولة. وسواء اعتبرنا الماهية المجعولة هي نفس الذات المشخصة أو أنها ظل الوجود وتابعه، ففي كلا الحالتين يقتضي الامر ان تكون هناك وحدة للماهيات يسود بين مراتبها التشابه والتشكيك. الامر الذي يفسر لنا علة مشابهة محض الوجود للوجودات من حيث كونهما وجوداً، في الوقت الذي يشابه الماهيات من حيث كونه جامعاً لكل الأشياء الماهوية، او باعتبار كونه جسماً اشرف من سائر الانواع الجسمية، او انه نور الانوار جميعاً، وهو تعبير اخر عن الكيفية الماهوية وليس الوجود. هكذا حين يكون الوجود أصلاً والماهية فرعاً فانه لا يمنع من وجود سنخ وتشكيك فيما بين الفروع كما هو حاصل مع الاصول. بل اذا كانت الفروع على شاكلة الاصول، وكانت الاصول ذاتها محكومة بمنطق المشاكلة، فان الفروع ستكون هي الاخرى محكومة بهذا المنطق بالعرض والتبعية. وكل ذلك من مقتضيات قانون السنخية. كما بحسب هذا المنطق ان سريان الوجود وتنزلاته يجر معه تنزلات ما يتبعه من الماهيات. فالسريان مختص بالوجود، فهو يسري على الماهيات فيجعلها موجودة، وهو بهذا السريان الذي يحفظ للماهيات مقام التبعية يتنزل فيكون بعضه اضعف من البعض الاخر وفقاً لمقدار البعد عن المبدأ الاول، لكن ذلك يفضي الى ان تكون الماهيات التي يسري عليها الوجود هي الاخرى متنزلة بالتبع، فيكون بعضها اضعف من البعض الاخر وفقاً لما هي عليه من الرتب التابعة للوجود. مع هذا يمكن القول ان الماهيات من حيث كونها اعياناً ثابتة فانها تكون الاصل في نشأة الوجودات الفائضة، فهي لا تتقدم على وجود الممكنات فحسب، وانما ايضاً لها ارتباط سنخي معه. وهنا تنشأ المشكلة، اذ كيف يمكن تصور انها الاصل الذي تعود اليه نشأة الوجودات الممكنة مع انها لا توصف بالوجود؟ وبعبارة اخرى كيف نصف الاعيان الثابتة قبل سريان الوجود عليها، وما سر هذا السريان وعلاقة ذلك بمولد التفكير الوجودي (السنخية)؟ مشكلة تقدم الاعيان الثابتة على الوجود: لقد افترض الفلاسفة الذين قالوا باصالة الوجود في الممكنات ان هذا الوجود تسبقه الماهيات المعبر عنها بالاعيان الثابتة، لكن السؤال المطروح، هو كيف يجوز ان تتقدم الماهية على وجودها، مع ان التقدم يعطي لها بعداً من الكمال؟ باعتبار ان الاخس لا يمكنه ان يكون قبل الاشرف بحسب منطق السنخية، وبالتالي فان الاشرف هو اولى بالوجود من غيره. وقد يبدو لأول وهلة ان الفلاسفة لا يترددون في وصفها بالوجود الذي يصحح مسألة تقدمها وكمالها، وكما وصفها صدر المتألهين بانها وإن لم تكن موجودة برأسها لكنها مستهلكة في عين الجمع، وهذا الاستهلاك هو نحو موجوديتها. كما وصفها ايضاً بانها وإن لم تكن في الازل موجودة بوجوداتها الخاصة الا انها كلها متحدة بالوجود الواجبي، واعتبرها بهذا القدر قد خرجت عن كونها معدومة في الازل، دون ان يلزم شيئية المعدوم كما زعمته المعتزلة. لهذا كانت بنظره عبارة عن صور كمالات الحق تعالى ومظاهر اسمائه وصفاته ، او انها تمثل المجالي والمظاهر التي تتجلى فيها صفات الرب وظهور اسمائه. او هي كما عرفها حيدر الآملي ‹‹من شئونه الذاتية التي هي عبارة عن كمالاتها الغير المتناهية الكامنة في ذاته المسماة بالصفات والاسماء والكمالات والشئون››. وهي من هذه الناحية تمثل معلومات الله الازلية وصوره العلمية التي لا يجوز ان توصف بكونها مجعولة لكونها معدومة في الخارج. او باعتبارها قوابل للتجليات الالهية والاسمائية، بالتالي فانها ليست بجعل جاعل. فبهذه الاعتبارات يمكن ان يقال: كيف لا يكون للاعيان الثابتة وجود، وهي التي تمثل موضع الشهود العلمي المعبر عنه بالفيض الاقدس والمخاطبة بخطاب (كن)، فهي منتسبة بهذه الجهة الى حضرة الوجود، ومستفيضة منه الوجود الآخر العيني المعبر عنه بالفيض المقدس، والذي يعتبر محض الاضافة الاشراقية، فكيف لا يكون لها وجود اعظم من الوجود الخارجي الذي تظهر به في فيضها الآخر المقدس ؟ وهي قد سميت بالفيض الاقدس بمعنى الاقدس من شوائب الكثرة الاسمائية ونقائص الحقائق الامكانية ، خاصة انها تمثل صوراً علمية، والصور لدى الفلاسفة من طبقة صدر المتألهين احق بالوجود من غيرها. كيف لا وقد اقر هذا الحكيم بان للاشياء وجوداً الهياً كما لها وجود عقلي ومثالي وطبيعي، فذلك الوجود هو عين صور الاشياء كلها؛ كلّيها وجزئيها وقديمها وحادثها، وهو الذي اعتبره اولى ان يكون نفس الامر دون ان يلزم ثبوت المعدومات، فالمعدوم المحال لديه هو انفكاك الشيئية عن الوجود مطلقاً، لا انفكاكها عن الثبوت الخارجي مع تحققها بالوجود الرباني وظهورها فيه. بل كما سنرى ان الاعيان الثابتة تكون في رتبة الذات الالهية الاحدية هي الفاعل والقابل للموجودات، وهي خالقة كل شيء، كالذي ذهب اليه العارف حيدر الاملي والذي يتفق مع مذاق صدر المتألهين. وواقع الامر ان الفلاسفة تارة يضفون على الاعيان نوعاً من الوجود يصحح كمالها وتقدمها، واخرى ينفون ذلك عنها. فهي من حيث الاعتبار الاول لا تخرج عن الوجود الالهي، بل انها ذات الشهود العلمي الالهي وفيضه الاقدس، وبكلها تمثل عينه وان كانت غيره من حيث التعين والتقيد. لكنها من ناحية اخرى عُدت في حيز الامكان العدمي ما شمت رائحة الوجود ازلاً وابداً. وكما قرر صدر المتألهين بأن الماهيات قبل الوجود لا يمكن الحكم عليها بشيء من الاشياء، ولا حتى الحكم عليها بثبوت نفسها لها، اذ لا ظهور لها ولا امتياز فيما بينها قبل الوجود، انما بالوجود تظهر الماهيات المظلمة الذوات على البصائر والعقول، وبسبب الوجود المعقول او المحسوس يمكن الحكم عليها انها هي هي او ليست الا هي، أما هي لذاتها فليست موجودة ولا معدومة ولا ظاهرة ولا باطنة، ولا قديمة ولا حادثة. فجميع السلوب صادقة في حقها ازلاً وابداً، فلا لا ذات لها حتى يثبت لها شيء من الاشياء، وبالتالي فان ارتفاع النقيضين انما يستحيل عن الشيء الموجود من حيث كونه موجوداً لا من حيث كونه غير موجود. ومن ثم فالحكم على الماهيات ولو كان باحكامها الذاتية واوصافها الاعتبارية السابقة الازلية من الامكان والبطون والظلمة والخفاء والكمون واشباهها انما يتوقف على انصباغها بصفة الوجود واستنارتها به. لذلك يقول بعض اهل الكشف بان الماهيات لم تظهر ذواتها ولن تظهر ابداً، بل يظهر احكامها واوصافها، وما شمت رائحة الوجود اصلاً. ويوضح صدر المتألهين مراده من امر حقيقة هذه الاعيان تارة فلسفياً بعلاقتها بالوجود، واخرى عرفانياً بعلاقتها باسماء الله. ومن حيث العلاقة الاولى اعتبر ان لشيئية الممكن وجهين، هما شيئية الوجود وشيئية الماهية، وتمثل الشيئية الاولى ظهور الممكن في مرتبة من المراتب وعالم من العوالم. في حين تمثل شيئية الماهية نفس معلومية الماهية بنور الوجود، وانتزاعها من دون تعلق الجعل والتأثير بها، وكذا من غير انفكاك هذه الشيئية عن الوجود، فلا تعني موجودية الماهيات ان الوجود يصير صفة لها، بل ما يحصل هو انها تصير معقولة من الوجود ومعلومة منه، فيكون المشهود هو الوجود والمفهوم هو الماهية، وبذا تمتاز شيئية الممكن عن الممتنع، وتتقبل الفيض الربوبي وتستمع أمر (كن) فتدخل في الوجود بامر ربها. فالاعيان الثابتة مستعدة في ذواتها وحال عدمها لقبول الامر الالهي اذا ورد عليها الوجود عبر تلك الكلمة، كما في قوله تعالى: {انما قولنا لشيء اذا اردناه ان نقول له كن فيكون} النحل/40، حيث بها تكونت وظهرت في الاعيان الخارجية. هكذا ان شيئية الماهية للممكن وثبوتها للامر الواجبي والفيض الالهي هو ظهور احكامها بنور الوجود لا اتصافها به. ويؤيد هذا الذي ذكره صدر المتألهين هو ان الممكنات عند العرفاء والصوفية ليس لها الا الشيئية الثبوتية، لا الشيئية الوجودية الا مجازاً، ولاجل ذلك لما سمع ابو القاسم الجنيد حديث ‹‹كان الله ولم يكن معه شيء›› قال: والآن كما كان. فالماهيات او الاعيان من هذه الناحية لا تتصف بالوجود، انما لها شيئية وسطية بين الوجود والعدم التام، هي تلك المطلق عليها الشيئية الثبوتية. ومن حيث العلاقة الثانية، اي علاقة الاعيان باسماء الله كما يصورها العرفاء ويتابعهم فيها صدر المتألهين، فهي ان هذه الاعيان تُعد لوازم تلك الاسماء، وعند القيصري ان الاعيان تارة تكون عين الاسماء بحكم اتحاد الظاهر والمظهر، وتارة اخرى غيرها ، وهي من حيث كونها من لوازم الاسماء فذلك يعني ان تكثرها مستند الى تكثر الاسماء او الصفات، وكما يشير القيصري واتبعه في ذلك صدر المتألهين، انها من حيث كونها في غيب الحق وحضرته العلمية تعد شؤون الحق واسماءه الداخلة في الاسم الباطن، ولما اراد الحق ايجادهم ليتصفوا بالوجود في الظاهر كما اتصفوا بالثبوت في الباطن اوجدهم باسمائه الحسنى، فاول مراتب ايجادهم اجمالاً هو في الحضرة العلمية التي هي الروح الاول ، وبه دخلوا تحت الاسم الظاهرالذي هو مظهر العلم الالهي، كما انه مظهر القدرة الالهية. والاعيان الثابتة هي التي تعلق بها علم الله، فادركها على ما هي عليه مع لوازمها واحكامها. فالعلم في المرتبة الاحدية عين الذات مطلقاً ، وفي المرتبة الواحدية التي هي حضرة الاسماء والصفات صور مغايرة للذات حيث فيها الاعيان ، وذلك نظير ما ذهب اليه المشاؤون من ان علمه تعالى بالاشياء عبارة عن صور موجودة بعد وجوده وعلمه بذاته، وهي قائمة بذاته قيام الاعراض بموضوعاتها. لكن لدى صدر المتألهين ان الامر ليس كذلك، فقد اعتبر الاعيان الثابتة معان متكثرة انسحب عليها حكم الوجود الواجبي بالعرض، والتغاير بينهما ليس بحسب الوجود، بل بحسب المعنى والمفهوم. فعلم الله بالاشياء علماً تفصيلياً عبارة عن المعاني والنسب اللازمة لاسمائه وصفاته، وهذه الاسماء والصفات ليست متأخرة في وجودها عن وجود الذات الاحدية تأخر الصفات الزائدة على الشيء عن وجوده، بل هي موجودة بوجود الذات، فتكون صفات الله عين ذاته وجوداً وغيرها معنى، وكذا الاعيان والمظاهر قياساً بالاسماء والصفات. فهذا هو معنى كون الاعيان قبل وجودها في الخارج موجودة في علم الله، وليس كما يفهم من ظاهر كلمات العرفاء من ان ثبوتها يجعلها منفكة عن الوجود. فهي اذن موجودة قبل وجودها في الخارج بوجود الاسماء والصفات، بل بوجود الحق، لكنها هناك غير مجعولة الوجود، كما انها غير مجعولة العين، وهي في الخارج مجعولة الوجود، فجعلها هنا تابع لجعل الوجودات الامكانية كما ان لا مجعوليتها هناك تابع للا مجعولية الوجود الواجبي. وبالتالي جاز القول ان العلم تابع للمعلوم، كما جاز القول ان المعلوم تابع للعلم، لاختلاف الجهتين، فثبوت الاعيان من حيث هي هي هو غير وجودها في علم الله بوجود الذات، غيرية الماهية من حيث هي لوجودها، والاول معلوم والثاني علم، فيكون العلم تابعاً للمعلوم. ثم ان وجودها في العلم الاحدي مقدم على وجودها في الخارج، فيكون المعلوم تابعاً للعلم. اذن ان ثبوت هذه الاعيان انما بحسب صفاته واسمائه، فهو مشيء الاشياء، مثلما انه بحسب فعله وجوده موجد الموجودات ومظهر الهويات. فشيئية الاشياء انما هي برحمة الصفة لا برحمة الفعل، وصفات الله لا تعلل. وواضح هنا ان صدر المتألهين لا ينفي عن الاعيان الثابتة وجودها، انما ينفي عنها ذلك الوجود الجعلي، وبالتالي انه بحسب هذا المفهوم لا تكون الاعيان وسطاً بين الوجود والعدم التام، فهي موجودة بوجود غيرها من غير جعل. اذ الجعل لا يكون للقابل او الماهيات، بل يصدق على الوجود الخارجي، فهي من حيث هي هي ليست مجعولة. ومن المفترض ان تكون في وجودها اللا جعلي هذا اكمل واتم مما هي عليه في وجودها الجعلي اللاحق، خاصة وانها تعد من لوازم الاسماء والصفات الالهية، وبالتالي لا مبرر لاعتبارها تمثل ذلك الثبوت المظلم. حتى استدل العرفاء والاشراقيون على هذا النوع من الثبوت المظلم للماهيات بالحديث النبوي القائل: ‹‹خلق الله الخلق في ظلمة، ثم رش عليه من نوره››؛ اشارة الى ثبوتها في العلم قبل ان تظهر بالوجود، او المعبر عنه بالشيئية دون الوجود. وكذا استدلوا عليها بقوله تعالى: {وجعل الظلمات والنور} الانعام/ 1، حيث اعتبروا تقدم الظلمات على النور للاشعار بثبوت الاعيان او الماهيات في الثبوت العلمي. وكان ابن عربي يرى ان الظلمة هي غيب الغيب وحضرة الهية لا تُسلك ابداً الا بنور السالك. وعلى ما يبدو انه هنا يراد لها من الكمال الذي هو كمال الباطن ما يفوق كمال الظاهر او الوجود الخارجي. مع ان هناك مشكلة تتعلق بتفسير الحديث النبوي والآية القرآنية الانفي الذكر. فلفظة (خَلَقَ) في الحديث لا يمكن تفسيرها بمعنى جعل واوجد وما شاكل ذلك، اذ الاعيان الثابتة ليست مجعولة، لهذا فسرت بـ (قدّر)، فيصبح المعنى ان الله تعالى قدّر الخلائق في عالم الظلمة لكونها لم تتنور بعد ولم تتعلق بالايجاد والجعل من قبل الاسماء الالهية. والواقع ان هذا المعنى حتى لو كان يطابق الحديث تماماً من حيث كون (خلق) بمعنى (قدّر)، فانه لا يطابق مقام ما هو عليه الماهيات الا مجازاً، فهي لا تخضع لتقدير مقدر بمعنى القياس والتدبير، فهي مقدرة بذاتها دون حاجة الى من يقدرها، لكونها تمثل جمعاً عين ذات المبدأ الحق. أما ما جاء في الآية من كون الجعل شاملاً لكل من الظلمات والنور حيث يقول تعالى: {وجعل الظلمات والنور}، فقد فُسّر الجعل ايضاً على معنى التقدير من حيث هو متعلق بالظلمات، فيكون معنى جعل انه (قدّر)، في الوقت الذي لا يخرج معناه عن الجعل والايجاد، فيكون بمعنى (قدّر) بخصوص الظلمات، وبمعنى (جعل واوجد) بخصوص النور، وهو تأويل وتفكيك لسياق الآية كما هو واضح. وفي جميع الاحوال يلاحظ ان الاستدلال المذكور حول اسبقية الظلمة على النور يواجه اعتراضاً، وهو ان الماهيات في العالم الجمعي الالهي ينبغي ان تكون اكمل مما هي في هذا العالم لاعتبارات تتعلق بانها في عالم السبق والجمع والصورة والاله، مما هو مفضل على عالم الخلق والمادة. فكان الاولى ان لا يصرح بأنها في محل التقدير، فهي في عالم يفيض عليها بالوجود ضمن ما يعرف بالفيض الاقدس، وان كان باعتبار آخر يمكن القول بانها غير موجودة بالوجود الجعلي لعدم تنزلها الى عالم الخلق. فهي اشبه بقطة شرودنجر التي أُعتبرت قبل الرصد والكشف وانهيار الدالة الموجية بان حقيقتها ليست حية ولا ميتة، بل بين بين، ضمن عالم الامكان والاحتمال، كالذي صرح به نيلز بور. وهو ما جعل اينشتاين يعتبر هذه القصة غير مكتملة ولا مفهومة. بل لا ينفع ما قد يطرح للتوجيه من ان الاعيان لو اُخذت مقيدة منفصلة عن بعضها البعض فهي ماهية بلا وجود لاستهلاكها في عين الجمع، ولو اُخذت كلها مطلقة فهي وجود عبارة عن ذات الحق نفسها. فيصبح هذا العالم وجوداً من حيث الكل، وليس وجوداً من حيث التقييد، وهو حق بالاعتبار الاول، وخلق بالاعتبار الثاني، وكذا مطلق ومقيد. فهذا التوجيه الذي يجعلنا نقترب من المفهوم الصوفي لوحدة الوجود، لا يسعه ان ينكر كثرة تلك الصور في عين الوحدة الجمعية، وهو الامر الذي يصحح وجودها قاطبة. وعليه لو اعتبرنا أن للاعيان وجوداً، هو الوجود غير المجعول، فستصبح الماهيات في ذلك العالم هي عين الوجود بلا فرق، رغم انه بالوجود الجعلي تتمايز الماهية عن الوجود. ومن ثم سيتصحح المعنى فيكون سريان الوجود وفيضانه على الوجود بالذات، اي اضافة الوجود الجعلي على الوجود غير المجعول. اما علة نفي الوجود عن تلك الاعيان لدى الفلاسفة، او ترددهم في ذلك، انما يرجع على ما يبدو الى ان الاقرار بوجود الاعيان يفضي بثبوت موجودات كثيرة متمايزة في عين الذات الواحدة. ولا شك ان الفلاسفة يخشون من مثل هذه الكثرة للوجود في المبدأ الاول، وهو ما جعلهم يتحاشون اثبات وجودها، الا بنحو استهلاكيتها وجمعها، فعبروا عن ذلك بتعبيرات اخرى هي اقرب للتوسط بين الوجود والعدم. رغم ان الفلاسفة والعرفاء يعولون على هذه الاعيان في تفسير العديد من المظاهر التي تخص العلاقة الجارية بين الحق والخلق. ومن ذلك انها منبع للخير والشر كما يراها العرفاء. اذ ليس للحق سوى ان يفيض عليها وجودها الخارجي الآخر. فالسريان هو اظهار الاعيان وابراز احكامها من عالم الظلمة والخفاء الى عالم النور والظهور، فهي اظلال النور، حيث ظهورها به وعدميتها في نفسها. وان هذا الاظهار يجعل من علاقة الحق بالخلق علاقة تكاملية، فاحدهما يحتاج للاخر ويفتقر اليه، كالذي يصوره لنا ابن عربي في التقابلات التي يقيمها بين الحق ووجودنا، ومن ذلك قوله: ‹‹فوجودنا وجوده، ونحن مفتقرون اليه من حيث وجودنا، وهو مفتقر الينا من حيث ظهوره لنفسه››. وكذا قوله في بيت له من الشعر: (فأنى بالغنى وأناأساعده وأسعده) ، والمعنى هو ان الحق ليس غنياً الغنى المطلق، فنحن نساعده باعياننا الثابتة في ظهور اسمائه وتجلياته وجميع كمالاته فينا، فالقابل مساعد للفاعل في فعله، وذلك بقبوله هذا الفعل34. وعلى حد قول الجندي بان هذا البيت ‹‹يشير الى توقف النسب الاسمائية على الاعيان الكونية، فان الالهية متوقفة على العبودية، فهو من حيث انيتي العبدانية يساعده بي ويسعده، كما قال تعالى: {ان تنصروا الله ينصركم ويثبت اقدامكم} محمد/ 7، والنصر المساعدة والاسعاد في تحقيق الربوبية والالوهية، وحسن تأتي القابل في كمال مظهريته لربه اسعاده له، فان سعادة الحقايق والنسب الاسمائية ان يظهر اثارها في مظاهرها››. مهما يكن فان للوجود مراتب وتعينات مختلفة، هي الذات ثم اسمائها وصفاتها التابعة لها، ثم ما يلزم عنها من الاعيان الثابتة المسماة بالفيض الاقدس، وبعد ذلك الوجود الخارجي المجعول المعبر عنه بالفيض المقدس. فالفيض المقدس - كما يقول الاملي - مرتب على الفيض الاقدس، وهذا الاخير مرتب على الاسماء الالهية، وهذه الاسماء مرتبة على الذات الازلية. او يمكن القول ان هناك الذات الحقة التي تتضمن اسماءها وتوابعها، ومن بعدها الوجودات الخاصة الخارجية الموجودة بسبب التجليات الحاصلة من الذات بحسب شؤونها واسمائها على الاعيان. لكن سؤالنا هو: كيف امكن لهذا التجلي ان يتم؟ وبعبارة ثانية ما هو مبرر انبساط الوجود من الذات الحقة على غيرها؟ ثم ما هي طبيعة العلاقة بين هذه الوجودات؟ كما ان تفسير ظاهرة السريان والنقص والتعدد والاختلاف بحسب تفاوت الماهيات يثير مشكلة كتلك التي طرحها النراقي، وهو ان الماهيات اعتبارية بحسب القائلين باصالة الوجود، فكيف يجوز ان تكون هي السبب للتعدد والاختلاف مع انها من العدميات؟ كذلك هناك مشكلة اخرى تجعل القول بالوجود الجعلي ينافي القول بالوجود الواحد المنبسط، فالاخير لا يدع مجالاً للجعل والتأثير باعتباره واحداً غير متكثر حتى يؤثر بعضه في البعض الاخر، فصفته الثابتة من الوحدة والانبساط لا تدع مجالاً لتلك المقالة، والا تضمن شيئاً من التغير والانقلاب، وكما قال العارف الخميني انه بحسب ذوق العرفاء فان الماهية هي المجعولة باعتبارها مفتقرة وليس في الوجود جعل ابداً، بل له الاصالة والحقيقة والظهور والبطون والاولوية والاخرية، وليس هذا عنده من الجعل38. وبالتالي فالقول بالسريان هو قول مجازي، فليس من شيء يسري على شيء اخر، اذ ليس في العين غير الوجود الواحد المنبسط بذاته اصلاً. هكذا فان الجعل والتأثير لا يلوح الاعيان الثابتة التي تمثل القابلية للوجود، بل كذلك يصدق الامر على الوجود ذاته باعتباره واحداً غير متكثر"[178].

ويقول ملا صدرا في احد اوجه تفسيره لحديث (كنت كنزا مخفياً) الخ ، قال: "ان للاشياء وجودين، وجودا علمياً ، ووجوداً خارجياً ، فالوجود العلمى هو المسمى بالاعيان الثابتة ، و هى ازلية قديمة ؛ و الوجود الخارجى محدث، فخفاء اللّه تعالى بالنسبة الى الاعيان الثابتة في الازل ، فان الاعيان الثابتة موجودة مع اللّه لكن لا علم لها به ، فيكون اللّه مخفيا بالنسبة إليه. فلما اراد ان يعرفه الاعيان الثابتة اخرجها من الوجود العلمى الى الوجود الخارجى ليعرف اللّه تعالى، اذ لا يعلم اللّه تعالى الّا بالوجود الخارجى"[179].

قال تعالى: ((وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ)) ، فرغم كل النهي الوارد في القرآن الكريم وروايات أهل البيت (عليهم السلام) عن التحدث بغير علم وان الانسان لا يمكن ان يعلم الغيب الا بما يعلمه الله سبحانه وتعالى لانبياءه ورسله (صلوات الله عليهم) ، يأتي ملا صدرا واتباعه تبعاً لأبن عربي ليتحدثوا عن وجود "اعيان ثابتة" لم يقيموا عليها دليلا ولعلهم استندوا فيها الى ظنون واوهام الكشف وحاولوا تأييدها بعبارات فلسفية واخراجها بصورة جزمية محاولين بذلك تفسير الوجود ونشأته فيما ليس لهم به علم. وقد قال تعالى: ((وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا)). 

 

موقف الفلاسفة والعرفاء من النبوة:

هذا البحث من اخطر البحوث التي تكشف عن حقيقة رؤية الفلاسفة والعرفاء للنبوة والانبياء ولذلك سوف نتوسع بنقل اجزاء كبيرة من مقال الاستاذ يحيى محمد الذي يكشف عن فكر خطير عند الفلاسفة واهل العرفان.

قال الاستاذ يحيى محمد: "ان الفلاسفة والعرفاء يفهمون من النبوة بعداً اخر يترتب على العلم الشمولي، وهو البعد المتمثل بالولاية والحاكمية. فلدى الفلاسفة ان النبي او الفيلسوف مفوض بحسب ما له من العقل الفلسفي لأن يحكم العالم على صورة ما يحكم المبدأ الحق الموجودات، بتكميل النفوس البشرية وايصالها الى غاياتها المتمثلة بالمفارقات السماوية، او على شاكلة ما يسمى المدينة الفاضلة كما لدى الفارابي. فيشترط في رئيس هذه المدينة ان يكون حكيماً فيلسوفاً نظير المبدأ الاول الذي يرأس مملكة الوجود. والفيلسوف يطرح نفسه – هنا - كاعلم من في الارض لاصلاح المملكة الاجتماعية مثلما هو الحال مع المبدأ الاول باعتباره اعلم من في الوجود، اذ بعلمه تتحدد العناية بالوجود، حيث العناية عين العلم، والعلم عين الوجود. أما لدى العرفاء فالامر اكثر بعداً وعمقاً، فعندهم ان سلطة النبي او الولي العارف لا تنحصر بالسلطة الظاهرة التي يحكم بها النبي الناس، بل تتقدم عليها سلطة اخرى تفوقها وتكون علة لها، فهي تشكل نيابة عظمى عن الحق لصنع العالم وتكوينه. وهذه هي احدى اسقاطات المنظومة الوجودية، فكما سنرى ان العرفاء اسقطوا كلاً من العلم الالهي وكيفية التنزلات الحقية او الخلقية على العلاقة التي تخص النبي والعارف بالوجود. فهذه العلاقة هي ايضاً عبارة عن علم وصنع وايجاد، او انها علاقة الوهة. ان ما يثير الاهتمام في الموقف الوجودي من النبوة، هو انه رغم الاتفاق المبدئي بين الفلاسفة والعرفاء حول ما تمثله هذه المرتبة من حقيقة علمية او ادراكية، الا ان الملاحظ هو ان كلاً من الفريقين لم يولها حظاً يفوق المرتبتين التين يتمتعان بهما، كلاً على حدة، واعني بذلك مرتبة الفلسفة والعرفان. فالفلاسفة جعلوا النبوة اقل مكانة وقدرة علمية مقارنة بالفلسفة. وكذا ان العرفاء فعلوا نفس الشيء في المقارنة بينها وبين العرفان. لكن مع الاخذ بعين الاعتبار ان النبي له اكثر من درجة ومقام، فهو لدى الفلاسفة نبي وفيلسوف، وهو لدى العرفاء نبي وولي عارف، وهو تخريج يبعد عنهم التهمة التي يعدون فيها انفسهم افضل من الانبياء وارقى درجة منهم. وعليه كان لا بد ان نلقي ضوءاً على طبيعة المرتبتين اللتين يمتثلهما النبي بحسب رؤية كلا الفريقين، وهما النبوة والفلسفة، وكذا النبوة والولاية العرفانية، تبعاً لما سبق ان بحثناه حول كل من العلم الالهي وتجلياته في العقول المفارقة، وقضية التنزيل وما لها من علاقة بالالوهة وصنع العالم".

ويضيف: "لدى الفلاسفة ان عقل الانسان يكوّنه عقل مفارق يطلق عليه العقل الفعال، فليس لهذا العقل الاخير تأثير مباشر على الجسم، انما يتحقق تأثيره لما هو على شاكلته من العقل الانساني. فكما يقرر الفارابي ان العقل الفعال مختص بكمالات الانسان العقلية، فهو يمنح الانسان قوة ومبدءاً يمكّنه من ان يسعى من تلقاء نفسه الى سائر ما يبقى له من الكمالات. وعليه لما كان الانسان مرتبطاً بالوهة العقل الفعال؛ لذا تتعين حركته الكمالية بالاتصال بهذا العقل الكلي، بل والاتحاد به. فالادراك انما يكون لما هو شبيه له كما يقول الفلاسفة من امثال ابن سينا، ومن ثم فان علاقة الاتصال تكون بين المتشابهين، او انها تفضي الى حالة الاتحاد التي هي اعظم واشد من حالة الشبه؛ كالذي عليه صدر المتألهين. لذا فالاتصال او الاتحاد بالعقل الفعال هو ميزة كل من الفيلسوف والنبي كما سنرى. وبحسب الرؤية الفلسفية فان حقيقة النبوة هي نفس جامعة لعوالم علم كمالية ثلاثة، هي قوى الاحساس والتخيل والتعقل، وقد قُدّر ان يكون للنبي عقل مستفاد يتصل بالعقل الفعال4، واقتضى هذا التقدير ان يتساوى النبي والفيلسوف في الاتصال وكسب المعرفة. فكلاهما يتصل بالعقل الفعال المتمثل من الناحية الدينية بجبريل، وهو الذي له الافضلية باعتباره يمثل مصدر المعلومات النبوية وغير النبوية. فالتفضيل وفقاً لهذه الرؤية انما يكون بحسب ما عليه الكائن من الرتبة الوجودية وليس باعتبار ما له علاقة بالقيم المعيارية والاخلاقية كالذي يراه النظام المعياري. وما يميز القوى الثلاث فيما بينها، هو ان القوة الاولى (العقلية) تمكّن النبي من ادراك الحد الاول دفعة واحدة، فيتحول من المعقولات الاولى الى المعقولات الثانية في اقصر الازمنة لشدة الاتصال بالعقل الفعال، حيث يفيض على النفس العلوم، فتصبح نفس النبي عقلاً مستفاداً أقل رتبة من العقل الفعال باعتباره علة هذه النفس النبوية. فالنبي يخضع – هنا - لسلطة الالوهة المتمثلة بالعقل الفعال جبريل. أما القوة الثانية (التخيل) او الحس الباطني، فهي تحاكي القوة الاولى وتكون مثالاً لها بحسب منطق السنخية، اذ تقوم بتصوير العلوم العقلية بأمثلة محسوسة ومسموعة من الكلام، بحيث يتمثل للنبي ما يعلمه من نفسه فيراه ويسمعه، فيرى في نفسه صوراً نورانية هي الملائكة ويسمع اصواتاً هي كلام الله او وحيه، وهي من جنس ما يحصل للبعض الذين يمارسون الرياضات الروحية، ومن جنس ما يحصل لبعض المجانين، وكذلك من جنس ما يحصل للنائم في منامه، حتى عُدّ النوم جزءاً من اجزاء النبوة. او كما قال ابن سينا: ‹‹ان الرؤيا الصادقة من الرجل الصالح جزء من ستة واربعين جزءاً من النبوة››. وخاصية هذه القوة في النبوة هي للدلالة على المغيبات والانذار. في حين ان القوة الثالثة (الحسية) تتيح لنفس النبي تغيير الطبيعة، والتأثير في مادة العالم، كما تؤثر النفس في بدنها، ومن ذلك تحدث الخوارق والمعجزات، بالتأثير في هيولى العالم بازالة صورة وايجاد صورة اخرى، كإن تؤثر في استحالة الهواء غيماً ومن ثم مطراً. فقد ثبت في الالهيات ان الهيولى مطيعة للنفوس ومتأثرة بها، وان هذه الصور تتعاقب عليها من آثار النفوس الفلكية، والنفس الانسانية من جوهر تلك النفوس وشديدة الشبه بها. وهذا ما يبرر تأثير النفس الانسانية في هيولى العالم، وان كان غالب تأثيرها على بدنها الخاص، لكن يمكنها ان تؤثر على سائر الابدان كما يحصل في اصابة العين مثلاً. هذه قوى النبوة الثلاث التي اعتقد الفلاسفة أنها قد تجتمع في فرد واحد كما هو الحال مع النبي، وقد لا تجتمع وتتفرق وهو الغالب في الناس)... الى ان يقول: (وقد تجتمع هذه القوى الثلاث بصورة كاملة لدى الفيلسوف. وبنظر البعض انها تجتمع عند العارفين الاولياء على وجه التابعين للانبياء. لكن في جميع الاحوال ان ذلك لا يجعل وجود فارق هام او نوعي بين الانبياء والفلاسفة تبعاً للرؤية الفلسفية، او بينهم والعرفاء تبعاً للرؤية العرفانية. الامر الذي يبرر الاعتقاد باستغناء الفلاسفة والعرفاء عن النبوة خلافاً لغيرهم من الناس، بدعوى التمكن من الاتصال والاتحاد بالعقل المفارق (جبريل) ومن ثم بلوغ الحقيقة وتحصيل السعادة التي يدعو اليهما الانبياء بحق. وتبعاً للرؤية الفلسفية، لو قمنا بمقارنة بين الفيلسوف والنبي، سنرى انهما يشتركان بالقوة الاولى العقلية، ويكون احدهما في المرتبة التي يكون فيها الاخر، حيث ان نفسيهما تضاهيان العقل الفعال، وإن كانتا اقل منه شرفاً في العلم والرتبة، فهو علة وهما معلولان، والعلة اشرف من المعلول. لكن الفارق بينهما، كما يحدده ابن سينا، هو ان النبوة ظاهرة فطرية، في حين ان الفلسفة مكتسبة. أما لو قمنا بمقارنة بين حقيقة الفلسفة وحقيقة النبوة، فسنرى ان الامر مختلف تماماً. اذ تصبح المقارنة بين القوتين العقلية والتخيلية، فالقوة الاولى تمثل الفلسفة، فيما تمثل الاخيرة النبوة. وبالتالي جاز اعتبار تفوق الاولى على نظيرتها في العلم والرتبة رغم ما بينهما من مسانخة. فالمقرر ان النبوة من سنخ الفلسفة لكونها تعبر عن المضامين المجردة للاخيرة بالمحاكاة والتصورات التشبيهية. وبعبارة اخرى، تتقوم الفلسفة بقوة العقل القدسية، والنبوة بقوة التخيل، وان بينهما رابطة من المسانخة المعرفية، حيث تتصف الاخيرة بمحاكاتها وحاجتها للاولى. اذ تعمل الاولى على ابراز الحقائق بالصور العقلية الكلية، فيما تقوم الثانية بتخيل هذه الصور لتعبر عنها بالرموز والامثال والتشبيهات. وقد تبلغ النبوة أكمل المراتب التي تنتهي اليها القوة المتخيلة، اذ بها يقبل الانسان في يقظته عن العقل الفعال الجزئيات الحاضرة والمستقبلة او محاكياتها من المحسوسات، كما يقبل محاكيات المعقولات المفارقة وسائر الموجودات الشريفة، فيراها كخيالات ذهنية. لكن مهما بلغت النبوة من الكمال فهي لا تبلغ مرتبة العقل والتجرد. مع هذا لا بد من الاخذ بعين الاعتبار ان الرؤية الفلسفية ترى الانبياء هم فلاسفة ايضاً، او ان كل نبي فيلسوف بالضرورة، لكونه يكسب المعقولات المجردة عن العقل الفعال. وبالتالي فان للنبي بعدين لاختلاف المقامات، احدهما كفيلسوف يقبل استفاضة المجردات عن العقل الفعال، والاخر كنبي يحاكي الفيلسوف بمحاكاة قوته الخيالية لقوته العقلية. وكما يصف الفارابي النبي من انه يكتسب النبوة والفلسفة عن طريق ما يفيضه الله تعالى الى عقله المنفعل بتوسط العقل الفعال، حيث يستمد منه المعلومات عبر العقل المستفاد، ثم يتحول ذلك الى قوته المتخيلة، فيكون بما يفيض منه الى عقله المنفعل حكيماً فيلسوفاً تام التعقل، وبما يفيض منه الى قوته المتخيلة نبياً منذراً بما سيكون، ومخبراً بما هو الان من الجزئيات. وهذه المرتبة هي اكمل مراتب الانسانية، بل واعلى درجات السعادة. اذ تصبح نفس النبي ‹‹كاملة متحدة بالعقل الفعال على الوجه الذي قلنا››. وعليه فالنبي كفيلسوف هو اعظم منه نبياً يوحى اليه. كذلك فكمال النبي اعظم من كمال الفيلسوف الصرف، باعتبار ان الاول يحمل كمالين؛ الفلسفة والنبوة، او انه يجمع بين البرهان المفيد لليقين والتخيّل المفيد للاقناع. وقديماً قال جابر بن حيان الكوفي: ‹‹ان الشرع الاول انما هو للفلاسفة فقط، اذ كان اكثر الفلاسفة انبياء؛ كنوح وادريس وفيثاغورس وطاليس القديم، وعلى مثل ذلك الى الاسكندر››. لكن نتسائل انه اذا كان كل نبي فيلسوفاً، فهل يجوز العكس، فيصبح من الممكن ان يكون الفيلسوف نبياً؟ لا شك ان اتجاه الفارابي يتقبل ذلك ولا يرى فيه مانعاً. فعلى رأيه انه يجوز للانسان بلوغ مرحلة النبوة من خلال الاتصال بالعقل الفعال، بالطرق الارادية والفكرية والبدنية ، حيث تبلغ القوة المتخيلة عنده نهاية الكمال. لكن بحسب وجهة نظر ابن رشد فان الامر يختلف، فهو يعبر صراحة بان كل نبي فيلسوف من دون عكس. ولا شك ان اتجاه الفارابي هو اقرب واوفق مع الرؤية الفلسفية مقارنة مع اتجاه ابن رشد. وقد يكون الاوفق والاشد اتساقاً هو الاعتراف بضرورة ان يكون الفيلسوف نبياً، تبعاً لما تفرضه سلسلة الصعود في عدم امكان تحقيق المرتبة الكمالية ما لم يسبقها تخطي غيرها مما هي اقل منها رتبة ووجوداً. فالانسان لا يمكنه على هذا ان تكون له قوة العقل القدسية ما لم يحقق قبل ذلك كمال مرتبة القوة التخيلية، فكل ادراك ضرب من الوجود، وبالتالي لا يسعه ان يكون فيلسوفاً ما لم يمرّ بمرحلة النبوة. وبعبارة ثانية، اننا هنا امام تعدد في المقامات، فمقام الفلسفة ارقى من مقام النبوة، وانه لكي يتحقق المقام الاول لا بد من المرور بقنطرة المقام الاخر، والا كان ذلك تجاوزاً للمراتب مما لا يتفق والمنطق الوجودي. واكثر من هذا انه لا غنى عن ان يكون كل فيلسوف نبياً من غير عكس، فالنبي وإن كان يصل الى نهاية كمال القوة المتخيلة، لكن ليس من المعلوم ان يحظى بكمال القوة العقلية (البرهانية)، وبالتالي جاز ان لا يكون فيلسوفاً وفاقاً مع المنطق الوجودي. وعليه فما يبدو هو ان الفلاسفة المسلمين تقصدوا اخفاء هذا اللزوم لاعتبارات التقية ، كي لا يظهر لدى الاخرين انهم يعدون الفلاسفة اعظم من الانبياء باطلاق. مهما يكن فان مهمة الفيلسوف هي اعظم من مهمة النبي، فبينما يتعامل النبي مع الظاهر يتعامل الفيلسوف مع الباطن، وبينما يمارس الاول دور الاقناع، يمارس الثاني دور البرهان والكشف عن الحقيقة، وانه اذا كان النبي يأتي بالشريعة كتنزيل فان الفيلسوف يمارس دور القيوم الذي يوضح فيه حقائق ما يأتي به الاول. وكلاهما حيث يتصلان بالعقل الفعال (جبريل)، فان ما يستفيدانه هو كسب العلم الالهي الكلي، وانهما معاً مما يوحى اليهما بواسطة العقل الفعال، وبالتالي فان لهما معاً نفس الاهلية في تغيير الشرائع. والامر لا يقتصر على ذلك، اذ المقرر لدى الفلاسفة ان الانسان في قربه من العقل الفعال يتحول الى كائن الهي وعقل ومعقول بذاته ، مما يعني انه يصبح حاملاً لصفة العلم الالهي ، وهي الصفة المناطة بايجاد الممكنات وخلق العوالم والاكوان. فهل معنى هذا ان للفلاسفة والانبياء ذلك العلم الالهي بكل شيء، وكذا ان لهم تلك القوة الخارقة في تكوين الاشياء وخلقها؟ لا شك ان ما يتمخض عن الموقف الفلسفي هو خلع صفة الالوهة في العلم والتكوين على كل من الفلاسفة والانبياء. فالنبوة والفلسفة هما بمثابة سلطتين تستخلفان ما عليه سلطة الحق الالهية، او سلطة المفارقات السماوية. خصوصاً وان الرؤية الفلسفية تصرح احياناً بان غرض الفيلسوف ليس مجرد الاتصال بالعقل الفعال وانما الاتحاد به، فيكون هو هو، وهو انه عبارة عن كل شيء، وهي السعادة القصوى. فالفلاسفة يذهبون الى ان غاية الحكيم هو ان يتجلى لعقله كل الكون ويتشبه بالاله الحق. وقد قيل ان هذا القول هو جوهر ما بلغه فلاسفة الاسلام عن الرأي الرواقي القديم. وهو في جميع الاحوال يمثل عين الرؤية الفلسفية التي يدعو لها فلاسفة النظام الوجودي. فابن باجة - مثلاً - يرى الفيلسوف تام العقل وينظر الى كل شيء بعين هذا العقل، فيرى العقل في كل شيء ويصير هو إياه. وقد تجاوز ابن باجة في نظره هذا من سبقه من الفلاسفة، مثلما اشار اليه بنفسه. وكذا هو الحال فيما قرره ابن رشد من قبول الاتحاد على شرط ان يكون ذلك قائماً على التعليم الكسبي، تمييزاً له عن الاتحاد المدعى من قبل الصوفية. فاتحاد النفس بالعقل الفعال، يجعلها تكون هي هو، وهو هي، فان النفس تبلغ بذلك درجة تكون جميع الموجودات فيها أجزاء ذاتها، وتسري قوتها في كل شيء، كما يصبح وجودها غاية كل شيء من المخلوقات. تلك هي الرؤية الفلسفية التي تجعل من النبي اوالفيلسوف في اتحاده بالعقل الفعال عبارة عن اله ينطوي علمه على كل شيء، وانه يصبح مصدر قيام وتكوين كل شيء، وكذا هو غاية كل شيء. وسنجد ان لهذه الرؤية شاكلتها المعمقة لدى نظيرتها العرفانية" [180].

 

هذا بخصوص موقف الفلاسفة من النبوة ، اما موقف العرفاء منها فيشرحه يحيى محمد بقوله:

"يمكن أن نجد في الرؤية العرفانية صورتين مختلفتين بعض الشيء عن حقيقة النبوة ، احداهما مقتبسة عن الموقف الفلسفي ، حيث فيها يؤخذ بتلك القوى الثلاث التي استند اليها الفلاسفة ، واضفي عليها صبغة عرفانية. أما الاخرى فانها لا تلتزم بهذه القوى ، وانما تؤسس لنفسها مفهوماً مستقلاً عن النبوة ، وإن كانت لا تبتعد كثيراً عن الصورة الاولى. واستعراض الصورتين سيكون كالاتي:

الرؤية الاولى:

حول الصورة الاولى ذهب صدر المتألهين الى ان الانسان مكون من عوالم ثلاثة تعطي قوى معرفية ثلاث هي تلك التي تحدّث عنها الفلاسفة، اي القوة العقلية والخيالية والحسية. فالانسان يتصرف بكل من هذه القوى في عالم من العوالم الثلاثة: الدنيا والاخرة وعالم الوحدة والربوبية الذي يفوقهما. والانسان بحسب غلبة كل نشأة يدخل في عالم من هذه العوالم، فمن حيث حسّه هو من جملة الدنيا وضمن جنس الحيوانات، ومن حيث نفسه فهو من جملة الملكوت الاسفل، أما من حيث روحه فهو من جملة الملكوت الاعلى، والغالب في الناس هو النشأة الحسية الدنيوية. لكن حيث ان كل ادراك هو ضرب من الوجود، لذا فكمال كل واحد من هذه القوى يوجب التصرف في عالم من تلك العوالم بحسب المناسبة والسنخية. ويمتاز النبي بان فيه تكتمل هذه القوى وتشتد جميعاً، فبالقوة العاقلة يتصل بالقديسين ويجاور المقربين وينخرط في سلكهم، بل ويفوق عليهم عند اتصاله بالحق وفنائه عن الخلق واندكاك جبلّ إنيته، كما اخبر النبي (ص) عن نفسه في قوله: ‹‹لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل››. وبقوة التخيل المصورة فانه يشاهد الاشباح المثالية والاشخاص الغيبية، وكذا يتلقى الاخبار الجزئية منهم ويطلع على الحوادث الماضية والاتية. أما بقوة الاحساس فانه يتسلط بها على الافراد البشرية وتنفعل عنها المواد وتخضع له القوى والطبائع الجرمانية خضوع السافل للعالي، فلها قدرة تحريكية تؤثر في هيولى العالم لتزيل صورة او تلبس اخرى، فمثلاً انها تحيل الهواء الى الغيم، وتحدث الامطار، وتسبب الطوفان، وتهلك الامم وتشفي المرضى وتروي العطشى وتخضع الحيوانات. وتفسير هذه الامور هو ان الاجسام لما كانت عبارة عن ظلال وعكوس مطاعة لما فوقها من المجردات، فان النفس كلما ازدادت تجرداً وتشبهاً بتلك المبادئ القصوى فانها تزداد قوة وتأثيراً في ما دونها من الاجسام، لهذا تنصاع لها هذه الاخيرة، ومنه نفهم كيف تؤثر نفوسنا على اجسامنا الخاصة، وعند اشتداد القوة النفسية الحساسة فانه يمكنها ان تؤثر على الغير، كالذي يحدث في المعجزات والكرامات وغيرها. هكذا فان جوهر النبوة جامع للنشآت الثلاث، وان النبي يعلم بالقوة العقلية كالملائكة، ويخبر بالقوة النفسية كالافلاك، كما انه يحكم بالقوة الحسية كالملوك. وحيث ان العوالم الثلاثة المذكورة متطابقة ومتحاكية بحسب منطق السنخية، لذا فان كل ما يدركه الانسان من عالم العقل له حكاية منه في عالم الاشباح الباطنية، فالصورة المحاكية للجوهر العقلي هي نفس الملك الذي يراه النبي والولي. اما النبي بما هو نبي فانه يدرك الامر عن طريق الحكاية والصورة، واما الولي فبما هو ولي يدرك الامر عن طريق التجرد الصرف، وهو ذات التجرد العقلي، وبالتالي فان الولاية العرفانية تكون افضل اجزاء النبوة. ويظل ان مجموع هذه القوى هي من خصوصيات الانبياء، أما آحادها فهي مما يتحقق لدى غير الانبياء، فالاولى تتحقق لدى الاولياء والحكماء، وضرب من الخاصية الثانية يوجد في اهل الكهانة والرهبنة، أما الثالثة فقد تكون في الملوك ذوي الهمة وشدة البأس. وهنا نجد نفس محاكاة الفلاسفة في تصورهم لحقيقة النبوة، سوى اضفاء الصبغة العرفانية عليها بدل الصبغة الفلسفية، مع بعض التعديل كما تقتضيه الطريقة العرفانية، وبالذات فيما يتعلق بموقفها من القوة العقلية في النبوة، اذ منحتها دوراً يفوق ذلك الذي قدمه لها الفلاسفة. فقد قدر هؤلاء لهذه القوة حالة اتصال بالعقل الفعال، او حتى الاتحاد به كأقصى حد ممكن، بينما في الصورة العرفانية تجاوز الامر ذلك الحال ليصل الى حالة الاتحاد والفناء بالذات الالهية. وتظل سائر الاراء هي نفسها، بما في ذلك حالة التساوق في علاقة النبوة بكل من العرفان والفلسفة تبعاً للرؤيتين. فالنبوة تحمل في ذاتها تلك القوة القدسية العقلية، والتي هي لدى الفلاسفة عبارة عن حقيقة الفلسفة، ولدى العرفاء عبارة عن حقيقة العرفان، فيكون النبي بنظر اولئك فيلسوفاً، وبنظر هؤلاء عارفاً. كما يظل الجزء الافضل في النبي كونه فيلسوفاً هناك، وعارفاً هنا. لكن تظل هذه الرؤية لا تمثل الموقف الغالب للعرفاء من حقيقة النبوة، فهي حالة توفيقية اشراقية سعى اليها صدر المتألهين في بعض كتبه، لكنه لم يتوقف عندها كما سنرى.

 

الرؤية الثانية:

ان النبوة عند العرفاء، كما ينص العارف حيدر الاملي نقلاً عن الغزالي، عبارة عن ‹‹قبول النفس القدسي حقايق المعلومات والمعقولات عن الله تعالى بواسطة جوهر العقل الاول المسمى جبريل تارة وبروح القدس اخرى، والرسالة تبليغ تلك المعلومات››. وهنا نواجه ذات الاشكالية التي مرت معنا في فهم الفلاسفة للنبوة، وهي قبول النفس النبوية المعلومات من العقل الكلي المفارق، سوى ان جبريل هناك يمثل العقل الفعال الاخير ضمن سلسلة المفارقات العقلية، في حين انه هنا يمثل العقل الاول في هذه السلسلة. مع هذا فقد ذهب الاملي بعيداً دون ان يكتفي بهذا القدر، اذ صوّر فلسفة النبوة بحسب فهمين احدهما اكمل من الاخر، اطلق عليهما الطريقة والحقيقة. فالنبوة بحسب اهل الطريقة، مثلما ذهب اليه القيصري من قبل، عبارة عن مظهر عدل لحقائق الاسماء والصفات. فكما رأى - وفاقاً مع ابن عربي - ان للحق تعالى ظاهراً وباطناً، والباطن يشمل الوحدة الحقيقية التي للغيب المطلق، والكثرة العلمية حضرة الاعيان الثابتة، وان الظاهر لا يزال مكتنفاً بالكثرة دائماً، لان ظهور الاسماء والصفات من حيث خصوصيتها الموجبة لتعددها لا يمكن الا ان يكون لكل منها صورة مخصوصة، وبالتالي يلزم التكثر، وحيث ان كلاً منها يطلب ظهوره وسلطنته واحكامه، فانه يحصل النزاع والتخاصم في الاعيان الخارجية باحتجاب كل منها عن الاسم الظاهر في غيره، الامر الذي احتاج فيه الى مظهر حكم عدل ليحكم بينها ويحفظ نظام العالم في الدنيا والاخرة ويحكم بين الاسماء بالعدالة ويوصل كلاً منها الى كماله ظاهراً وباطناً، وهو ‹‹النبي الحقيقي والقطب الازلي اولاً واخراً وظاهراً وباطناً، وهو الحقيقة المحمدية (ص)››. أما الحكم بين المظاهر دون الاسماء فهو النبي الذي تحصل نبوته بعد الظهور نيابة عن النبي الحقيقي. اذن الانبياء (ع) هم مظاهر الذات الالهية من حيث ربوبيتها للمظاهر وعدالتها بينها. فالنبوة مختصة بالظاهر، ويشترك جميعهم في الدعوة والهداية والتصرف في الخلق. وواضح من هذه الطريقة ان للنبوة طابع الالوهة، حيث تمارس دوراً تكوينياً منظماً هو اعظم واعمق من الظاهر الذي تمارسه نبوة الانبياء المشخصة في الدعوة والانذار والهداية، بل ان هذه الاخيرة هي حكاية عن الاولى تبعاً لمنطق المناسبة والسنخية. وسنرى ما لهذه الفكرة من تجليات. أما النبوة عند اهل الحقيقة، وهو الفهم الاخر الاتم والاكمل، فانها عبارة عن الخلافة الالهية المطلقة، لكن مراتبها هي بحسب مراتب الشخص الذي هو مظهر تلك الخلافة. فعندهم ان النبوة هي بمعنى الإنباء، والإنباء الحقيقي الذاتي الاولي ليس الا للروح الاعظم الذي بعثه الله الى النفس الكلية اولاً ثم الى النفس الجزئية ثانياً، لينبئهم بلسانه العقلي عن الذات الاحدية والصفات الازلية والاسماء الالهية والاحكام الجليلة والمرادات الجسمية. وكل نبي من ادم (ع) الى محمد (ص) هو مظهر من مظاهر نبوة الروح الاعظم، فنبوته ذاتية دائمة غير منصرمة، فحقيقته هي حقيقة الروح الاعظم، وصورته هي صور تلك التي ظهرت فيها الحقيقة بجميع اسمائها وصفاتها، وسائر الانبياء مظاهرها ببعض الاسماء والصفات، حيث تجلت في كل مظهر بصفة من صفاتها واسم من اسمائها، الى ان تجلت في المظهر المحمدي بذاتها وجميع صفاتها وختمت به النبوة، وكان الرسول (ص) سابقاً على جميع الانبياء من حيث الحقيقة، ومتأخراً عنهم من حيث الصورة. ويمكن القول، بعبارة أخرى، إن كل ما للأنبياء والأولياء من وجود وصور؛ قائم بحسب الحقيقة المحمدية. بل إن هذه الحقيقة تتجلى بصور جميع الانبياء بما في ذلك صورة محمد وشخصه الجسماني ومن بعد ذلك صورة الائمة والاولياء، والكل انما يأخذون علمهم من تلك الحقيقة. والعرفاء يعترفون بأن علومهم ومبلغ كمالهم انما يتم من خلال هذه الروح المحمدية، فكما يصور ذلك صدر المتألهين، بأن نفوسهم تصير عقولاً بالفعل، والعقل بالفعل هو الموجود الحقيقي والحياة العقلية الاخروية، والنبي بروحه المقدس سبب لوجوداتهم الحقيقية، ومبدأ لكمالاتهم العرفانية ومنشأ لفيضان الكمالين الاولي الاقدس والثانوي المقدس، فهو الوسط بينهم وبين الحق، ومبدأ فطرتهم في سلسلة الافتقار النزولي، كما انه المرجع في كمالاتهم في سلسلة الارتقاء الصعودي. لكن الملفت للنظر ان صدر المتألهين استعان ببعض الايات ليدل بها عبر التأويل على هذا الحال من الصلة بين العرفاء والروح المحمدية، اذ جاء في قوله تعالى: {النبي اولى بالمؤمنين من انفسهم وازواجه امهاتهم واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض} الاحزاب/6، معتبراً المراد بالمؤمنين هم العارفون انفسهم، وان النبي محمداً هو الاب الحقيقي لهم، ولذلك كانت ازواجه امهاتهم مراعاة لجانب هذه الحقيقة. والابوة هنا هي بمعنى العلية، حيث ان علة الشيء اولى بنفس ذلك الشيء من نفسه، اذ الشيء بالقياس الى علته بالوجوب حيث كان بالقياس الى نفسه بالامكان، فلو لم يكن روح النبي (ص) علة لوجوداتهم الحقيقية لم يكن اولى من انفسهم تبعاً لمنطوق الاية. رغم ان القياس الذي لجأ اليه هذا العارف في تأويل الاية غير صحيح، حيث اعتبر النبي اباً حقيقياً للمؤمنين مثلما دلل على ذلك بامومة ازواجه، وهو ما لا يتفق مع النص القرآني الذي ينفي ابوة النبي لهم، كما في قوله تعالى: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم} الاحزاب/40. واذا قيل ان الاية الاخيرة لا تتحدث عن الابوة الحقيقية، قلنا فهل كانت الاية الاولى المستدل بها تتحدث عن شيء يتعلق بتلك الابوة او الامومة الحقيقية، او الاولوية التكوينية من العلاقة السببية؟! وتكتمل الصورة في رسم معالم النبوة، فتصبح حقيقتها ليست تلك التي قيل بأنها تأخذ العلم عن العقل الأول جبريل، فهي في هذه الحالة أعظم من العقل الأول، وكما سنرى ان هذا العقل في منظور الاملي يكون وزيراً للنبوة او الروح الاعظم، لذا فالاخير هو ذلك المسمى بالصادر الاول او الوجود المنبسط الذي تتقوم به كل الخلائق والكائنات، ويكون العقل الاول على رأسها. وبالتالي يصبح للنبوة خصوصية الانبساط والخلافة المطلقة التي يتم بها بناء الاشياء وتكوينها، ومن ثم فهي نبوة تكوينية قبل ان تكون نبوة قيمية معيارية تمارس دور الهداية والانذار. ولا شك ان للنبوة في هذا المعنى مظاهر تتفاوت تكاملاً بحسب منطق السنخية، وما محمد خاتم الانبياء الا رسول جاء على سنخ نبوة محمد الاول الذي يسبق جميع الانبياء، بل والخلق اجمعين. تلك هي نبوة العقل الاول التكوينية والتي سيتم اجلاء فهمها بربطها بقضية الولاية، حيث تصبح النبوة والولاية العرفانية تعبران عن حقيقة واحدة لها وجهان ظاهر وباطن. فمن حيث الظاهر هي نبوة، أما من حيث الباطن فهي ولاية. ومثلما رأينا في علاقة الفلسفة بالنبوة بحسب الرؤية الفلسفية، حيث الفلسفة تعبر عن باطن النبوة، والنبوة عبارة عن ظاهرها، فهنا نواجه نفس السياق، فالولاية العرفانية هي باطن النبوة، والنبوة ظاهرها. ومثلما كان الفلاسفة يتقدمون على الانبياء بالفضل من حيث العلاقة بين حقيقة الفلسفة والنبوة، فنفس الحال هنا في كون العرفاء يفضلون الانبياء ايضاً من حيث حقيقة الولاية التي يحملونها مقارنة بالنبوة الظاهرة. لا شك ان العرفاء يقدرون للنبي محمد حقيقة عليا مجردة لها صفة الولاية التكوينية التي تتمثل بما يطلق عليه الانسان الكامل، وقد قال فيه بعض العرفاء انه سبب ايجاد العالم وبقائه ازلاً وابداً، دنيا واخرة. فمعنى الولاية التكوينية هي تلك السلطنة التي لها دور الخلق والتكوين للعالم بكافة شؤونه ومظاهره، فهي في فعلها تنوب عن الحق وتتوسط بينه وبين الخلق، وهي بحسب التعبير الفلسفي تمثل العقل الاول، او الصادر والمتعين الاول ، الذي هو من حيث العلم جامع لكل شيء، وانه من حيث الفعل تقوم به السماوات والارض وما بينهما، حيث يسري في كل شيء، ويمد الحياة لكل شيء، لذلك يطلق عليه (الاله الصانع) تمييزاً له عن (الاله المتعال). من هنا رأى ابن عربي ان الحقيقة المحمدية هي اول التعينات، فهي النور الذي تجلى عن الله قبل كل الاشياء، ومنه تكونت سائر الاشياء. فهي عنده صورة كاملة للانسان الكامل الجامع لجميع حقائق الوجود. وهي ‹‹الحق ذاته ظاهراً لنفسه في اول تعين من تعيناته في صورة العقل الحاوي لكل شيء. واذا كان ادم هو الانسان الظاهر المتعين بالوجود الخارجي في صور افراده، فمحمد هو الانسان الباطن المتعين في العالم المعقول››. وهو اسم الله، او اسم الله الاعظم الذي تحققت به جميع المراتب والنسب والظهورات والتعينات، او انه مسمى الله الظاهر كأول متعين من تعينات الهوية الغيبية. وهو من حيث كونه متعيناً بحقيقة الانسان الكامل فانه مستغرق جميع الذوات الموجودة والنسب العدمية المفقودة والافعال والاخلاق والنعوت والصفات المذمومة والمحمودة بحيث لا يخرج شيء اصلاً عن حيطته، لكنه غير متكثر بهذه الكثرة، حيث يتعالى عن الظهور بما يناقض الكمالات الالهية، فان الله هو ‹‹احدية جمع جميع الكمالات الاسمائية المؤثرة والحقايق الفعالة الوجوبية الوجودية لا غير... واما غير مسمى الله خاصة مما هو مجلى له او صورة فيه، فان كان مجلى له فيقع التفاضل بين مجلى ومجلى.. وان كان صورة فيه فالذي يسمى الله هو الذي لتلك الصورة.. ولا يقال هي هو ولا هي غيره››. وحقيقة الانسان لدى العرفاء هو انها مظهر لجميع الاسماء الالهية، فكل مخلوق وموجود سوى الانسان له حظ من بعض اسمائه دون الكل، أما الانسان فله كل الاسماء، وهو سبب تعلم الانسان الاسماء الحسنى كلها دون الملائكة كما في الاية، لان حقيقة الانسان مظهر جامع لمظاهر كل الاسماء، خلافاً لغيره من الموجودات، اذ كل واحد منها يعد مظهراً لبعض الاسماء، فالملائكة مظهر لاسماء السبوح والقدوس والسلام ونحوها، والشياطين مظاهر للمضل والمتكبر والعزيز والجبار وغيرها، والحيوانات مظاهر لاسماء السميع والبصير والحي والقدير وما اليها، وكذا ان النار مظهر للقهار، والهواء مظهر للطيف، والماء مظهر للنافع، والارض للصبور، والادوية السمية للضار، والدنيا مظهر للاول، والاخرة للاخر، وهكذا .. وبذلك فان للانسان حظاً في ان يكون مظهراً لجميع الاسماء الجمالية والجلالية. او هو ‹‹مظهر جميع الاسماء والصفات ومجمع كل الحقائق والايات، فهو الكتاب الجامع››. وهو المعبر عنه باسم الله الاعظم الذي يجمع هذه الاسماء على النحو الاجمالي، فهذا الاسم عبارة عن صورة الانسان الكامل او مظهره، وهو نفس حقيقة النبي الاكرم، فالله هو اسم للذات الالهية باعتبار جامعيته لجميع النعوت الكمالية، وصورته الانسان الكامل، واشير اليه بقول النبي: ‹‹اوتيت جوامع الكلم››، فهو روح العالم وخليفة الرحمن. والانسان الكامل حيث انه جامع لجميع الاسماء فهو من هذه الناحية يجمع بين الحقيقتين الالهية والعالم. فقد اعتبر العرفاء ان الانسان ناشئ على صورة الرحمن تبعاً للحديث النبوي ‹‹خلق الله ادم على صورته، او على صورة الرحمن››. وهو الحديث الذي اثبتت الدراسات الحديثة ان له اثراً يهودياً في سفر التكوين. وقد تعمد العرفاء توظيفه في نظريتهم الخاصة بالانسان الكامل. فالانسان نسخة مختصرة من الحضرة الالهية، ولذلك خصه الله بصورته كما في الحديث السابق. فهو صورة الحق تعالى وظهوره وتجليه، في حين يعبّر الانسان الكبير المتمثل بالعالم عن الصورة الظاهرة لهذا الانسان، او انه مظهر هذا الانسان، وبالتالي يمكن القول ان العالم هو صورة الحق، اي ان له مناسبة ومشابهة من هذه الناحية مع الحق تعالى. فالانسان نسخة من الصورتين الحق والعالم، اذ نشأت صورته الظاهرة من حقائق العالم وصوره، ونشأت صورته الباطنة على صورة الحق تعالى. وان صورته الظاهرة لا تقتصر على الجسمية فحسب، بل تشمل جميع الخلقة من الجسم والروح والقوى والعقل والمعاني والصفات، وكل ما يصح اطلاق الخليفة الكامل عليه مما هو سوى الله، أما الصورة الباطنة فهي على صورة الحق، حيث ان الانسان الكامل يحوي جميع الاسماء الالهية الفعلية الوجوبية وجميع نسب الربوبية. فهو: حق واجب الوجود وحي وعالم وقدير ومتكلم وسميع وبصير، وهكذا جميع الاسماء، ولكن بالله على الوجه الاكمل. فباطن الانسان على صورة الله وظاهره على صورة العالم وحقايقه. فليس في الكائنات من هو اعظم جمع للوجودات غيره ‹‹فهو مجلّى الحق، والحق مجلّى حقائق العالم بروحه الذي هو الانسان، واعطى المؤخر لانه اخر نوع ظهر، فأوليته حق واخريته خلق، فهو الاول من حيث الصورة الالهية، والاخر من حيث الصورة الكونية، والظاهر بالصورتين، والباطن عن الصورة الكونية بما عنده من الصورة الالهية››. وكما يذكر ابن عربي ان الرقائق المجتمعة في الانسان هي كل من العالم والحق، فادم من العالم ومن الحق بمنزلة بنيه منه، اذ كانت فيه رقيقة من كل صورة في العالم تمتد اليه لتحفظ عليه صورته، ورقيقة كذلك من كل اسم الهي تمتد اليه لتحفظ عليه مرتبته وخلافته، فهو يتنوع في حالاته تنوع الاسماء الالهية، ويتقلب في اكوانه تقلب العالم كله، وهو صغير الحجم لطيف الجرم سريع الحركة، فاذا تحرك حرّك جميع العالم، واستدعى بتلك الحركة توجه الاسماء الالهية عليه. هكذا تكون نسخة الانسان الظاهرة مضاهية للعالم باسره، أما نسخته الباطنة فتضاهي الحضرة الالهية، فهو الكلي على الاطلاق والحقيقة، وهو الحد الفاصل بين الله والعالم باعتباره يمثل صورة الله، والعالم بمثابة المرآة التي تعكس تلك الصورة، وذلك لِما اودعه الحق جميع الاسماء وجعله روحاً للعالم، ولهذا فهو يتصف بانه قابل لجميع الوجودات قديمها وحديثها ، وهويته معدة من كل شيء، لكونه اول الاسباب الفاعلية الكونية نزولاً، وانه يكمل ذاته من كل شيء لكونه اخر الاسباب الغائية الكمالية صعوداً. فالانسان الكامل هو نسخة مختصرة جامعة لجميع العوالم الكونية والعقلية وما بينهما، من عرفها فقد عرف الكل، ومن جهلها فقد جهل الكل. لذلك كان الانسان اكمل الموجودات، فكل ما سواه يعد خلقاً الا هو فانه خلق وحق. فادم او الانسان هو الحق باعتبار ربوبيته للعالم واتصافه بالصفات الالهية، وهو الخلق باعتبار عبوديته ومربوبيته. ورغم ان الله قد اضله واخرجه من الجنة الروحانية كما تشير الى ذلك بعض الايات، الا ان هذا لا يقدح في خلافته وربوبيته. فلكل انسان نصيب من الربوبية، وأما الربوبية التامة فهي للانسان الكامل باعتباره الخليفة وصاحب الولاية التامة، وكذلك فان له العبودية التامة. فالخلافة لدى العرفاء لا تصح الا للانسان الكامل. فكما ذكر الجندي من ان الله قد خلق ادم على صورة الرحمن، فالعلاقة بينهما علاقة خلافة، حيث لا بد ان يكون الخليفة على صورة مستخلفه والا فهو ليس بخليفة، وبعدها اوجد الله العالم على صورة ادم، باعتبار ان العالم صورة تفصيل النشأة الانسانية، وان الانسان هو صورة جمعها الاحدية، فالانسان هو غيب العالم، والعالم شهادته وظاهره، لكون الكثرة والتفرقة هي حجاب ظاهر، وان الجمعية الاحدية هي غيب باطن، وبالتالي فالانسان هو روح العالم وقلبه ولبه وسره الباطن. وهو من حيث كونه خليفة الله فانه يكون عبد الله ورب العالم، اذ لم يؤد احد من العالم الربوبية غيره، وما أحكمَ احد غيره مقام العبودية، فعبد الحجارة والجمادات، لكونه نسخة جامعة بين الحق والخلق. هذه هي المشابهة بين ذات الحق والانسان، وبين هذا الاخير والعالم. حتى ان البعض صرح بكون ذات الحق عبارة عن انسان الهي تقليداً لما جاء به افلوطين. كما انها ذاتها تستبطن فكرة الخلافة والولاية. وبالتالي فليس هناك من يمثل هذه الكمالات من المضاهات والشمول وصفات العلم والخلافة والقدرة على الايجاد والخلق والتكوين غير صاحب الكمالات الانسانية والوجودية المعبر عنه بالحقيقة المحمدية. اذن ان فكرة الحقيقة المحمدية نابعة من فكرة الانسان الكامل الجامع للكل. كذلك فان فكرة الولاية هي ايضاً تنبع من هذه الفكرة عبر ما استخلفه الحق ليكون خليفة له في التكوين والايجاد. فمشروعية الولاية تستمد من الخلافة كما يصورها العارف الاملي، وان الخلافة هي تلك النيابة عن الله في التكوين والايجاد، وبالتالي فان للولاية تكويناً هي تلك المسماة بالولاية التكوينية. فالاملي ينقل عن الصوفية رأيهم بان الولاية والسلطنة لا تجوز مباشرة من الذات القديمة من دون واسطة، استناداً الى بعد المناسبة بين عزة القدم وذلة الحدث، لذا لا بد من ان يولي القديم ما ينوب عنه في التصرف والولاية والحفظ والرعاية، وصفة هذا النائب هي ان له وجهاً في القدم يستمد به من الحق تعالى، ووجهاً في الحدث يمد به الخلق، ومن ثم فقد جعل الله على صورته خليفة يخلف عنه في التصرف، وخلع عليه جميع اسمائه، وسماه انساناً لامكان وقوع الانس بينه وبين الخلق برابطة الجنسية والانسية، كما جعل له بحكم اسميه الظاهر والباطن حقيقة باطنة وصورة ظاهرة ليتمكن بهما من التصرف في الملك والملكوت. وحقيقته الباطنة هي الروح الاعظم، وهو الامر الذي يستحق به الانسان الخلافة، والعقل الاول وزيره وترجمانه، والنفس الكلية خازنه وقهرمانه، والطبيعة الكلية عامله. وأما صورته الظاهرة فهي صورة العالم من العرش الى الفرش وما بينهما من البسائط والمركبات، وهذا هو الانسان الكبير. مع انه قد يقال ان اعتبار العقل الاول وزير الروح الاعظم والذي هو روح النبوة او حقيقة النبي محمد، ينافي ما قد سبق ان صرح به الاملي من ان النبوة هي قبول النفس القدسي حقايق المعلومات عن الله تعالى بواسطة العقل الاول. الا ان يجاب بان الروح الاعظم او روح النبوة هي غير ما ذكر من النبوة، فالاولى لها دلالة الولاية والخلافة بخلاف الثانية، اي تصبح للنبوة حالتان، احداهما ظاهرة تنفعل عن العقل الاول، اما الاخرى فهي باطنة يطلق عليها الولاية. كذلك فقد صرح الاملي في محل اخر بان العقل الاول هو ذاته الروح الاعظم وليس وزيره، وهو المعبر عنه بالخليفة الاعظم والقلم الاعلى والانسان الكبير وقطب الاقطاب وادم الحقيقي وما الى ذلك. كما نجد ان صدر المتألهين قد عدّ الحقيقة المحمدية هي ذات العقل الاول. فعنده ان محمداً هو اول واخر سلسلة الوجودات الممكنة، او انه يمثل بداية السلسلة ونهايتها. فعند الاقبال والبداية هو عقل اول، فهو اول الجواهر والعقول، وقائد سلسلة العلل والمعلولات، وفاتح باب الرحمة والجود، وواسطة فيض الحق في الوجود. وهو عند الادبار والنهاية عقل اخر هو زبدة العناصر والاصول وخاتم كل نبي ورسول، وثمرة شجرة عالم الاضداد وسائق العباد الى منزل الرشاد ودرجة السداد وهادي الخلق الى رضوان الله الملك الحق والمعبود المطلق. فهو بالتالي اشرف من كل الممكنات والمخلوقات بما في ذلك الملائكة المقربين. والفارق بين الآملي وصدر المتألهين، هو ان الاول عدّ العقل الاول عبارة عن جبريل، وان ما هو اعلى منه رتبة ودرجة هو محمد الذي اليه يستند في وزارته، رغم انه عد النبوة متأثرة بهذا العقل او جبريل. في حين ان محمداً لدى صدر المتألهين عبارة عن نفس العقل الاول، وليس هناك ما يفوق هذا العقل سوى الحق تعالى. لكن لو اعتبرنا ان الصادر الاول هو الوجود المنبسط الذي يكون العقل الاول اعلى مراتبه، وانه عبارة عن نفس هذا العقل، فيكون له اعتباران، احدهما يعبر عن تلك الذات المتقدمة التي ينطوي فيها العالم على نحو الاجمال، والاخر يعبر عن ذلك الوجود المنبسط الذي يظهر به جميع ما في العالم على نحو التفصيل.. فلو اعتبرنا العقل الاول بهذه الصورة التوجيهية التي قربها صدر المتألهين للتوفيق بين المشربين الفلسفي والصوفي ، لكان ما يريده هذا الفيلسوف لا يختلف عما يريده الاملي من النبوة والحقيقة المحمدية والانسان الكامل. وبحسب سلسلة التنزل لدى صدر المتألهين، يبدأ الامر من الحقيقة المحمدية التي تمثل العقل الاول، ثم بعدها الحقيقة العلوية المسماة في البداية بـ ‹‹النفس الكلية الاولية واللوح المحفوظ، وهو العقل الفرقاني، وذلك عند وجودها التجددي››. وان هذه الحقيقة تسمى بالنهاية بعيسى بن مريم عند وجودها البشري الجسماني. ثم بعد ذلك تستمر السلسلة بالاقرب فالاقرب من العقول والنفوس الكلية بعد العقل الاول والنفس الاولى، الظاهرة في صور الانبياء والمرسلين سابقاً، وصور الاولياء والائمة المعصومين لاحقاً، ثم بعد ذلك الحكماء والعلماء. ويفهم مما سبق ان هناك ثلاثة اركان تستمد رؤاها من البعد الفلسفي، وتمثل العلاقة بين كل من المبدأ الحق والعقل الاول والعالم، اذ يتخذ العقل الاول دور الوسيط في الربط بين المبدأ الحق والعالم، او هو فعل المبدأ الحق في العالم، ولهذا تمّ اعتباره يمثل الانسان الكامل، او الحقيقة المحمدية، وانه يحمل صورة المبدأ، وان العالم يحمل صورته ومظهره، انطلاقاً من منطق السنخية. وكما صرح ابن عربي بأن الخلائق مرائي للحق تعالى، وان اكمل المرائي واعدلها واقومها هي مرآة محمد، حيث ان تجلي الحق فيها اكمل من كل تجل. فليس في الموجودات من وسع الحق سوى الانسان الكامل او محمد (ص)، وما وسعه الا بقبول الصورة. لذا فهو يوصي القارئ ويقول: ‹‹اجهد ان تنظر الى الحق المتجلي في مرآة محمد (ص) لينطبع في مرآتك فترى الحق في صورة محمدية برؤية محمدية، ولا تراه في صورتك››. بذلك تصبح النبوة المحمدية غير متميزة عن الالوهة. فنحن هنا امام عين واحدة هي الالوهة والنبوة. بل اذا كان العرفاء السنة يكتفون بمحمد كإله صانع وخالق لكل ما هو موجود، فان العرفاء الشيعة اضافوا الى ذلك الائمة من اهل البيت، وبعضهم – مثل السيد الخميني - يستشهد بحديث منسوب الى احد الائمة يقول فيه: لنا مع الله حالات، هو هو ونحن نحن، وهو نحن ونحن هو. وبالتالي فانه سواء لدى العرفاء السنة او الشيعة؛ يكون محمد هو ذلك الاله الذي تتوقف عليه جميع التنزلات الوجودية والخلقية. الامر الذي يجعل التوحيد والنبوة والولاية او الامامة؛ كلها تندمج في وحدة واحدة هي الله في بعض تنزلاته ومراتبه. ويمكن القول ان هذه الرؤية تتوافق مع الاعتبارات الفلسفية، فالنبي او الولي يعد بحسب هذه الاعتبارات هو ذلك الذي تنزّل تبعاً لقاعدة الصدور (الواحد لا يصدر عنه الا واحد)، وان الواحد الصادر ليس منفصلاً عن الحقيقة الالهية، فليس هو من العالم ولا من الموجودات المجعولة او القابلة للجعل والتأثير، بل شأنه شأن الاله في الخلق والتكوين. هكذا لا تقتصر الوساطة المحمدية، وكذا وساطة الائمة من اهل البيت، على المجال الديني من التبليغ والهداية، بل انها تسبق ذلك لدى الوساطة التكوينية التي يتقوم بها الخلق كله، فلولاهم لاستحال ان يُخلق شيء او يظهر موجود قط. وبنظر البعض ان فيهم تتجسد العلل الارسطية الاربع. فعلى رأي الشيخ احمد الاحسائي انهم علة فاعلية لكونهم نفس المشيئة الالهية التي تمّ بها خلق العالم وتكوينه، فهم الخالقون الرازقون المميتون ، وان علة الايجاد هذه هي المحبة ذاتها، فكل موجود انما هو موجود بحبهم، ومن لم يحبهم فلا يوجد قط. وهم ايضاً علة مادية، حيث ان جميع الخلق خلقوا من مادة الشعاع القائم بانوارهم. كذلك فهم علة صورية، اذ كل فرد من الخلائق إن كان طيباً فصورته من انوار هياكلهم او من انوار هياكل هياكلهم وهكذا، وإن كان خبيثاً فصورته من عكس انوار هياكلهم، وبالتالي فان تجلياتهم تكون في جميع الاشياء، وان الحديث النبوي القائل (من عرف نفسه فقد عرف ربه) يصدق عليهم، حيث ان من عرف نفسه فقد عرفهم، ومعنى ان الله يرينا اياهم في انفسنا هو انه يرينا ان انفسنا هي ذات شعاعهم وظهورهم لنا بنا، فيُعرفون كما يُعرف الشخص بظهور شبحه في المرآة، أما المبدأ الحق في ذاته فلا يمكن ان يعرف، بل يعرف بمعرفتهم، وكما يقول تعالى: {وله المثل الاعلى في السماوات والارض} الروم/27، ويقول الامام علي: ‹‹نحن الاعراف الذين لا يعرف الله الا بسبيل معرفتنا››. واخيراً فهم علة غائية، حيث خُلق الخلق لاجلهم وان اياب الناس اليهم وحسابهم عليهم. فهم اول السلسلة النزولية واخرها غاية، كما ان السلسلة عبارة عن تجلياتهم. وعليه ‹‹فكل الخلق منهم وكل الخلق بهم وكل الخلق لهم وكل الخلق اليهم، بل الخلق هم››. وعليه فالائمة عبارة عن ذلك الاله الصانع الذي تحدثت عنه الهرمسية، او هم عبارة عن ذلك الاله الابن الذي تحدثت عنه النصارى في تثليثها للامر الواحد. ومن حيث المنظور الفلسفي فكلها تعني العقل الاول او الصادر المنبسط العام، فما هي الا تطبيقات الاعتبارات الفلسفية على العينة الدينية. والعرفان في تطبيقاته مدين في ذلك الى تلك الوجهة من النظر. فعندهم ان اول موجود اوجده الله هو العقل، وهو ذاته عبارة عن الحقيقة المحمدية وكذا العلوية. ويوظف العرفاء في هذا الصدد عدداً من النصوص الدالة عليه تصريحاً وتلويحاً كأول صادر صدر عن المبدأ الحق. ومن هذه النصوص الاقوال المروية عن النبي: اول ما خلق الله نوري - او روحي .. كنت نبياً وادم بين الماء والطين.. ومثله قول علي: ‹‹كنت ولياً وادم بين الماء والطين .. خُلقت انا وعلي من نور واحد قبل ان يخلق الله ادم باربعة عشر الف عاماً.. خلق الله روحي وروح علي بن ابي طالب قبل ان يخلق الخلق بألفي عام.. بُعث علي مع كل نبي سراً، ومعي جهراً... الخ. وعلى هذه الشاكلة هناك بعض النصوص التي يوظفها العرفاء الشيعة لما يقولونه حول قدم ولاية الائمة وباطنيتها وان بها يقوم كل شيء. ومن ذلك ما ينقله العرفاء من رواية عن الامام الصادق - كما في كتاب الاختصاص للمفيد - انه قال لتلميذه المفضل بن عمر: ان الله تبارك وتعالى توحد بملكه فعرّف عباده نفسه ثم فوّض اليهم امره واباح لهم جنته، فمن اراد الله ان يطهّر قلبه من الجن والانس عرّفه ولايتنا، ومن اراد ان يطمس على قلبه امسك عنه معرفتنا.. يا مفضل والله ما استوجب ادم ان يخلقه الله بيده وينفخ فيه من روحه الا بولاية علي، وما كلّم الله موسى تكليماً الا بولاية علي، ولا اقام الله عيسى بن مريم اية الا بالخضوع لعلي. وكذا ما ينقلونه من رواية عن الامام علي انه قال: ‹‹أنا وجه الله، أنا جنب الله، أنا يد الله، أنا القلم الاعلى، أنا اللوح المحفوظ، أنا الكتاب المبين، أنا القرآن الناطق، أنا كهيعص، أنا ألم ذلك الكتاب، أنا طاء الطواسين، أنا حاء الحواميم، أنا الملقب بياسين، أنا صاد الصافات، أنا سين المسبحات، أنا النون والقلم، أنا مايدة الكرم، أنا خليل جبريل، أنا صفوة ميكائيل، أنا الموصوف بـ (لا فتى)، أنا الممدوح في (هل أتى) ، أنا النبأ العظيم، أنا الصراط المستقيم، أنا الاول، أنا الاخر، أنا الظاهر، أنا الباطن››"[181].

و يقول الدكتور محسن جهانگيري وتحت عنوان (أهل الله يأخذون علمهم من الله مباشرة) ما نصّه: "يعتقد ابن عربي ومثل العرفاء الاخرين: مثلما ان الله تعالى يعلّم الانبياء والرسل وانهم يأخذون علمهم من الله مباشرة ، كذلك اولياء الله أو "أهل الله" على حد تعبير ابن عربي – اي العرفاء – يأخذون علمهم من الله مباشرةً ، أي هم تلامذة بدون واسطة. وانبرى ابن عربي لانتقاد علماء الرسوم[182] بعد الاستشهاد بآيات مثل "اقرأ باسم ربّك الذي خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الاكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم" ، و"خلق الانسان علمه البيان" ، فقال: "فهو سبحانه معلم الانسان فلا نشك أن أهل الله هم ورثة الرسل عليهم السلام والله يقول في حق الرسول ((وعلمك ما لم تكن تعلم)) ، وقال في حق عيسى : ((ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والانجيل)) ، وقال في حق الخضر صاحب موسى عليهما السلام : ((وعلمناه من لدنا علماً)). فصدق علماء الرسوم عندنا فيما قالوا انّ العلم لا يكون إلا بالتعلم وأخطأوا في اعتقادهم أنّ الله لا يُعلم من ليس بنبي ولا رسول ، يقول الله: ((يؤتي الحكمة من يشاء)) ، وهي العلم وجاء بمن وهي نكرة. ونقل ابن عربي في اعقاب ذلك قول ابي يزيد البسطامي وأبي مدين للتأكيد على ما ذهب اليه وتأييد رأيه القائل بأنّ علم "أهل الله" وخلافاً لعلم علماء الرسوم مستقى من الله مباشرة لأن الواهب لم يمت ، وباب الفيض الالهي والمبشرات لم يُغلق. ومما قاله بهذا الشأن : "قال ابو يزيد البسطامي رضي الله عنه في هذا المقام وصحته يخاطب علماء الرسوم: أخذتم علمكم ميتاً عن ميت وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت. يقول أمثالنا حدثني قلبي عن ربي ، وانتم تقولون حدثني فلان وأين هو؟ قالوا مات ، عن فلان وأين هو؟ قالوا: مات. وكان الشيخ ابو مدين رحمه الله اذا قيل له: قال فلان عن فلان عن فلان يقول: ما نريد أن نأكل قديداً هاتوا ائتوني بلحم طريّ يرفع همم أصحابه ، هذا قول فلان أي شيء قلت أنت ما خصك الله به من عطاياه من علمه اللدني أي حدثوا عن ربكم واتركوا فلاناً وفلاناً فان اولئك اكلوا لحماً طرياً والواهب لم يمت وهو أقرب اليكم من حبل الوريد. والفيض الالهي والمبشرات ما سُدّ بابها وهي من اجزاء النبوة والطريق الواضحة والباب مفتوح والعمل مشروع". وبما انه يرى انّ معلم أهل الله وأهل العرفان يأخذ علمه من الله مباشرة ، لهذا يعتقد انّ علم هذه الطائفة محفوظ من الضعف والنقص والخطأ والاشتباه والابهام والاجمال ، ويقول: (والحق سبحانه مُعَلِّمنا وِرثاً نبويّا محفوظاً معصوماً من الخلل والاجمال)"[183].

"وبعد تاكيد ابن عربي على وجود علم آخر غير العلمين الفطري والمكتسب وهو العلم الوهبي الذي ينزله الله في القلوب والاسرار وندركه بدون سبب وواسطة ، وجّه الانظار الى القضية التالية وهي ان العلم الحاصل عن التقوى – وخلافاً لتصور أكثر الناس – ليس علماً وهبياً لأنه علم مكتسب عن طريق التقوى ، والله تعالى قد جعل التقوى طريقاً للوصول اليه فقال: ((ان تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً)) ، و((واتقوا الله ويعلمكم الله)) ، كما جعل سبحانه الفكر الصحيح وترتيب المقدمات الصحيحة سبباً للوصول الى المعقولات ، والباصرة وسيلة لادراك المُبصرات ، في حين لا يوجد أي سبب وراء العلم الوهبي ، وإنما يُعطى من الله تعالى الى العبد بدون واسطة ، ويُعَدّ من مُعطيات اسمه الوهّاب. ويرى ابن عربي ايضاً انّ النبوات من العلوم الوهبية ، وليس هناك أمر مكتسب في النبوة ، ويقول بأنّ أهل الاسلام يعتقدون بأنّ جميع الشرائع من العلوم الوهبية. ويؤكد بأنّ العلم الكسبي معلولُ عمل العبد في حين لا وجود للعمل في العلم الوهبي"[184].

فظن ابن عربي ان التقوى حتمية في انتاجها العلم الكسبي ! وليست عطاءاً من الله سبحانه بحيث عدّ العلم الحاصل من التقوى علماً كسبياً وليس وهبياً وهذا يعني في جانب منه سلب الاختيار عن الخالق تعالى شأنه فكل من يتقي يحصل على علم كسبي بنص القرآن وفق رأي ابن عربي !! فيصبح العلم الكسبي حتمياً حين حصول التقوى !

اما العلم الوهبي فما فائدته بدون العصمة ، فكل ما يوهب للانسان بلا بينة شرعية او عقلية كيف يمكن الاستفادة منه وكيف يُطمئن اليه حتى بالنسبة الى الشخص نفسه !

كان ابن عربي يرى "عجز العقل وحرمانه من بلوغ المعارف الالهية عن طريق الفكر والنظر ، إلا أنه ترك الباب مفتوحاً لنيل هذه المعارف ببركة إلهية ، دون أن يضع حداً لاستعداد العقل وقدرته على قبول هذه الهبة"[185].

ويقول ابن عربي: "فإن الامام لا يقتني العلوم من فكره بل لو رجع الى نظره لأخطأ فإن نفسه ما اعتادت إلا الاخذ عن الله وما اراد الله لعنايته بهذا العبد أن يرزقه الأخذ  من طريق فكره فيحجبه ذلك عن ربه فإنه في كل حال يريد الحق أن يأخذ عنه ما هو فيه من الشؤون في كل نفس فلا فراغ له ولا نظر لغيره وللعاقل إذا استبصر دليل قد وقع يدل على صحة ما ذكرناه نهى النبي ص عن إبار النخل ففسد لأنه لم يكن عن وحي إلهي ونزوله يوم بدر على غير ماء فرجع الى كلام اصحابه فإنه ص ما تعود أن يأخذ العلوم إلا من الله لا نظر له إلى نفسه في ذلك وهو الشخص الكمل الذي لا أكمل منه فما ظنك بمن هو دونه وما بقي للعارفين بالله علاقة بين الفكر وبينهم بطريق الاستفادة ولا يسمى الشخص إلهياً إلا أن لا يكون أخذه العلوم إلا عن الله من فتوح المكاشفة بالحق يقول أبو يزيد البسطامي اخذتم علمكم ميتاً عن ميت حدثنا فلان وأين هو قال مات عن فلان وأين هو قال مات فقال أبو زيد واخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت فلا حجاب بين الله وبين عبده أعظم من نظره الى نفسه وأخذه العلم عن فكره ونظره وإن وافق العلم فالأخذ عن الله أشرف وعلم ضرورات العقول من الله لأنها حاصلة لا عن فكر واستدلال"[186].

 

قاعدة بسيط الحقيقة كل الاشياء:

يقول ملا صدرا: "أن كل بسيط الحقيقة يجب ان يكون جميع الاشياء بالفعل وهذا مطلب شريف لم اجد في وجه الارض من له علم بذاك"[187].

وقال في موضع آخر: "في ذكر نمط آخر من البرهان على أن واجب الوجود فرداني الذات تام الحقيقة لا يخرج من حقيقته شيء من الاشياء. اعلم أن واجب الوجود بسيط الحقيقة غاية البساطة وكل بسيط الحقيقة كذلك فهو كل الاشياء فواجب الوجود كل الاشياء لا يخرج عنه شيء من الاشياء وبرهانه على الاجمال انه لو خرج عن هويه حقيقته شيء لكان ذاته بذاته مصداق سلب ذلك الشيء والا لصدق عليه سلب سلب ذلك الشيء إذ لا مخرج عن النقيضين وسلب السلب مساوق للثبوت فيكون ذلك الشيء ثابتاً غير مسلوب عنه وقد فرضناه مسلوباً عنه هذا خلف وإذا صدق سلب ذلك الشيء عليه كانت ذاته متحصلة القوام من حقيقة شيء ولا حقيقة شيء فيكون فيه تركيب ولو بحسب العقل بضرب من التحليل وقد فرضناه بسيطاً هذا خلف"[188].

وقال السيد الخميني: "فنطق لسان الحكماء المتألّهين لإفادة ذلك الامر العظيم الذي كان العلم به من أجلّ المعارف الإلهية بأنّ بسيط الحقيقة كلّ الاشياء بالوحدة الجمعية الإلهية. وقال العرفاء الكاملون إنّ الذات الاحدية تجلّى بالفيض الاقدس ، أي الخليفة الكبرى ، في الحضرة الواحديّة ، وظهر في كسوة الصفات والاسماء وليس بين الظاهر والمظهر اختلاف غلا بالاعتبار"[189].

وقال الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء: "اما واجب الوجود فوجوده لنفسه في نفسه بنفسه ، وهو أي الوجود أيضاً بذاته وبجميع هذه الانواع وحداني ذو مراتب متفاوتة بالقوة والضعف والاولية والاولوية أعلى مراتبه واولها واولاها الوجود الواجب الجامع لكمالات جميع ما دونه من مراتب الوجود بنحو البساطة والوحدة الجامعة لجميع الكثرات وكل الكثرات نشأت منها ورجعت اليها (انا لله وانا اليه راجعون) واليه الاشارة بقولهم (بسيط الحقيقة كل الاشياء وليس بشيء من الاشياء) والتوحيد الكامل (رد الكثرة الى الوحدة والوحدة الى الكثرة) وهذ الوجود الخارجي من أعلى مراتبه الوجودية الى اخس مراتبه الامكانية وهي الهيولي التي لها أضعف حظ من الوجود وهي القوة القابلة لكل صورة"[190].

وذكر الشيخ علي حمود العبادي في معرض اثباته علم الواجب بالاشياء قبل الايجاد مقدمتين الاولى ان الواجب تعالى بسيط ، والمقدمة الثانية ان بسيط الحقيقة كل الاشياء وهي قاعدة وضعها ملا صدرا (صدر المتألهين) حيث قال عنها: "إن كل بسيط الحقيقة يجب ان يكون كل الاشياء بالفعل ، وهذا مطلب شريف لم أجد في وجه الارض من له علم بذلك"[191].

ان اعترافه بانه ليس على وجه الارض من له علم بما افترضه يدل على ان الحق بعيد عنه ، فلو كان ما قاله حقاً وهو عنده اصل من اصول الهداية لوجدناه في القرآن الكريم الذي قال ((ما فرطنا في الكتاب من شيء)) او في الاحاديث الشريفة عن آل البيت الاطهار وهم احرص الناس على بيان ما يتعلق بالهداية من حقائق.

واما قاعدته نفسها التي تقول بسيط الحقيقة كل الاشياء فالمؤلف يشرح في نفس الصفحة قاعدة الملا صدرا كالتالي:

الله غير مركب أي احدي ويسميه بسيط

كل هوية (شيء) صح ان يسلب عنها شيء فهي متحصلة من ايجاب وسلب فهي مركبة

فبعكس النقيض ينتج:

كل بسيط (احدي) لا يسلب عنه شيء لأنه غير مركب

إذن الواجب تعالى لا يسلب عنه شيء حتى لا يصبح مركباً

وبما ان الواجب تعالى لا يسلب عنه شيء لأنه ليس مركباً فهو كل الاشياء!!!!!

وينقل المؤلف في ص124 عبارات ملا صدرا نفسها فيقول: (بتعبير صدر الدين نفسه: "إن الهوية البسيطة الالهية لو لم تكن كل الاشياء لكانت ذاته متحصّلة القوام من كون شيء ولا كون شيء آخر ، فيتركب ذاته ولو بحسب اعتبار العقل وتحليله من حيثيتين مختلفتين ، وقد فُرِضَ وثَبتَ أنه بسيط الحقيقة ، هذا خلف. فالمفروض أنّه بسيط إذا كان شيئاً دون شيء آخر ، كأن يكون { أ } دون { ب } فحيثية كونه { أ } ليست بعينها حيثية كونه { ليس ب } وإلا لكان مفهوم { أ } ومفهوم { ليس ب } شيئاً واحداً ، فالملزوم مثله ، فثبت أن البسيط كل الاشياء").

ولا بد قبل ان نخوض في مناقشة القاعدة ان نقول أن المقصود بالاشياء في هذه القاعدة هي الاشياء الموجودة فلا يدخل في بحثنا هذا الصفات ، حيث يقال ان الله عالم وانه ليس بجاهل، فلا يصح وفق هذه القاعدة ان يقال ان الله عالم وجاهل بذريعة نفي التركيب ، فالقاعدة هنا تتحدث عن الموجودات وليس عن الصفات.

فهذه القاعدة ببساطة تقول ان الله سبحانه ومخلوقاته شيء واحد ولا يجوز ان نقول ان المخلوقات شيء غير الله لأن ذلك يتعارض مع كونه سبحانه وتعالى بسيطاً غير مركب !!!

ومن جهة اخرى، فالمؤلف يتحدث عن هذه القاعدة (بسيط الحقيقة كل الاشياء) في معرض اثباته (علم الواجب تعالى بالاشياء قبل الايجاد) ، بينما هذه القاعدة لا تتحدث عن العلم بل عن وجود الشيء فعلاً ، وبذلك نجد ان استدلال المؤلف بهذه القاعدة في هذا الموضوع غير تام. فايرادها في موضوع وحدة الوجود ادق من ايرادها هنا.

وقد ذكر الشيخ حيدر حب الله شرحاً للمراد من قاعدة (بسيط الحقيقة كل الاشياء) ننقله بنصّه ثم نناقشه:

قال : (تعني قاعدة (بسيط الحقيقة كلّ الأشياء وليس بشيء منها) أنّ ما كان واحداً من الجهات جميعاً بالوحدة الحقّة التامّة لا بالوحدة العددية فقط، وليس إلا الله سبحانه وتعالى هو الواحد بالوحدة الحقة التامّة، فهو كلّ الأشياء والأشياء كلّها تكون هو، لا كل شيء على حدة يكون هو الله فكلّ الأشياء هي الله لا أنّ هذا الشيء أو ذاك هو الله. وقد استدلّوا لذلك بأنّ الله تعالى بسيط لا يوجد فيه أيّ نوع من أنواع التركيب على الإطلاق، فإذا فرضنا أنّه واجب الوجود وفرضنا أنّه ليس العالمَ، فسوف يكون مركّباً من جهتين: الأولى من إثبات الله له أي إثبات ذاته له، والثانية من نفي العالم عنه، وهذا التركيب وإن كان عقليّاً إلا أنّه يحكي عن واقع خارجي، فأيّ شيء يتألّف من ذاته ومن سلب الغير عنه ففيه جهة تركيب، وكل شيء منّا مؤلّف من سالب وموجب، والموجب هو أنه ذاته والسالب هو أنه ليس غيره، والله لا تركيب فيه فلابد أن لا يكون هناك غيره أبداً حتى يكون بسيطاً. ومعنى أنّه ليس هناك غيره لا أنّه هو الشجر والحجر، بل بمعنى أنّه الوجود الواحد الذي يعرفه العالم؛ لأنّ الحجرية والشجرية ليست وجودات وإنما ماهيات اعتبارية، ومن هنا كانت نظرية بسيط الحقيقة وثيقة الصلة بنظرية أصالة الوجود.

وقد نظّر لهذه القاعدة الفلسفية (بسيط الحقيقة) صدر الدين الشيرازي بشدّة، واعتبر أنه لم يفهمها على وجه الكرة الأرضية سواه وسوى أرسطو على حدّ تعبيره، ولكنها موجودة في كلمات الفلاسفة، وميزة الملا صدرا أنه حاول تقويتها والاهتمام بها في الأبحاث الفلسفية، وهي تثبت وحدة الوجود بمعنى من المعاني. والله العالم"[192].

اما قول الشيخ حيدر حب الله :(فهو كلّ الأشياء والأشياء كلّها تكون هو، لا كل شيء على حدة يكون هو الله فكلّ الأشياء هي الله لا أنّ هذا الشيء أو ذاك هو الله) ، هذا الامر يعود لقضية وحدة الوجود والموجود فالشيخ هنا يقصد ان كل الموجودات وجودها واحد هو وجود الله حيث انهم يقولون ان لا وجود الا وجود واحد ولذلك قالوا بوحدة الوجود.

فمن غير المعقول انه يقصد ان مجموع (الشمس والقمر والصنم والحجر والاشجار والحيوانات) الخ الموجودات هي الله تعالى بل قصده وجود هذه الاشياء هو وجود واحد بالاضافة الى انه نفس وجود الله ، ولذلك يقولون بوحدة الوجود والموجود.

ومن غير المعقول ان يكون قصد الشيخ حيدر حب الله ان الله هو مجموع الممكنات ! بل هم يقولون ان وجود الله سبحانه هو نفس وجود مجموع الممكنات !!!

وربما من المهم في هذا الموضع الاشارة الى ان مدرسة الحكمة المتعالية تعتبر الله سبحانه بلا ماهية فهو وجود فقط !

ولذلك فمن المهم جداً ان نذكّر بأنه إذا كان الوجود واحداً ووجود الله تعالى هو نفس وجود بقية الممكنات ، فأين نذهب بقوله تعالى: ((ليس كمثله شيء)) ؟! وهؤلاء يقولون بل مثله كل شيء !!!

واذا كان وجود (كل شيء) هو نفس وجوده سبحانه وتعالى ، فاين هم من قوله تعالى ((ولم يكن له كفواً أحد)) ، والذي يصبح معناه بحسب هذه القاعدة المتهالكة: ليس احد ، بمفرده ، كفواً لله بل (كل شيء) او (مجموع الاشياء) تكون كفواً له من حيث الوجود !! وحيث ان الله وجود بلا ماهية كما هي عقيدة الحكمة المتعالية ، فيكون وجود مجموع الكائنات مكافيء لله تعالى عمّا يصفون علواً كبيراً.

ومن الجدير بالذكر ان مزاعم ملا صدرا بان هذه النظرية من اختراعه وانه لم يسبقه احد اليها قد فندها سيد كمال الحيدري الذي ينتمي لنفس مدرسته الفكرية ، وبيّن انها من نتاجات ابن عربي اخذها عنه ملا صدرا !! يقول سيد كمال: "من أهم النظريات في هذا المجال القاعدة التي أسست لها الحكمة المتعالية المعروفة ببسيط الحقيقة كل الأشياء أو تمام الأشياء، هذه القاعدة التي يعبر عنها الشيخ مصباح يزدي في تعليقته المصباح الفصل الحادي عشر، رقم التعليقة 431، يقول لتوضيح ما اختاره من العلم الإجمالي في عين الكشف التفصيلي، مما يُعدّ أروع منتوج للتفكير الفلسفي، وأبدع منسوج للعقل البشري" ... الى ان يقول: "هذه النظرية منسوبة في الكلمات لصدر المتألهين؛ لأنه هو يدّعي هذا المعنى، يقول هذه النظرية أنا أسستها وبنيت عليها في الجزء الثالث من الأسفار، صفحة 40، يقول: إشارة إلى أنّ كل بسيط الحقيقة يجب أن يكون جميع الأشياء بالفعل، وهذا مطلب شريف لم أجد في وجه الأرض من له علمٌ بذلك، من حقّه بيني وبين الله أن يقول (واما بنعمة ربك فحدث) إذا استطاع أن يحل هذه المسألة العويصة في العلم الإلهي، لم أجد على وجه الأرض من له علمٌ بذلك، يقول: إذا الموجود صار بسيطاً من كل جهة، يعني لا يوجد فيه تركيب، فهو كل الموجودات، يعني ما من موجودٍ إلّا وهو موجودٌ هناك، فإذا علم ذاته، فقد علم بكل الموجودات، هذه النظرية، إذن الله يعلم الأشياء قبل الإيجاد أو لا يعلم الأشياء قبل الإيجاد؟ يقول: نعم، لأن الله يعلم ذاته، فإذا علم ذاته علم جميع الأشياء، هذه فتوى يعني ما تحت النظرية. سؤال: قال: لم أجد في وجه الأرض من له علم بذلك، القيصري في شرح الفصوص، لنرى هل توجد هذه النظرية أو لا؟ في الفصل الأوّل من الفصول الاثني عشر وهي مقدمة الفصوص، يقول: وهو أي الحق تعالى يدرك حقائق الأشياء بما يدرك حقيقة ذاته، يعني إذا أدرك ذاته أدرك جميع الأشياء، هذه هي النظرية، نعم ما عبر عنها بسيط الحقيقة، فإدراكه لذاته إدراكه لكل شيء، لا أنه إدراكه لذاته شيء، وإدراكه للأشياء شيءٌ آخر، لا، نفس إدراكه لذاته هو إدراكه لكل شيء، وهو يدرك حقائق الأشياء بما يدرك حقيقة ذاته؛ لهذا في درس 22 من شرح الفصوص ذكرنا إشارة إلى قاعدة بسيط الحقيقة كل الأشياء، هو ماذا يقول ملاصدرا؟ لم أجد على وجه الأرض من له علم …، حمل على الصحة بيني وبين الله لأنه الإنسان قد يقرأ مطلب قبل 20 سنة في كتاب وبعد ذلك يتذكر ويتصور هذا الإبداع لنفسه، وهو في الواقع أخذه قبل عشرين سنة من عالم أو استاذ ولكن لا يتذكر، طبعاً هذا ليس معناه انه لم يضف على المسألة شيئاً، لا، أبداً، أضاف وحقق ونقّح واستدل وبرهن ولكن الجذر موجود أين؟ ولهذا تجدون الحكيم السبزواري رحمة الله تعالى عليه في حواشيه على الأسفار، الجزء السادس، يشير إلى هذه القضية بنحو الإجمال، في صفحة 111 يقول: نعم تحقيق هذه المسألة وتفصيلها وسد ثغورها بأتمّ وجه هذا هو حق المصنف، أمّا أصل المسألة لمن؟ حق العرفاء، ولهذا في الحاشية رقم 2 يقول: كتبهم مملوءة وفي كتبهم (العرفاء) مملوءة ومشحونة بهذه الأمور. إذن إذا أردتم أن تعرفوا الأسفار جيداً لابد أن تقرؤوا دورة العرفان النظري، وإلّا لا تستطيعوا أن تتعرفوا على جذور المباني الفلسفية، خصوصاً في المعاد، لا تمر صفحة أو صفحتين إلّا وقال المحقق المكاشف من غير أن يذكر اسمه ابن عربي أبداً هناك عبارات وصفحات منقولة من الفتوحات والفصوص هذه المعارف"[193].

 

الهيـولـى:

في البداية ننقل بعض النصوص لغرض شرح هذا المفهوم الفلسفي المهم (الهيولى) ويكتب احياناً (الهيولا).

في المعجم الفلسفي الصادر عن مجمع اللغة العربية في مصر: (هيولى ، الكلمة يونانية الاصل ، ويراد بها المادة الاولى ، وهو كل ما يقبل الصورة ، وترجع الى ارسطو ، ثم اخذ بها المدرسيون من بعده)[194].

وقال الدكتور جميل صليبا في المعجم الفلسفي: (الهيولى في الانكليزية Hyle, prime matter

أ‌- الهيولى لفظ يوناني بمعنى الاصل والمادة ، وفي الاصطلاح هي جوهر في الجسم قابل لما يعرض لذلك الجسم من الاتصال والانفصال ، محل للصورتين الجسمية والنوعية (تعريفات الجرجاني).

ب‌- قال ابن سينا: "الهيولى المطلقة ، فهي جوهر ، ووجوده بالفعل انما يحصل لقبول الصورة الجسمية لقوة فيه قابلة للصور ، وليس له في ذاته صورة تخصه الا معنى القوة. ومعنى قولي لها هي جوهر هو ان وجودها حاصل لها بالفعل لذاتها. ويقال هيولى لكل شيء من شأنه ان يقبل كمالاً ما ، وأمراً ليس فيه ، فيكون بالقياس الى ما ليس فيه هيولى وبالقياس الى ما فيه موضوع" (رسالة الحدود).

ج – والهيولى عند القدماء على اربعة اقسام ، وهي:

1-         الهيولى الاولى ، وهي جوهر غير جسم ، قابل لما يعرض لذلك الجسم من الاتصال والانفصال ، محل للصورة الجسمية.

2-         الهيولى الثانية وهي جسم قام به صورة كالاجسام بالنسبة الى صورها النوعية.

3-         الهيولى الثالثة وهي الاجسام مع الصورة النوعية التي صارت محلاً لصور اخرى ، كالخشب لصورة السرير.

4-         الهيولى الرابعة ، وهي ان يكون الجسم ، مع الصورتين ، محلاً للصورة ، كالاعضاء لصورة البدن.

وجملة القول ان الهيولى الاولى جزء الجسم ، والثانية نفس الجسم ، اما الثالثة والرابعة فالجسم جزء لهما.

د – والهيولى مرادفة للمادة ، والفرق بينهما ان المادة تقال لكل موضوع يقبل الكمال ، باجتماعه الى غيره ، ووروده يسيراً يسيراً ، على حين ان الهيولى على الاطلاق هي المادة الاولى ، واطلاقها على باقي الاقسام انما يكون بالتقييد ، فيقال ثانية وثالثة ورابعة.

هـ - وللهيولى اسماء باعتبارات مختلفة.

(1) فهي قابل من جهة استعدادها للصور.

(2) وهي مادة وطينة من جهة توارد الصور المختلفة عليها.

(3) وهي عنصر من جهة ابتداء التراكيب فيها.

(4) وهي اسطقس[195] من حيث ان التحليل ينتهي اليها (كشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي).

و-  والهيولاني هو المنسوب الى الهيولى ، تقول: العقل الهيولانى ، وهو قوة للنفس مستمدة لقبول ماهيات الاشياء مجردة عن المادة (ابن سينا ، رسالة الحدود) او استعداد محض لادراك المعقولات. وهو مقابل للصوري ، مثال ذلك قول ابن سينا: "لا يقتصر في التحديد على الفصل الصوري دون الهيولاني ، ولا الهيولاني دون الصوري")[196].

للاطلاع على الهيولى من وجهة نظر صوفية نقرأ قول الشيخ عبد الرزاق الكاشاني: (الهباء: هو المادة التي فتح الله فيها صور العالم ، وهو العنقاء المسماة الهيولى)[197].

وقال سيد حيدر الآملي: ("في انّ الهباء أوّل موجود في العالم": وأمّا الفتوحات فقد ذكرفي الباب السادس في معرفة بدء الخلق الروحاني وهو أوّل موجود فيه وهو قوله في فصل منه: كان الله ولم يكن معه شيء ، ثم أدرج فيه وهو الآن على ما كان لم يرجع إليه في إيجاد العالم صفه لم يكن عليها بل كان موصوفاً لنفسه ومسمّى قبل خلقه بالاسماء التي يدعونه بها خلقه فلمّا أراد وجود العالم وبدأه على حدّ ما علمه بعلمه بنفسه انفعل عن تلك الارادة المقدسة بضرب تجلّي من تجليات التنزيه الى الحقيقة الكلّية ، انفعل عنها حقيقة تسمّى الهباء بمنزلة طرح لبنّاء الجصّ ليفتح فيها ما شاء من الاشكال والصور وهذا هو اوّل موجود في العالم وقد ذكر علي بن ابي طالب عليه السلام[198] وسهل بن عبد الله رحمه الله وغيرهما من أهل التحقيق ، أهل الكشف والوجود ، ثم أنّه سبحانه تجلّى بنوره الى ذلك الهباء ويسمّونه اهل الافكار الهيولى الكلّي ، والعالم كلّه فيه بالقوّة والصلاحيّة ، فقبل منه كل شيء من ذلك الهباء على حسب قوّته واستعداده كما تقبل زوايا البيت نور السراج وعلى قدر قربه من ذلك النور يشتدّ ضوئه وقبوله ، قال تعالى: ((مثل نوره كمشكاة فيها مصباح)) [سورة النور: 35]. فشبّه  نوره بالمصباح فلم يكن أقرب إليه تعالى قبولا في ذلك الهباء إلّا حقيقة محمد صلى الله عليه وآله وسلّم لا المسماة بالعقل الاول فكان سيّد العالم بأسره واوّل ظاهر في الوجود فكان وجوده من ذلك النور الالهي ومن الهباء ومن الحقيقة الكلّية وفي الهباء وجد عينه وعين العالم تجلّيه وأقرب الناس إليه علي بن ابي طالب وأسرار الانبياء اجمعين)[199].

وقال السيد محمد حسين الطباطبائي في بداية الحكمة: (فهذه هي المادة الشائعة في الموجودات الجسمانية جميعاً ، وتسمى: "المادة الاولى" و"الهيولي")[200].

وقال في نهاية الحكمة: (في اقسام الجوهر الاولية: قالوا إن الجوهر إما أن يكون في محل ، او لا يكون فيه ، والكائن في المحل هو (الصورة المادية) ، وغير الكائن فيه إما أن يكون محلاً لشيء يقوم به أو لا يكون ، والاول هو (الهيولى) والثاني لا يخلو إما أن يكون مركباً من الهيولى والصورة أو لا يكون ، والاول هو (الجسم) ، والثاني إما أن يكون ذا علاقة انفعالية بالجسم بوجه او لا يكون ، والاول هو (النفس) والثاني هو (العقل). فأقسام الجوهر الاولية خمسة ، هي : الصورة المادية والهيولى والجسم والنفس والعقل)[201].

قال الشيخ ماجد الكاظمي: (واما فكرة الهيولي أو المادة الاولى فالقول بها يستلزم تعدد القدماء وهو خلاف التوحيد الالهي)[202]، اي الهيولي تعني الشرك بالله تعالى.

وقد ورد في الكلام المروي عن امير المؤمنين (عليه السلام) بيانه في رفض (الاصول الازلية) وهي اشارة الى الهيولي الذي تبناه الفلاسفة ومن بعدهم العرفاء بأسم "الهباء".

وفي نهج البلاغة روي عن امير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليهما السلام) انه قال: (لم يخلق الاشياء من أصول أزلية ولا أوائل أبدية ، بل خلق ما خلق فأقام حدّه ، وصوّر ما صوّر فأحسن صورته ، ليس لشيء منه امتناع ، ولا له بطاعة شيء انتفاع)[203]. والحديث رواه الشيخ الصدوق (رض) في التوحيد مسنداً ولفظه: (لم يخلق الاشياء من أصول ازلية ، ولا من أوائل كانت قبله بدية)[204].

وقال ابن ابي الحديد في شرحه لنهج البلاغة: (والرد في هذا على أصحاب الهيولي والطينة التي يزعمون قدمها. ويدخل تحته قوله: "ليس لشيء امتناع" لأنه متى أراد إيجاد شيء أوجده ، ويدخل تحته قوله: "خرت له نحباه" أي سجدت. و"وحدته الشفاه يعني الافواه ، فعبر بالجزء عن الكل مجازاً ، وذلك لأن القادر لذاته هو المستحق للعبادة لخلقه أصول النعم ، كالحياة والقدرة والشهوة)[205].

وقال ابن ميثم البحراني شارحاً كلام امير المؤمنين عليه السلام: (أي اولية سابقة ومعنى هذا الكلام أنه لم يخلق ما خلق على مثال سبق يكون اصلا لا اول له حذا حذوه ، وقيل: معناه انه ليس لما خلق أصل أزليّ أبديّ خلق منه من مادة وصورة كما زعمت الفلاسفة. وروي: ولا من أوائل أبديّة)[206].

وقال العلامة المجلسي (طاب ثراه) : (قوله عليه السلام: من أصول ازلية رد على الفلاسفة القائلين بالعقول والهيولي القديمة)[207]. وقال في موضع آخر: (رداً على ما زعمته الحكماء من الهيولي القديمة ونحو ذلك)[208].

وقد اورد السيد محمد حسين الطباطبائي هذا الحديث في تفسيره الميزان[209] بدون تعليق عليه !

وعمد الشيخ علي بن زيد البيهقي الشهير بابن فندق (493-565)هـ الى نقض قضية الاصول الازلية ، فقال: (قوله: لم يخلق الاشياء من اصول ازلية ولا من اوايل ابدية في العدم ، إذ بعض الشيء لا يخالف بعضه في صفة ذاته ، وان كانت الفروع محدثة ، فلا بد من محدث لها. فإن كان محدثها هو الله تعالى فإضافتها الى الله تعالى اولى من اضافتها الى الاصول ، لأن تعلّق الفعل بالفاعل احقّ من تعلقه بغيره. وإن كان محدثها هي الاصول ، فإن كانت مختارة فهي الفاعل ، وإن كانت موجبة فالفروع مع الاصول قديمة ، لأن الموجب لا ينفك عن الموجب)[210].

قول السيد رضي الدين بن طاووس (رحمه الله) (المتوفى 664) قال: إن الفلاسفة قالت: إن الهيولى قديمة، وانها أصل العالم، وإن الله ليس له في وجود الهيولى قدرة ولا أثر، لأنهم ذكروا أنها لا أول لوجودها، وهي عندهم مشاركة لله في القدم، وقالوا: إن الله يصور منها الصور، فليس له إلا التصوير فحسب، وقد بطل قولهم بما ثبت من حدوث العالم وحدوث كل ما سوى الله تعالى[211].

وبالرغم من النص الصريح المروي عن امير المؤمنين (عليه السلام) الذي نفى فيه الخلق من اصول ازلية، يصرّ الشيخ حسن حسن زاده آملي وهو من اعلام مدرسة الحكمة المتعالية على أنَّ الخلق مستمد منها ، فيقول: "والفاعل الموجب هو المبدأ الطبيعي أعني الاصول الازلية المادية التي هي أجزاء لا تتجزأ وجواهر فردة على ما ذهب اليه القائلون بها في تكوّن صورة العالم"[212]!!!

 

قِدَم العالم:

تتلخص فكرة القول بقدم العالم ان الله سبحانه وتعالى لا يمكن ان يكون معطلاً ، أي وبدون ان يصدر عنه شيء ، او بدون ان يفيض عنه شيء ولذلك فحيثما يوجد الله تعالى يوجد معه الفيض عنه وهو العالم ولذلك حيث ان الله تعالى قديم فالعالم ايضا قديم وهو موجود بوجوده تعالى. وانه تعالى دائم الفيض ولا يمكن ان يقال انه تعالى كان ولم يكن له فيض حيث ان ذلك معناه التعطيل له تعالى ، وهناك جماعتين ذهبوا الى نفس النتيجة ، فجماعة (وهم الوهابية) ذهبوا الى انهم يرون ان صفة (الخلق) هي صفة ذات وليست صفة فعل ، فما دام الله تعالى موجود فهو خالق ، وحيث ان الله سبحانه قديم وازلي فخالقيته ايضا قديمة وازلية وإلا كان التعطيل أي ان من يقول بخلاف ذلك فإنما ينسب الله تعالى الى التعطيل عن الخلق الذي هو من صفاته الذاتية بحسب زعمهم ! وقد ذهب الى هذا المذهب ابن تيمية القائل بوجود حوادث لا اول لها !! بينما الحق هو ان صفة (الخلق) هي صفة فعل وليست صفة ذات ، بدليل اننا يمكن ان نسلبها عنه تعالى شأنه فنقول: "لم يخلق الله انساناً بالف رأس" ، ولو كانت صفة ذات كما يزعمون لما صح سلبها عنه تعالى ، فمن صفات الذات الحياة والعلم والقدرة ، وهي صفات لا يمكن سلبها عنه تبارك وتعالى. وجماعة آخرون ، وهم الفلاسفة الغنوصيون ، ذهبوا الى ان الله سبحانه وتعالى دائم الفيض والجود والعطاء وما دام هو كذلك فلا بد ان يكون فيضه اي وجود المخلوقات ايضا قديمة بقدمه تعالى ! وهو كلام مبني على عقيدتهم في وحدة الوجود والموجود كما هو ظاهر ، فهو مذهب باطل ببطلان هذه العقيدة كما بيناه آنفاً. ويضاف لذلك أن الخطأ الذي يقعون فيه أنهم يتصورون انه اذا كان الله تعالى ولم يكن معه العالم الذي خلقه فان في ذلك تعطيلا عن الفيض. فما ادرانا نحن البشر بشؤونه تعالى وهو القائل جلَّ وعلا: ((كل يوم هو في شأن))!

وايضاً من لوازم باطل قول الفلاسفة بقدم العالم و قول ابن تيمية بوجود حوادث متسلسلة لا اول لها (وكِلا القولين له نفس المؤدّى والنتيجة) ، هو ان ذلك يعني انه ما دام الله سبحانه وتعالى موجود فالمخلوق موجود ! فيكون المخلوق شريك لله تعالى في الوجود لا ينفك عنه ، وهذا القول في حقيقته تعطيل لقدرة الله تبارك وتعالى ، لانه يعني انه لا يمكن لله ان يوجد وحده الا وله شريك معه في الوجود هو المخلوق!!

ونستعرض الان بعض اقوال المؤيدين والرافضين لقدم العالم ...

فالفيض الكاشاني، تلميذ ملا صدرا وصهره واحد اعلام مدرسة الحكمة المتعالية، يصف القائلين بعدم قدم العالم بأنهم زعموا ان الله عزّ وجل "كان حيناً من الدهر عاطلاً عن الجود فارغاً عن افاضة الوجود، ثم شرع في الايجاد"[213].

وقال الفيض الكاشاني، شارحاً نوعي الحدوث: الحدوث الذاتي والحدوث الزماني: "اعلم ان للحدوث معنيين احدهما الحدوث الذاتي: وهو ان يكون ذات الحادث مسبوقاً بذات المحدث، والآخر الحدوث الزماني: وهو ان يكون زمان وجود الحادث مسبوقاً بزمان عدمه، والمعنى الاول يجري في كل ما سوى الله، وهو ثابت في كل ما يجري ، فما يدخل تحت الزمان دون ما تقدم على الزمان، وهو ايضاً ثابت في كل ما يجري فيه، لا يشذ عنه شاذ"[214].  الى ان يقول: "والان اراك تشتهي ان تعرف كيفية هذه الاحداث والابداع والصنع والاختراع ولا اراك تستطيع معي صبرا ان جئتك بمر الحق، فلنأت بلمعته تمثيلية تكسر سورة استبعادك المطلق ، فاستمع لما يتلى عليك، وخذه اليك... كل موجود تام  فإنه يفيض على ما دونه مما في جوهريته وصوره المقوّمة لذاته، قالوا مسك عنه لبطل ذلك الفيض، مثال ذلك النار فانها تفيض على ما حولها من الاجسام التسخين والحرارة، وهي جوهريتها، والصورة المقومة لها، ومتى لم يتواتر منها الحرارة متصلاً عدمت وبطلت، إذ يضمحل الاولى منها فالاولى، وهكذا يفيض من الماء الرطوبة والبلل على الاجسام المجاورة له، والرطوبة هي جوهرية الماء والصورة المقومة لذاته، فما لم تكن متصلة الى المحل بطلت عنه واضمحلت، وهكذا يفيض من الشمس النور والضياء على الارض والهواء، وهو جوهري لها، فاذا حجز بينهما حاجز اضمحل الضوء وبطل، وهكذا تفيض من الروح الحياة على البدن، وهي جوهرية لها، فإذا فارقت الروح البدن بطلت حياة الجسد من ساعته واضمحلت ، وذلك لأن الفيض ما دام متواتراً متصلا دائما دام المفاض عليه، فان انقطع انقطع ن فهكذا حكم وجود العالم من الباري سبحانه الذي هو وجود بحت ووجوب صرف، على ان وجود هذه الافعال ليست من هذه المخلوقات، بلى هي أيضاً من الله عز وجل، وانما هي معدات للقابلات، والافاضة من خالقها جل صنعه عن المثال كما جل ذاته عن الوهم والخيال"[215].

اما ملا صدرا فيصف العالم بالحدوث الزماني وهو يقصد العالم المخلوق حبث انه يعتبر الحقيقة المحمدية او العقل الفعّال هي جزء من الفيض الباقي ببقاء الله تعالى شأنه. ولا يصح في عقيدة ملا صدرا ان يكون الحدوث ذاتي لان العالم هو فيض منه تعالى فهو موجود بوجوده فلا حدوث ذاتي انما هو حدوث زماني!!! يقول: "فعلم بالبرهان والقرآن جميعاً ان هذا العالم الجسماني بكلّه حادث مسبوق بالعدم الزماني"[216]. ويقول في موضع آخر: "الكتب الالهية والآيات الكلامية قائلة ناطقة بأن العالم بأسره حادث زماني  لأن الغرض من خلق العالم ليس نفسه بل ما هو اشرف منه فإن الطبايع الجسمانية وما في حكمها لا يمكن ان يكون هي الغاية الاقصى في الوجود بل البرهان الحكمي ناهض على ان للطبايع غايات اخرى هي اعلى منها ، وكل ما هو أعلى من الطبيعة الكونيّة لا يكون وجوده في هذا العالم بل في عالم آخر. فثبت بالبرهان ان هذا العالم بأسره واقع تحت الفساد ويلحقه العدم والانقراض وما يلحقه العدم والانقراض فهو حادث زماني لا محالة ، فالعالم وكل ما فيه حادث زماني" ... "فالغرض من اصل الابداع وجود الباري وفيضه ان يصل الى كل ناقص الى كماله وتبلغ المادة الى صورتها والصورة الى معناها ونفسها وان تلحق النفس الى درجة العقل ومقام الروح"[217]. فملا صدرا وفق هذا النص يميّز بين العالم وبين الباري جلَّ وعلا ولكنه يعتبر فيض الباري الى جانبه  من حيق القدم فيتحدث عن العالم الذي هو مخلوق ويندثر وليس الذي هو مفاض لأن الفيض باق ببقاء مفيضه اي الله تعالى عمّا يصفون.

ويكشف السيد قاسم علي الاحمدي عن موقف ملا صدرا من فرضية "قدم العالم" الفلسفية ويبين انه رغم محاولة ملا صدرا اظهار افكاره ومنهجه بأنه ممن يقول بحدوث العالم الا انه في الحقيقة يعتقد بـ "قِدَم جزئي للعالم" حيث يقول بقدم العالم لبعض المخلوقات كالعقول المفارقة ! ويميز ملا صدرا بين "الموجود بوجوده تعالى والموجود بإيجاده" !

فكتب ملا صدرا في رسالة حدوث العالم: "فمن العقلاء المدققين والفضلاء المناضرين ، من اعترف بالعجز عن هذا الشأن من إثبات الحدوث للعالم بالبرهان قائلا: العمدة في ذلك الحديث المشهور والإجماع من المليين ، وأنت تعلم أن الاعتقاد غير اليقين ... وقال : القول بقدم العالم إنما نشأ بعد الفيلسوف الأعظم أرسطو بين جملة رفضوا طريق الربانيين والأنبياء ، وما سلكوا سبيلهم بالمجاهدة والرياضة والتصفية وتشبثوا بظواهر أقاويل الفلاسفة المتقدمين من غير بصيرة ولا مكاشفة ، فأطلقوا القول بقدم العالم . وهكذا أوساخ الدهرية والطبيعية من حيث لم يقفوا على أسرار الحكمة والشريعة ، ولم يطلعوا على اتحاد مأخذها واتفاق مغزاهما . ولشدة رسوخهم فيما اعتقدوا من قدم العالم وزعمهم أن هذا مما يحافظ على توحيد الصانع وانثلام الكثرة والتغيير على ذاته ، وأن قياساتهم مبتنية على مقدمات ضرورية هي مبادي البرهان ، لم يبالوا بأن ما اعتقدوا مخالف لما ذهب إليه أهل الدين بل أهل الملل الثلاث من اليهود والنصارى والمسلمين من أن العالم - بمعنى ما سوى الله وصفاته وأسمائه - حادث . . أي موجود بعد أن لم يكن بعدية حقيقية وتأخرا زمانيا ، لا ذاتيا فقط ، بمعنى أنه مفتقر إلى الغير متأخر عنه في حد ذاته ، كما هو شأن كل ممكن بحسب حدوثه الذاتي وهو لا استحقاقية الوجود ولا عدم من نفسه . ومنهم ، وإن كان ممن التزم دين الإسلام لكنه يعتقد قدم العالم ، ويظن أن ما ورد في الشريعة والقرآن واتفق عليه أهل الأديان في باب الحدوث للعالم ، إنما المراد منه مجرد الحدوث الذاتي والافتقار إلى الصانع . وذلك القول في الحقيقة تكذيب للأنبياء من حيث لا يدري ، ولا يخلص قائله ، ولا يأمن من التعذيب العقلي والحرمان الأبدي ، لأن الجهل في الأصول الإيماني إذا كان مشعوفا بالرسوخ يوجب العذاب الروحاني في دار المآب . ثم تأويل ما ورد في نصوص الكتاب والسنة إنما هو لقصور العقول عن الجمع بين قواعد الملة الحنيفة والحكمة الحقيقة ، وإلا فألفاظ الكتاب والسنة غير قاصرة عن إفادة الحقائق وتصوير العلوم والمعارف المتعلقة بأحوال المبدأ والمعاد حتى يحتاج إلى الصرف عن الظاهر للأقاويل وارتكاب التجوز البعيد والتأويل. وهكذا فعله أبو نصر فارابي في مقالة التي في الجمع بين الرأيين والتوفيق بين مذهبي الحكيمين أفلاطون وأرسطو، حيث حمل الحدوث الزماني الوارد في كلام أفلاطون حسب ما اشتهر منه ودلت عليه الألفاظ المأثورة منه على الحدوث الذاتي ، وهذا من قصور في البلوغ إلى شأوا الأقدميين الأساطين".

ويعلّق السيد قاسم علي الاحمدي على هذا النص بقوله: "أقول : يستفاد من كلامه أمور: منها: إن الفلاسفة لم يبالوا من مخالفة الشريعة فيما ذهبوا إليه من القدم الذاتي . ومنها: إنهم أولوا نصوص الكتاب والسنة، وما اتفق عليه أهل الأديان في باب حدوث العالم ، وقالوا: إنما المراد منه مجرد الحدوث الذاتي والافتقار إلى الصانع ، وهذا القول في الحقيقة تكذيب للأنبياء ومستلزم للعقاب الأبدي . ومنها : ألفاظ الكتاب والسنة غير قاصرة عن إفادة الحقائق كي تحتاج إلى صرفها عن ظواهرها ، وارتكاب التجوزات البعيدة فيها ، فالمستفاد من الكتاب والسنة ليس إلا الحدوث الزماني ، بمعنى مسبوقية العالم للعدم وإن له أول وابتداء. ولا يخفى أن قوله هذا اعتراف وإقرار بما ذكرناه من اتفاق الآيات والأخبار والمليين على حدوث العالم زمانا . . أي مسبوقيته بالعدم الصريح . ثم إن ما نسبه ملا صدرا إلى الفلاسفة من التأويل ، وعدم الفهم ، والقصور في الإدراك ، وتكذيب الأنبياء ، ومخالفة الضرورة . . وأمثالها يشمل نفسه قبل أن يشمل غيره ، كيف لا وهو يقول : إن العقول المفارقة خارجة عن الحكم بالحدوث لكونها ملحقة بالصقع الربوبي ، لغلبة أحكام الوجود عليها ، فكأنها موجودة بوجوده تعالى لا بإيجاده وما سوى العقول من النفوس والأجسام وما يعرضها حادثة بالحدوث الطبعي - أي الزماني -. فليس حكم الحدوث عنده ساريا بالنسبة إلى جميع أجزاء العالم ، لخروج العقول عنده عن هذا الحكم ، بل فيما يجري فيه الحركة الجوهرية وهو عالم الطبايع والأجسام وما يتعلق بها. وقال أيضا : الفيض من عند الله باق دائم ، والعالم متبدل زائل في كل حين ، وإنما بقاؤه بتوارد الأمثال كبقاء الأنفاس في مدة حياة كل واحد من الناس ، والخلق في لبس وذهول عن تشابه الأمثال ، وبقائها على وجه الاتصال. والحاصل: إنه قد سلم بعدم تناهي سلسلة الحوادث من حيث البدء ، وقال بأزليتها وعدم انقطاع وجودها في الأزل إلى حد. ثم إن هذا الكلام على خلاف ما ذهب إليه المليون ، ودلت عليه الآيات المتظافرة والأخبار المتواترة كما سيأتي قريبا بيانه إن شاء الله تعالى . مضافا إلى أن ما فيه من مفاسد أخر . . لا تخفى . والمقصود في المقام : إنه مع توغله وتبحره في المباحث الفلسفية ، والتزامه بقواعدهم العقلية . . أقر بصراحة الكتاب والسنة واتفاق المليين على الحدوث الزماني للعالم"[218].

كما إنَّ الفيلسوف القاضي سعيد القمي ــ وهو من الفلاسفة البارزين أيضاً ــ فقد نفى أن يكون مختار الملا صدرا الحدوث الحقيقي ، وأخيراً يقول آية الله العظمى الحاج السيد أحمد الخوانساري: إجماع الملّيين على الحدوث الزماني، لا الحدوث الذاتي، ولا الحدوث الثابت من جهة الحركة الجوهرية"[219].

وفي جانب آخر نجد ان الخلاف الفلسفي حول قدم العالم او حدوثه يكشف عن تهافت الفلسفة وعدم مقدرتها في اثبات الحقائق اليقينية ، ولذلك فهي لا تصلح كمصدر للمعرفة الدينية. وقد بيّن العلامة الحلي (رض) افتراقهم كالتالي:

·         "إن العالم إما محدث الذات والصفات ، وهو قول المسلمين كافة والنصارى واليهود والمجوس.

·         وإما أن يكون قديم الذات والصفات ، وهو قول أرسطو ، وثاوفرطيس ، وثاميطوس ، وأبي نصر ، وأبي علي بن سينا . . فإنهم جعلوا السماوات قديمة بذاتها وصفاتها إلا الحركات والأوضاع ، فإنها بنوعها قديمة ، بمعنى أن كل حادث مسبوق بمثله إلى ما لا يتناهى .

·         وإما أن يكون قديم الذات ، محدث الصفات ، وهو مذهب انكساغورس ، وفيثاغورس ، والسقراط ، والثنوية . . ولهم اختلافات كثيرة لا تليق بهذا المختصر .

·         وإما أن يكون محدث الذات ، قديم الصفات ، وذلك مما لم يقل به أحد لاستحالته ،

·         وتوقف جالينوس في الجميع"[220].

بينما قال الشهرستاني في (نهاية الاقدام) ان من القائلين بحدوث العالم من الفلاسفة: ثاليس ، وإنكساغورس ، وإنكسيمايس من أهل ملطية ، وفيثاغورس ، وإنباذقلس ، وسقراط ، وأفلاطون من أهل آثينية[221]. في حين بيّن العلامة الحلي (رض) ان انكساغورس وفيثاغورس وسقراط كانوا يقولون بحدوث صفات العالم بينما ذاته قديمة بحسب فلسفتهم ! وهذا يكشف لنا عن المدى الواسع الذي يمكن ان يختلف به الفلاسفة !!

ومن الجدير بالذكر ان الشهرستاني في نفس المصدر قال: "وإنما القول بقدم العالم وأزلية الحركات بعد إثبات الصانع ، والقول بالعلة الأولى إنما ظهر بعد أرسطاطاليس ، لأنه خالف القدماء صريحا وأبدع هذه المقالة على قياسات ظنها حجة وبرهانا ، وصرح القول فيه من كان من تلامذته مثل الإسكندر الافروديسي ، وثامسطيوس ، وفرفوريوس ، وصنف برقلس المنتسب إلى أفلاطون في هذه المسألة كتابا أورد فيه هذه الشبهة"[222].

 

اما فيما يخص الموقف الشرعي من الفرضية الفلسفية الضالة التي تنص على "قدم العالم" فنطلع على المواقف التالية لعلمائنا الابرار (رضوان الله عليهم):

"قول الشيخ الصدوق: الاعتقاد بقِدَمِ غير الله كفرٌ بالإجماع ، ويقول الشيخ المفيد: من قال بالقدم خارج عن الملّة ، وفي السياق عينه، يرى السيد المرتضى: أنْ لا قديم سوى الله، وما سواه حادث ذو بداية ، ويقول شيخ الطائفة الطوسي: إنّ القدم من صفاته ــ عز وجل ـ ، أما أبو الفتح الكراجكي فيقول: لا قديم سواهُ ، وقد ذهب إلى هذا القول كلٌ من أبي صلاح الحلبي، والسيد أبي المكارم ابن زهرة الحلبي، فقالا بالحدوث واستدلا عليه ، وهكذا الحال بالنسبة لإمام المفسّرين الطبرسي؛ حيث قال بأنّ القدم من صفاته ــ عزّ وجلّ ــ ولا شريك له فيه ، وقال الطوسي نصير الدين: لا قديم إلاّ الله"[223].

"واعتبر العلامة الحلي كلّ ما سوى الله حادثاً ، وقال أيضاً: "من اعتقد بقِدم العالم كافرٌ إجماعاً ؛ وفي هذا يكمن الفرق بين المسلم والكافر وحكمه حكم الكفّار يوم القيامة بالإجماع"[224].

أمّا الشيخ جعفر كاشف الغطاء، فقد عدّ الاعتقاد بقدم المجرّدات من الكفر ، ويقول الميرزا القمي في هذا الباب: وكان الحقّ تعالى حيث لم يكن معهُ شيء آخر، لذا لا شريك لهُ في القديم أيضاً، وهذا ما أجمعت عليه الأديان كافة ، وقد ذهب النجفي صاحب الجواهر إلى القول بأنّ كتب الحكماء السابقين ممّن قال بقدم العالم هي في عداد كتب الضلال ، ويورد الشيخ الأنصاري في باب القطع: لقد أجمعت الشرائع السماوية على حدوث العالم الزماني[225].

لقد باتت مسألة الحدوث واحدةً من أهمّ قضايا الفلسفة والكلام، وكان بعض الفلاسفة يطلقون بعض التعابير، من قبيل: الحدوث الدهري، والحدوث الذاتي، إلاّ أن هذا الأمر لم يقلّل من الخلاف الواقع في الآراء، وقد لامَ الفيلسوف المعروف في القرن الثاني عشر إسماعيل الخواجوئي على الحكيم الكبير الميرداماد ربطه بين حديث: وكان عرشه على الماء وبين مسألة الحدوث والقدم[226].

فمن خلال معرفة معنى القول بقدم العالم نكتشف ان القول بـ "قدم العالم" يتعارض مع القول بـ "الواحد لا يصدر منه الا واحد" ومع ذلك يتبنى الفلاسفة ومدرسة الحكمة المتعالية كلا القولين في تناقض يكشف عن عدم قدرة الفلسفة على بيان العقيدة الدينية ، ولذلك ارسل الله سبحانه الانبياء والرسل (صلوات الله عليهم) ونصّب الاوصياء (صلوات الله عليهم). فقولهم بقدم العالم يتبين منه حتمية وجود المخلوق مع وجود الخالق لزعمهم ان عدم وجود المخلوق يعني تعطيل الله تعالى عما يصفون ولزعمهم ان الفيض من الله تعالى متواصل بوجوده تعالى ولم ينقطع ولا ينقطع ويمثلون ذلك باشعة الشمس الصادرة من الشمس او الحرارة الصادرة من النار ! في حين انهم في جانب آخر يقولون بأن الله تعالى لم يصدر عنه سوى فيض واحد اطلقوا عليه اسم "الحقيقة المحمدية" وبعضهم يسميه "العقل الفعّال" وان هذا الفيض الوحيد هو الذي خلق العالم !!

 

 

 

المجـرَّدات:

المجرّد هو "ذلك الشيء الذي ليس له خصائص الاشياء الماديّة"[227] ، و"أن كلمة (المادّي) في اصطلاح الفلاسفة تستعمل في الاشياء التي لها نسبة الى المادة وتحتاج في وجودها الى مادّة قبلية ولكنها تستعمل احياناً بمعنى اعمّ من ذلك فتشمل حينئذٍ المادة نفسها وتصبح مساوية في الاستعمال لكلمة (الجسماني). واما كلمة (المجرد) فهي بمعنى غير المادّي وغير الجسماني ، أي الشيء الذي لا هو جسم ولا هو من قبيل صفات الاجسام وخصائصها"[228].

"إنّ الموجود المجرّد لا يقبل الانقسام ، وليس له مكان ولا زمان ، ويستثنى من ذلك النفس المتعلّقة بالبدن إذ يمكن نسبة الزمان والمكان اليه بالعَرَض ، فيقال: في المكان أو الزمان الذي يوجد فيه البدن ، يكون الروح موجوداً أيضاً في ذلك المكان والزمان ، لكن هذه المكانية والزمانية في الواقع صفة للبدن ، وإنّما تنسب للروح مسامحة بسبب تعلقه واتحاده بالبدن. ولا بد من التنبيه على ان العرفاء والفلاسفة أثبتوا نوعاً ثالثاً من الموجودات هو وسط بين المجرّد الكامل والمادّي المحض أسموه بـ (الموجود المثالي) ، ويطلق عليه في اصطلاح صدر المتألهين (المجرّد المثالي) و(الجسم المثالي)"[229]

والمجردات قد تطلق على الجن والملائكة والارواح ، وقد تطلق على العقول والمُثُل وامثالهما. وعجباً لمن يتحدث عن وجود مجردات معه سبحانه وتعالى وينسى قوله جلَّ شانه: ((ليس كمثله شيء)) !

يقول السيد الطباطبائي: "قد اتضح بالابحاث السابقة أن للوجود الامكاني – وهو فعله تعالى – إنقسامات ، منها: انقسامه الى مادي ومجرد ، وانقسام المجرد الى مجرد عقلي ومجرد مثالي ، واشرنا هناك الى ان عوالم الوجود الكلية ثلاثة: عالم التجرّد التام العقلي ، وعالم المثال ، وعالم المادة والماديات. فالعالم العقلي مجرد تام ذاتاً وفعلاً عن المادة وآثارها ، وعالم المثال مجرد عن المادة دون آثارها من الاشكال والابعاد والاوضاع وغيرها. ففي هذا العالم أشباح متمثلة في صفة الاجسام التي في عالم المادة والطبيعة في نظام شبيه بنظامها الذي في عالم المادة ، وإنما الفرق بينه وبين النظام المادي أن تعقب بعض المثاليات لبعض بالترتب الوجودي لا بتغير صورة أو حال الى صورة أو حال أخرى بالخروج من القوة الى الفعل بالحركة ، كما هو الحال في عالم المادة ، فحال الصور المثالية فيما ذكرناه من ترتب بعضها على بعض حال صورة الحركة والتغير في الخيال ، والعلم مجرد مطلقاً فالمتخيل من الحركة علم بالحركة لا حركة في العلم ، وعلم بالتغير لا تغير في العلم. وعالم المادة لا يخلو ما فيها من الموجودات من تعلق ما بالمادة ، وتستوعبه الحركة والتغير ، جوهرية كانت أو عرضية)[230].

ينقض الشيخ حسن الميلاني فرضية وجود "مجردات" عداه سبحانه وتعالى ، فيقول أن المعرفة البشرية ، أي الفلسفة والعرفان ، تزعم انه لا يصدر عن ذات الخالق تعالى إلا شيء واحد ، وذلك انها تقول: "ان الواحد لا يصدر عنه إلا واحد" ، وتزعم انه لا محيص عن القول بوجود وسائط مجرّدة عن الزمان والمكان والقوة والاستعداد إلخ بين الخالق والعالم الجسماني حتى يستقيم أمر الخلقة وصدور الاشياء عن ذات الخالق المتعال. ويزعمون انه يجب تعدد الموجودات المجرّدة وتكثّرها ! بينما العلوم الالهية البرهانية تشدد الإنكار على ذلك ببيان أن الله تعالى خالق الاشياء لا من شي وليس بمُصَدِّرِها ، وانه عزَّ وجلّ هو الواحد الحقيقي المتعالي عن الامتداد ، وان التوسيط في أمر الخلقة محال ذاتي وذلك أن الخلقة أمر دفعي لا يقبل التوسيط لذاته. وان قول المعرفة البشرية بالجمع بين التعدد والتجرّد هو جمع بين متناقضات ، وان قاعدة الواحد تناقض نفسها[231]. وتفصيل كل ذلك بالمصدر المنقول عنه. وننتقي بعض كلمات الشيخ الميلاني التي توضح العقيدة الاسلامية الصحيحة...

يقول الشيخ حسن الميلاني: "ما هو ملاك تقسيم الشيء الى الثابت والمتحرك !؟ الحادث الذاتي والحادث الزماني ؟! ما بالقوة وما بالفعل ؟! المتناهي واللامتناهي ؟! الواجب والممكن ؟! المجرّد والمادّي ؟! فإنّ هذه التقسيمات ليست إلا تقسيمات بلا واقع موضوعي ، وليست إلا تقسيمات للامتدادي الى نفسه وغيره ، بل الى نفسه والى ما يمتنع تحققه ثبوتاً !!

وضرورة العقل والبرهان وسياق – بل صريح – الروايات المتكثّرة تشهد بأنّ الموجود لا ينقسم إلا الى الخالق والمخلوق ، وأن الثاني هو الامتدادي العددي القابل للزيادة والنقصان ، والاول هو ما يكون على خلاف ذلك ، وهما متباينان بكلّهما فلا يدخل الاول في الثاني ولا الثاني في الاول أبداً.

ما ندري كيف يمكن الجمع بين الاعتقاد بتجرّد المجرّدات والاعتقاد بتعدّدها ؟! مع أن بين الكثيرة وعدم التجرّد تلازم بيّن ، كما ان من البديهي أن التجرّد واستحالة التعدّد متلازمان.

إنّ خروج وجود الخالق جلّ وعلا عن الزمان والمكان والأجزاء أمر ذاتي ثبوتي له ، وهو متفرّع على تعاليه جلَّ وعلا عن الامتداد والاجزاء الذي يختص به تعالى ولا يمكن أن يوصف بذلك غيره مطلقاً:

الامام أمير المؤمنين (عليه السلام): (... وخرج بسلطان الامتناع من أن يؤثر فيه ما في غيره).

فنفس القول بتعدّد المجرّدات ، شاهدة على التناقض في القول بوجودها ، فإنَّ التعدد فرع الامتداد المبائن للتجرّد"[232].

ثم يقول: "كيف يصح ادّعاء التجرّد لما يقال إنّه يتحرّك في جوهره حتى يصل عالم التجرّد ؟! أليس الحركة والتغيّر متفرّعاً على كون الشيء زمانيّاً بالبداهة ؟! أوليس اتصاف الشيء بالبعدّية نفس اتصافه بالزمان ؟!! وكيف يمكن القول بتجرّد أشياء ومخلوقات ، مع ان كل ما سوى الله تعالى في معرض التغيير والزوال ؟

الامام الصادق (عليه السلام): (إنّه ليس شيء إلا يبيد أو يتغير أو يدخله التغيير والزوال ، أو ينتقل من لون الى لون ، ومن هيئة الى هيئة ، ومن صفة الى صفة ، ومن زيادة الى نقصان ومن نقصان الى زيادة ، إلا رب العالمين ، فإنّه لم يزل ولا يزال واحداً ... لا تختلف عليه الصفات والاسماء كما تختلف على غيره مثل الانسان الذي ... يتبدّل عليه الاسماء والصفات والله عزَّ وجلّ بخلاف ذلك)"[233].

وقال السيد الخوئي (رض): (ودعوى ان الملك من عالم المجردات فليس له مادة ، كما اشتهر على ألسنة الفلاسفة دعوى جزافية ، فإنه مع الخدش في أدلة القول بعالم المجردات ما سوى الله كما حقق في محلّه أنه مخالف لظاهر الشرع ، ومن هنا حكم المجلسي (رحمه الله) في اعتقاداته بكفر من انكر جسمية الملك ، وتفصيل الكلام في محلّه)[234].

وقال الشيخ ماجد الكاظمي: (لا وجود للمجردات سواه تعالى كما تقدّم ، مضافاً الى انه ادعاء بلا دليل)[235].

ويقول الشيخ حسن الميلاني: "المجرّدات هي شركاء الله تعالى: إنك ترى بالرجوع الى روايات أهل العصمة انهم (عليهم السلام) في مقام نفي الشبيه عن الله تعالى وبيان انحصار عنوان المعبود اللائق به الألوهية فيه تعالى ، يكتفون بإقامة الدليل على نفي الجسمية والصورة والشبح والتخطيط والامتداد عنه تعالى.

ولو كان هناك واسطة بين الله الخالق والامتداد المخلوق كما تزعمه الفلسفة القائلة بوجود عالم المجرّدات ، لما كان الاستدلا بذلك كافياً لبيان ما يتمايز به الخالق عن المخلوق وتمييز ما يختص الله تعالى به من التعريف ويباين به غيره ، بل كانت المجرّدات حينئذٍ تدخل في تعريف الخالق ، وكان يثبت تعدّد الآلهة لا وحدة الخالق ، وكان ذلك إثبات التشبيه لا نفيه !!"[236].

وقال العلامة الحلي (رض) في كشف المراد: "اختلف الناس في ماهية النفس وانها هل هي جوهر أم لا ، والقائلون بأنها جوهر اختلفوا في انها هل هي مجرّد أم لا ، والمشهور عند الاوائل وجماعة من المتكلمين كبني نوبخت من الامامية والمفيد منهم والغزالي والحليمي والراغب من الاشاعرة أنّها جوهر مجرّد ليس بجسم ولا جسماني ، وهو الذي اختاره المصنف رحمه الله"[237]. وهذا الشخص الوارد في كلام العلامة (رض) واسمه (الحليمي) هو شخصية مجهولة ! يقول الشيخ حسن حسن زاده آملي: "هذا الرجل يذكر في البحث عن المعاد الجسماني من هذا الكتاب أيضاً ، والنسخ المطبوعة عارية عن اسمه وغير واحدة من المخطوطة الموثوق بها واجدة إياه ، وكذلك الراغب في الموضعين لكن لم نظفر بالحليمي في غير واحد من تراجم الرجال"[238].

وقيل ان ما نسبه للشيخ المفيد (رض) هو مستفاد من بعض كتبه وليس صريح كلامه ، فجاء في هامش احدى طبعات كتاب (مناهج اليقين): " كما يستفاد ذلك من بحوث مفصلة للشيخ المفيد حول النفوس و الارواح التي جاءت في تصحيح الاعتقاد ص 63 فبعد"[239]!!

والى جانب مجهولية الشخصين الوارد ذكرهما في كلام العلامة الحلي (رض) ، فلم يتبين لنا المصدر الذي اعتمده العلامة (رض) فيما نسب الشيخ المفيد (رض) اليه من القول بأن النفس هي جوهر مجرّد ، عدا ما قيل من انه مستفاد من كلام الشيخ المفيد (رض) وليس صريحه. فهذا النص هو واحد من اكثر النصوص المثيرة للريبة والغرابة !

ويقول العلامة الحلي (رض) في تعريف الجوهر: "اعلم ان الجوهر في اصطلاح المتكلمين عبارة عن المتحيز الذي لا ينقسم بوجه ، فالمتحيز جنس ، يندرج تحته الخط والسطح والجسم. وقولنا الذي لا ينقسم يخرج عنه الجسم ، وقولنا بوجه يخرج عنه السطح والخط ، فانهما لا ينقسمان ، لا من كل وجه ، بل الخط لا ينقسم في العرض والعمق وإنْ انقسم في الطول ، والسطح لا ينقسم في العمق وإنْ انقسم في الباقين ، فلو لم يفد عدم الانقسام بالعمومية لدخلا في الحد"[240]. ثم يعرف الجوهر عند الفلاسفة فيقول: "و اما عند الاوائل فانهم يطلقون الجوهر على ذات الشي‌ء و حقيقته، و على الموجود لا فى موضوع"[241].

 

الجسم الإلهي:

في شرحه للأصول من الكافي, حيث جاء في ذلك النص: (فإذا تصورت هذه المعاني وانتقشت في صفحة خاطرك علمت أن المعنى المسمّى بالجسم له أنحاء من الوجود متفاوتة في الشرف والخسة والعلو والدنو , من لدن كونه طبيعياً إلى كونه عقلياً , فليجز أن يكون الوجود إلهي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير المسمّى بالاسماء الإلهية المنعوت بالنعوت الربانية ، على أن الواجب تعالى لا يجوز أن يكون له في ذاته فقد شيء من الاشياء الوجودية وليس في ذاته الاحدية جهة ينافي جهة وجود الوجود وليس فيه سلب إلا سلب الاعدام والنقائص)[242]

وقد يقال إن سائر كلام الملا صدرا المبثوث في كتبه ومصنفاته, خير شاهد على رفض الرجل للتجسيم جملة وتفصيلاً. بل إن كلماته في ذات كتاب شرح الأصول من الكافي في نفي الجسيمة عن الحق تعالى لا تدع مجالاً للباحث أن يعتقد أو يخطر في باله قول الرجل بالجسيمة ! ويُجاب عن ذلك بأن ملا صدرا حينما ينفي الجسم فإنما ينفي المتعارف عليه في اذهان عامة الناس والمتكلمين والفلاسفة المشائيين ، غير انه حينما يثبت جسماً إلهياً فإنما يثبت جسماً من طبيعة اخرى عرفانية ، فهو يدعي وجود جسم إلهي من الناحية العرفانية ، ومع ذلك فلا يعدو ان يكون جسماً مهما كان نوعه او طبيعته او النظرة اليه.

ومن اسخف ما تذرع به احدهم لتبرير كلام ملا صدرا انه قال ان ملا صدرا يقصد كمال الجسم لا حد الجسم !! وقد فاته إنَّ وجود الكمال للجسم ملازم لوجود الجسم له سواء كان له حد ام لم يكن !! تعالى الله سبحانه عن ذلك علواً كبيراً.

وخير ما رد به احد على دعوى الجسم الالهي لملا صدرا هو ما قاله السيد ابو القاسم الخوئي (1317- 1413)هـ / (1899- 1992)م كما ورد في (التنقيح في شرح العروة الوثقى) في تعليقه على قول صاحب المتن (وأمّا المجسِّمة) ما نصّه: (وهم على طائفتين : فانّ منهم من يدعي أن الله سبحانه جسم حقيقة كغيره من الأجسام وله يد ورجل إلاّ أنه خالق لغيره وموجد لسائر الأجسام ، فالقائل بهذا القول إن التزم بلازمه من الحدوث والحاجة إلى الحيّز والمكان ونفي القدمة ، فلا إشكال في الحكم بكفره ونجاسته لأنه إنكار لوجوده سبحانه حقيقة . وأما إذا لم يلتزم بذلك بل اعتقد بقدمه تعالى وأنكر الحاجة فلا دليل على كفره ونجاسته وإن كان اعتقاده هذا باطلاً ومما لا أساس له . ومنهم من يدّعي أنه تعالى جسم ولكن لا كسائر الأجسام كما ورد أنه شيء لا  كالأشياء فهو قديم غير محتاج ، ومثل هذا الاعتقاد لا يستتبع الكفر والنجاسة وأمّا استلزامه الكفر من أجل أنه إنكار للضروري حيث إنّ عدم تجسّمه من الضروري فهو يبتني على الخلاف المتقدم من أن إنكار الضروري هل يستلزم الكفر مطلقاً أو أنه إنما يوجب الكفر فيما إذا كان المنكر عالماً بالحال ، بحيث كان إنكاره مستلزماً  لتكذيب النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) . هذا ، والعجب من صدر المتألهين حيث ذهب إلى هذا القول في شرحه على الكافي وقال ما ملخّصه: إنّه لا مانع من التزام أنه سبحانه جسم إلهي ، فانّ للجسم أقساماً فمنها: جسم مادي وهو كالأجسام الخارجية المشـتملة على المادّة لا محالة . ومنها: جسم مثالي وهو الصورة الحاصلة للانسان من الأجسام الخارجيـة وهي جسم لا مادّة لها . ومنها : جسم عقلي وهو الكلِّي المتحقِّق في الذهن وهو أيضاً مما لا مادّة له بل وعدم اشتماله عليها أظهر من سابقه . ومنها : جسم إلهي وهو فوق الأجسام بأقسامها وعدم حاجته إلى المادّة أظهر من عدم الحاجة إليها في الجسم العقلي ، ومنها : غير ذلك من الأقسام ، ولقد صرّح بأن المقسم لهذه الأقسام الأربعة هو الجسم الذي له أبعاد ثلاثة من العمق والطول والعرض. وليت شعري أن ما فيه هذه الأبعاد وكان عمقه غير طوله وهما غير عرضه كيف لا يشتمل على مادة ولا يكون متركباً حتى يكون هو الواجب سبحانه . نعم ، عرفت أن الالتزام بهذه العقيدة الباطلة غير مستتبع لشيء من الكفر والنجاسة ، كيف وأكثر المسلمين لقصور باعهم يعتقدون أنّ الله سبحانه جسم جالس على عرشه ومن ثمة يتوجهون نحوه توجه جسم إلى جسم مثله لا على نحو التوجه القلبي)[243].

وهناك من يحاول تبرير كلام ملا صدرا والرد على السيد الخوئي ، كما في الجواب المؤسف المنشور في موقع مركز الابحاث العقائدية وهو: (لم يثبت أن ملاّ صدرا الشيرازي كان مجسماً، وأما ما يشير إليه النص الذي نقله السيد الخوئي قدس سره عن تفسير صدر المتألهين فله وجه آخر سوى ما أفاد به السيد الخوئي، مع أن ما أورده قدس سره على الملاّ صحيح طبقاً لتعريف الجسم في الاصطلاح الفلسفي، ولكن الملاّ (حسبما يظهر من النص) لا يريد التعريف الاصطلاحي للجسم المنحصر في الجسم المادي المعروف في عالم الطبيعة وهو الجوهر ذو الابعاد الثلاثة، وإنما يريد به المعنى الأعم وهو ما يطلق عليه جسم بحسب كل عالم من عوالم ما وراء الطبيعة كعالم المثال وعالم الملكوت وعالم الجبروت وعالم اللاهوت، وحينئذ فالمصحح للإطلاق ليس هو ما تعارفه الناس من مفهوم الجسم، بل أمر آخر قريب من مفهوم الجوهر المفارق، إذ من الواضح أن ملا صدرا ملتفت إلى عدم إمكان وجود جسم موصوف بأنه طويل عريض عميق في العوالم العليا، فهذا الوصف من خواص المادة في عالم الطبيعة، ومن المعلوم أيضاً أنه لا توجد مادة فيما وراء عالم الطبيعة، ولذلك عقّب الملا زيادة في إيضاح ما يريده من الجسم المثالي والجسم العقلي والجسم الإلهي بالقرائن التالية على الترتيب: (الجسم المثالي: وهو الصورة الحاصلة للإنسان من الأجسام الخارجيـة وهي جسم لا مادّة لها، الجسم العقلي: وهو الكلِّي المتحقِّق في الذهن وهو أيضاً مما لا مادّة له بل وعدم اشتماله عليها أظهر من سابقه، الجسم الإلهي: وهو فوق الأجسام بأقسامها وعدم حاجته إلى المادّة أظهر) فبهذه القيود يخرج الجسم المادي الذي لا يعرف إلا بقبوله للأبعاد الثلاثة، ولذلك فإن اعتراض السيد الخوئي على الملا بقوله: (ولقد صرّح بأن المقسم لهذه الأقسام الأربعة هو الجسم الذي له أبعاد ثلاثة من العمق والطول والعرض) ليس في محله لابتنائه على المشهور من تعريف الجسم، ولكن تبين من خلال القيود التي ذكرها ملاّ صدرا أنه لا يريد هذا التعريف) !!!!! ويرد على كلامهم هذا بان ملا صدرا اذا تكلم عن الجسم الإلهي كلاماً فلسفياً فقد بيّن السيد الخوئي (رض) رده عليه وإبطاله وفق القواعد الفلسفية ايضاً. وإن كان كلامه غير فلسفي وغير عرفي فما هو إذن ؟! ولِمَ تلومون السيد الخوئي (رض) على ما لم يحسن ملا صدرا التعبير عنه ! وإن كان كلام ملا صدرا عرفانياً فالعرفان تجربة شخصية وهو نفسه في حكمته المتعالية اشترط التعبير عن الكشف العرفاني بالقواعد الفلسفية لكي يصدقه الآخرون ، فإن كان كلامه عرفانياً ولم يحسن التعبير عنه فلسفياً فهذا خطأه وما وضّحه فلسفياً هو باطل. وإنْ كان قد احسن التعبير عن كشفه العرفاني بكلامه الفلسفي فقد وضّح السيد الخوئي تهافته الفلسفي وان فكرته باطلة.

وللمزيد من الفائدة نقول ان ملا صدرا كان يرى ان الله سبحانه وتعالى وجود بلا ماهية ، وهنا يقول بأن له جسماً إلهياً ، فيكون جسمه الإلهي هو عين وجوده ، وحيث ان الوجود الخارجي الحقيقي للخالق والمخلوق هو وجود واحد ، بغض النظر عن تشكيكه ، فيكون لجميع المخلوقات جسماً إلهياً قد يوصف على اقل تقدير بأنه جسم إلهي تشكيكي !! وهذه هي النتيجة المؤسفة التي تحمل في طياتها الكثير من معاني الشرك والابتعاد عن التوحيد الصحيح.

ويؤكد سيد كمال الحيدري ان ملا صدرا كان يقول بالجسمية ، فيقول ما نصَّه: (نعم إذا كان من أهل الاختصاص افترض انه مثل ملاصدرا بيني وبين الله ماكو شك بأنه من أكابر المتخصصين إذا صار بناءه الله جسم ماذا تفعلون؟ ملا صدرا يقول بالجسمية ، بكرى إنشاء الله من شرح أصول الكافي انجيبلكميا ولهذا كثير من الأعزة قالوا الله يخليك لا تقوله فد مكان ولكن قائل بالجسمية ولكن يقول جسمية إلهية، طبعاً في المقدمة هو يقول الجسم له طول وعرض وعمق وهو جسم حسي خيالي عقلي الهي والله جسم ضمن المواصفات الله ماذا؟ ولهذا جملة من أعلام الفقهاء من تلامذة السيد الخوئي كفروه على هاي المسألة كفروه بأنه قالوا هو قائل بأن الله سيدنا وا ويلاه انتووا خابصين الأمة أن ابن تيمية والحنابلة قائلين جسم لعد عندكم بلي امغطغطيه ما يقولون لأحد، أنا اطلعها واناقشها أقول هذا الرأي مع كل احترامنا لملى صدرا وصدر المتألهين نوافقه أو نخالفه؟ نخالفه، وهذا أن دل على شيء يدل على حرية الفكر في مدرسة أهل البيت)[244]. ورغم ان سيد كمال الحيدري من نفس مدرسة ملا صدرا ومن اتباعه الان انه لم يوافقه على هذه المسالة لظهور شناعة باطلها.

 

المعــاد جسماني ام روحاني:

قال تعالى في سورة العنكبوت: ((أَوَ لَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)) ، وسنرى بعد قليل ان الفلاسفة يقولون باستحالة إعادة المعدوم بينما الله سبحانه وتعالى يبطل قولهم ويقول ان ذلك عليه يسير.

وقال تعالى في سورة الروم: ((وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ)) ، وهي ابضاً صريحة في إبطال مذهب الفلاسفة في إستحالة إعادة المعدوم.

وقال تعالى في سورة الحج: ((وَأَنَّ السّاعَةَ آتيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ)). فهل في القبور الا جسد الانسان ، فيكون البعث للجسد والروح معاً.

وقال تعالى في سورة الحج أيضاً: ((ذَلِكَ بِأَنّ‏َ اللَّهَ هُوَ الْحَقّ‏ُ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلّ‏ِ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ)). انظر لقوله تعالى: ((يُحْيِي الْمَوْتَى)) فمن الذي يموت اليس هو الجسد وهو الذي يحييه اللهُ تبارك وتعالى.

وقال تعالى في سورة البقرة: ((أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِيْ هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِاْئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامَكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)). فانظر الى الآية الكريمة وهي تتحدث عن العظام كيف ينشزها الله تبارك وتعالى ثم يكسوها لحماً ، اليس في ذلك دلالة اكيدة على المعاد الجسماني.

وقال تعالى: ((وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَى)). فكان طلبه (عليه السلام) اراءته كيف يحيي الموتى ، فهل الموتى سوى الاجساد واحيائها بعودة الارواح اليها.

وقال تعالى في سورة يس: ((وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي العِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ)). فالآية الكريمة تتحدث صراحة عن إحياء العظام ، أي إحياء الجسد بالمعاد الجسماني.

وقال تعالى في سورة المؤمنون: ((أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظَاماً أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ ، هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ، إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ، إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ ، قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ ، قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ ، فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)). فالآيات تتحدث عمن يجحد المعاد بعد التحول الى تراب وعظام ، فهم يجحدون المعاد الجسماني وقد وصفهم الله سبحانه وتعالى بالقوم الظالمين.

وقال تعالى في سورة الصافات: ((أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ، أَوَ آبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ ، قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ ، فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ ، وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ ، هَذَا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ)).

وقال تعالى في سورة العنكبوت: ((أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمّ‏َ يُعِيدُهُ إِنّ‏َ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)).

وقوله تعالى في سورة البقرة حاكياً عن احياء الموتى يوم القيامة بتمثيله بإحياء الميت في الدنيا ، في اوضح بيان ، وكل بيانات الله تبارك وتعالى واضحة ، قال سبحانه وتعالى: ((وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (*) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)).

... لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ... صَدَقَ اللَّهُ العَلِيُّ العَظِيمُ.

ففي عقيدتنا نحن الشيعة الامامية "إن المحشور في يوم القيامة من هذا البدن الترابّي ، وأما في الفلسفة فالموجود في العالم الآخر روح الانسان فقط. وفي الحكمة المتعالية (فلسفة صدر الدين) انّ النفس الانسانية تخترع وتخلق بإذن الله تعالى لنفسها صورة مثالية وتكون معها ولا أثر للبدن الترابّي. وفي العرفان أنّ الحدود والتعيّنات تنعدم وكلّ الموجودات تندّك في ذات الحق تعالى"[245].

قال شيخ الطائفة ابو جعفر الطوسي (رض): (والمعاد اعادة الاجسام على ما كانت عليه)[246].

وقد اكّد الخواجة نصير الدين الطوسي (رض) على اثبات المعاد الجسماني بقوله: "والضرورة قاضية بثبوت الجسماني من دين النبي مع إمكانه"[247].

وقال العلّامة الحلي (رض) شارحا عبارة الخواجة الطوسي (رض): "واستدل على ثبوت المعاد الجسماني بأنه معلوم بالضرورة من دين محمد (صلى الله عليه وآله) والقرآن دلّ عليه في آيات كثيرة بالنص مع انه ممكن ، فيجب المصير اليه ، وإنما قلنا بأنه ممكن لأن المراد من الإعادة جمع الأجزاء المتفرّقة وذلك جائز بالضرورة"[248].

وقال العلّامة الحلي (رض): "الذي نذهب اليه وجوب المعاد البدني لأن النفس هي الاجزاء الاصلية في البدن وفي حال الموت تتفرّق تلك الاجزاء ولا تفنى ، لإستحالة إعادة المعدوم[249] ، وهي لا بد لها من خيرات وشرور فتجب إعادتها لتنال ما وُعِدَتْ به من السعادة والشقاوة"[250].

وقال العلّامة الحلي (رض) أيضاً: (اتفق المسلمون على إثبات المعاد البدني) ... (امّا إمكانه فلأنه تعالى قادر على كل مقدور ، عالم بكل معلوم ، وذلك يستلزم إمكان الإعادة إمّا بمعنى جمع الاجزاء إن قلنا بإستحالة إعادة المعدوم[251]، أو بمعنى إيجادها مرّة ثانية إنْ قلنا بجوازها. وإمّا الإخبار بالثبوت فضروري من دين الانبياء (عليهم السلام))[252].

بل وذهب العلّامة الحلي (رض) الى ان المعاد الجسماني من ضروريات الدين ، قال: (واستدلّ على ثبوت المعاد الجسماني بأنّه معلوم بالضرورة من دين محمد (صلى الله عليه وآله) والقرآن دلّ عليه في آيات كثيرة بالنص مع انّه ممكن فيجب المصير إليه)[253].

وقال الميرزا احمد الاشتياني: "وقع البحث في أن ما ينتقل إليه الأرواح في القيامة الكبرى ويوم الحساب، هل هو عين الأبدان الدنيوية البالية العنصرية بشمل شتاتها وجميع جهاتها بأمره تبارك وتعالى كما يقتضيه الاعتبار حيث إن النفس خالفت أو أطاعت وانقادت، لما كانت تلك الجوارح فحسن المجازات وكمال المكافات بأن يكون المجازى عين من أطاع أو عصى أم لا، بل تنتقل إلى صور مجردة تعليمية ذات امتداد نظير - القوالب المثالية والصور المرآتية؟ ما وقع التصريح به في القرآن الكريم هو الأول" ... الى أن يقول: " فإنكار المعاد الجسماني وعود الأرواح إلى الأجسام الذي يساعده العقل السليم يخالف نص القرآن بل جميع الأديان وإنكار لما هو ضروري الإسلام، أعاذنا الله تعالى من زلات الأوهام وتسويلات الشيطان"[254].

اما بخصوص مدرسة الحكمة المتعالية فنجد سيد كمال الحيدري يقول: (جملة من أعلام الفقهاء الامامية كفّروا ملا صدرا لأنه لا يقول بالمعاد الجسماني وإنما يؤمن بالمعاد الروحاني)[255]. وهو اعتراف منه بأن ملا صدرا لا يقول بالمعاد الجسماني بخلاف ما هو عند سائر علماء الشيعة الامامية ، بل ان سيد كمال الحيدري نفسه يتفق مع ملا صدرا في نظرته الى المعاد وانه غير جسماني[256] بحكم تبعيته لمدرسة الحكمة المتعالية التي اسسها ملا صدرا !!

ويقول الشيخ جوادي آملي محاولاً شرح نظرية ملا صدرا بالمعاد غير الجسماني فيقول: (نجد لدى صدر المتألهين رأياً خاصّاً في المعاد الجسماني، .... تنقسم كلمات الملا صدرا في المعاد إلى نوعين: أحدهما: ما قاله في شرح الهداية الأثيرية، وهو المتطابق مع ظواهر الكتاب والسنّة، وهو الذي قَبله بوصفه نظريةً دقيقة. والنوع الآخر: ما بيّنه في كتبه الأُخرى كالأسفار الأربعة، وقد اختاره بوصفه النظرية الأدق. إذن، فهناك تصور دقيق للمعاد عند صدر الدين الشيرازي، كما هناك تصوّر أدق، وقد اختار في شرح الهداية الأثيرية ذلك المعنى الذي اختاره المحدّثون، ... كلما تقدّمنا إلى الأمام وتأمّلنا، نرى أنه لا اختلاف بين نظرية الشيرازي ــ ولو بالمعنى الأدقّ ــ وبين نظرية المحدّثين والفقهاء؛ ذلك أنهم ـ المحدثين والفقهاء ـ لم يبيّنوا اصطلاحاً خاصّاً للمادة، وهم يعبّرون عنها بالجسم، ويثبتون آثاراً وخصوصيات لهذا الجسم تنطبق على الصورة التي يقول بها الملا صدرا..... لقد كان على كبار المحدّثين كالعلامة المجلسي أن يفسّروا المادّة أولاً، فإن كان مرادهم منها شيء ذو طول وعرض وعمق، فلا بحث في هذا ولا خلاف، أمّا لو قصدوا ما كان له مكان وجهة معيّنة، فهذا لا معنى له، طبقاً لما سبق. .... ثمة ـ عند الملا صدرا ـ نظر دقيق وآخر أدقّ، وذلك من باب تقسيم المعارف الحقّة إلى درجات، لتكون كلّ واحدةٍٍ منها حقّاً في مرتبتها، كما كان المؤمنون درجات: ((هُمْ دَرَجَاتٌ)) آل عمران: 163، ((لَّهُمْ دَرَجَاتٌ)) الأنفال: 4، فالمؤمنون أنفسهم في مراتب، كما لهم درجات أيضاً. يُخاطب المؤمن يوم القيامة: "اقرأ وارقه"، على هذا، لا يكون النظر الدقيق باطلاً، بل يغدو حقّاً في مرتبته، ثم يكون أدق أيضاً وحقاً في المرتبة الأُخرى، وليس ذلك من اجتماع المتضادين؛ لأن شرطه ـ اي اجتماع المتضادين ـ وحدة الرتبة، أمّا هذان ففي رتبتين)[257].

وقد رد السيد جعفر سيدان الخراساني على كلام الشيخ جوادي آملي المذكور آنفاً بقوله: (والمهم ... معرفة هل أنّ الجسد الذي قال به الفلاسفة الإسلاميون، مع ما يظهر من الفقهاء والمحدثين، واحد أم إثنان؟ وإذا كان المقصود متعدّداً، فما هو المستفاد من القرآن والحديث؟ ثم إنّ الجسم الذي تتعلّق به الروح، هل هو من أجزاء هذا العالم العنصرية أو صورة أبدعتها النفس في ذلك العالم؟ وعليه، ليس البحث في أن الجسم الأُخروي يوجد تدريجيّاً أو دفعةً واحدة، وإنما في أن ذلك الجسم الذي وُجِد دفعةً، هل هو من أجزاء هذا العالم ــ وإن تغيّرت كيفية تكوّنه وعوارضه في ظروف العالم الآخر ــ أو أنه ليس من أجزاء هذا العالم، وإنما هو مُبدع النفس؟ قلنا: إن الأكابر جعلوا هذين المسلكين مقابل بعضهما. ويمكن ـ بغضّ النظر عمّا تقدم ـ إسناد الاتجاه الذي يستفيد حقيقة من الآيات، بعد استيضاحه الدقيق لدلالاتها، ومن الروايات بعد تماميّة سندها ودلالتها طبقاً للموازين المتعارفة، مع ملاحظة مجموع الأدلة في ذلك.. يمكن إسناده إلى الشرع الشريف. وقد يبحث الفيلسوف الإسلامي ــ في الوقت الذي يعتقد فيه بأمر ما، ويتقيّد فيه بالشريعة، ويطّلع فيه على الأفكار والعقائد البشرية ــ في موضوعٍ ما وفقاً لهذه المبادئ والأصول، فيتخذ لنفسه رأياً، بيد أنه ـ وانطلاقاً من اعتقاده بالشريعة ـ يراجع الأدلة النقلية أيضاً، وحيث كان قد سبق أن صاغ في عقله الموضوع وخرج فيه بنتيجة معينة، نجده يواجه أدلّةً شرعية لا تخلو من التشابه والإجمال، مما يجعله يندفع تلقائياً لحمل هذه النصوص النقلية على المعنى المستقرّ في وعيه واستنتاجه، ويعتبر هذا النوع من الأدلة أدلةً أصلية، وبذلك يتخلّى عن الظواهر والمحكمات، أو يحملها على ذلك المعنى الذي صاغه سلفاً. ومنشأ هذا النوع من الحمل، الأُنس الذهني بسلسلة من الأيديولوجيات الرائجة في الفلسفة والمذاهب البشرية، مما قد يكون في نفسها محل خلاف. والمسألة ليست مسألة كليّة عالمية… وإذا أردنا دراسة معضلة المعاد من وجهة نظر الشريعة، فلا بد من الأخذ برؤية إنسان متعقّل دقيق، لكنه خالي الذهن من القواعد والأحكام الفلسفية الخاصة المسبقة، فيلقي نظرةً على الأدلة الشرعية؛ ليرى هل أن سبيل المحدّثين والفقهاء يعتمد على القرآن والحديث، أم منهج صدر المتألّهين؟ .... حاصل ما قيل: الحكيم يلقي نظرةً على القوانين الكلّية الفلسفية، مع ما جاء من الشرع؛ ولهذا قد تكون نظرته مختلفةً عن آراء الآخرين الذين لم يأخذوا بالحسبان تلك القوانين. والخلاصة: لا بد من الأخذ بعين الاعتبار المخصصات العقلية عند الاستفادة من الأدلّة الشرعية. أقول: إن القوانين اللبيّة قد تكون قوانين قطعية واضحة، تتفق أنظار العقلاء عليها، ولا شك هنا في انضمامها إلى الأدلة الشرعية، أمّا لو وقع في تلك القوانين اختلاف كبير، مثل الزمان الذي تفضلتم بأن فيه خمسة عشر قولاً، فهل يمكن لمثل هكذا قانون أن يكون مخصّصاً لبيّاً، نصرف به ظواهر الكتاب والسنة ونأوّلهما؟! وهل اعتمد النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) المرسلون إلى البشر جميعهم على هذه المواضيع الخلافية، ليقولوا كلاماً يريدون خلاف ظاهره أو صريحه اعتماداً على هكذا قرينة. نعم، إذا قطع شخص بأحد هذه الأقوال، فلا يمكن القول له: إصرف نظرك عن هذا القطع، ولكن، لا بد من تذكيره بسؤال: كيف يقول صاحب الشريعة ــ وهو المعلّم والمرشد ــ كلاماً يتبادر منه معنى يفهمه العقلاء جميعاً،لكنّه اعتمد فيه على موضوعٍ مختلَف فيه بحيث يصبح كلامه ظاهراً في المعنى المنسجم مع نظرية خاصة في ذلك الموضوع الخلافي؟!… في الختام نقول: إذا لم يكن عندنا مخصّص لبي واضح لدى دراستنا لأيّ مذهب، فلا بد من الأخذ بظواهر ذلك المذهب. والطريق الذي يؤدّي بالإنسان إلى مخالفة ظواهر الشرع لدى اصطدامها بالقواعد العقلية، طريق غير مأمون من الخطأ. .... صحيح أن المادة بمعنى الهيولى اصطلاح فلسفي، ولم ترد في اصطلاح الشرع والحديث، لكن مصبّ البحث هو: هل أن المحشور في العالم البَعدي هو هذا الإنسان الموجود في هذا العالم من حيث الروح والجسم، وإن اختلفت آثاره وخصوصياته عندما وقعت في ظروف أُخرى؟ أو أن المحشور هو الروح لا بجسم هذا العالم الذي هو من أجزاء هذا العالم، بل مع جسمٍ أبدعته النفس ذاتها، وهذا المقدار المستلّ من خصوصيات الجنة والنار لا ينفي الموضوع ويثبته. أضف إلى ذلك ــ وبناءً على نظرية الملا صدرا من أن الجنة والنار قائمتان بنفس الإنسان ــ لا معنى لخلق الجنة والنار مسبقاً. .... بعدما عُلم أن الملا صدرا صرّح ـ مراراً ـ بأن المحشور هو المعاد الجسماني والبدن بعينه، وقد اتضح أن مراده من الجسم المعنى الخاص، أي شيئيّة الشيء بصورته، صور إبداعية من قبل النفس، ومقصوده من الجسم ليس هو المتبادر إلى أنظار العموم. ولقد وصل بنا البحث إلى أن المحدّثين والملا صدرا لهما نظرتان، وقد صرّح أهل الفن بهذه الاثنينية. وقيل: إن المستفاد من الآيات والروايات في موضوع حشر الأجساد، عين ما قال به الأعلام من قبيل: الآشتياني، والآملي، والخوانساري (قدس الله أسرارهم). .... بالنسبة إلى الموضوع الأول ـ وهو أن للملا صدرا في المسألة نظرين: نظر دقيق، وآخر أدق ـ فأقول: لازم هذا التعبير أن له في المعاد قولين، ومع تقابلهما وتضادهما، لا يمكن الاعتقاد بهما معاً. أمّا لو كان المقصود بيان أمرٍ واحد بعبارتين، فهذا معناه أنهما ليسا برأيين أساساً، طبعاً لا بد من نسبة المطلب الأدق إليه، وهو غير مسلك المحدّثين، ومن هنا يتضح الموضوع الثاني، وهو وحدة نظره ورأي المحدثين، وهنا نعتقد أنه لا وحدة من هذا النوع أبداً. وما قيل في تقريب الوحدة، من أن المحدّثين قالوا بآثار وخصوصيّات بالنسبة إلى البرزخ والقيامة، لا تلائم المادية، قلنا فيه: إن محلّ البحث هو هل هناك موجود في ذلك العالم متكوّن من الأجزاء الوجودية الدنيوية أو لا؟ فمع صرف النظر عن اصطلاح المادة، يقول المحدّثون: المحشور في القيامة البدن العنصري، فيما مذهب صدر المتألّهين أن المحشور الصورُ التي أبدعتها النفس. .... بالنسبة إلى هذا الموضوع أقول: ... كان مصبّ البحث حول حشر الأجساد، وهو هل أن الأشخاص المحشورين في ذلك العالم عندهم شيء من أجزاء هذا العالم أو لا؟ فالمحدّثون يدّعون: أن الناس يحشرون من أجزاء هذا العالم بالأبدان العنصرية، ولو كان هناك تفاوت مع أجزاء هذا العالم بلحاظ الآثار والخصوصيات؛ ذلك أنه يمكن لحقيقةٍ واحدة أن تكون لها عوارض وآثار متفاوتة بلحاظ الظروف الخاصة، سواء أسمينا هذا الشيء ــ اصطلاحاً ــ مادّةً أم لم نسمِّه، فالبحث ليس في الاصطلاح. .... خلاصة ما تم بحثه أنّ الملا صدرا طرح معاداً اعتبره جسمانيّاً، لكنه أوضح في مواضع أخرى أن المراد من جسمانية المعاد ليس الجسم العنصري المركّب من أجزاء هذا العالم الوجودية، وإنما صورةٌ أبدعتها النفس. وفي مرحلة تالية دار الحوار حول تطابق أو عدم تطابق مقولة المحدّثين والفقهاء في المعاد الجسماني ومقولة صدر المتألهين؟ وقيل في هذه المرحلة أيضاً: ليست الحال كذلك، إنما يقصدون ـ أي الفقهاء والمحدثين ـ الجسم العنصري المادي. وانتهى الحوار إلى نقطتين:

1 ــ ذكرتم في الجلسة السابقة أن لصدر الدين الشيرازي نظرتين: دقيقة، وأدق.

الدقيقة: هي كلام المحدثين والعلماء الآخرين.

والأدق: هو ما أثاره في كثيرٍ من كتاباته.

والمتبادر إلى الذهن من ذلك كلّه، أنه لو كان المقصود من هذا الكلام أن له طريقين لإثبات دعوى واحدة، أي له دليلان: أحدهما دقيق؛ والآخر أدق، فلا إشكال في ذلك. أما لو كان المقصود غير ذلك، أي وجود دعويين، مع القول بأن إحداهما دقيقة والأخرى أدق ــ مع كون الدعويين صادقتين واقعيّتين ـ فهذا أمر غير مفهوم ولا واضح، يعني في مركز واحد، وفي ظل ظروف واحدة.

أي أن المحشور في القيامة تتحقق له واقعيتان متضادتان:

أ ــ الجسم العنصري.

ب ــ الصورة الإبداعية.

وعليه، إمّا أن نقول: هما نظرتان متضادتان، أو أن النظر الثاني كاشف عن النظر الأول، بمعنى أن المختار واقعاً هو النظر الثاني.

2 ــ استدلّ صدر المتألهين بقسمٍ من ظواهر الآيات والروايات لإثبات المعنى الأدق الذي اختاره، والمستفاد منها أن العالم البَعدي صورةٌ فاقدةٌ للمادة، ومعنى ذلك حشر الأبدان على هذا النحو.

إننا نقول: ليس فقط لا تدلّ الآيات والروايات على مدّعاه، بل لا مناسبة بينهما، فمثلاً أكل الثمار ـ والظاهر أن لها حجماً ـ له مادة، وإن كانت مناسبةً لذلك العالم. أمّا أن الجنة والجحيم ــ الآن ــ لهما إحاطة بالأفراد، فلابد من فرض صورة مثالية تحيط بها الجنة والنار، كما تدلّ على هذا الموضوع المكاشفات والمشاهدات، وهذا الموضوع أيضاً لو دُقق فيه، لا يمكن أن يثبت أن الإنسان المحشور في القيامة هو البدن المثالي، غاية الأمر أننا لا نقدر على معرفة إحاطة الجنة والنار، حتى نقول عن ذلك شيئاً باطمئنان. فعلى هذا، لا نخرج من الآيات والروايات بنتائج واضحة تدعم وجهة نظر صدر المتألّهين، حتى نتخلّى بها عما توصّل إليه المحدّثون من مفاد الآيات والروايات الكثيرة، كما لا يوجد دليل عقلي ملزم في البَين. نعم، لا يمكن التخلّي ـ نتيجة فرضية محتملة يمكن تأويل بعض النصوص لها ـ عن ظواهر الآيات والروايات الكثيرة، وبيان الموضوع بصورة أمر اعتقادي جزمي. إننا نشاهد نظير ذلك في مبحث الخلود، فقد توصّل بعض الفضلاء في هذا الموضوع إلى أنّ (القسر لا يدوم)، وبما أن حركة الجهنميين حركة قسرية، فلابد من تبدّل طبيعتهم، ليعود العذاب عليهم عذباً في نهاية المطاف. وقد قيل: إن المشركين معذبون في ابتداء الأمر، لأجل حصرهم الإله في معبودهم، لكن حيث كان معبودهم حقّاً (فما عبدو إلاّ الله، فرضى الله عنهم، ويبدّل الله عذابهم عذباً)، ومن أجل قاعدة: (القسر لا يدوم)، تخلّوا عن أدلة الخلود، وأخذوا يعملون التأويل والتطويع فيها)[258].

عذاب جهنم:

يقول سيد جعفر سيدان: "في مدرسة الوحي يكون العذاب على جماعة والخلود في النار على المعاندين في العالم الآخر بعد هذا العالم (أي القيامة). وفي الحكمة المتعالية (الفلسفة الصدرائية) يتبدّل العذاب الى العذب ، او أنّ العذاب موجود في جهنّم ولكن لا خلود لأحد هناك ، والخلود نوعي. وفي العرفان سيكون العذاب عذباً"[259].

يقول ملا صدرا: "وبالنسبة الى المشركين الذين يعبدون غير الله من الموجودات فينتقم منهم لكونهم حصروا الحق فيما عبدوه وجعلوا الاله المطلق مقيداً واما من حيث إن معبودهم عين الوجود الحق الظاهر في تلك الصور فما يعبدون الا الله فرضي الله منهم من هذا الوجه فينقلب عذابهم عذباً في حقهم وبالنسبة الى الكافرين ايضاً"[260].

وقال ملا صدرا: "مع ان العذاب بالنسبة الى العارف الذي دخل فيها بسبب الاعمال السيئة عذب من وجه وإن كان عذاباً من وجه آخر لأنه يشاهد المعذب في تعذيبه فيكون عذابه سبباً لشهود الحق وهو أعلى نعيم له وبالنسبة الى المحجوبين الغافلين عن اللذات الحقيقية أيضاً عذب من وجه"[261].

ويقول القيصري شارحاً كلام ابن عربي في فصوص الحكم: "و(الوعيد) هو العذاب الذي يتعلق بالاسم (المنتقم). وتظهر احكامه في خمس طوائف لا غير ، لأن أهل النار إما مشرك أو كافر أو منافق أو عاص من المؤمنين وهو ينقسم بالموحد العارف الغير العامل والمحجوب. وعند تسلط سلطان المنتقم عليهم يتعذبون بنيران الجحيم ، كما قال تعالى: ((احاط بهم سرادقها ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك ولا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون)) وقال: ((إنكم ماكثون اخسئوا فيها ولا تكلمون)). فلما مرّ عليهم السنون والاحقاب واعتادوا بالنيران ونسوا نعيم الرضوان ، قالوا: ((سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص)). فعند ذلك تعلقت الرحمة بهم ورفع عنهم العذاب ، مع ان العذاب بالنسبة الى العارف الذي دخل فيها ، بسبب الاعمال التي تناسبها عذب من وجه وإن كان عذابا من وجه آخر. كما قيل:

وتعذيبكم عذب وسخطكم رضى ... وقطعكم وصل وجوركم عدل

لأنه يشاهد المعذب في تعذيبه ، فيصير التعذيب سبباً لشهود الحق ، وهو أعلى ما يمكن من النعيم حينئذٍ في حقه. وبالنسبة الى المحجوبين الغافلين عن اللذات الحقيقية أيضاً عذب من وجه ، كما في الحديث: (إن بعض أهل النار يتلاعبون فيها بالنار) ، والملاعبة لا ينفك عن التلذذ وإن كان معذباً لعدم وجدانه أنه ما أمن به من جنة الاعمال التي هي الحور والقصور. وبالنسبة الى قوم يطلب استعدادهم البعد من الحق والقرب من النار ، وهذا المعنى بجهنم ايضاً عذب ، وإنْ كان في نفس الامر عذاباً كما يشاهد ممن يقطع سواعدهم ويرمي أنفسهم من القلاع ، مثل بعض الملاحدة. ولقد شاهدت رجلاً سمّر في أصول اصابعه إحدى يديه خمسة مسامير غلظ ، كل مسمار غلظ القلم ، واجتهد المسمر ليخرجه من يده فما رضي بذلك وكان يفتخر به ، وبقى على حاله الى أن أدركه الاجل. وبالنسبة الى المنافقين الذين لهم استعداد الكمال واستعداد النقص ، وان كان أليماً لإدراكهم الكمال أو عدم إمكان وصولهم إليه ، لكن لما كان استعداد نقصهم أغلب ، رضوا بنقصانهم ، وزال عنهم تألمهم بعد انتقام المنتقم منهم بتعذيبهم ، وانقلب العذاب عذبا. كما نشاهد ممن لا يرضى بأمر خسيس أولا ، ثم اذا وقع فيه وابتلى به وتكرر صدوره منه ، تألف به واعتاد  ، فصار يفتخر به بعد أن كان يستقبحه. وبالنسبة الى المشركين الذين يعبدون غير الله من الموجودات فينتقم منهم المنتقم لكونهم حصروا الحق فيما عبدوه وجعلوا افله النطلق مقيداً. واما من حيث إن معبودهم عين الوجود الحق الظاهر في تلك الصورة ، فما يعبدون إلا الله ، فرضي الله عنهم من هذا الوجه ، فينقلب عذابهم عذباً في حقهم. وبالنسبة الى الكافرين أيضاً وإن كان العذاب عظيماً ، لكنهم لم يتعذبوا به لرضاهم بما هم فيه ، فإن استعدادهم يطلب ذلك ، كالأتوني الذي يفتخر بما هو فيه. وعظم عذابه بالنسبة الى من يعرف أن وراء مرتبتهم مرتبة ، وإن ما هم فيه عذاب بالنسبة إليها. وانواع العذاب غير مخلد على اهله من حيث إنه عذاب ، لأنقطاعه بشفاعة الشافعين ، وآخر من يشفع وهو أرحم الراحمين. كما في الحديث الصحيح: (لذلك ينبت الجرجير في قعر جهنم) لإنقطاع النار وارتفاع العذاب ، وبمقتضى (سبقت رحمتي غضبي) ،

فظاهر الآيات التي جاء في حقهم التعذيب كلها حق ، وكلام الشيخ (رض) لا ينافي ذلك ، لأن كون الشيء من وجه عذاباً لا ينافي كونه من وجه آخر عذباً. وإنما بسطت الكلام هنا لئلا ينكر على هذا الخاتم المحمدي ، صلى الله عليه وسلم ، فيما أخبر ، فإن الاولياء ، رضوان الله عليهم ، ما يخبرون إلا عما يشاهدون يقينا من أحوال الاستعدادات في الحضرة العلمية وعوالم الارواح والاجساد ، لعلمهم بالحقائق وصورها في كل عالم"[262].

 

نعيم الجنّة:

قال ملا صدرا: "ان الجنة الجسمانية عبارة عن الصور الادراكية القائمة بالنفس الخيالية مما تشتهيها النفس وتستلذها ولا مادة ولا مظهر لها الا النفس وكذا فاعلها وموجدها القريب وهو هي لا غير"[263].

وقال سيد جعفر سيدان: "ان الجنة ونعيمها حقائق خارجية في مدرسة الوحي ، وفي فلسفة صدر الدين الجنة ونعيمها من صنع الانسان وقائمة به"[264].

إذن ملا صدرا يرى ان الجنة ليست مكاناً حقيقياً يتنعم به من ينال نعمة دخولها ، بل هي صور إدراكية قائمة في نفس من يستحقها !

قباحة عشق الغلمان:

لم تنتقل الافكار الغنوصية والفلسفية وحدها الى التراث الاسلامي فحسب بل انتقلت معها بعض الاخلاق الرديئة التي كان عليها الغنوصيون والفلاسفة القدماء وابرزها قباحة عشق الغلمان ! فقد اشتهر عن سقراط وافلاطون وارسطو ممارستهم لرذيلة اللواط وتجميلهم لعشق الغلمان ، وانتقلت هذه الرذائل مع الافكار لتلوث الامم الاخرى التي تبنت الغنوصية والفلسفة الى ان وصلت اخيرا الى ابواب الحكمة المتعالية واتباع ملا صدرا وتراث ابن عربي.

قال في قصة الحضارة: " وأعجب من هذا الوفاق بين البغاء والفلسفة اعتراف اليونانيين في غير حياء بالانحراف الجنسي. فلقد كان أكبر من ينافس العاهرات هم غلمان أثينة، وكانت العاهرات اللائي يسربلهن العار من قمة رءوسهن إلى أخمص أقدامهن لا يفتأن ينددن بما في عشق الذكور للذكور من فساد خلقي شنيع" ، الى ان يقول" ترى كيف يفسر الإنسان انتشار هذا الشذوذ الجنسي في بلاد اليونان؟ فأما أرسطاطاليس فيفسره بخوفهم أن تزدحم بلادهم بالسكان"[265].

ويقـول د. خالـد منتصـر: "ويحدثنـا أفلاطـون عن عشـق سقـراط للغـــلام "اليسباديس"، ويذكر ديوجنيس أن سقراط عندما كان غلاماً كان معشوقاً لمعلمه" ... الى ان يقول:"لا ينتهى الكلام عن الإغريق والشذوذ بدون أن نذكر كتاب "العشاق" الذى ينسب لأفلاطون وموضوعه المقارنة بين عشق الذكور للإناث وعشق الذكور للذكور، إن الكتاب عبارة عن مناظرة بين رجلين أحدهما يدافع عن حب الرجل للمرأة والآخر يدافع عن حب الرجال للغلمان، ويقوم "ليسنيوس" بدور الحكم بينهما وينتهى إلى رأى يلخص موقف الإغريق فى عبارة قصيرة فهو يقر بأن الزواج شئ لا غنى عنه فى حين أن عشق الغلمان هو دلالة الحكمة ولهذا نراه يحبذ قصر ممارسته على صفوة المجتمع وحكمائه"[266] !

 

ويُجَمّل ملا صدرا في اسفاره قباحة ومعصية عشق الغلمان ، فيقول: "فصل في ذكر عشق الظرفاء والفتيان للأوجه الحسان: اعلم أنه اختلف آراء الحكماء في هذا العشق وماهيته وانه حسن أو قبيح محمود أو مذموم فمنهم من ذمه وذكر انه رذيلة وذكر مساويه وقال إنه من فعل البطالين والمعطلين ومنهم من قال إنه فضيلة نفسانية ومدحه وذكر محاسن أهله وشرف غايته ومنهم من لم يقف على ماهيته وعلله وأسباب معانيه وغايته ومنهم من زعم أنه مرض نفساني ومنهم من قال إنه جنون الهي . والذي يدل عليه النظر الدقيق والمنهج الأنيق وملاحظة الأمور عن أسبابها الكلية ومباديها العالية وغاياتها الحكمية ان هذا العشق أعني الالتذاذ الشديد بحسن الصورة الجميلة والمحبة المفرطة لمن وجد فيه الشمائل اللطيفة وتناسب الأعضاء وجوده التركيب لما كان موجودا على نحو وجود الأمور الطبيعية في نفوس أكثر الأمم من غير تكلف وتصنع فهو لا محاله من جمله الأوضاع الإلهية التي يترتب عليها المصالح والحكم فلا بد ان يكون مستحسنا محمودا سيما وقد وقع من مباد فاضله لأجل غايات شريفة . اما المبادي فلانا نجد أكثر نفوس الأمم التي لها تعليم العلوم والصنائع اللطيفة والآداب والرياضيات مثل أهل الفارس وأهل العراق وأهل الشام والروم وكل قوم فيهم العلوم الدقيقة والصنائع اللطيفة والآداب الحسنة غير خاليه عن هذا العشق اللطيف الذي منشأه استحسان شمائل المحبوب ونحن لم نجد أحدا ممن له قلب لطيف وطبع دقيق وذهن صاف ونفس رحيمة خاليا عن هذه المحبة في أوقات عمره . ولكن وجدنا سائر النفوس الغليظة والقلوب القاسية والطبائع الجافية من الأكراد والاعراب والترك والزنج خاليه عن هذا النوع من المحبة وانما اقتصر أكثرهم على محبه الرجال للنساء ومحبة النساء للرجال طلبا للنكاح والسفاد كما في طباع سائر الحيوانات المرتكزة فيها حب الازدواج والسفاد والغرض منها في الطبيعة ابقاء النسل وحفظ الصور في هيولياتها بالجنس والنوع إذ كانت الاشخاص دائمة السيلان والاستحالة . واما الغاية في هذا العشق الموجود في الظرفاء وذوي لطافة الطبع فلما ترتب عليه من تأديب الغلمان وتربيه الصبيان وتهذيبهم وتعليمهم العلوم الجزئية كالنحو واللغة والبيان والهندسة وغيرها والصنائع الدقيقة والآداب الحميدة والاشعار اللطيفة الموزونة والنغمات الطيبة وتعليمهم القصص والاخبار والحكايات الغريبة والأحاديث المروية إلى غير ذلك من الكمالات النفسانية فان الأطفال والصبيان إذا استغنوا عن تربيه الاباء والأمهات فهم بعد محتاجون إلى تعليم الاستادين والمعلمين وحسن توجههم والتفاتهم إليهم بنظر الاشفاق والتعطف فمن أحل ذلك أوجدت العناية الربانية في نفوس الرجال البالغين رغبه في الصبيان وتعشقا ومحبه للغلمان الحسان الوجوه ليكون ذلك داعيا لهم إلى تأديبهم وتهذيبهم وتكميل نفوسهم الناقصة وتبليغهم إلى الغايات المقصودة في ايجاد نفوسهم والا لما خلق الله هذه الرغبة والمحبة في أكثر الظرفاء والعلماء عبثا وهباء فلا بد في ارتكاز هذا العشق النفساني في النفوس اللطيفة والقلوب الرقيقة غير القاسية ولا الجافية من فائدة حكمية وغاية صحيحه . ونحن نشاهد ترتب هذه الغايات التي ذكرناها فلا محاله يكون وجود هذا العشق في الانسان معدودا من جمله الفضائل والمحسنات لا من جمله الرذائل والسيئات و لعمري ان هذا العشق يترك النفس فارغة عن جميع الهموم الدنياوية الا هم واحد فمن حيث يجعل الهموم هما واحدا هو الاشتياق إلى رؤية جمال انساني فيه كثر من آثار جمال الله وجلاله حيث أشار اليه بقوله لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم وقوله ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين سواء كان المراد من الخلق الاخر الصور الظاهرة الكاملة أو النفس الناطقة لأن الظاهر عنوان الباطن والصورة مثال الحقيقة والبدن بما فيه مطابق للنفس وصفاتها والمجاز قنطرة الحقيقة . ولاجل ذلك هذا العشق النفساني للشخص الانساني إذا لم يكن مبدأه افراط الشهوة الحيوانية بل استحسان شمائل المعشوق وجوده تركيبه واعتدال مزاجه وحسن أخلاقه وتناسب حركاته وافعاله وغنجه ودلاله معدود من جمله الفضائل و هو يرقق القلب ويذكى الذهن وينبه النفس على ادراك الأمور الشريفة ولاجل ذلك امر المشائخ مريديهم في الابتداء بالعشق وقيل العشق العفيف أو في سبب في تلطيف النفس وتنوير القلب وفي الاخبار ان الله جميل يحب الجمال وقيل من عشق وعف وكتم ومات مات شهيدا . وتفصيل المقام ان العشق الانساني ينقسم إلى حقيقي ومجازي والعشق الحقيقي هو محبه الله وصفاته وافعاله من حيث هي افعاله والمجازي ينقسم إلى نفساني والى حيواني والنفساني هو الذي يكون مبدأه مشاكله نفس العاشق المعشوق في الجوهر ويكون أكثر اعجابه بشمائل المعشوق لأنها آثار صادره عن نفسه والحيواني هو الذي يكون مبدأه شهوة بدنية وطلب لذه بهيمية ويكون أكثر اعجاب العاشق بظاهر المعشوق ولونه واشكال أعضائه لأنها أمور بدنية والأول مما يقتضيه لطافة النفس وصفاتها والثاني مما يقتضيه النفس الامارة ويكون في الأكثر مقارنا للفجور والحرص عليه وفيه استخدام القوة الحيوانية للقوة الناطقة بخلاف الأول فإنه يجعل النفس لينه شيقة ذات وجد وحزن وبكاء ورقه قلب وفكر كأنها تطلب شيئا باطنيا مختفيا عن الحواس فتنقطع عن الشواغل الدنيوية وتعرض عما سوى معشوقها جاعله جميع الهموم هما واحدا فلأجل ذلك يكون الاقبال على المعشوق الحقيقي أسهل على صاحبه من غيره فإنه لا يحتاج إلى الانقطاع عن أشياء كثيره بل يرغب عن واحد إلى واحد . لكن الذي يجب التنبيه عليه في هذا المقام ان هذا العشق وإن كان معدودا من جمله الفضائل الا انه من الفضائل التي يتوسط الموصوف بها بين العقل المفارق المحض وبين النفس الحيوانية ومثل هذا الفضائل لا تكون محموده شريفة على الاطلاق في كل وقت وعلى كل حال من الأحوال ومن كل أحد من الناس بل ينبغي استعمال هذه المحبة في أواسط السلوك العرفاني وفي حال ترقيق النفس وتنبيهها عن نوم الغفلة ورقدة الطبيعة واخراجها عن بحر الشهوات الحيوانية واما عند استكمال النفس بالعلوم الإلهية وصيرورتها عقلا بالفعل محيطا بالعلوم الكلية ذا ملكه الاتصال بعالم القدس فلا ينبغي لها عند ذلك الاشتغال بعشق هذه الصور المحسنة اللخمية والشمائل اللطيفة البشرية لان مقامها صار ارفع من هذا المقام ولهذا قيل المجاز قنطرة الحقيقة وإذا وقع العبور من القنطرة إلى عالم الحقيقة فالرجوع إلى ما وقع العبور منه تارة أخرى يكون قبيحا معدودا من الرذائل ولا يبعد ان يكون اختلاف الأوائل في مدح العشق وذمه من هذا السبب الذي ذكر ناه أو من جهة انه يشتبه العشق العفيف النفساني الذي منشاؤه لطافة النفس واستحسانها لتناسب الأعضاء واعتدال المزاج وحسن الاشكال وجوده التركيب بالشهوة البهيمية التي تنشأها افراد القوة الشهوانية . واما الذين ذهبوا إلى أن هذا العشق من فعل البطالين الفارغي الهمم فلانهم لا خبره لهم بالأمور الخفية والاسرار اللطيفة ولا يعرفون من الأمور الا ما تجلى للحواس وظهر للمشاعر الظاهرة ولم يعلموا ان الله تعالى لا يخلق شيئا في جبله النفوس الا لحكمه جليله وغاية عظيمه. واما الذين قالوا إنه مرض نفساني أو قالوا إنه جنون الهي فإنما قالوا ذلك من اجل انهم رأوا ما يعرض للعشاق من سهر الليل ونحول البدن وذبول الجسد وتواتر النبض وغور العيون والأنفاس الصعداء مثل ما يعرض للمرضى فظنوا أن مبدأه فساد المزاج واستيلاء المرة السوداء وليس كذلك بل الامر بالعكس فان تلك الحالات ابتدأت من النفس أولا ثم أثرت في البدن فان من كان دائم الفكر والتأمل في امر باطني كثير الاهتمام والاستغراق فيه انصرفت القوى البدنية إلى جانب الدماغ وينبعث من كثره الحركات الدماغية حراره شديده تحرق الاخلاط الرطبة وتفنى الكيموسات الصالحة فيستولى اليبس والجفاف على الأعضاء ويستحيل الدم إلى السوداء وربما يتولد منه الماليخوليا . وكذا الذين زعموا انه جنون الهي فإنما قالوا من اجل انهم لم يجدوا دواء ا يعالجون ولا شربه يسقونها فيبرؤن مما هم فيه من المحنة والبلوى الا الدعاء لله بالصلاة والصدقة والرقى من الرهبانيين والكهنة وهكذا كان دأب الحكماء والأطباء اليونانيين فكانوا إذا أعياهم مداواة مريض أو معالجة عليل أو يئسوا منه حملوه إلى هيكل عبادتهم وأمروا بالصلاة والصدقة وقربوا قربانا وسئلوا أهل دعائهم وأحبارهم ورهبانهم ان يدعوا الله بالشفاء فإذا برى المريض سموا ذلك طبا إلهيا والمرض جنونا إلهيا . ومنهم من قال إن العشق هواء غالب في النفس نحو طبع مشاكل في الجسد أو نحو صوره مماثله في الجنس. ومنهم من قال منشأه موافقه الطالع عند الولادة فكل شخصين اتفقا في الطالع ودرجته أو كان صاحب الطالعين كوكب واحد أو يكون البرجان متفقين في بعض الأحوال والانظار كالمثلثات أو ما شاكل ذلك مما عرفه المنجمون وقع بينهما التعاشق ومنهم من قال إن العشق هو افراط الشوق إلى الاتحاد وهذا القول وإن كان حسنا الا انه كلام مجمل يحتاج إلى تفصيل لان هذا الاتحاد من اي ضروب الاتحاد فان الاتحاد قد يكون بين الجسمين وذلك بالامتزاج والاختلاط وليس ذلك يتصور في حق النفوس ثم لو فرض وقوع الاتصال بين بدني العاشق والمعشوق في حاله الغفلة والذهول أو النوم فعلم يقينا ان بذلك لم يحصل المقصود لان العشق كما مر من صفات النفوس لا من صفات الاجرام بل الذي يتصور ويصح من معنى الاتحاد هو الذي بيناه في مباحث العقل والمعقول من اتحاد النفس العاقلة بصوره العقل بالفعل واتحاد النفس الحساسة بصوره المحسوس بالفعل فعلى هذا المعنى يصح صيرورة النفس العاشقة لشخص متحده بصوره معشوقها وذلك بعد تكرر المشاهدات وتوارد الانظار وشده الفكر والذكر في اشكاله وشمائله حتى يصير متمثلا صورته حاضره متدرعة في ذات العاشق وهذا مما أوضحنا سبيله وحققنا طريقه بحيث لم يبق لاحد من الأزكياء مجال الانكار فيه . وقد وقع في حكايات العشاق ما يدل على ذلك كما روى أن مجنون العامري كان في بعض الاحانين مستغرقا في العشق بحيث جاءت حبيبته ونادته يا مجنون انا ليلى فما التفت إليها وقال لي عنك غنى بعشقك فان العشق بالحقيقة هو الصورة الحاصلة وهي المعشوقة بالذات لا الأمر الخارجي وهو ذو الصورة لا بالعرض كما أن المعلوم بالذات هو نفس الصورة العلمية لا ما خرج عن التصور وإذا تبين وصح اتحاد العاقل بصوره المعقول واتحاد الجوهر الحاس بصوره المحسوس كل ذلك عند الاستحضار الشديد والمشاهدة القوية كما سبق فقد صح اتحاد نفس العاشق بصوره معشوقه بحيث لم يفتقر بعد ذلك إلى حضور جسمه والاستفادة من شخصه كما قال شاعر انا من أهوى ومن أهوى انا * نحن روحان حللنا بدنا فإذا أبصرتني أبصرته * وإذا أبصرته أبصرتنا ثم لا يخفى ان الاتحاد بين الشيئين لا يتصور الا كما حققنا وذلك من خاصية الأمور الروحانية والأحوال النفسانية واما الأجسام والجسمانيات فلا يمكن فيها الاتحاد بوجه بل المجاورة والممازجة والمماسة لا غير بل التحقيق ان لا يوجد وصال في هذا العالم ولا يصل ذات إلى ذات في هذه النشأة ابدا وذلك من جهتين . إحديهما ان الجسم الواحد المتصل إذا حقق امره علم أنه مشوب بالغيبة والفقد لان كل جزء منه مفقود عن صاحبه مفارق عنه فهذا الاتصال بين اجزائه عين الانفصال الا انه لما لم يدخل بين تلك الأجزاء جسم مبائن ولا فضاء خال ولا حدث سطح في خلالها قيل إنها متصله واحده وليست وحدتها وحده خالصه عن الكثرة فإذا كان حال الجسم في حد ذاته كذلك من عدم الحضور والوحدة فكيف يتحد به شئ آخر أو يقع الوصال بينه وبين شئ . والأخرى انه مع قطع النظر عما ذكرنا لا يمكن الوصلة بين الجسمين الا بنحو تلاقى السطحين منهما والسطح خارج عن حقيقة الجسم وذاته فاذن لا يمكن وصول شئ من المحب إلى ذات الجسم الذي للمعشوق لان ذلك الشئ اما نفسه أو جسمه أو عرض من عوارض نفسه أو بدنه والثالث محال لاستحالة انتقال العرض وكذا الثاني لاستحالة التداخل بين الجسمين والتلاقي بالأطراف والنهايات لا يشفى عليلا طالب الوصال ولا يروى غليله واما الأول فهو أيضا محال لان نفسا من النفوس لو فرض اتصالها في ذاتها ببدن لكانت نفسا لها فيلزم حينئذ ان يصير بدن واحد ذا نفسين وهو ممتنع ولاجل ذلك  ان العاشق إذا اتفق له ما كانت غاية متمناه وهو الدنو من معشوقه والحضور في مجلس صحبته معه فإذا حصل له هذا المتمنى يدعى فوق ذلك وهو تمنى الخلوة والمصاحبة معه من غير حضور أحد فإذا سهل ذلك وخلى المجلس عن الاغيار تمنى المعانقة والتقبيل فان تيسر ذلك تمنى الدخول في لحاف واحد والالتزام بجميع الجوارح أكثر ما ينبغي ومع ذلك كله الشوق بحاله وحرقه النفس كما كانت بل ازداد الشوق والاضطراب كما قال قائلهم . أعانقها والنفس بعد مشوقة * إليها وهل بعد العناق تداني والثم فاهاكى تزول حرارتي * فيزداد ما القى من الهيجان كان فؤادي ليس يشفى غليله * سوى ان يرى الروحان يتحدان والسبب اللمي في ذلك ان المحبوب في الحقيقة ليس هو العظم ولا اللحم ولا شئ من البدن بل ولا يوجد في عالم الأجسام ما تشتاقه النفس وتهواه بل صورة روحانية موجوده في غير هذا العالم"[267].

واراد الشيخ محمد رضا المظفر (صاحب كتاب عقائد الامامية) وهو من علماء الحكمة المتعالية ، الدفاع عن موقف ملا صدرا من عشق الغلمان ، فزاد الطين بلّة ! فنجده يقول واصفاً ملا صدرا: "فمن مميّزات هذا الرجل العظيم زيادة على سمو تفكيره وحرية رأيه وصراحته فيتسجيل أفكاره ، واعتداده بعقله ، وإنْ خالف رأيه جميع الناس" الى ان يقول:"ومن المباحث التي ظهرت فيها شجاعته الأدبية المسألة التي ذكرها في السفر الثالث تحت عنوان (عشق الظرفاء والفتيان للأوجه الحسان) ، ويعني بعشق الظرفاء الحب العفيف للملاح من الغلمان خاصة ، فذهب الى وجوده وأنه ممدوح بل لازم لمن اراد السلوك الى الله تعالى واستعمل في هذه المسألة البيان الواضح الأخاذ ، وآراؤه الجريئة فيها تعد من المآخذات عليه عند الناس". ثم يقول: "إنَّ هذا العشق اعني الالتذاذ الشديد بحسن الصورة الجميلة والحب المفرط لمن وجدت فيه الشمائل اللطيفة وتناسب الاعضاء وجودة التركيب لا ينبغي الشك بحسنه وأنه ممدوح ، ويدل على ذلك النظر الدقيق وملاحظة الامور عن أسبابها الكلية ومباديها العالية ، وغاياتها الحكمية ، ولا نصغي الى من يقول انه رذيلة ، فيذمه ويذكر مساويه إذ يجعله من فعل البطالين والعاطلين ، لأنّا نجده موجوداً على نحو وجود الامور الطبيعية في نفوس أكثر الامم من غير تكلّف وتصنّع ، فهو لا محالة من جملة الأوضاع الإلهية التي يترتب عليها المصالح والحكم ، فلا بد أن يكون مستحسناً ممدوحاً"[268]. ثم يصفه بأنه "ممدوح شرعاً لكن اثباته من طريق عقلي لا من طريق الادلّة اللفظية"[269] ، معللاً ذلك بـــ "أنه موجود على نحو وجود الأمور الطبيعية في نفوس أكثر الأمم من غير تصنّع ! هذا هو طريقنا إلى إثبات أنه ممدوح شرعاً ، لأنّا نعلم أن الله تعالى لا يخلق شيئاً في جبلة النفوس إلا لحكمة جليلة وغاية صحيحة ، والعشق لا شك أنه مما جبل عليه الإنسان الرقيق القلب اللطيف الطبع وموجود في نفسه كسائر الأمور الطبيعية ، لا من العادات التي تكتسب اكتساباً لوجوده في نفوس الأكثر ، فيكون من الأمور المستحسنة المحمودة عند الله التي تترتب عليها مصلحة عامة للبشر"[270]... "نحن لم نجد احداً ممن له قلب رقيق وطبع لطيف وذهن صاف ونفس رحيمة خالية عن هذا العشق في أوقات عمره ، بينما نجد سائر النفوس الغليظة والقلوب القاسية والطبايع الجافة من بعض الأمم خالية عن هذا النوع من الحب ، وإنما أقتصر أكثرهم على محبة الرجال للنساء والنساء للرجال طلباً لإشباع الشهوة الجنسية كما في طباع سائر الحيوانات المرتكزة فيها هذه الشهوة. ومن هنا يأتي الافتراق بين العشق وبين ما قست عليه من الصفات الذميمة فإنها تختلف معه في المبادىء ثم الغايات ، لأن مبادىء هذه الصفات مبادىء شيطانية لأجل غايات دنيئة ، إذ أن مثل الحسد والغضب مبدؤه حب النفس والكبرياء والجبروت وغلظة القلب وقساوته الذي لا يحب الخير لغيره ، وغايته العدوان على الغير وظلمه وسلب نعمته من مال أو منزلة واحترام وعز وحو ذلك. أما العشق فهو يقع من مبادىء فاضلة لأجل غايات شريفة وهذايحتاج الى شرح أما المبادىء فلأنا نجد أكثر نفوس الأمم التي لها تعليم العلوم والصنايع والآداب والرياضات مثل أهل فارس والعراق والشام والروم وكل قوم فيهم العلوم الدقيقة والصنايع اللطيفة والآداب الحسنة غير خالية عن هذا العشق اللطيف الذي منشأه استحسان شمائل المحبوب ، فهو منبعث كما قلنا آنفاً عن القلب الرقيق والطبع اللطيف والذهن الصافي والنفس الرحيمة. وأما الغاية منه ، فلما يترتب عليه من تأديب الغلمان وتربية الصبيان وتهذيبهم وتعليمهم العلوم الجزئية والصنايع الدقيقة والآداب الحميدة والأشعار اللطيفة الموزونة والنغمات الطيبة والقصص والأخبار والحكايات الغريبة والأحاديث المروية ن الى غير ذلك من الكمالات النفسانية ، فإن الاطفال والصبيان إذا استغنوا عن تربية الآباء والأمهات فهم بعد محتاجون الى تعليم الأساتذة والمعلمين وحسن توجههم والتفاتهم إليهم بنظر الاشفاق والتعطّف. فمن أجل ذلك أوجدت العناية الإلهية في نفوس الرجال البالغين رغبة في الصبيان وتعشقاً ومحبة للغلمان الحسان الوجوه ، ليكون ذلك داعياً إلى تأديبهم وتهذيبهم وتكميل نفوسهم الناقصة ، وإلا لما خلق الله تعالى هذه الرغبة والمحبة في أكثر الظرفاء والعلماء عبثاً وهباءً. ونحن نشاهد ترتب هذه الغايات التي ذكرناها فلا محالة بكون وجود هذا العشق في الانسان معدوداً من جملة الفضائل والمحسنات، لا من جملة الرذائل والسيئات"[271].

ومن خلال ما ذكره الشيخ المظفر وجدنا العديد من الاثارات نتطرق لذكر بعضها:

ـ لو كان منطلق ملا صدرا عشق الجمال فلماذا اقتصر على جمال وجه الغلمان بدون دوافع جنسية فلِمَ لم يتحدث عن عشق الفتيات الصغيرات غير البالغات ؟! الا يُتَصور أنَّ قصر الامر على الغلمان من وراءه دوافع شذوذ تحرف الامر باتجاه الغلمان !!

ـ قرن بين عشق الغلمان وبين وجود العلوم الدقيقة والصنايع اللطيفة والآداب الحسنة والرياضات في الامم مثا اهل فارس والعراق وغيرهم ، فما هي العلاقة بين تلك العلوم الدقيقة التي قد يقصد بها الفلسفة والتصوّف الغنوصي بدليل ذكره الرياضات ايضاً ؟ ألا يكشف ذلك على ان الغنوصية في مختلف الامم كانت غالباً مرتبطة بعشق الغلمان ؟!!

ـ الامم التي يستشهد الشيخ المظفر بها كالفرس والهند والاغريق وغيرهم ، الم يكن اللواط وزنى المحارم وغيرها من المنكرات شائعاً فيها ومقبولا فيها ، فكيف يستشهد بفعل تلك الامم لتصحيح قباحة عشق الغلمان !؟

ـ ان استقراءه لفعل الامم الأخرى هو استقراء ناقص ، فكيف يصبح حُجةً ؟!  

ـ ان المبررات التي ذكرها ملا صدرا قد تفتح الباب ليس فقط لعشق الغلمان بل يمكن ان تمتد تحت نفس الذرائع الى اعلان عشق البنات والنساء عموماً فالمبرر نفسه موجود في الجميع ! اما الحكم الشرعي بغض البصر وحرمة النظر فيمكن تاويله والالتفاف عليه كما برروا صحة عشق الغلمان !

ـ ان ملا صدرا اذا كان يقصد العشق غير الجنسي فإن من يتلقى عنه لا يمكن ان يضع لنفسه الامارة بالسوء حداً بين العشق الجنسي واللاجنسي ، ومع توفر العوامل الحياتية والنفسية كالخلوة والقرب والنزوة والغفلة وغيرها يمكن ان تنشط كل هذه المخاوف لتصبح واقعاً مؤلماً. فعلى اقل اقل اقل تقدير ربما يكون هذا العشق محرّماً من باب سد الذرائع.

ـ قوله: (نحن لم نجد احداً ممن له قلب رقيق وطبع لطيف وذهن صاف ونفس رحيمة خالية عن هذا العشق في أوقات عمره). وحاشا الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) ان ينسب هذا اليهم، وإلا كان في كلامه تجاوز عليهم.

ـ قوله : (وأما الغاية منه ، فلما يترتب عليه من تأديب الغلمان وتربية الصبيان وتهذيبهم وتعليمهم العلوم الجزئية والصنايع الدقيقة والآداب الحميدة والأشعار اللطيفة الموزونة) الخ ... فما ذنب الصبيان غير حِسان الوجوه ؟ أنتركهم في الجهل وعدم تعلم الصناعات والفقر؟

 

ولم ينفرد ملا صدرا بقباحة عشق الغلمان بل الظاهر انه اثّر بها على آخرين ، فقد مرّ علينا آنفاً في بحثنا هذا الاشارة الى سرمد الكاشي الذي كان من تلاميذ كل من المير الفندرسكي وملا صدرا ، والذي استولى عليه غرام ولد اسمه ابهي چند بن راجه من الهنود[272] !

هل هي حكمة متعالية ام حكمة تعشق الغلمان الحسان والالتذاذ الشديد والحب المفرط على حد تعبير الشيخ المظفر !!

وللإنصاف فإنه ليس جميع اهل الحكمة المتعالية يقبلون بقباحة عشق الغلمان او يتعقلونها ، فعلى سبيل المثال نجد ان الحكيم السبزواري (متوفى 1289هـ)في حاشيته على الاسفار اعترف بأنه ممنوع منه شرعاً[273].

والأكثر قبحا من افكار ملا صدرا ومحاولته تشريعها دينياً ، هو كلام البعض الذين يحاولون الدفاع عن ملا صدرا ويبررون موقفه ويغطون عليه بمعسول كلامهم وتاويل واضحات كلامه ! انهم يصطفون الى جانب ملا صدرا في الترويج للرذيلة وتشريعها دينياً !!

فربما يمكن تبرير بنحو أو آخر المنحى الفلسفي او العرفاني الذي ينتهجه ومحاولته تغيير ملامح الدين تبعاً لهما ، لكن ان يتم تبرير تعشقه بالغلمان على هذا النحو الفاضح والصريح فهذا من عجائب دهرنا !!

ونتحدى اي رجل دين من اتباع الحكمة المتعالية ان يصعد منبراً عاماً ويقرأ كلام ملا صدرا عن عشق الغلمان ويرى رد فعل المسلمين تجاهه وكيف سيرفضونه ويلفظونه من واقعهم.

والسؤال الاهم هو: كيف سيكون وجه الاسلام والعالم لو ساد فكر ملا صدرا فيه ؟ وهل سيكون تشريع زواج المثليين في الدول الاسلامية مباحاً ام لا؟!

 

نسف علم السند:

قال العلامة الحاج الميرزا أبو الحسن الشعراني في إحدى حواشيه في تحقيقه لشرح أصول الكافي للشيخ المازندراني بعدما ترجم أحد رجال أحد الأسانيد: ((ولم يكن دأبي في هذه التآليف التعرض لأحوال الرجال لأن أمثال هذه المباحث غنية عن ذكرالأسانيد وإنما الاعتماد فيها على المعنى فما وافق أصول المذهب ودليل العقل فهو صحيح وإن ضعف إسناده وما خالف أحدهما كان ضعيفا وإن صح بحسب الإسناد ولذلك نرى أكثر أحاديث الأصول ضعافا وهو من أهم كتب الشيعة وأصحها معنى وأوفقها لأصول المذهب))[274]

ويكاد يكون اعتماد مدرسة الحكمة المتعالية على الاحاديث الضعيفة احدى سماتها ! إذ بدون تلك الاحاديث الضعيفة لا يجدون مستنداً يدعم ظنونهم العرفانية والفلسفية !! والاحاديث الضعيفة ينتشر الاعتماد عليها والاستشهاد بها في مؤلفات اتباع تلك المدرسة ، فنجد السيد الخميني يستند في كتابه (مصباح الهداية الى الخلافة والولاية) الى حديث ليس له اصل فقال: (بلسان احد الائمة: لنا مع الله حالات هو هو ونحن نحن وهو نحن ونحن هو)[275] !! وهذا الحديث اضافة الى جهالة سنده ومصدره فهو مرفوض عقائدياً كما هو واضح ولكن مدرسة الفلسفة والعرفان تختلق الاحاديث ثم تضع لها تفسيراً باطنياً !!

وفيما يلي مجموعة من الاحاديث الموضوعة والضعيفة انتخبنا بعضها من كتاب (الاسفار عن نصوص الاسفار) للشيخ حيدر الوكيل والذي تتبع فيه جميع الاحاديث الواردة في كتاب الاسفار لملا صدرا ، ونورد البعض من مصادر اخرى ، وكالتالي:

ـ "استتر بشعاع نوره عن نواظر خلقه" ، غير موجود مسنداً في اي من كتب الحديث المعتبرة[276].

ـ "تخلقوا باخلاق الله" ، لم نجده في مصادر الحديث ، وذكره العلامة المجلسي في البحار مرسلاً[277].

ـ "رحم الله امرأ اعد لنفسه واستعد لرمسه وعلم من اين وفي اين والى اين" ، لم نجده في مصادر الحديث المتاحة[278].

ـ "ما رأيت شيئاً الا ورأيت الله قبله" ، غير موجود في كتب الحديث ، وارسله المازندراني بدون سند في شرحه للكافي[279].

ـ "انا افصح الناس بيد اني من قريش" ، عامي لا اصل له[280].

ـ "كنت كنزا مخفياً فأحببت أن اُعرَف فخلقت الخلق لكي اُعرَف"، عامي موضوع[281]. وقال الشيخ علي النمازي الشاهرودي: (والحديث المعروف: كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف الخ ، من الموضوعات ، كما في إحقاق الحق)[282]. وقال السيد المرعشي في شرحه لإحقاق الحق: (فمن العجب إنَّه شرح هذه الجملة بعض العلماء زعماً منه أنه خبر مروي عنه (ص) وعليك بالتثبت والتحري)[283].

وعند أهل السنة: قال العجلوني في (كشف الخفاء): (والمشهور على الألسنة كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت خلقاً فبي عرفوني. وهو واقع كثيراً في كلام الصوفية ، واعتمدوه وبنوا عليه أصولاً لهم)[284].

واول من اورد هذا الحديث من علماء الشيعة هو المحقق الكركي (رض) (متوفى 940هـ) حيث ورد في رسائله[285] تحت عنوان (اثنتا عشرة مسألة): (المسألة الثانية عشرة: في اثبات الغرض في أفعال الله تعالى). ومن المعلوم ان المحقق الكركي (رض) قد درس عند علماء المذاهب السنية الاربعة في مصر في فترة من حياته وسمع في دمشق معظم مسند الشافعي وصحيح مسلم ، ولعل هذا هو سبب تسامحه في ايراد مثل هذا الحديث ، ويضاف الى ذلك انه عاصر بداية ظهور الدولة الصفوية الصوفية وقوة شوكة التصوّف في التشيّع فيها وفي تلك الفترة التاريخية. فالظاهر ان تلك الاجواء مجتمعةً قد القت بظلالها.

ـ "لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل" ، مرسل في البحار[286] بدون ذكر المصدر.

ـ "ان قلب المؤمن اعظم من العرش" ، مرسل في عوالي اللئالي لأبن ابي جمهور الاحسائي[287].

ـ "العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء"[288] ، مذكور في مصباح الشريعة الذي ناقشناه في بحثنا هذا آنفاً وبيّنا بطلان نسبته الى الامام الصادق (عليه السلام) وانه من تأليف شقيق البلخي احد كبار الصوفية. وكذلك هو مذكور في الدر المنثور وفيه انه من كلام الصحابي مالك بن أنس[289].

ـ "أ لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك عميت عين لا تراك"[290] ، قال العلامة المجلسي: "أقول : قد أورد الكفعمي - ره - أيضا هذا الدعاء في البلد الأمين وابن طاوس في مصباح الزائر كما سبق ذكرهما ، ولكن ليس في آخره فيهما بقدر ورق تقريبا وهو من قوله " إلهي أنا الفقير في غناي " إلى آخر هذا الدعاء ، وكذا لم يوجد هذه الورقة في بعض النسخ العتيقة من الاقبال أيضا ، وعبارات هذه الورقة لا تلائم سياق أدعية السادة المعصومين أيضا وإنما هي على وفق مذاق الصوفية ، و لذلك قد مال بعض الأفاضل إلى كون هذه الورقة من مزبدات بعض مشايخ الصوفية ومن إلحاقاته وإدخالاته . وبالجملة هذه الزيادة إما وقعت من بعضهم ، أولا في بعض الكتب ، وأخذ ابن طاووس عنه في الاقبال غفلة عن حقيقة الحال ، أو وقعت ثانيا من بعضهم في نفس كتاب الاقبال ، ولعل الثاني أظهر على ما أومأنا إليه من عدم وجدانها في بعض النسخ العتيقة ، وفي مصباح الزائر ، والله أعلم بحقايق الأحوال"[291].

ـ "اول ما خلق الله نوري" ، مرسل في عوالي اللئالي وعنه في البحار[292].

ـ "لا يسعني ارضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن" ، مرسل في عوالي اللئالي لابن ابي جمهور الاحسائي[293] (متوفى838هـ) ، وكذلك ورد الحديث مرسلاً في تفسير ابن عربي (متوفى 638هـ). وايضاً ذكره القونوي (توفي 751هـ) مرسلاً في شرحه لفصوص الحكم بزيادة (التقي النقي)[294]. وذكره التفني في تذكرة الموضوعات وقال في فيض القدير لا اصل له[295]. وذكره الشيخ علي القاري (توفي 1014هـ) في مرقاة المفاتيح وقال: (ذكره الدارمي)[296].

ـ " اول ما خلق الله نور نبيك يا جابر" ، قال حيدر حب الله: "يبدو أنّ المصدر الرئيس لهذا الحديث عند الإماميّة هو كتاب رياض الجنان لفضل الله بن محمود الفارسي، وهو الذي نقل عنه العلامة المجلسي هذا الحديث، واشتهر من بعده. وقد ذكر العلامة آغا بزرك الطهراني (في كتاب الذريعة 11: 321 ـ 322) أنّ كتاب رياض الجنان هو كتاب يشتمل على أخبار غريبة في المناقب، وهو غير مطبوع إلى الآن، وكان من مصادر البحار كما ذكر العلامة المجلسي نفسه في مقدّمات بحار الأنوار، وأما مؤلّفه فكان معاصراً للشيخ الطوسي، وكان من تلامذة أبي عبد الله جعفر بن محمد بن أحمد الدوريستي الذي كان حيّاً قبل سنة 360هـ. ويقول السيد محسن الأمين العاملي في ترجمته: (فقيه حديث يروي عن أبي عبد الله جعفر بن محمد بن أحمد بن العباس بن محمد العبسي الدوريستي، له كتاب رياض الجنان في الأخبار، ذكر كتابه المجلسي في البحار وسمّاه رياض الأخبار، وقال: مشتمل على أخبار غريبة في المناقب، وأخرجنا منه ما وافق أخبار الكتب الأربعة، وعن صاحب رياض العلماء أنه يظهر من بعض أسانيده أنّه كان تلميذ الشيخ أبي عبد الله جعفر بن محمد بن أحمد الدوريستي) (أعيان الشيعة 8: 408). أمّا عند أهل السنّة، فقد نقل عن كتاب المصنّف لعبد الرزاق الصنعاني، بالسند إلى جابر بن عبد الله الأنصاري، ونقل الحديث القندوزي في ينابيع المودّة عن ابن الصلاح الحلبي صاحب كتاب أبكار الأفكار. وقد صنّف العلامة المعاصر حسن بن علي السقاف كتاباً حمل عنوان (إرشاد العاثر إلى وضع حديث أول ما خلق الله نوّر نبيّك يا جابر)، يقول السقاف في صحيح شرح العقيدة الطحاويّة: (وكذلك حديث "أوّل ما خلق الله نور نبيك يا جابر" حديث موضوع مكذوب، ليس له إسناد عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا هو في شيء من كتب السنّة التي تروى فيها الأحاديث بأسانيدها، ومحاولة ادّعاء بعض الناس بأنّ له إسناداً في جزءٍ مفقود من "مصنّف عبد الرزاق" تعصّب لا قيمة له في الموازين العلميّة، فتنبّهوا لذلك!!) (صحيح شرح العقيدة الطحاويّة: 432، هامش 219). ولم أعثر على نصّ الحديث في مصنّف عبد الرزاق، ويبدو أنّ المصدر الأساس الذي نقل لنا هذا الحديث عن عبد الرزاق الصنعاني هو العجلوني (1162هـ) في كتاب كشف الخفاء حيث قال: (أوّل ما خلق الله نور نبيك يا جابر ـ الحديث. رواه عبد الرزاق بسنده عن جابر بن عبد الله بلفظ: قال: قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أخبرني عن أوّل شيء خلقه الله قبل الأشياء. قال: يا جابر، إنّ الله تعالى خلق قبل الأشياء نور نبيّك من نوره، فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله، ولم يكن في ذلك الوقت لوحٌ ولا قلم ولا جنة ولا نار ولا ملك ولا سماء ولا أرض ولا شمس ولا قمر ولا...) (كشف الخفاء 1: 265).

وبناءً عليه، فلمّا لم يعرف مصدر هذا الحديث، ومن أين حصل عليه عبد الرزاق الصنعاني لو ثبت أنّه أورده في كتبه، وكذلك من أين حصل عليه فضل الله الفارسي لو ثبت في كتابه وأحرزنا وثاقة الفارسي نفسه؛ لأنّني لم أعثر له على ترجمة في مصادر الرجال القديمة، فيكون هذا الحديث ضعيف الإسناد، فضلاً عن عدم وجوده بهذا النصّ في كتب الحديث والتاريخ الأساسيّة من الكتب الأربعة وكتب الصدوق والطوسي والمرتضى الشيعية، وكذلك الكتب التسعة الحديثية عند أهل السنّة، وغيرها من المصادر، نعم بمضمون هذا الحديث توجد نصوص أخر ينبغي متابعتها قبل الاستعجال بردّ مضمون هذا الحديث، لكنّ هذا الحديث بعينه لم يثبت له أساس يمكن الاعتماد عليه"[297].

ـ "لنا حالات مع الله هو فيها نحن ونحن فيها هو ومع ذلك هو هو ونحن نحن" ! وهو مذكور هكذا بدون سند او مصدر !!؟ وقد ذكره بهذا اللفظ الفيض الكاشاني في الكلمات المكنونة عن الامام الصادق (عليه السلام)[298] !! والفيض الكاشاني هو اول من ذكر هذا الحديث المجهول المصدر ! وتبعه في ذلك الشيخ محمد باقر الكجوري (متوفى 1255هـ) في كتابه (الخصائص الفاطمية) بلفظ : (إنّ لنا مع الله حالات نحن هو وهو نحن مع ذلك نحن نحن وهو هو)[299] ، وملا هادي السبزواري (متوفى 1289هـ) في كتابه (شرح مثنوي) بلفظ: (لنا مع الله حالات هو نحن ونحن هو وهو هو ونحن نحن)[300] ، والمولى محمد علي بن احمد القراجه داغي التبريزي الانصاري (متوفى 1310هـ) في كتابه (اللمعة البيضاء في شرح خطبة الزهراء عليها السلام) بلفظ: (لنا مع الله حالات هو فيها نحن ونحن هو ، وهو هو ونحن نحن)[301] ، وسيد حسين البروجردي (متوفى 1340هـ) في كتابه (تفسير الصراط المستقيم) بلفظ: (وقد روي عن الصادق عليه السلام انه قال: لنا مع الله حالات نحن فيها هو وهو نحن ، وهو هو ونحن نحن)[302] ، وميرزا محمد تقي الاصفهاني (متوفى 1348هـ) في كتابه (مكيال المكارم) ولفظه: (ما روي عنهم: لنا مع الله حالات هو فيها نحن ، ونحن هو ، وهو هو ، ونحن نحن)[303]. والسيد روح الله الخميني في كتابه (شرح دعاء السحر) بلفظ: (ان لنا مع الله حالات هو نحن ونحن هو وهو هو ونحن نحن)[304] ، وكذلك في كتابه (مصباح الهداية الى الخلافة والولاية ) بلفظ: (بلسان أحد الأئمة: "لنا مع الله حالات: هو هو ونحن نحن وهو نحن نحن هو". وكلمات اهل المعرفة خصوصاً الشيخ الكبير محي الدين مشحونة بأمثال ذلك)[305]. فنفس الرواية وردت بلفظين مختلفين في كتابين للسيد الخميني ، فضلاً عن اختلاف المصادر التي ذكرناها بلفظ الحديث قليلاً !

وانتقد السيد المرعشي في إحقاق الحق اولئك الذين ذكروا هذه الرواية في كتبهم بقوله: (ورأيت بعض من كان يدعي الفضل منهم يجعل بضاعة ترويج مسلكه أمثال ما يعزي إليهم عليهم السلام: (لنا مع الله حالات فيها هو نحن ونحن هو) وما درى المسكين في العلم والتتبع والتثبت والضبط أن كتاب مصباح الشريعة وما يشبهه من الكتب المودعة فيها أمثال هذه المناكير مما لفقتها أيادي المتصوفة في الاعصار السالفة وأبقتها لنا تراثاُ)[306].

 

 

الغلوّ في مدرسة الحكمة المتعالية:

أ‌-     الغلو في مقام النبي (صلى الله عليه وآله):

وللغلوّ نصيبه في مدرسة الحكمة المتعالية ، يقول الحكيم مولى علي نوري: "والحقيقة المحمدية التي هي حقيقة حقايق الاشياء وامام ائمة الاسماء هي خليفة الله تعالى في جميع صفاته الربوبية واسمائه الالهية التي كل منها لمرتبة من مراتب ربوبيته وإلهيته تعالى. والمرتبة الجامعة لجوامع مراتب الربوبية والالوهية هي مرتبة المحمديّة الجامعة المسماة بمرتبة (او ادنى) وهي بحسب تلك المرتبة الجامعة بل بحسب مرتبة (قاب قوسين) التي هي دون مرتبة (او ادنى) في وجه من الاعتبار تكون مطلوبة ومحبوبة ومسجودة لكل شيء من الاشياء روحانياً كان ام جسمانياً علوياً كان ام سفلياً ، فالكل يطلبها. فهي الغاية القصوى لايجاد ساير الاشياء ، كما قال تعالى قولا قدسياً: (كنت كنزاً مخفياً) الحديث ، إذ هي بحسب تلك المرتبة والمنزلة القصوى عين معرفته تعالى بعينها كما قال علي (عليه السلام): (معرفتي بالنورانية معرفة الله) الخ ، وقال (صلى الله عليه وآله) ايضاً: (لا يعرف الله الا بسبيل معرفتنا) كما قال: (لا يعبد الله الا بعبادتنا) وهذا هو محصل ما قال (عليه السلام) في المقام. هذا وبعد في زوايا خبايا لا يسع المجال اظهارها وما اظهرنا يكفي في الاشارة اليهه"[307].

ولا يخفى ان من الصفات الربوبية والاسماء الالهية التي اشير الى ان (الحقيقة المحمدية) الخليفة فيها هي (الخالق) و(الرازق) !!

وقال الحكيم مولى علي نوري معلقاً على قول ملا صدرا: "وكان نفس النبي صلى الله عليه وآله) برهاناً بالكلية" ، قال: "سرّ ذلك كون الحقيقة المحمدية حقيقة الحقايق كلّها ومحيطة بالاشياء جلّها وقلّها لا يعزب عن حيطته الوجودية واحاطته النورية العليّة مثقال ذرة في الارض ولا في السماء"[308].

وأيضاً: "فالعقل الذي يسمى بالنور المحمدي هو خليفة الله تعالى في العالم من جهة كونه مجمع جوامع تلك الصفات الإلهية لكن بالخلافة لا بالاصالة كما هو شأنه سبحانه ، فافهم"[309].

فلم يميزوا بين صفات الخلق والرزق وغيرها ولم يستثنوها ، فهم يرونها جميعها من وظائف "الحقيقة المحمدية" !!

ب‌-  الغلو في مقام امير المؤمنين (عليه السلام):

قال الحكيم مولى علي نوري معلقاً على كلام ملا صدرا قوله: (وبقاء ما عند الله في علم الله) ، قال: "وذلك كما قال تعالى: ((كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام)) فوجه الرب هو ما عند الله تعالى وفي علم الله من كل شيء ، إذ لكل شيء من الاشياء وجهان: وجه به يلي ربه الاعلى ووجه به يلي نفسه السفلى الظلمى. ومجمع جوامع تلك الوجوه الالهية الباقية عند الله بعين بقائه تعالى هو الوجه الجامع المحمدي الحائز لجوامع الوجوه الاسمائية والحقايق الالهية ، وذلك الوجه الجامع هو حقيقة الانسان الكامل المسمى بجامع الجوامع ، وهو باب ابواب الله الى الخلق وباب ابواب الخلق اليه تعالى ، فالكل مأمور بالاتيان من ذلك الباب الجامع الى الله تعالى ، وذلك الباب هو البرزخ الجامع الواسط الرابط بينه تعالى وبين ساير خلقه. وفيه سرّ الخلافة الادمية. ومن ها هنا يسمى علي (عليه السلام) بسرّ الله الممسوس في ذات الله"[310].

وقال في موضع آخر: "حق معنى الاستواء من كل شيء كما قال (عليه السلام) هو الاحاطة الوجودية ، فلو اريد من العرش قلب الانسان المحمدي وهو النفس الكلية كما قرّره رحمه الله ، وهي ذات الله العليا أي العلوية العليا فيظهر من ها هنا سرّ كون علي (عليه السلام) ممسوساً في ذات الله"[311] !!

وقال في موضع آخر: "لعل المراد من الكرسي المحيط بجميع الخلاق حتى العرش هو الكرسي المعنوي المسمى بالنفس الكلية التي هي نفس الكل ، وهو روحانية علي (عليه السلام) كما مرّ منّا الاشارة ، فالمراد من العرش حينئذ هو العرش الصوري ، ومعلوم ان الكرسي المعنوي هو مرتبة من مراتب علم الله تعالى المحيط بجميع الاشياء التي منها العرش والكرسي الصوريان"[312].

وقال وهو يتحدث عن (النبأ العظيم): "((عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ، عَنِ النَّبَأِ العَظِيمِ ، الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ)) وهو ربّانيّة علي (عليه السلام) قبلة العارفين يوم الجمعة ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ)) ((إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ)) وذلك الذكر الاكبر هو الفطرة الاولى فطرة توحيد الحق ، أي التوحيد الذي وصف الله سبحانه نفسه به كما قال: ((شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ)) وهو التوحيد الحق وحق التوحيد الذي هو حقيقة المحمدية الكاشفة عن الوحدانية الكبرى. وذلك التوحيد هو معرفة علي (عليه السلام) بالنورانية قال بحسبها: (معرفتي بالنورانية معرفة الله ومعرفة الله معرفتي بالنورانية) ، وذلك النور هو النور الذي اشرقت به السماوات والارضون كما قال عز من قائل: ((وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ)) أي لا يعرفون علياً بالنورانية. وقال: (لا يعرف الله الا بسبيل معرفتنا) وفيه قال سبحانه: ((إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ)). والحاصل المحصل انهم (عليهم السلام) هم الاول والاخر وهم النبأ الذي اخبر الله سبحانه به عن نفسه وذلك الخبر هو ذكر الله الاكبر. فأحسن التأمل والتدبر ولا تكن من الغافلين ، وقد ورد في الخبر ان النبأ العظيم هو علي امير المؤمنين وقبلة العارفين الذي معرفته بالنورانية معرفة الله ، والقبلة ها هنا هي المقام الذي يتوجه اليه الكل في العبادة الفطرية فلا تغفل"[313].

ويقول في موضع آخر عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "فهو (عليه السلام) بربانيته العامة الكاملة التامة الشاملة يكون مظهر الالوهية التامة المحيطة العامة وخليفة عن الله سبحانه في الدنيا والآخرة"[314] !!! فيعتبره عليه السلام مظهراً للالوهية حتى في الاخرة فضلاً عن الدنيا !!

فهذه الافكار التي تبثها مدرسة الحكمة المتعالية ربما هي السبب في اتجاه العديد من الشيعة لطلب الرزق والشفاء من المعصوم (عليه السلام) بطريقة لم يرد الحث عليها من قبل المعصومين (عليهم السلام). ولا ننسى ان المعصومين (عليهم السلام) احياء عند ربهم يشهد لذلك آيتان في كتاب الله العزيز هما:

·       قوله تعالى في سورة البقرة: ((وَلاَ تَقُولُوا لِمْن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ)).

·       قوله تعالى في سورة آل عمران (عليهم السلام): ((وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)).

فيكون الطلب منهم مقبول عقلاً وشرعاً بإعتبار انهم يمكنهم ان يدعوا الله سبحانه للرزق والشفاء وغيره ، لا ان يكون بيدهم الشفاء والرزق ، ومع ذلك فإن الافضل والأتم هو ما أدّبنا عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) والائمة الهداة في ادعيتهم فيما روي عنهم بالروايات المعتبرة ، ولاسيما الصحيفة السجادية زبور آل محمد (صلى الله عليه وآله) هو التوجه اليه سبحانه بالدعاء والتذرع والطلب ، ويشهد عليه قوله تعالى في سورة النساء: ((وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُـمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً)) ، والذي يؤدب المسلم على الطلب منه تعالى اعلاناً من المسلم عن عبوديته وفقره اليه عزَّ وجلَّ وتبارك وتعالى ، ولا بأس بأن يشارك اعلانه العبودية ان يطلب له المعصوم (عليه السلام) نفس ما يريده ، كما ورد في الاية الكريمة.

ويعاضد هذا الاتجاه قوله تعالى في سورة غافر: ((وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)).

وقال تعالى في سورة الكهف: ((وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)).

وقال تعالى في سورة السجدة: ((تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً)).

وفي اتجاه آخر نقرأ الرواية في كتاب الاحتجاج للطبرسي عن الامام العسكري (عليه السلام) عن الامام الرضا (عليه السلام) أنه قال: (من تجاوز بأمير المؤمنين عليه السلام العبودية فهو من المغضوب عليهم ومن الضالين). وهذه الرواية تخص ايضاً رسول الله (صلى الله عليه وآله) حيث ان امير المؤمنين (عليه السلام) هو نفسه بنص القرآن الكريم.

 

مجهولية استاذهم في العرفان:

في مدرسة الحكمة المتعالية ، وبشقيها الفلسفة والعرفان ، هناك حاجة ماسة لوجود استاذ يشرح مباني هذه المدرسة الفلسفية والعرفانية. ولا يمكن فهم مبانيها بدون وجود استاذ متمرس ومتمكن من علومها ، كما يقول ذلك علماء هذه المدرسة انفسهم.

ولكن نطالع في كتاب (رسالة لب الالباب في سير وسلوك ذوي الالباب) للسيد محمد حسين طهراني وتحت عنوان (سلسلة‌ أساتيذ المؤلّف‌ في‌ المعارف‌ الإلهيّة‌) ان سلسلة اساتذته والذين منهم السيد علي القاضي والسيد محمد حسين الطباطبائي ان سلسلته تنتهي الى شخصية مجهولة هي نسّاج لا يعرف عنه شيء كما يصرّح هو بذلك ! قال ما نصّه: "إنَّ حقيقة‌ العرفان‌ مأثورة‌ عن‌ أميرالمؤمنين‌ علیّ بن‌ أبي‌ طالب‌ علیه‌ السلام‌، والطرق‌ التي‌ نشرت‌ هذه‌ الحقيقة‌ بالتواتر تتجاوز المائة‌، بينما لا تتجاوز أُصول‌ جماعات‌ التصوّف‌، الخمس‌ وعشرين‌ مجموعة‌، وجميع‌ هذه‌ السلاسل‌ تنتهي‌ إلی‌ أميرالمؤمنين‌ علیه‌ السلام‌، ومن‌ بين‌ هذه‌ الجماعات‌ اثنتان‌ أوثلاث‌ منها من‌ الخاصّة‌ والبقيّة‌ من‌ العامّة‌، وبعض‌ هذه‌ السلاسل‌ ينتهي‌ إلی‌ معروف‌ الكرخيّ ومنه‌ إلی‌ الإمام‌ الرضا علیه‌ السلام‌، أمّا طريقتنا أي‌ طريقة‌ المرحوم‌ الملاّ حسين‌ قلي‌ فهي‌ لا تنتهي‌ إلی‌ أيّ واحد منها. وإجمال‌ المطلب‌ هو: قبل‌ أكثر من‌ مائة‌ سنة‌ كان‌ يعيش‌ في‌ شوشتر عالم‌ جليل‌ القدر، وكان‌ هذا العالم‌ مرجعاً للناس‌ في‌ القضاء والاُمور العامّة‌، ويدعي‌ السيّد علی‌ الشوشتريّ، فكان‌ كباقي‌ العلماء الاعلام‌ متصدّياً للاُمور العامّة‌ من‌ التدريس‌ والقضاء والمرجعيّة‌ الدينيّة‌. في‌ أحد الايّام‌ طرق‌ بابه‌ شخص‌ وهويقول‌ : لي‌ معك‌ حاجة‌، عندما فتح‌ السيّد بابه‌ رأي‌ نسّاجاً، فقال‌ له‌ : ماذا تريد ؟ فأجاب‌ بأنَّ الحكم‌ الفلاني‌ ـ الذي‌ حكمت‌ به‌ طبق‌ دعوي‌ الشهود بملكيّة‌ فلان‌ للملك‌ الفلاني‌ ـ غير صحيح‌، وذلك‌ الملك‌ لطفل‌ يتيم‌، وسنده‌ مدفون‌ في‌ المحلّ الفلاني‌. فما قمت‌ به‌ ليس‌ صحيحاً، وليس‌ هذا النهج‌ نهجك‌. فيجيبه‌ آية‌ الله‌ الشوشتريّ : أَوَقَعتُ في‌ خطأ ؟ فأجاب‌ النسّاج‌ : الكلام‌ هوما قلته‌، ثمّ انصرف‌. ففكّر آية‌ الله‌ السيّد الشوشتريّ طويلاً، وتساءل‌ عمّن‌ يكون‌ هذا الرجل‌ وماذا قال‌، ثمّ يقوم‌ بالتحقيق‌ ويتبيّن‌ له‌ أنَّ سند ملكيّة‌ الطفل‌ مدفون‌ في‌ ذلك‌ المكان‌، وأنَّ الشهود علی‌ ملكيّة‌ فلان‌ شهود زور. فانتابه‌ شعور بالخوف‌ وقال‌ في‌ نفسه‌ : ربّما كان‌ الكثير من‌ الاحكام‌ التي‌ أصدرتها من‌ هذا القبيل‌، فأخذه‌ الاضطراب‌ والخوف‌. وفي‌ الليلة‌ التالية‌ وفي‌ نفس‌ الوقت‌ يطرق‌ النسّاج‌ الباب‌ من‌ جديد ويقول‌ له‌ : يا سيّد؛ ليس‌ الطريق‌ ما تسير إلیه‌، وفي‌ الليلة ‌الثالثة‌ تتكرّر هذه‌ الواقعة‌ بنفس‌ الكيفيّة‌، ويقول‌ له‌ النسّاج‌ : لاتتأخّر، اجمع‌ الاثاث‌ وبع‌ البيت‌ فوراً، ثمّ اتّجه‌ إلی‌ النجف‌ الاشرف‌، وافعل‌ ما أقوله‌ لك‌، وبعد ستّة‌ أشهر كن‌ بانتظاري‌ في‌ وادي‌ السلام‌ هناك‌. فقام‌ السيّد لوقته‌ وعمل‌ بالتعاليم‌، وباع‌ البيت‌ وجمع‌ الاثاث‌ ثمّ تهيّأ للسفر إلی‌ النجف‌، وفي‌ اللحظة‌ الاُولي‌ من‌ دخوله‌ المدينة‌ الشريفة‌ يري‌ الرجل‌ ذاته‌ عند طلوع‌ الشمس‌ في‌ وادي‌ السلام‌، وكأنـّه‌ خرج‌ من‌ بطن‌ الارض‌ ليقف‌ أمامه‌ ويعطيه‌ بعض‌ التعلیمات‌ ثمّ يختفي‌. ويدخل‌ المرحوم‌ الشوشتريّ إلی‌ النجف‌ الاشرف‌ عاملاً بما يمليه‌ علیه‌ ذلك‌ النسّاج‌ ليصل‌ بعدها إلی‌ درجة‌ ومقام‌ لا يمكن‌ وصفهما رضوان‌ الله‌ تعالى‌ وسلامه‌ علیه‌. وكان‌ السيّد علی‌ّ الشوشتريّ ـ مراعاة‌ للاحترام‌ ـ يحضر دروس‌ الفقه‌ والاُصول‌ عند الشيخ‌ مرتضي‌ الانصاريّ الذي‌ كان‌ بدوره‌ يحضر دروس‌ السيّد الاُسبوعيّة‌ في‌ الاخلاق‌، وبعد وفاة‌ الشيخ‌ رحمة‌ الله‌ علیه‌ يتصدّي‌ السيّد الشوشتريّ رحمة‌ الله‌ علیه‌ لإتمام‌ الابحاث‌ التي‌ انتهي‌ إلیها الشيخ‌، ولكنَّ الاجل‌ لم‌ يمهله‌ طويلاً، فبعد ستّة‌ أشهر يلتحق‌ بالرفيق‌ الاعلی‌. خلال‌ هذه‌ المدّة‌ (الستّة‌ أشهر) يكتب‌ المرحوم‌ الشوشتريّ ورقة‌ إلی‌ أحد تلامذة‌ الشيخ‌ الانصاريّ البارزين‌، المدعوّ الملاّ حسين‌ قلي‌ الدرجزينيّ الهمدانيّ الذي‌كان‌ له‌ مع‌ السيّد علاقة‌ في‌ أيّام‌ المرحوم‌ الانصاريّ وكان‌ يستفيد من‌ دروسه‌ في‌ الاخلاق‌ والعرفان‌، وكان‌ عازماً علی‌ التدريس‌ وإتمام‌ مباحث‌ الشيخ‌ التي‌ كان‌ يحرّرها بنفسه‌، وفي‌ هذه‌ الورقة‌ يذكّره‌ بأنَّ نهجكم‌ هذا ليس‌ كاملاً، وأنـّه‌ ينبغي‌ علیكم‌ الحصول‌ علی‌ المقامات‌ العالية‌ إضافة‌ إلی‌ ذلك‌، غرضه‌ من‌ ذلك‌ التعبير، إرشاده‌ إلی‌ طريق‌ الحقّ والحقيقة‌.

وتمرّ الايّام‌ ليكون‌ المرحوم‌ الملاّ حسين‌ قلي‌ ـ الذي‌ كان‌ يستفيد قبل‌ سنوات‌ من‌ وفاة‌ العلاّمة‌ الانصاريّ من‌ محضر المرحوم‌ السيّد علیّ في‌ المعارف‌ الإلهيّة‌ ـ من‌ أعاظم‌ عصره‌ وعجائب‌ دهره‌ في‌ الاخلاق‌ ومجاهدة‌ النفس‌ وكسب‌ المعارف‌ الإلهيّة‌. وقد ربّي‌ تلامذة‌ عظاماً، أصبح‌ كلّ واحد منهم‌ آية‌ عظيمة‌ وواحداً من‌ أساطين‌ المعرفة‌ والتوحيد، ومن‌ أبرزهم‌ المرحوم‌ الحاجّ الميرزا جواد الملكيّ التبريزيّ، والمرحوم‌ السيّد أحمد الكربلائيّ الطهرانيّ، والمرحوم‌ السيّد محمّد سعيد الحبّوبي‌ّ، والمرحوم‌ الحاجّ الشيخ‌ محمّد البهاريّ.

ومن‌ طلاّب‌ مدرسة‌ السيّد أحمد الكربلائيّ الاُستاذ الاعظم‌ والعارف‌ الامثل‌ المرحوم‌ الحاجّ الميرزا علیّ القاضيّ التبريزيّ رضوان‌ الله‌ علیه[315]‌. هذه‌ هي‌ سلسلة‌ أساتذتنا التي‌ تعود إلی‌ المرحوم‌ الشوشتريّ وأخيراً إلی‌ الرجل‌ النسّاج‌. فمن‌ كان‌ هذا الإنسان‌ ؟ ومن‌ أين‌ كان‌ يحصل‌ علی‌ هذه‌ المعارف‌، وبأيّ وسيلة‌ ؟ لا نعلم‌ شيئاً من‌ ذلك‌"[316].

السؤال هو: كيف يمكن ان تنتمي مدرسة كبيرة كبراؤها هؤلاء الاساطين الى شخصية مجهولة هو نسّاج لا يُعرَف حاله ؟


 

[1] بداية الحكمة / السيد محمد حسين الطباطبائي / مع تعاليق نقدية للشيخ حيدر الوكيل – ق1 ص7 ، مقدمة التعليق.

[2] شرح الاصول من الكافي / الشيخ صدر الدين محمد بن ابراهيم الشيرازي ت1050هـ – ص707 و708.

[3] الاسرار الخفية في العلوم العقلية / العلامة الحلي (رض) – ص531.

[4] بداية الحكمة / السيد محمد حسين الطباطبائي / مع تعاليق نقدية للشيخ حيدر الوكيل – ق1 هامش التعليق ص11.

[5] بداية الحكمة / السيد محمد حسين الطباطبائي / مع تعاليق نقدية للشيخ حيدر الوكيل – ق1 هامش التعليق ص12.

[6] شرح الاصول من الكافي / الشيخ صدر الدين الشيرازي – ج3 ص838.

[7] دروس في التوحيد / الشيخ علي حمود العبادي / تقريرات ابحاث سيد كمال الحيدري  – ص353.

[8] دروس في العقيدة الاسلامية / الشيخ محمد تقي المصباح اليزدي – ص58.

[9] المصدر السابق – ص430.

[10] الرؤية الفلسفية / الشيخ ماجد الكاظمي - هامش ص74.

[11] المنطق / الشيخ محمد رضا المظفر ت1383هـ – ص120.

[12] شرح منطق المظفر / تقريراً لدروس المرجع الديني السيد كمال الحيدري / الشيخ نجاح النوينّي – ج1 ص401.

[13] الحكمة المتعالية في الاسفار العقلية الاربعة / الشيخ صدر الدين محمد الشيرازي ت1050هـ – ج2 ص393.

[14] اسرار الآيات / صدر الدين محمد بن ابراهيم الشيرازي ت1050هـ / تعليقات حكيم مولى علي نوري - ص23 و24.

[15] الميزان في تفسير القرآن / السيد محمد حسين الطباطبائي - ج19 ص53.

[16] جامع الاسرار ومنبع الانوار / سيد حيدر الآملي – ص78.

[17] جامع الاسرار ومنبع الانوار / سيد حيدر الآملي – ص78.

[18] المصدر السابق.

[19] المصدر السابق – ص78 و79.

[20] وعنه نقل ملا صدرا تقسيمه للتوحيد ، قال: (واعلم ان للتوحيد وسائر معارف الايمان اربع درجات، وهي في التمثيل كقشر الجوز، وقشر قشره ولبّه ولب لبّه. الدرجة الاولى في التوحيد أن يقول باللسان لا إله إلا الله وقلبه غافل عنه ، أو منكر له كتوحيد المنافق  والثانية أن يصدّق بمعنى اللفظ قلبه ، كما يصدّق به عموم المسلمين ، وهو اعتقاد ، وليس بعرفان، والثالثة أن يعرف ذلك بطريق الكشف بالبرهان بواسطة نور الحق وهو مقام المقرّبين، وذلك بأن يرى أشياء كثيرة ولكن يراها على كثرتها صادرة عن من الواحد القهّار. والرابعة أن لا يرى في الوجود إلا واحداً ، وهو مشاهدة الصدّيقين ، وتسميه الصوفيّة الفناء في التوحيد). انظر: شرح الاصول من الكافي / الشيخ صدر الدين محمد بن ابراهيم الشيرازي ت1050هـ – ص619.

[21] جامع الاسرار ومنبع الانوار / سيد حيدر الآملي – ص79.

[22] المصدر السابق – ص80.

[23] جامع الاسرار ومنبع الانوار / سيد حيدر الآملي – ص84- 86.

[24] نهاية الحكمة / السيد محمد حسين الطباطبائي - ج2 ص230.

[25] الرؤية الفلسفية / الشيخ ماجد الكاظمي - ص54.

[26] الرؤية الفلسفية / الشيخ ماجد الكاظمي - ص73 و74.

[27] عضو «جماعة المدرّسين»، وأستاذ بارز للفلسفة الإسلامية، ناشط في مجال البحث الفلسفي بالتعاون مع مؤسسة الإمام الخميني التي يشرف عليها الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي.

[28] موقع مجلة نصوص معاصرة الالكتروني ، مقال بعنوان (الحوزة العلمية والعلوم العقلية) ، حوار مع: الشيخ غلام رضا الفياضي ، ترجمة علي آل دهر الجزائري ، منشور بتاريخ 30 يوليو 2015. صادر عن مركز البحوث المعاصرة في بيروت.

[29] الخلاصة الفلسفية / السيد علي حسن مطر الهاشمي – ص233 و234.

[30] الكافي - كتاب التوحيد – باب إطلاق القول بأنّه شيء - الحديث الاول.

[31] الرؤية الفلسفية / الشيخ ماجد الكاظمي - ص56.

[32] بداية الحكمة / السيد محمد حسين الطباطبائي - ص14.

[33] بداية الحكمة / السيد محمد حسين الطباطبائي / مع تعاليق نقدية للشيخ حيدر الوكيل – ق1 هامش التعليق ص20.

[34] كشف المراد شرح تجريد الاعتقاد / العلامة الحسن بن يوسف أبن المطهّر الحلي (رض) ت 726هـ – ص4.

[35] المصدر السابق – ص4.

[36] كشف المراد شرح تجريد الاعتقاد / العلامة الحسن بن يوسف أبن المطهّر الحلي (رض) ت 726هـ – ص5.

[37] دروس صوتية لفضيلة الشيخ حيدر الوكيل في تعليقه على كتاب بداية الحكمة للسيد محمد حسين الطباطبائي – الدرس8.

[38] بداية الحكمة / السيد محمد حسين الطباطبائي / مع تعاليق نقدية للشيخ حيدر الوكيل – ق1 هامش النعليق ص15.

[39] الرؤية الفلسفية / الشيخ ماجد الكاظمي - ص72 و73.

[40] دروس صوتية لفضيلة الشيخ حيدر الوكيل في تعليقه على كتاب بداية الحكمة للسيد محمد حسين الطباطبائي – الدرس8.

[41] بداية الحكمة / السيد محمد حسين الطباطبائي - ص15.

[42] دروس صوتية لفضيلة الشيخ حيدر الوكيل في تعليقه على كتاب بداية الحكمة للسيد محمد حسين الطباطبائي – الدرس8.

[43] دروس في الحكمة المتعالية / السيد كمال الحيدري – ج1 ص189.

[44] بداية الحكمة / السيد محمد حسين الطباطبائي / مع تعاليق نقديّة للشيخ حيدر الوكيل – ق1 هامش ص21.

[45] المصدر السابق.

[46] المصدر السابق.

[47] بداية الحكمة / السيد محمد حسين الطباطبائي - ص17.

[48] ابداعات صدر الدين الشيرازي الفلسفية ، النفس نموذجاً / صادق المسلم – ص60 و61.

[49] الرؤية الفلسفية / الشيخ ماجد الكاظمي - ص59.

[50]  بحث (تعارض الأدلة (224) ) في 11 رجب 1435هـ / منشور في الموقع الرسمي الالكتروني لمكتب سيد كمال الحيدري.

[51] التشكيك في مصطلح المناطقة هو: عدم تساوي صدق المفهوم الكلّي على افراده. انظر: الخلاصة الفلسفية / علي حسن مطر – ص199.

[52] بداية الحكمة / السيد محمد حسين الطباطبائي - ص17.

[53] المصدر السابق - ص19.

[54] المصدر السابق - ص19.

[55] المصدر السابق - ص12.

[56] الرؤية الفلسفية / الشيخ ماجد الكاظمي - ص49 و50.

[57] من حوار شخصي مع فضيلة الشيخ حيدر الوكيل.

[58] الهامش السابق.

[59] الاصول من الكافي / الشيخ محمد بن يعقوب الكليني (رض) - كتاب التوحيد ، باب النهي عن الكلام في الكيفية ، ج1 ص94.

[60] المصدر السابق.

[61] [61] البراهين القاطعة في شرح تجريد العقائد الساطعة / الشيخ محمد جعفر الاسترآبادي المعروف بشريعتمدار - ج2 ص342.

[62] الرؤية الفلسفية / الشيخ ماجد الكاظمي - ص75.

[63] الاسرار الخفية في العلوم العقلية / العلامة الحلي (رض) - ص520.

[64] المصدر السابق - ص523.

[65] بداية الحكمة / السيد محمد حسين الطباطبائي / مع تعاليق نقديّة للشيخ حيدر الوكيل – ق1 هامش ص15.

[66] الرواشح السماوية / المحقق الميرداماد - ص44.

[67] خلاصة علم الكلام / الشيخ عبد الهادي الفضلي – ص82.

[68] الاصول من الكافي / الشيخ محمد بن يعقوب الكليني (رض) - ج1 ص84 ، كتاب التوحيد.

[69] المصدر السابق - ج1 ص553.

[70] مرآة العقول في شرح اخبار آل الرسول (صلى الله عليه وآله) / العلامة محمد باقر المجلسي (طاب ثراه) - ج1 ص24.

[71] شرح الاصول من الكافي / الشيخ صدر الدين محمد بن ابراهيم الشيرازي ت1050هـ – ص610.

[72] قواعد المرام في علم الكلام / ابن ميثم البحراني ت679هـ - ص68.

[73] شرح اصول الكافي / الشيخ مولى محمد صالح المازندراني / تعليقات الميرزا ابو الحسن الشعراني– ج3 ص76.

[74] المصدر السابق – ج3 ص75.

[75] ابو الحسن الاشعري (260- 324)هـ ، اليه ينتمي المذهب العقائدي الاشعري عند اهل السنة.

[76] كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد / العلامة الحلي (رض) / تحقيق وتعليق الشيخ حسن حسن زادة آملي - ص35.

[77] شرح المشاعر / الشيخ احمد الاحسائي – ج2 ص280 و281.

[78] روضة الواعظين / الشهيد الفتال النيسابوري ت508هـ - ص37.

[79] بحسب ما تفضّل به فضيلة الشيخ حيدر الوكيل في حوار شخصي معه.

[80] مقال بعنوان (وحدة الوجود في مدرستي: الفلسفة والعرفان) ، د. يحيى كبير ، منشور في موقع نصوص معاصرة الالكتروني بتاريخ (23 سبتمبر 2014).

[81] الفردوس الاعلى / الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء ت1373هـ – ص(207- 214).

[82] رسائل الشريف المرتضى / الشريف المرتضى (رض) ت436هـ – ص221.

[83] فصوص الحكم / ابن عربي / تعليق ابو العلا عفيفي – ج2 التعليقات ، ص185.

[84] كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد / العلامة الحلي (قدس سره) ت726هـ / تحقيق الشيخ حسن زاده آملي - هامش ص268.

[85] فصوص الحكم / ابن عربي / تعليق ابو العلا عفيفي – ج2 التعليقات ، ص179.

[86] الواحد لا يصدر عنه الا واحد، تحليل ونقد / الشيخ حميد رمح الحلي – ص9.

[87] المصدر السابق.

[88] مقال بعنوان (النظر في  الأسس التي قامت عليها مدرسة الأفلاطونية المحدثة) بقلم أ.د/ محمود محمد حسين علي ، قسم الدعوة وأصول الدين ، كلية العلوم الإسلامية – جامعة المدينة العالمية  ، شاه علم – ماليزيا.

[89] المصدر السابق.

[90] خلاصة علم الكلام / الشيخ عبد الهادي الفضلي – ص84.

[91] الفتوحات المكية / ابن عربي – ج1 ص94.

[92] يحيى محمد ، مفكر اسلامي من مواليد 1959م في العراق. صدر له العديد من الكتب والدراسات الفكرية، ابرزها: مدخل الى فهم الاسلام، نقد العقل العربي في الميزان، الاجتهاد والتقليد والاتباع والنظر، القطيعة بين المثقف والفقيه، جدلية الخطاب والواقع، فهم الدين والواقع، الفلسفة والعرفان والاشكاليات الدينية، العقل والبيان والاشكاليات الدينية، الاستقراء والمنطق الذاتي، مشكلة الحديث، منطق فهم النص.

[93] الفلسفة والعرفان والاشكاليات الدينية / يحيى محمد – ص107.

[94] سنتطرق إنْ شاء الله تعالى الى فكرة ابن عربي عن التثليث في بحثنا هذا بعد قليل في فقرة: (التأثير المسيحي على فكر ابن عربي).

[95] الفلسفة والعرفان والاشكاليات الدينية / يحيى محمد – ص112.

[96] الفلسفة والعرفان والاشكاليات الدينية / يحيى محمد – ص111.

[97] الفلسفة والعرفان والاشكاليات الدينية / يحيى محمد – ص113 و114.

[98] مقال بعنوان: (القطيعة بين الفكر المغربي والمشرقي "قراءة حول مشروع محمد عابد الجابري") للاستاذ يحيى محمد منشور في موقعه الالكتروني الموسوم (فهم الدين).

[99] مقال بعنوان (إبن رشد ووحدة الوجود النوعية) ، للاستاذ يحيى محمد ، منشور في موقعه الشخصي الموسوم (فهم الدين).

[100] بداية الحكمة / السيد محمد حسين الطباطبائي - ص217.

[101] حديث الطلب والارادة / محمد المحمدي الجيلاني - ص58 وما بعدها.

[102]  كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد / العلامة الحلّي (رض) / تعليق الشيخ حسن حسن زاده آملي – هامش التعليقات ص171.

[103]  كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد / العلامة الحلّي (رض) / تعليق الشيخ حسن حسن زاده آملي – هامش التعليقات ص268.

[104]  المصدر السابق – هامش التعليقات ص171 و172.

[105] شرح الالهيات من كتاب الشفاء / ملا محمد مهدي النراقي - ج1 ص257.

[106] الفردوس الاعلى / الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء ت1373هـ – ص32 و205.

[107] الفردوس الاعلى / الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء ت1373هـ – ص207.

[108] تذكرة الاعيان / الشيخ جعفر سبحاني – ص311.

[109] حوار مع سيد كمال الحيدري منشور في موقعه الالكتروني تحت عنوان (الرسول الاعظم في التراث الاموي والتراث الاسلامي القسم الرابع عشر).

[110] ابداعات صدر الدين الشيرازي الفلسفية ، النفس نموذجاً / صادق المسلم – ص33.

[111] صراط النجاة / فتاوى السيد ابو القاسم الموسوي الخوئي (رضوان الله عليه) ، مع تعليق الميرزا جواد التبريزي (رض) – ج3 ص423.

[112] وجود العالم بعد العدم عند الامامية / السيد قاسم علي الاحمدي - ص158.

[113] صراط النجاة / السيد ابو القاسم الموسوي الخوئي (رض) – بتعليق الميرزا التبريزي – ج5 ص269 ، سؤال رقم (880).

[114] دروس في مسائل علم الاصول / الميرزا جواد التبريزي (رض) – ج1 ص5.

[115] المصدر السابق – ج2 ص372.

[116] كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد / العلامة الحلي (رض) / تحقيق السيد ابراهيم الموسوي الزنجاني – ص185 و186.

[117] مناهج اليقين في اصول الدين / العلامة الحلي (رض) – ص227.

[118] شرح اصول الكافي / المولى محمد صالح المازندراني ت1081هـ / تعليقات الميرزا ابو الحسن الشعراني – ج3 ص93.

[119] بحار الانوار / العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي (رض) ت1111هـ / تحقيق يحيى العابدي الزنجاني / مؤسسة الوفاء في بيروت ، الطبعة الثانية المصححة 1983م – ج8 ص328.

[120] الحبل المتين / الشيخ محمد بن الحسين بن عبد الصمد الحارثي البهائي العاملي ت1031هـ – ص192.

[121] وهو أيضاً اول فيلسوف من علماء الشيعة الامامية.

[122] جامع الاسرار ومنبع الانوار / سيد حيدر الآملي - ص482.

[123] رسالة قواعد العقائد / الشيخ المحقق نصير الدين الطوسي ت672هـ – ص67 و68.

[124] فلاسفة الشيعة / الشيخ عبد الله نعمة – ص38 و39.

[125] الرؤية الفلسفية / الشيخ ماجد الكاظمي - ص129.

[126] مقال بعنوان (هل ان الواحد لايصدر منه الا واحد؟) ، الشيخ ماجد الكاظمي ، منشور في مدونة عين الحياة.

[127] نقد المذهب التجريبي / محمد محمد طاهر آل شبير الخاقاني - ص232.

[128] وجود العالم بعد العدم عند الامامية / السيد قاسم علي الاحمدي - ص171 وما بعدها.

[129] الشيخية / السيد محمد حسن آل الطالقاني – ص285.

[130] المصدر السابق – ص281.

[131] الشيخية / السيد محمد حسن آل الطالقاني – ص283.

[132] شرح اصول الكافي / المولى محمد صالح المازندراني – ج3 ص81.

[133] التفسير المبين / الشيخ محمد جواد مغنية ت1400هـ – ص169.

[134] محي الدين بن عربي / الدكتور محسن جهانگيري – ص(334-337).

[135] وردت الاشارة الى هذه القضية في المصادر التالية:

1-   المباحث الشرقية في علم الالهيات والطبيعيات / فخر الدين محمد بن عمر الرازي ت606هـ – ج2 ص469.

2-   شرح المقاصد في علم الكلام / سعد الدين مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني ت792هـ – ج2 ص91.

3-   الحكمة المتعالية في الاسفار العقلية الاربعة / الشيخ صدر الدين محمد الشيرازي ت1050هـ – ج6 ص180.

[136] محي الدين بن عربي / الدكتور محسن جهانگيري – ص339 و340.

[137] المصدر السابق – ص341 و342.

[138] المصدر السابق – ص342.

[139] محي الدين بن عربي / الدكتور محسن جهانگيري – ص344.

[140] المصدر السابق.

[141] الفتوحات المكية / ابن عربي ت638هـ – ج4 ص221.

[142] التوحيد / تقريراً لابحاث السيد كمال الحيدري بقلم جواد علي كسار – ج1 ص229 و232.

[143] اسرار الآيات / صدر الدين محمد بن ابراهيم الشيرازي ت1050هـ / تعليقات حكيم مولى علي نوري - ص289.

[144] دروس في التوحيد / الشيخ علي حمود العبادي / تقريرات ابحاث سيد كمال الحيدري  – ص146.

[145] دروس في التوحيد / الشيخ علي حمود العبادي / تقريرات ابحاث سيد كمال الحيدري – ص131.

[146] التوحيد / جواد علي كسار / تقريرات ابحاث سيد كمال الحيدري – ج1 ص266.

[147] المصدر السابق.

[148] سورة الانفال ، الآية (66).

[149] التوحيد / جواد علي كسار / تقريرات ابحاث سيد كمال الحيدري – ج1 ص270. أيضاً: دروس في التوحيد / الشيخ علي حمود العبادي / تقريرات ابحاث سيد كمال الحيدري – ص132.

[150] الخلاصة الفلسفية / السيد علي حسن مطر الهاشمي – ص248.

[151] الخلاصة الفلسفية / السيد علي حسن مطر الهاشمي – ص368.

[152] محي الدين بن عربي / الدكتور محسن جهانگيري – ص346.

[153] المصدر السابق – ص347.

[154] المصدر السابق.

[155] محي الدين بن عربي / الدكتور محسن جهانگيري – ص349 و350.

[156] محي الدين بن عربي / الدكتور محسن جهانگيري – ص349 و350.

[157] حديث الطلب والارادة / محمد المحمدي الجيلاني - ص18 وما بعدها.

[158] دروس في التوحيد / الشيخ علي حمود العبادي / تقريرات ابحاث سيد كمال الحيدري – ص220.

[159] المصدر السابق.

[160] مسالة في الارادة / الشيخ المفيد (رض) ت413هـ - ص7 و8.

[161] تقريب المعارف / ابو الصلاح تقي بن نجم الحلبي ت 447هـ – ص85 و86.

[162] مناهج اليقين في اصول الدين / العلامة الحلي (رض) - ص257.

[163] المصدر السابق - ص258.

[164] الاسرار الخفية في العلوم العقلية / العلامة الحلي (رض) - ص561.

[165] الاعتماد في شرح واجب الاعتقاد / المقداد بن عبد الله السيوري ت 826هـ - ص66 و67.

[166] الباب الحادي عشر للعلامة الحلي مع شرحيه النافع يوم الحشر لمقداد بن عبد الله السيوري ومفتاح الباب لأبي الفتح بن مخدوم الحسيني – ص14 و15.

[167] بحوث عقائدية في ضوء مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ، نصوص مختارة من مؤلفات السيد ابو القاسم الخوئي (رض) / اعداد الشيخ ابراهيم الخزرجي – ص323 و324. نقلاً عن مصباح الاصول ج1 / القسم 1: 282-283.

[168]  مواهب الرحمن في تفسير القرآن / السيد عبد الاعلى السبزواري / منشورات دار التفسير في قم المقدسة / الطبعة الخامسة ، - ج1 ص276.

[169] معالم العقيدة / الشيخ حيدر الوكيل - ص24.

[170] الرؤية الفلسفية / الشيخ ماجد الكاظمي - ص156 و157.

[171] منتهى الدراية في شرح الكفاية / السيد محمد جعفر الجزائري المروج – ج7 ص291.

[172] شرح المشاعر / الشيخ احمد الاحسائي – ج1 كلمة التحقيق ص9 نقلاً عن شرح العرشية.

[173] محي الدين بن عربي / الدكتور محسن جهانگيري – ص383.

[174] المصدر السابق.

[175] المصدر السابق – ص392.

[176] الفلسفة والعرفان والاشكاليات الدينية / يحيى محمد – ص99.

[177] التوحيد / جواد علي كسار / تقريرات ابحاث سيد كمال الحيدري – ج1 ص268.

[178] الفلسفة والعرفان والاشكاليات الدينية / يحيى محمد – ص47 وما بعدها.

[179] مجموعه رسائل فلسفى صدر المتالهين ‌/ ملا صدرا ت1050هـ - ج1 ص357.

[180] الفلسفة والعرفان والاشكاليات الدينية / يحيى محمد – ص(191-198).

[181] الفلسفة والعرفان والاشكاليات الدينية / يحيى محمد – ص(198-212).

[182] {عرّف ابن سودكين – وهو صاحب ابن عربي الوفي – علماء الرسوم بأنهم اولئك الذين يقصرون موضوع الحقيقة على النص واداتها على الفكر ، وميدانها على الكون. فهؤلاء حقاً علماء الرسوم لأن مادة علمهم في النص والفكر والكون هي الرسم ، والرسم مهما كان يحجب الروح المحيية التي تأبى الحصر بالطبع وتتعالى على كل قيد بالذات. (راجع شرح التجليات ، الهامش ، ص280) }. انظر: محي الدين بن عربي / الدكتور محسن جهانگيري– هامش ص209.

[183] محي الدين بن عربي / الدكتور محسن جهانگيري – ص(209-211).

[184] المصدر السابق – ص221.

[185] محي الدين بن عربي / الدكتور محسن جهانگيري – ص224.

[186] الفتوحات المكية / ابن عربي ت638هـ – ج3 ص139.

[187] الحكمة المتعالية في الاسفار العقلية الاربعة / الشيخ صدر الدين محمد الشيرازي ت1050هـ – ج4 ص40.

[188] الحكمة المتعالية في الاسفار العقلية الاربعة / الشيخ صدر الدين محمد الشيرازي ت1050هـ – ج7 ص368.

[189] مصباح الهداية الى الخلافة والولاية / السيد الخميني ت1410 - ص26.

[190] الفردوس الاعلى / الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء – ص204.

[191] دروس في التوحيد / الشيخ علي حمود العبادي / تقريرات ابحاث سيد كمال الحيدري  – ص123.

[192] الموقع الرسمي للشيخ حيدر حب الله في شبكة الانترنيت العالمية ، مقال بعنوان (معنى القاعدة الفلسفيّة: بسيط الحقيقة كلّ الأشياء).

[193] بحث تعارض الادلة برقم (228) ، منشور في الموقع الالكتروني الرسمي لسيد كمال الحيدري.

[194] المعجم الفلسفي / مجمع اللغة العربية في جمهورية مصر العربية ، تصدير الدكتور ابراهيم مدكور - ص208.

[195] اسطقس: "في اقرب الموارد: الاسطقس بفتح الالف وسكون السين وفتح الطاء وكسر القاف: اعجمية معناها الاصل وتسمّى العناصر الإسطقسات (بكسر الالف) وهي الماء والارض والهواء والنار. وفي المنجد: بفتح الالف وكسرها ، وفي غياث اللغات: بضم الاول والثالث والرابع وسكون الثاني ، لفظ يوناني بمعنى العنصر". أنظر: كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد / العلامة الحلّي (رض) / تعليق الشيخ حسن حسن زاده آملي – هامش التعليقات ص199.

[196] المعجم الفلسفي / الدكتور جميل صليبا - ج2 ص536.

[197] اصطلاحات الصوفية ، القسم الاول والثاني / عبد الرزاق الكاشاني ت 730هـ تقريباً - باب الهاء ، ص71.

[198] قوله (عليه السلام) هو من كلام سيد حيدر الاملي لا من كلام ابن عربي بدليل ان الاملي نقل نفس النص في كتابه (جامع الاسرار ومنبع الانوار) وبدلا عن هذه العبارة ذكر (رضي الله عنه). انظر: جامع الاسرار ومنبع الانوار / سيد حيدر الآملي – ص409 و410.

[199] تفسير المحيط الاعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم / السيد حيدر الآملي - ج2 ص412.

[200] بداية الحكمة / السيد محمد حسين الطباطبائي – ص95.

[201] المصدر السابق – ص117.

[202] الرؤية الفلسفية / الشيخ ماجد الكاظمي - ص90.

[203] نهج البلاغة / كلام امير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليهما السلام) / جمعه الشريف الرضي - ج2 ص66.

[204] التوحيد / الشيخ الصدوق (رض) ت381هـ – ص79.

[205] شرح نهج البلاغة / ابن ابي الحديد المعتزلي ت 656هـ - ج9 ص256.

[206] شرح نهج البلاغة / كمال الدين ابن ميثم البحراني - ج3 ص300.

[207] بحار الانوار / العلامة المجلسي (رض) / تحقيق يحيى العابدي / مؤسسة الوفاء في بيروت / الطبعة الثانية المصححة ، 1983م - ج4 ص296.

[208] بحار الانوار / العلامة المجلسي (رض) / تحقيق محمد تقي اليزدي ومحمد الباقر البهبودي / دار احياء التراث العربي في بيروت / الطبعة الثالثة ، 1983م – ج54 ص28.

[209] الميزان في تفسير القرآن / السيد محمد حسين الطباطبائي – ج6 ص97.

[210] معارج نهج البلاغة / الشيخ علي بن زيد البيهقي - ص274.

[211] وجود العالم بعد العدم عند الإمامية / السيد قاسم علي الأحمدي – ص25.

[212]  كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد / العلامة الحلّي (رض) / تعليق الشيخ حسن حسن زاده آملي – هامش التعليقات ص172.

[213] رسائل في الفلسفة / ضبط وتصحيح الشيخ عمار التميمي – ص185.

[214] المصدر السابق – ص190.

[215] المصدر السابق – ص192 و193.

[216] اسرار الآيات / صدر الدين محمد بن ابراهيم الشيرازي ت1050هـ / تعليقات حكيم مولى علي نوري - ص89.

[217] المصدر السابق - ص91 و92.

[218] وجود العالم بعد العدم عند الإمامية / السيد قاسم علي الأحمدي – ص(34-37).

[219] مقال بعنوان (إعادة النصاب، قراءة نقديّة لمقالة – العقل والدين بين المحدّث والحكيم) بقلم الشيخ علي ملكي الميانجي ، ترجمة محمد عبد الرزاق ، منشور في موقع نصوص معاصرة الالكتروني بتاريخ 16 اغسطس 2014م. وأيضاً المقال منشور في مجلة نصوص معاصرة ، العدد 7.

[220] وجود العالم بعد العدم عند الإمامية / السيد قاسم علي الأحمدي – ص28 و29.

[221] المصدر السابق – ص24.

[222] المصدر السابق – ص25 و26.

[223] مقال بعنوان (إعادة النصاب، قراءة نقديّة لمقالة – العقل والدين بين المحدّث والحكيم) بقلم الشيخ علي ملكي الميانجي ، ترجمة محمد عبد الرزاق ، منشور في موقع نصوص معاصرة الالكتروني بتاريخ 16 اغسطس 2014م. وأيضاً المقال منشور في مجلة نصوص معاصرة ، العدد 7.

[224] المصدر السابق.

[225] المصدر السابق.

[226] المصدر السابق.

[227] الخلاصة الفلسفية / السيد علي حسن مطر الهاشمي – ص265.

[228] المصدر السابق – ص266.

[229] الخلاصة الفلسفية / السيد علي حسن مطر الهاشمي – ص267 و268

[230] نهاية الحكمة / السيد محمد حسين الطباطبائي – ص377 و378.

[231] معرفة الله تعالى بالله ، لا بالاوهام الفلسفية والعرفانية / الشيخ حسن الميلاني - ص178.

[232] معرفة الله تعالى بالله ، لا بالاوهام الفلسفية والعرفانية / الشيخ حسن الميلاني - ص179 و180.

[233] المصدر السابق - ص181.

[234] مصباح الفقاهة / تقرير ابحاث السيد ابو القاسم الموسوي الخوئي (قدس سره) / بقلم الشيخ محمد علي التوحيدي التبريزي – ج1 ص364.

[235] الرؤية الفلسفية / الشيخ ماجد الكاظمي - ص92.

[236] معرفة الله تعالى بالله ، لا بالاوهام الفلسفية والعرفانية / الشيخ حسن الميلاني - ص182.

[237]  كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد / العلامة الحلّي (رض) / تعليق الشيخ حسن حسن زاده آملي – ص277 و278.

[238]  المصدر السابق – هامش التعليقات ص278.

[239]  مناهج اليقين في اصول الدين / العلامة الحلي (رض) - ج1 هامش ص227.

[240]  انوار الملكوت في شرح الياقوت / العلامة الحلي (رض) – ج1 ص17.

[241]  انوار الملكوت في شرح الياقوت / العلامة الحلي (رض) – ج1 ص17.

[242] شرح الاصول من الكافي / الشيخ صدر الدين محمد بن ابراهيم الشيرازي ت1050هـ / تحقيق محسن عقيل – ص723.

انظر أيضاً: شرح الأصول من الكافي / صدر الدين محمد بن إبراهيم الشيرازي / عنى بتصحيحه: محمد خواجوي – ج3 ص207.

[243] التنقيح في شرح العروة الوثقى/ تقرير بحث السيد الخوئي (رض) للشيخ علي الغروي (رض) - ج3 ص(70-72).

[244] بحث تعارض الادلة برقم (185) لسيد كمال الحيدري ، منشور في الموقع الالكتروني الخاص به ، بتاريخ 27 / 1 / 2014م.

[245] طريقنا في المحاورات العلمية / السيد جعفر سيدان - ص29.

[246] الرسائل العشر لشيخ الطائفة ابو جعفر الطوسي (رض) - ص103.

[247] كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد / العلامة الحلي (رض) / تحقيق السيد ابراهيم الموسوي الزنجاني – ص431.

[248] المصدر السابق.

[249] القول باستحالة اعادة المعدوم من الاخطاء التي تسربت الى العقيدة من خلال الفلسفة ، ومن المؤسف ان يقول بها العلامة الحلي (رض). وقد رد السيد عبد الاعلى السبزواري على من يقول باستحالة اعادة المعدوم بقوله: (أصل الاشكال فاسد لأنّه مغالطة حصلت من قياس قدرة الخالق على قدرة المخلوق ، أي الممكن ، فظنّوا أنّ ما لا يمكن بالنسبة الى قدرة المخلوق هو غير ممكن بالنسبة الى قدرة الخالق أيضاً ، ولا ريب في بطلانه ، لأنّ قدرة المخلوق محدودة وقدرة الخالق غير محدودة بوجه من الوجوه ، حتى إنّه تعالى خلق الاشياء من العدم ، فليكن المعاد بالنسبة الى الاجساد كذلك ايضاً ، على فرض تحقق العدم بالنسبة اليها ، مع انّه لا يمكن لفرض بقاء المواد الاولية ، وإنما تغيّرت الصور والجهات الخارجية ، ولذا قال تبارك وتعالى: ((وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)) ، فالذي يصور مادة المواد والهيولى الاولى الى صور شتّى بأكمل الصور وأحسنها ، يقدر على كلّ ما شاء وأراد ، وهو قادر على أن يعيد جميعها) ثم يقول: (ان استحالة اعادة المعدوم لا تختص بالمعاد الجسماني بل تجري في جميع الممكنات حتى الارواح ، بل مطلق المجردات ، لانعدامها قبل يوم القيامة ، قال تعالى: ((لِّمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ)) ، مع ان المعاد الروحاني متفق عليه بين جميع الفلاسفة بل العقلاء أيضاً) ، ثم يقول: (على فرض التسليم أنّ المحال إنما هو إعادة المعدوم بجميع خصوصياته الزمانية والمكانية وسائر الجهات ، لا خصوص المادّة والصورة ، مع عدم ملزم لإعادة سائر الجهات ، وإنهما محفوظان في عالم القضاء والقدر ، اللذين هما أوسع العوالم الربوبية ، بل يمكن ان يكونا محفوظين في الاذهان السافلة ايضاً ، فلا موضوع للمغالطة أصلاً). انظر: مواهب الرحمن في تفسير القرآن / السيد عبد الاعلى السبزواري (رض) - ج5 ص105 و106.

وقال الشيخ حيدر الوكيل: (ورغم الجهود الكبيرة التي قام بها ابرز تلامذة الخواجا الطوسي في الرد على الفلاسفة ونقض شبهاتهم لكن بقيت آثار تلك الفلسفة واضحة على قسمات الفكر الشيعي ، ولعل من المفارقات الغريبة ان يكون تسرب ما تسرب منها الى الفكر الشيعي بواسطة ذلك العالم الفاضل الكبير الذي صد الفلسفة وهو العلامة الحلي (قدس سره) ، وفي ذلك عبرة لنا تجعلنا نحذر دائماً من مغبة الانسياق وراء بهرجة التعالم والانزواء عن النصوص الدينية ولو قليلاً فان السالك على غير الطريق لا يزيده شدة السير الا بعداً عن الغاية). انظر: علم الكلام الشيعي / الشيخ حيدر الوكيل – ص42.

[250] الاسرار الخفية في العلوم العقلية / العلامة الحلي (رض) - ص573.

[251] انظر التعليق السابق.

[252] مناهج اليقين في اصول الدين / العلّامة الحلي (رض) – ص419 و420.

[253] كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد / العلّامة الحلي (رض) / تعليق الشيخ حسن حسن زاده الآملي – ص549.

[254] لوامع الحقائق في اصول العقائد / ميرزا احمد الاشتياني ت1495هـ – ج2 ص40 و44 على التوالي.

[255] محاضرة (مفاتيح عملية الاستنباط الفقهي (461) ) لسيد كمال الحيدري ، منشورة في موقعه الالكتروني.

[256] المصدر السابق.

[257] مناظرة بين السيد جعفر سيدان الخراساني والشيخ جوادي آملي تحت عنوان (الإشكالية المنهجية بين العقلين: الفلسفي والتفكيكي – (نظرية المعاد الصدرائية) – القسم الثاني ) ، منشورة في الموقع الالكتروني لمجلة نصوص معاصرة بتاريخ 20 مايو 2014.

 

[258] مناظرة بين السيد جعفر سيدان الخراساني والشيخ جوادي آملي تحت عنوان (الإشكالية المنهجية بين العقلين: الفلسفي والتفكيكي – (نظرية المعاد الصدرائية) – القسم الثاني) ، منشورة في الموقع الالكتروني لمجلة نصوص معاصرة بتاريخ 20 مايو 2014.

[259] طريقنا في المحاورات العلمية / السيد جعفر سيدان - ص30.

[260] الحكمة المتعالية في الاسفار العقلية الاربعة / الشيخ صدر الدين محمد الشيرازي ت1050هـ – ج5 ص361 و362.

[261] المصدر السابق – ج5 ص360 و361.

[262] مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم / الشيخ داود بن محمد القيصري ت751هـ – ص(359- 361).

[263] الحكمة المتعالية في الاسفار العقلية الاربعة / الشيخ صدر الدين محمد الشيرازي ت1050هـ – ج5 ص342.

[264] طريقنا في المحاورات العلمية / السيد جعفر سيدان - ص30 و31.

[265] قصة الحضارة / وِل ديورانت – ج7 ص108.

[266] مقال بعنوان (قراءة فى تاريخ الشذوذ الجنسي - الفصل الثالث) ، بقلم د. خالد منتصر، منشور في موقع ايلاف الالكتروني ، بتاريخ 19 مايو 2006م.

[267] الحكمة المتعالية في الاسفار العقلية الاربعة / الشيخ صدر الدين محمد الشيرازي ت1050هـ – ج3 ص171 وما بعدها.

[268] احلام اليقظة مع الفيلسوف صدر المتألهين/الشيخ محمد رضا المظفر–ص187و188.

[269] المصدر السابق – ص188.

[270] المصدر السابق – ص188 و189.

[271] المصدر السابق – ص189 و190.

[272] فهرس التراث / محمد حسين الحسيني الجلالي - ج1 ص864.

[273] احلام اليقظة مع الفيلسوف صدر المتألهين/ الشيخ محمد رضا المظفر – ص188.

[274] شرح اصول الكافي / الشيخ مولى محمد صالح المازندراني / تعليقات الميرزا ابو الحسن الشعراني – ج3 ، هامش ص228.

[275] مصباح الهداية الى الخلافة والولاية / السيد روح الله الخميني – ص347.

[276] الاسفار عن نصوص الاسفار / الشيخ حيدر الوكيل - ص23.

[277] الاسفار عن نصوص الاسفار / الشيخ حيدر الوكيل - ص28.

[278] المصدر السابق - ص29.

[279] المصدر السابق - ص34.

[280] المصدر السابق - ص41.

[281] المصدر السابق - ص44 و46.

[282]  مستدرك سفينة البحار / الشيخ علي النمازي الشاهرودي – ج9 ص193.

 [283] شرح احقاق الحق / الشيخ نور الله التستري / تعليقات السيد شهاب الدين النجفي المرعشي – ج1 التعليق في هامش ص431.

[284]  كشف الخفاء / العجلوني – ج2 ص132.

[285]  رسائل الكركي / المحقق الكركي (رض) - ج3 ص158.

[286] الاسفار عن نصوص الاسفار / الشيخ حيدر الوكيل - - ص46.

[287] المصدر السابق - ص56.

[288] المصدر السابق - ص68.

[289] الدر المنثور / جلال الدين السيوطي ت911هـ – ج5 ص250.

[290] الاسفار عن نصوص الاسفار / الشيخ حيدر الوكيل - ص68.

[291] بحار الانوار / العلامة المجلسي (رض) / تحقيق السيد ابراهيم الميانجي ومحمد الباقر البهبودي / دار احياء التراث العربي في بيروت – ج95 ص227.

[292] الاسفار عن نصوص الاسفار / الشيخ حيدر الوكيل - ص105.

[293] المصدر السابق - ص107.

[294] مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم / الشيخ داود بن محمد القيصري ت751هـ – ص98.

[295] الاسفار عن نصوص الاسفار / الشيخ حيدر الوكيل - ص107.

[296] مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح / الشيخ علي بن سلطان محمد القاري – ج1 ص364.

[297] منشور في الموقع الالكتروني للشيخ حيدر حب الله ، تحت عنوان (مدى صحّة حديث (أوّل ما خلق الله نور نبيّك يا جابر) ).

[298] الكلمات المكنونة / الفيض الكاشاني / مخطوط – ص113.                                    

[299] الخصائص الفاطمية / الشيخ محمد باقر الكجوري – ج2 ص237.

[300] شرح مثنوي / ملا هادي السبزواري – ج1 ص349.

[301] اللمعة البيضاء في شرح خطبة الزهراء عليها السلام / المولى محمد علي بن احمد القرا چه داغي التبريزي الانصاري - ص28.

[302] تفسير الصراط المستقيم / سيد حسين البروجردي – ج5 ص394.

[303] مكيال المكارم / ميرزا محمد تقي الاصفهاني - ج2 ص295 ،

[304] شرح دعاء السحر / السيد روح الله الخميني - ص103.

[305] مصباح الهداية الى الخلافة والولاية / السيد روح الله الخميني - ص67.

[306]   شرح احقاق الحق / الشيخ نور الله التستري / تعليقات السيد شهاب الدين النجفي المرعشي – ج1 التعليق في هامش ص183.

[307] اسرار الآيات / صدر الدين محمد بن ابراهيم الشيرازي ت1050هـ / تعليقات حكيم مولى علي نوري - ص340 و341.

[308] المصدر السابق - ص375.

[309] المصدر السابق - ص408.

[310] اسرار الآيات / صدر الدين محمد بن ابراهيم الشيرازي ت1050هـ / تعليقات حكيم مولى علي نوري - ص357.

[311] المصدر السابق - ص390.

[312] المصدر السابق - ص389.

[313] اسرار الآيات / صدر الدين محمد بن ابراهيم الشيرازي ت1050هـ / تعليقات حكيم مولى علي نوري - ص448 و449.

[314] المصدر السابق - ص479.

[315] ومن تلاميذ السيد علي القاضي في العرفان السيد محمد حسين الطباطبائي صاحب تفسير الميزان.

[316] رسالة لب اللباب في سير وسلوك اولي الالباب / السيد محمد الحسين الحسيني الطهراني – ص142 وما بعدها.

 

 

 

 

الصفحة الرئيسية