بسم الله الرحمن الرحيم

قال تعالى: ((وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُداً))

 

شمس التشيّع وغربال العرفان

تمسكاً بمذهب آل البيت الاطهار (عليهم السلام)
ونبذاً لمنهج إبن عربي وملا صدرا وكل أهل التصوّف والعرفان
 

نبيـل الكرخي

 

الفصل الثالث

إبن عربي والغنوصية الصوفية

 

ابن عربي تلك الشخصية المثيرة للجدل ، ربما كان ملاكاً أو شيطاناً ، مؤمناً او منافقاً ، قديساً أو إبليساً ، لكنه بكل تاكيد لم يكن معصوماً ، ولم يكن إماماً ثالثاً عشر!! وما هذا البحث إلا لتحذير المؤمنين من التعامل معه من الناحية الواقعية كإمام معصوم وإنْ كانوا نظرياً يرفضون هذا ويقولون بإمامة الائمة الاثني عشر (عليهم السلام) حصراً ، وهو نهج اتباع مدرسة الحكمة المتعالية الشيعية المنتمية لتراث ابن عربي !!؟

ابن عربي الذي يراه اتباعه في منزلة كبيرة لدرجة انه كان يُخافُ تأليهه[1] !!؟

ابن عربي يشبه بولس مؤسس المسيحية من عدّة نواحي ، منها اشتراكهما في الفكر الغنوصي ، وفي ادعاء الصعود الى السماء ، وفي ادعاء تلقي المعارف من الله بصورة مباشرة بدون نبوة ! واشتراكهما في الايمان بالتثليث !! واشتراكهما في تأسيس اتجاه ديني مهم ، الاول حرّف تعاليم المسيح عيسى بن مريم (عليهما السلام) ، والثاني حرّف تعاليم رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله).

ابن عربي هو ابن عربي ، بحسناته وسيئاته. المهم ان نعرفه ونعرف ما جاء به ، وان نعرف انَّ ما جاء به ليس له صبغة شرعية ، بل هو مخالف لتعاليم الثقلين العظيمين الكتاب الكريم والعترة الطاهرة (عليها السلام) اللذين بيَّن لنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان من تمسك بهما يأمن من الضلال.

نستعرض في هذا الفصل موجز عن ابن عربي بما نظن انه يبين ما تطرقنا اليه آنفاً.

 

ابن عربي وجذور فكره الغنوصي:

اسمه محي الدين محمد بن علي بن محمد بن عربي الحاتمي الطائي الأندلسي ، ولد في مرسية في الأندلس في سنة 558هـ وقيل 560هـ ، وتوفي في دمشق عام 638هـ ودفن في سفح جبل قاسيون.

تتلمذ على يد الشيخ ابو مدين الغوث احد كبار الصوفية في المغرب توفي سنة 590هـ[2].

والبعض يتحدث عن انتماء ابن عربي الى إحدى مدارس الأندلس التي تعلم سرا مذهب الأمبيذوقلية[3] المحدثة المفعمة بالرموز والتأويلات والموروثة عن الفيثاغورية والاورفيوسية والفطرية الهندية. وكان أشهر أساتذة تلك المدرسة في ذلك القرن ابن العريف (٤٨١ - ٥٢٦ هـ / ١٠٨٨ - ١١٤١ م) واسمه ابو العباس أحمد بن محمد بن موسى بن عطاء الله الصنهاجي الأندلسي المري ، له كتاب «محاسن المجالس».

وابن العريف تأثر بالاندلسي ابن مسرة (269 - 319هـ) ومدرسته الصوفية الاندلسية التي سبق ان تحدثنا عنها قبل قليل.

كتب كتابه فصوص الحكم سنة 627 هـ وهو يتالف من 37 فصل[4] ، وكتب كتابه الفتوحات المكية سنة 636هـ حيث كتب بيده النسخة المعروفة بنسخة قونية من هذا الكتاب وهي ما تزال محفوظة. ، وهو يتألف من 560 فصل. هذا هو المتعارف عليه عند اتباعه ، ولكن وجدنا انه في الفص الشيثي من كتابه فصوص الحكم يقول: (وقد بيّنا هذا في الفتوحات المكية)[5] ما يعني ان الفتوحات المكية قي سابقة في التأليف على فصوص الحكم !! ولم يتطرق القيصري الى هذا الاشكال في شرحه للفصوص.

 

ابنة ابن عربي تتكلم بالمهد !

ويتميز ابن عربي بشطحات وادعاءات عجيبة من قبيل تكلم ابنته الرضيعة بأحكام شرعية وانه عرج الى السماء وتكلم مع الله تعالى ، وانه اخذ كتابه الفتوحات المكية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) مباشرة في المنام ، فمن هذا حاله كيف يكون مقبولاً عند علمائنا الاعلام ، علماء الشيعة الامامية ، المعروف عنهم التقوى والتوثق من الاشخاص وادعاءاتهم وعدم الانجرار وراء الدعاوى الفاسدة ؟!

فقد ذكر الدكتور محسن جهانگيري نقلا عن الفتوحات المكية ان زوجة ابن عربي الاولى كانت سيدة صالحة وصاحبة مقام الكشف والشهود ، كما ان ابن عربي يذكر انه ابنته نالت منذ طفولتها (رضيعة بعمر السنة ونيف) مقام الكشف والالهام وعرفت المسائل الشرعية وانه سالها ذات يوم وكان عمرها دون السنتين: يا زينب ما قولك في رجل جامع امرأته ولم يُنزل ماذا يجحب عليه؟ فقال انها اجابته: يجب عليه الغسل ، بكلام فصيح وامها وجدتها تسمعان فصرخت جدتها وغشي عليها[6] !

 

ابن عربي يمجّد النواصب ويهاجم الشيعة:

انبرى في الفتوحات المكية يمدح المتوكل الذي اظهر العداء لآل البيت الاطهار (عليهم السلام) وأمر بتهديم قبر الامام الحسين (عليه السلام) وحرثه ، فيرفعه ابن عربي الى مصاف الاولياء فيقول عنه وعن غيره من خصوم آل البيت الاطهار (عيهم السلام) الذين غصبوا الخلافة وسلبوا فدك: "ولكن الاقطاب المصطلح على أن يكون لهم هذا الاسم مطلقاً من غير اضافة لا يكون منهم في الزمان إلا واحد وهو الغوث أيضاً وهو من المقربين وهو سيد الجماعة في زمانه ومنهم من يكون ظاهر الحكم ويحوز الخلافة الظاهرة كما حاز الخلافة الباطنة من جهة المقام كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن ومعاوية بن يزيد وعمر بن عبد العزيز والمتوكل"[7].

ويشيع ابن عربي اموراً سخيفة ومكذوبة يصف فيها الشيعة بالخنازير فيقول في فتوحاته المكية: "ومنهم رضي الله عنهم الرجبيون وهم أربعون نفسا في كل زمان لا يزيدون ولا ينقصون وهم رجال حالهم القيام بعظمة الله وهم من الأفراد وهم أرباب القول الثقيل من قوله تعالى إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا وسموا رجبيون لأن حال هذا المقام لا يكون لهم إلا في شهر رجب من أول استهلال هلاله إلى انفصاله ثم يفقدون ذلك الحال من أنفسهم فلا يجدونه إلى دخول رجب من السنة الآتية وقليل من يعرفهم من أهل هذا الطريق وهم متفرقون في البلاد ويعرف بعضهم بعضا منهم من يكون باليمن وبالشام وبديار بكر لقيت واحدا منهم بدنيسير من ديار بكر ما رأيت منهم غيره وكنت بالأشواق إلى رؤيتهم ومنهم من يبقى عليه في سائر السنة أمر ما مما كان يكاشف به في حاله في رجب ومنهم من لا يبقى عليه شئ من ذلك وكان هذا الذي رأيته قد أبقى عليه كشف الروافض من أهل الشيعة سائر السنة فكان يراهم خنازير فيأتي الرجل المستور الذي لا يعرف منه هذا المذهب قط وهو في نفسه مؤمن به يدين به ربه فإذا مر عليه يراه في صورة خنزير فيستدعيه ويقول له تب إلى الله فإنك شيعي رافضي فيبقى الآخر متعجبا من ذلك فإن تاب وصدق في توبته رآه إنسانا وإن قال له بلسانه تبت وهو يضمر مذهبه لا يزال يراه خنزيرا فيقول له كذبت في قولك تبت وإذا صدق يقول له صدقت فيعرف ذلك الرجل صدقه في كشفه فيرجع عن مذهبه ذلك الرافضي ولقد جرى لهذا مثل هذا مع رجلين عاقلين من أهل العدالة من الشافعية ما عرف منهما قط التشيع ولم يكونوا من بيت التشيع أداهما إليه نظرهما وكانا متمكنين من عقولهما فلم يظهرا ذلك وأصرا عليه بينهما وبين الله فكانا يعتقدان السوء في أبي بكر وعمر ويتغالون في علي فلما مرا به ودخلا عليه أمر بإخراجهما من عنده فإن الله كشف له عن بواطنهما في صورة خنازير وهي العلامة التي جعل الله له في أهل هذا المذهب وكانا قد علما من نفوسهما أن أحدا من أهل الأرض ما اطلع على حالهما وكانا شاهدين عدلين مشهورين بالسنة فقالا له في ذلك فقال أراكما خنزيرين وهي علامة بيني وبين الله فيمن كان مذهبه هذا فأضمرا التوبة في نفوسهما فقال لهما إنكما الساعة قد رجعتما عن ذلك المذهب فإني أراكما إنسانين فتعجبا من ذلك"[8] !! ولا تفرق هذه القصة البائسة عن قصة تكلم ابنته في المهد ناطقةً بالاحكام الشرعية !!

 

الفتوحات المكيّة موحى بها إليه !

وقال ابن عربي في كتابه الفتوحات المكية  وهو يتحدث عنه: "وهذا الكتاب من ذلك النمط عندنا فوالله ما كتبت منه حرفاً إلا عن إملاء إلهي وإلقاء رباني أو نفث روحاني في روع كياني هذا جملة الامر مع كوننا لسنا برسل مشرعين ولا انبياء مكلفين بكسر اللام اسم فاعل فإن رسالة التشريع ونبوة التكليف قد انقطعت عند رسول الله محمد ص فلا رسول بعده ص ولا نبي يشرع ولا يكلف وإنما هو علم وحكمة وفهم عن الله فيما شرّعه على السنة رسله وأنبيائه عليهم سلام الله وما خطه وكتبه في لوح الوجود من حروف العالم وكلمات الحق فالتنزيل لا ينتهي بل هو دائم دنيا وآخرة"[9]!

وزعم ابن عربي ان النبي عيسى (عليه السلام) هو شيخه الاول ! فقد قال في الفتوحات المكية: (وهو [عيسى] شيخنا الاول الذي رجعنا على يديه وله بنا عناية عظيمة لا يغفل عنا ساعة واحدة ، وأرجو ان ندرك زمان نزوله ان شاء الله) كما قال ايضاً: (وكان له (لعيسى) نظر الينا في دخولنا في هذه الطريق التي نحن اليوم عليها) وأكد ايضاً: (وقد وجدنا هذا المقام من نفوسنا وأخذناه ذوقاً في أول سلوكنا مع روحانية عيسى عليه السلام)[10].

كما زعم ابن عربي في فصوص الحكم ، في الفص الهودي ، انه رأي جميع الانبياء: (واعلم انه لما اطلعني الحق واشهدني اعيان رسله وانبيائه كلهم البشريين من آدم الى محمد صلوات الله عليهم اجمعين في مشهد اقمت فيه بقرطبة سنة ست وثمانين وخمسمائة ، ما كلمني احد من تلك الطائفة الا هود عليه السلام فانه اخبرني بسبب جمعيتهم)!

وفي احدى رسائل ابن عربي ، كتاب الاسراء ، نقرأ الشعر التالي:

وغّصْ في بحر ذات الذات تبصر    عجائب ما تبدَّت للعيانِ

وأسراراً تراءت مبهماتٍ               مسترة بأرواح المعاني

فمن فهم الاشارة فليصنها            والا سوف يُقتل بالسنان

كحلاج المحبة إذ تبدّت             له شمس الحقيقة بالتداني

فقال: انا هو الحق الذي لا         يُغير ذاته مرَّ الزمانِ[11]

 

وواضح ان تأثير عقيدته في وحدة الوجود والموجود تلقي بظلالها على هذا الشعر. فهو يتناغم مع الحلاج وكلامه عن فنائه بالله تعالى عما يصفون !!

 

دعواه في تجلّي الخالق تعالى في كلِّ شيء:

وفي كتاب فصوص الحكم لابن عربي في فصل الفص الهاروني ليقرأ عقيدة ابن عربي في ان الله (تعالى عما يصفون) يتجلى في كل شيء في الاشجار والاصنام وغيرها انطلاقاً من عقيدته في وحدة الوجود !!

ويقول ابن عربي في فصوصه ، في الفص الآدمي: (ولولا سريان الحق في الموجودات وظهوره فيها بالصورة ما كان للعالم وجود ، كما انه لولا تلك الحقائق المعقولة كلياً ما ظهر حُكم في الموجودات العينية)[12]. وهذا النص يبين عقيدته في وحدة الوجود والموجود ، فقوله سريان الحق في الموجودات يعني ان الله تعالى هو في كل الموجودات !! ولم يعلق السيد الخميني على هذا النص ضمن تعليقاته على الفصوص !

 

يصحح عبادة العجل:

وفي الفص الهاروني نفسه نجد ابن عربي يدافع عن عبادة العجل ويعتبره عبادة لله تعالى عما يصفون فنجده يقول: (فكان موسى اعلم بالامر من هارون لانه علم ما عبده اصحاب العجل ، لعلمه بأن الله قد قضى الا يُعبد إلا اياه: وما حكم الله بشيء الا وقع. فكان عتب موسى أخاه هارون لما وقع الامر في انكاره وعدم اتساعه. فإنَّ العارف من يرى الحق في كل شيء ، بل يراه عين كل شيء. فكان موسى يربي هارون تربية علم وان كان اصغر منه في السن) !!

فهو يظن ان قوله تعالى (وقضى ربك ان لا تعبدوا الا اياه) بانه من القضاء المحتوم وليس من  القضاء التشريعي ، فيكون بناءاً على ذلك ان كل ما يعبده الانسان هو عبادة لله تعالى فتكون عبادة الاصنام والنار وجميع الاوثان والهوى الخ هي عبادة لله تعالى !! فيكون القضاء بمعنى الامر ، فالله سبحانه امر ان لا يعبد الا اياه كما امر بالاحسان للوالدين (وبالوالدين احساناً) وليس الاحسان للوالدين من الامور الحتمية كما يظن ابن عربي من معنى القضاء ، فكم من عاق لوالديه في الدنيا.

واما قول ابن عربي (فإنَّ العارف من يرى الحق في كل شيء ، بل يراه عين كل شيء) فهو تعبير عن عقيدته في وحدة الوجود ، فهو يظن ان الله (الحق) في كل شيء فالعارف يراه في كل شيء وهو عين كل شيء !! فكل شيء في عقيدته هو الله تعالى ، ولذلك اعتبر عبادة العجل عبادة لله عز وجل !! تعالى الله سبحانه عما يصفون علواً كبيراً.

وبقية كلامه في الفص الهاروني اغلبه في هذا السياق حيث يبرر عبادة الهوى ويقرّه وكذلك عبادة الاصنام !!

ويؤيد القيصري مذهب ابن عربي في شرحه لفصوص الحكم: (كان عتب موسى على اخاه هارون لأجل انكاره العجل وعدم اتساع قلبه لذلك)[13] !!

ويقول القيصري: (واعلم ان هذا الكلام وان كان حقاً من حيث الولاية والباطن لكن لا يصح من حيث النبوة والظاهر ، فان النبي يجب عليه انكار العبادة للارباب الجزئية ، كما يجب عليه ارشاد الامة الى الحق المطلق ، لذلك انكر جميع الانبياء عبادة الاصنام وإنْ كانت مظهراً للهوية الالهية. فإنكار هارون عبادة العجل من حيث كونه نبياً حق إلا ان يكون محمولاً على ان موسى عليه السلام علم بالكشف أنه ذهل عن شهود الحق الظاهر في صورة العجل فاراد ان ينبهه على ذلك ، وهو عين التربية والارشاد منه. وانكاره عليه السلام على السامري وعجله على بصيرة ، فان انكار الانبياء والاولياء لعبادة الاصنام - التي هي المظاهر – ليس كأنكار المحجوبين ، فانهم يرون الحق مع كل شيء بخلاف غيرهم ، بل ذلك لتخليصهم عن التقيُّد بصورة خاصة وتجلٍّ خاص ، اذ فيه انكار باقي المجالي ، وهو عين الضلال)[14].

فالقيصري في شرحه المهم هذا يبين بوضوح عقيدته وعقيدة امامه ابن عربي في ان عبادة الاصنام هي مظهر للهوية الالهية ! وان عبادة العجل هي حق ذهل النبي هارون (عليه السلام) عنه فارشده النبي موسى (عليه السلام) الى صحة ذلك ! وهو يرى ان انكار الانبياء (عليهم السلام) ظاهرياً عبادة الاصنام هو انكار لتخصيص العبادة في صورة خاصة هي صورة الصنم لان فيه انكار لباقي المجالات العبادية كعبادة النار والبقر والكواكب والاشجار وغيرها !!

ومن الجدير بالذكر ان تعليقة السيد الخميني على كتاب ابن عربي هذا (فصوص الحكم) شملت الفصوص جميعها عدا آخر ثمانية فصوص لم يعلق عليها (ابتداءاً بالفص اليحيوي وانتهاءاً بالفص المحمدي) ومن ضمنها الفص الهاروني الذي استشهدنا بنصوصه ، ولذلك لم نتمكن من معرفة رأيه بكلام ابن عربي هذا !

 

تفضيله عمر بن الخطاب على الانبياء (عليهم السلام):

وفي الفص الشيثي نقرأ تفضيل ابن عربي لعمر بن الخطاب على النبي (صلى الله عليه وآله) ، فيقول: (فإن الرسالة والنبوة – اعني نبوة التشريع ورسالته – تنقطعان ، والولاية لا تنقطع ابداً. فالمرسلون من كونهم اولياء لا يرون ما ذكرناه الا من مشكاة خاتم الاولياء ، فكيف من دونهم من الاولياء؟ وان كان خاتم الاولياء تابعاً في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع ، فذلك لا يقدح في مقامه ولا يناقض ما ذهبنا اليه ، فإنه من وجه يكون انزل كما انه من وجه يكون اعلى. وقد ظهر في ظاهر شرعنا ما يؤيد ما ذهبنا اليه في فضل عمر في اسارى بدر بالحكم فيهم ، وفي تأبير النخل)!

وفي هذا النص ايضاً رد على الذين  يشيعون ان ابن عربي كان شيعياً فكلامه في عمر واعتباره من الالوياء ! ولا يوجد شيعي يقول هذا في عمر الا تقيةً والمورد هنا ليس مورد التقية. مع اننا بينّا ان قضية تشيعه او تسننه غير مهمة فهو من اصحاب عقيدة وحدة الوجود والموجود وتعدد المعبودات !

 

 

 

 

التنزيه والتشبيه:

يقول الدكتور محسن جهانگيري: "يقف جمهور الحكماء والمتكلمين في مواجهة المشبِّهة ويعبرون عن اعتقادهم بالتنزيه المحض ، ويرون أن الله منزّه عن التجسيم وجميع اوصافه ولوازمه ، وعموماً من جميع الامور التي لا تليق بساحته القدسية لأنهم يرونها منافية لوجوبه ووجوده. ويعتبرون الآيات والاحاديث التي تدل على التشبيه من بين المتشابهات وينبرون لتاويلها في بعض الاحيان او للايمان بلفظها والتوقف في معناها في احيان اخرى"[15]. ثم يقول: "ابن عربي واتباعه ليسوا مشبِّهين تشبيهاً محضاً ولا منزّهين تنزيهاً محضاً وإنما يجمعون بين التشبيه والتنزيه ويرون التوحيد الحقيقي في هذا الجمع"[16].

ويضيف: "ان معنى التنزيه والتشبيه عند هؤلاء يختلف عن معناه عند المتكلمين والحكماء. فمراد أهل الحكمة والكلام  بتنزيه الله ..... سلب اوصاف وخواص المخلوقات عنه تعالى ، ومرادهم بالتشبيه وصفه بصفات ولوازم الاجسام والاشياء الممكنة. في حين يؤول ابن عربي واتباعه – وكما هو نهجهم – كلمتي التشبيه والتنزيه مثل اغلب الكلمات والامور ، فيريدون بالتنزيه الاطلاق وبالتشبيه التقييد ، مستخدمين في ذلك عبارتي اطلاق المطلق ، وتقييد المطلق. وبذلك أصبح التنزيه يعني تجلّي الحق تعالى لذاته وبذاته المتباعدة والمتعالية عن كل نسبة. والتشبيه يعني تجليه في صور الموجودات الخارجية في ساحة الوجود. ويبدو ان أحداً لم يسبق ابن عربي في هذا المعنى. ورغم ان استعمال مفردتي التنزيه والتشبيه بمعنى الاطلاق والتقييد يُعدّ خلافاً للاصطلاح المتداول والاستعمال المتعارف ، إلا انه ينسجم مع مبدأ وحدة الوجود الذي يعد أصل الاصول لدى أبن عربي ، ولا بد منه لصوفي يؤمن بوحدة الوجود كأبن عربي لتبرير نظامه الفكري ومذاقه العرفاني فهذا التأويل وهذا المعنى شكّل أساس فكره وعرفانه وكلماته. وطالما قال وبعبارات مختلفة: الحق واحد وكثير ، ظاهر وباطن ، حق وخلق ، ربّ وعبد ، قديم وحادث ، خاق ومخلوق ، وأمثالها من العبارات التي تبدو متناقضة في الظاهر ، إلا أنها منسجمة مع نظامه الفكري ومذاقه العرفاني ، ولهذا لم يكن يتحرج في التعبير عنها"[17].

ثم يقول: "فلابد من الالتفات الى ان بالامكان التحدث عن التنزيه والتشبيه في مقام الثنوية فقط ، أي في مقام اعتبار الحق والخلق ، والله والعالم ، والوحدة والكثرة ، او بتعبير آخر في مقام الإلهية. اما إذا توقفنا في الوحدة او في مقام أحديث الذات فلا مكان حينئذٍ لا للتنزيه ولا للتشبيه ، حيث لا وجود للتعدد وبأي وجه من الوجوه ، ولا يُقال بشيء عن أصل من الاصول ، ولا يُعبَّر عن مطلب ما بنحو من الانحاء. ويبدو ان عبارة ابن عربي التالية تقصد مقام الإلهية: "والباري سبحانه مُنزّه عن التنزيه فكيف عن التشبيه"[18]. ومن هنا نعلم أن تنزّه الحق تعالى يعني انه في مقام الإلهية وانه من حيث الذات متعال عن جميع الاوصاف والحدود والقيود ومستغن عن جميع العالمين ومحيط بالاشياء كافة. وعلى هذا الاعتبار ايضاً لا يحيط به شيء ولا يشمله علم ، ولا يصدق عليه وصف سوى وصف الاطلاق ، مع تنزيهه في هذا الاطلاق. إلا انه مشبَّه باعتبار تعينات الذات وظهوره في صور الممكنات. فهو على سبيل المثال يرى ويسمع ويتكلم ، ولكن ليس كما ترى المخلوقات وتسمع وتتكلم وإنما يتجلى بصورة كل سامع ومشاهد ومتكلم ، او انه صورة كل سامع ومشاهد ومتكلم. فالتنزيه إذاً يتحقق على صعيد "الحق في ذاته" وانه باطن ، والتشبيه على صعيد "الحق المخلوق به" وانه ظاهر ، أي ظاهر في ملابس الاشكال وألوان الظهور"[19].

توحيد ابن عربي يتجلى بصورة كل سامع ومشاهد ومتكلم !! بينما التوحيد الالهي تبعاً للقرآن الكريم يقول: ((ليس كمثله شيء)).

وقد تجرّأ احد اتباع الحكمة المتعالية الشيعية وهو الحكيم مولى علي نوري بأن نسب الانبياء والاولياء (عليهم السلام جميعاً) الى القول بالجمع بين التنزيه والتشبيه ، قال: "إن مشربهم (عليهم السلام) هو الجمع بين التنزيه والتشبيه خارج عن الحديّن: حد الابطال وحدّ التشبيه. وذلك الخروج لا يتصوّر الا بذلك الجمع الكاشف عن سرّ الوحدة في عين الكثرة"[20]. وقال في موضع آخر: "ان الجمع في عين التفرقة لهي السيرة الصالحة ، ورؤية الوحدة في عين الكثرة هو التوحيد الذي هو سجيّة الولاية قال جلّ من قائل: ((وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ)) يعني فطرة كل شيء هي الجمع بين التنزيه والتشبيه كما هو سيرة الانبياء (عليهم السلام) والاولياء ، إذ التسبيح الملابس بالتحميد هو التنزيه الملابس بالتشبيه ، إذ التسبيح كشف سبحات الجلال ومحوها والحمد هو صحو الجمال وكشفه"[21].

 

عقيدته في التنزّه عن التنزيه:

وفي الفص النوحي نقرأ النص التالي الذي ننقله بطوله لاهميته: (أن التنزيه عند أهل الحقائق في الجناب الإلهي عين التحديد والتقييد. فالمنزه إما جاهل وإما صاحب سوء أدب. و لكن إذا أطلقاه و قالا به، فالقائل بالشرائع المؤمن إذا نزه و وقف عند التنزيه و لم يَرَ غير ذلك فقد أساء الأدب و أكذب الحقَّ والرسلَ صلوات الله عليهم وهو لا يشعر، و يتخيل أنه في الحاصل وهو من الفائت. وهو كمن آمن ببعض وكَفَرَ ببعض، ولا سيما وقد علم أنَّ أَلْسِنَةَ الشرائع الإلهية إذا نطقت في الحق تعالى بما نطقت إنما جاءت به في العموم على المفهوم الأول، وعلى الخصوص على كل مفهوم يفهم من وجوه ذلك اللفظ بأي لسان كان في وضع ذلك اللسان. فإن للحق في كل خلق ظهوراً: فهو الظاهر في كل مفهوم، وهو الباطن عن كل فهم إلا عن فهم من قال إن العالم صورته وهويته: وهو الاسم الظاهر، كما أنه بالمعنى روح ما ظهر، فهو الباطن. فنسبته لما ظهر من صور العالم نسبة الروح المدبِّر للصورة. فيؤخذ في حد الإنسان مثلًا ظاهره وباطنه، وكذلك كل محدود. فالحق محدود بكل حد، و صور العالم لا تنضبط ولا يحاط بها ولا تعلم حدود كل صورة منها إلا على قدر ما حصل لكل عالم من صورته. فلذلك يُجْهَل حدُّ الحق، فإنه لا يُعْلَم حدُّه إلا بعلم حد كل صورة، وهذا محال حصوله: فحد الحق محال. وكذلك من شبّهه وما نزَّهه فقد قيَّده وحدده وما عرَفه. ومن جمع في معرفته بين التنزيه و التشبيه بالوصفين على الإجمال- لأنه يستحيل ذلك على التفصيل لعدم الإحاطة بما في العالم من الصور- فقد عرَفه مجملًا لا على التفصيل كما عرَف نفسه مجملًا لا على التفصيل. ولذلك ربط النبي صلى الله عليه وسلم معرفة الحق بمعرفة النفس فقال: «من عرف نفسه عرف ربه». وقال تعالى: «سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الْآفاقِ» وهو ما خرج عنك «وَفي أَنْفُسِهِمْ» وهو عينك، «حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ» أي للناظر «أَنَّهُ الْحَقُّ» من حيث إنك صورته وهو روحك. فأنت له كالصورة الجسمية لك، وهو لك كالروح المدبر لصورة جسدك. والحدُّ يشمل الظاهر والباطن منك: فإن الصورة الباقية إذا زال عنها الروح المدبر لها لم تبق إنساناً، ولكن يقال فيها إنها صورة الإنسان، فلا فرق بينها وبين صورة من خشب أو حجارة. ولا ينطلق عليها اسم الإنسان إلا بالمجاز لا بالحقيقة. وصور العالم لا يمكن زوال الحق عنها أصلًا. فحد الألوهية له بالحقيقة لا بالمجاز كما هو حد الإنسان إذا كان حياً. وكما أن ظاهر صورة الإنسان تثني بلسانها على روحها ونفسها والمدبرِ لها، كذلك جعل الله صورة العالم تسبح بحمده و لكن لا نفقة تسبيحهم لأنا لا نحيط بما في العالم من الصور. فالكل ألسِنَةُ الحق ناطقة بالثناء على الحق. ولذلك قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» أي إليه يرجع عواقب الثناء، فهو المثني و المثْنَى عليه:

فإن قلت بالتنزيه كنت مقيداً و إن قلت بالتشبيه كنت محدداً

و إن قلت بالأمرين كنت مسدداً و كنت إماماً في المعارف سيداً

فمن قال بالإشفاع كان مشركاً و من قال بالإفراد كان موحداً

فإياك و التشبيه إن كنت ثانياً و إياك و التنزيه إن كنت مفرداً

فما أنت هو: بل أنت هو و تراه في عين الأمور مسرَّحاً و مقيداً

 

قال الله تعالى «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ» فنزه، «وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» فَشبَّه. وقال تعالى «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ» فشبه وثنى، «وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» فنزَّه وأفرد.

     لو أن نوحاً عليه السلام جمع لقومه بين الدعوتين لأجابوه: فدعاهم جهاراً ثم دعاهم إسراراً، ثم قال لهم: «اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً». وقال: «دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَ نَهاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً». وذكر عن قومه أنهم تصامموا عن دعوته لعلمهم بما يجب عليهم من إجابة دعوته. فعلم العلماء باللَّه ما أشار إليه نوح عليه السلام في حق قومه من إجابة دعوته. فعلم العلماء باللَّه ما أشار إليه نوح عليه السلام في حق قومه من الثناء عليهم بلسان الذم، وعلم أنهم إنما لم يجيبوا دعوته لما فيها من الفرقان، و الأمر قرآن لا فرقان، و من أقيم في القرآن لا يصغي إلى الفرقان و إن كان فيه. فإن القرآن يتضمن الفرقان‏ والفرقان لا يتضمن القرآن. و لهذا ما اختص بالقرآن إلا محمد صلى الله عليه وسلم وهذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس. فـ«لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ» يجمع الأمرين في أمر واحد. فلو أن نوحاً يأتي بمثل هذه الآية لفظاً أجابوه، فإنه شبَّهَ ونزَّهَ في آية واحدة، بل في نصف آية. ونوح دعا قومه «لَيْلًا» من حيث‏ عقولهم وروحانيتهم فإنها غيب. «وَنَهاراً» دعاهم أيضاً من حيث ظاهر صورهم و حِسِّهم، و ما جمع في الدعوة مثل «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ» فنفرت بواطنهم لهذا الفرقان فزادهم فراراً. ثم قال عن نفسه إنه دعاهم ليغفر لهم‏، لا ليكشف لهم، و فهموا ذلك منه صلى الله عليه وسلم. لذلك «جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ في آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ» وهذه كلها صورة الستر التي دعاهم إليها فأجابوا دعوته بالفعل لا بلبيك. ففي «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ» إثبات المثل ونفيه، وبهذا قال عن نفسه صلى الله عليه وسلم إنه أوتي جوامع الكلم. فما دعا محمد صلى الله عليه وسلم قوَمه ليلًا ونهاراً، بل دعاهم ليلًا في نهار ونهاراً في ليل. فقال نوح في حكمته لقومه: «يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً» وهي المعارف العقلية في المعاني والنظر الاعتباري، «وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ» أي بما يميل بكم إليه فإذا مال بكم إليه رأيتم صورتكم فيه. فمن تخيل منكم أنه رآه فما عرف، ومن عرف منكم أنه رأى نفسه فهو العارف. فلهذا انقسم الناس إلى غير عالِم وعالِم. «وَوَلَدُهُ» وهو ما أنتجه لهم نظرهم الفكري. والأمر موقوف علمه على المشاهدة بعيد عن نتائج الفكر. «إِلَّا خَساراً، فما ربحت تجارتهم» فزال عنهم ما كان في أيديهم مما كانوا يتخيلون أنه ملك لهم: وهو في المحمديِّين «وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ»، وفي نوح «أَلَّا تَتَّخِذُوا من دُونِي وَكِيلًا» فأثبت المُلْكَ لهم والوكالة للَّه فيهم. فهم مستخلفون فيه. فالملك للَّه وهو وكيلهم، فالملك لهم وذلك ملك الاستخلاف. وبهذا كان الحق تعالى مالك الملك كما قال الترمذي).

وملخص ما يريد ابن عربي قوله انطلاقاً من عقيدته في وحدة الوجود والموجود هو انه يرى ان الحق في التنزيه والتشبيه (لله تعالى) معاً ، فمن قال بالتنزيه وحده فهو مخطيء لأن لله تعالى ظهوراً في كافة مخلوقاته (بحسب عقيدته) ، ىومن قال بالتشبيه وحده فهو مخطيء ايضاً لأن الله تعالى لا يشبهه شيء !! نعم هو امر اقرب للسفسطة.

ونقرأ في سفسطته المذكورة انه يخطّأ النبي نوح (عليه السلام) في طريقة تبليغه لامر الله سبحانه ، فيريد منه ان يدعوهم للتنزيه والتشبيه معاً أي التوحيد والشرك معاً !!

وبعد ان نقلنا كلام ابن عربي فلنعد الى القيصري لنقرأ شرحه لكلام ابن عربي والذي يضع فيه المزيد من النقاط على الحروف ، قال القيصري: (اعلم: ان التنزيه اما ان يكون من النقائص الامكانية فقط ، او منها ومن الكمالات الانسانية ايضاً ، وكل منهما عند اهل الكشف والشهود تحديد للجناب الالهي وتقييد له ، لانه يميز الحق عن جميع الموجودات ، ويجعل ظهوره في بعض مراتبه – وهو ما يقتضي التنزيه – دون البعض ، وهو ما يقتضي التشبيه ، كالحياة ، والعلم ، والقدرة ، والارادة ، والسمع ، والبصر ، وغير ذلك. وليس الامر كذلك فإنَّ الموجودات بذواتهم ووجوداتهم وكمالاتهم كلها مظاهر للحق ، وهو ظاهر فيهم ومتجلٍّ لهم ، وهو معهم اين ما كانوا ، فيه ذواتهم ووجودهم وبقاؤهم وجميع صفاتهم ، بل هو الذي ظهر بهذه الصورة كلها ، فهي للحق بالاصالة وللخلق بالتبعية. فالمنزّه إما جاهل بالامر على ما هو عليه ، او عالم بأنّ العالم كله مظهره ، فإن كان جاهلاً وحكم بجهله على الله وقيّده في بعض مراتبه ، فهو جاهل وصاحب سوء ادب ، وإن كان عالماً به فقد اساء الادب مع الله تعالى ورسله ، بنفيه عنه ما اثبته هو لنفسه في مقامي جمعه وتفصيله ، هذا في مقام الالهية. وأما في مقام الاحدية الذاتية فلا تشبيه ولا تنزيه ، إذ لا تعدد فيه بوجه اصلاً ، قال الشيخ في (عنقاء المغرب) مخاطباً للمنزه: "وغاية معرفتك به ان تسلب عنه نقائص الكون ، وسلب العبد عن ربه ما لا يجوز عليه راجع اليه ، وفي هذا المقام قال من قال: "سبحاني" دون التواني ، هيهات وهل يعرّى من شيء الا من لبسه ، او يؤخذ شيء إلا الحق ممن حبسه ، ومتى لبس الحق صفات النقص حتى تسلبها عنه ، او تعرّيه؟ ووالله ، ما هذه حالة التنزيه". فالتنزيه راجع الى تطهير محلّك لا الى ذاته ، وهو من جملة منحه لك وهباته ، والباريء منزّه عن التنزيه فكيف عن التشبيه)!

ثم يقول القيصري: (الجاهل وصاحب سوء الادب اذا اطلق التنزيه وقال به كل منهما ، إما ان يكون مؤمناً بالشرائع والكتب الالهية ، او غير مؤمن بها. فالمؤمن اذا نزّه الحق ووقف عنده ، ولم يشبّه في مقام التشبيه ، ولم يثبت تلك الصفات التي هي كمالات في العالم ، فقد اساء الادب وكذّب الرسل والكتب الالهية ، فيما اخبر به عن نفسه بأنه الحيّ القيّوم ، السميع البصير ، ولا يشعر بهذا التكذيب الصادر منه ، ويتخيّل أن له حاصلاً من العلوم والمعارف ، وانه مؤمن وموحد وما يعلم أنه فات منه (وهو كمن آمن ببعض) وهو مقام التنزيه (وكفر ببعض) وهو مقام التشبيه. وغير المؤمن سواء كان قائلاً بعقله كالفلاسفة ، او لم يكن كمقلديهم المتفلسفة ، فقد ضلّ وأضلّ ، لأنه ما علم الامر على ما هو عليه ، وما اهتدى بنور الايمان الرافع للحجب ، وانما ترك هذا القسم لوضوح بطلانه).

فابن عربي وشارح كلامه القيصري يظنون ان مجرد اطلاق الصفات كالسميع والبصير والخبير والحكيم على الله سبحانه فإن في ذلك تشبيهاً ملزماً للمسلم ان يقول به غير آبهين بأن صفات الله سبحانه هي تشترك لفظياً مع صفات البشر لا على نحو الحقيقة. فسمع الله سبحانه هو غير سمعنا وبصره غير بصرنا وحكمته غير حكمتنا إلخ ...  فكيف يطلبون من المسلم ان يشبّه الله تعالى بخلقه لمجرد وجود مشتركات لفظية وليست حقيقية ؟! فالذي اوقعهم في هذا الاشكال هو قولهم بوحدة الوجود والذي بسببه هم يظنون ان الصفات بين الخالق والمخلوق كالسميع والبصير والحكيم هي صفات حقيقية وليست فقط لفظية لظنهم أن جميع المخلوقات هي انما مراتب لظهور الخالق تعالى شأنه بحسب عقيدتهم في وحدة الوجود ! تعالى الله سبحانه عن ذلك علواً كبيراً.

وفيما روي عن امير المؤمنين في نهج البلاغة في خطبة تعرف بخطبة الاشباح نقرأ: (وأشهد أن من شبهك بتباين أعضاء خلقك، وتلاحم حقاق مفاصلهم المحتجبة لتدبير حكمتك ، لم يعقد غيب ضميره على معرفتك ، ولم يباشر قلبه اليقين بأنه لا ند لك وكأنه لم يسمع تبرأ التابعين من المتبوعين ، إذ يقولون: تَأَللهِ إِنْ كُنَّا لَفِى ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ أَلْعَالَمِينَ. كذب العادلون بك ، إذ شبهوك بأصنامهم، ونحلوك حلية المخلوقين بأوهامهم ، وجزؤوك تجزئة المجسمات بخواطرهم ، وقدروك على الخلقة المختلفة القوى بقرائح عقولهم).

بينما يقول ابن عربي في الفص النوحي نفسه: (قال الله تعالى «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ» فنزه، «وهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» فَشبَّه. و قال تعالى «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ» فشبه و ثنى، «وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» فنزَّه و أفرد) ، فشرح القيصري كلامه بقوله: (اعلم: ان الكاف تارة تؤخذ زائدة ، واخرى غير زائدة. فعلى الاول: معناه التنزيه ، لأنه نفى ان يماثله شيء بوجه من الوجوه. وقوله: ((وهو السميع البصير)) تشبيه ، لانهما يطلقان عليه وتعالى وعلى غيره من العباد. وعلى الثاني: معناه ليس مثل مثله شيء ، فشبّه بالمثل في نفي المثل عن المثل ، وثنّى ايضاً بإثبات المثل ، ونزّه بقوله: ((وهو السميع العليم)) فإنّ السمع والبصر في الحقيقة لله لا لغيره ، وفي علم الفصاحة والبلاغة مبيّن أن الضمير إذا قدّم  وخبره معرّف باللام يفيد الحصر ، كقولك: "فلان هو الرجل" أي: الرجولية منحصرة فيه وليست لغيره ، كذلك ها هنا ، أي: هو السميع البصير لا غيره ، فيفيد حصرهما فيه ، وهو الافراد والتنزيه عن النقصان ، وهو عدم السمع والبصر. وانما جعل السمع والبصر في الاول تشبيهاً وفي الثاني تنزيهاً ، ليجمع بين التنزيه والتشبيه ، وهو مقام الكمال ، ولما كان السمع والبصر راجعين الى الحق في مقام الجمع ، قال: (وافرد) ولم يقل: (ووحّد) تنبيهاً على ان فردانيته لا تكون إلا في عين الكثرة ، لأن الفردية تشتمل عليها ضرورة ، لكونه عدداً ، والوحدانية تقابلها).

قوله: (وانما جعل السمع والبصر في الاول تشبيهاً وفي الثاني تنزيهاً ، ليجمع بين التنزيه والتشبيه ، وهو مقام الكمال) هو تحكم بلا دليل ، فقد ذكر هو نفسه ان من الناحية البلاغية فإنَّ (السميع البصير) دالة على التنزيه. ولذلك فسواء كانت الكاف زائدة او غير زائدة فهذا لا يغير في بلاغة العبارة شيء. واما زعمه ان عبارة (السميع البصير) تدل على التشبيه متعلق بعقيدته في وحدة الوجود فيظن ان سمع الله تعالى وبصره هو كسمعنا وبصرنا ، مع انه تعالى يسمع بلا آلة سمع ويبصر بلا آلة بصر ، فهو غير مركب ، بخلاف الانسان فكيف يشترك الخالق مع المخلوق في الصفات ؟!

وحول كلام ابن عربي قوله (فلو ان نوحاً عليه السلام جمع لقومه بين الدعوتين لاجابوه) إلخ ... قال القيصري: (ولما كانت هذه الحكمة في كلمة نوح ومرتبته ، قال: إنه عليه السلام لو كان يجمع بين الدعوتين ، أي: لو كان يجمع في دعوته بين التشبيه والتنزيه كما جمع في القرآن بينهما ، لأجابوه ، لأنه لو اتى بالتشبيه لحصلت المناسبة بينهم وبينه من حيث التشبيه ، إذ كانوا مثبتين لاصنامهم الصفات الكمالية ، لذلك قالوا: ((ما نعبدهم إلا ليقربونا الى الله زلفى)) فجعلوهم من المقرَّبين عند الله والمقرِّبين لغيرهم ، وأثبتوا لهم الشفاعة ، كما قالوا: ((هؤلاء شفعاؤنا عند الله)). والتقرب من الله والشفاعة لا يكونا إلا لمن له الصفات الكمالية ، فلو اتى بالتشبيه لصدّقوه وقبلوا كلامه ايضاً في التنزيه ، ولكن دعاهم جهاراً ، أي: ظاهراً الى الظاهر المطلق من حيث صورهم وظواهرهم ، ليعبدوا الله بظواهرهم بالعبادات البدنيّة ، والاتيان بالاعمال الحسيّة ، ثم دعاهم إسراراً ، أي: باطناً الى الباطن المطلق من حيث عقولهم وروحانيتهم ، ليعبدوا الباطن المطلق ، عبادة الملأ الاعلى والملائكة المقرّبين. فلما لم يقبلوا دعوته لرسوخ المحبة للمظاهر الجزئية – التي هي معبوداتهم – في قلوبهم وبواطنهم ، قال: ((استغفروا ربكم إنه كان غفّاراً)) أي: اطلبوا منه سرّ وجوداتكم وذواتكم وصفاتكم ، بوجوده وذاته وصفاته ، فنفرت بواطنهم منه ، لأن الانفس مجبولة على محبة اعيانها ، او لعدم قدرتهم بأنفسهم على ذلك).

وهذا النص يُقِرُّ فيه القيصري عبادة الاصنام من قبل قوم نوح (عليه السلام) ويقر ان الاصنام شفعاء وان الشفاعة لا تكون الا لمن الصفات الكمالية ! وقال ان النبي نوح (عليه السلام) لو اتى قومه بالتشبيه الى جانب التنزيه لقبلوه ، وما التشبيه الا عبادة الاصنام في حالتهم تلك !!

ونكتفي بهذا المقدار من شرح القيصري ، وإلا فإن في شرحه مزيد توضيح لعقيدته المغايرة للاسلام المحمدي الاصيل ، ولمن يرغب بالمزيد من الاطلاع فليراجعه.

وننتقل الى تعليقات السيد الخميني على شرح القيصري لفصوص ابن عربي لنجده موافقاً لهما فيما يذهبان إليه، حيث قال: (لمّا كان الواجب على العارف الموحّد حفظ مقامي التّشبيه والتّنزيه وكان الفصّان السابقان في مقام التّشبيه أردف الحكمة السّبوحيّة بالحكمتين لحفظ التنزيه والتّقديس).

ثم يضيف السيد الخميني: (قال شيخنا العارف أدام الله ظلّه: الإنصاف أنّ التنزيه عن النّقائص الإمكانية ليس تحديدا فإنها إعدام والتنزيه عنها يرجع إلى كمال الوجود ومرجعه الإطلاق لا التحديد قلت ما ذكره دام ظلّه حق لو كان النّقائص الإمكانية عدماً مطلقاً غير موجود ولو بالعرض ولكن الأمر ليس كذلك فإنّ المنزه يرى النقائص التي هي حدود الوجود وهي موجودة ولو بالعرض والتنزيه عنها يرجع إلى التحديد).

ثم يعلق على قول ابن عربي: (... فالقائل بالشّرائع المؤمن إذا نزه" "ووقف عند التنزيه ولم يرَ غير ذلك فقد أساء الأدب و" "أكذب الحق والرسل صلوات الله عليهم وهو لا يشعر ويتخيل أنه في الحاصل وهو في الفائت وهو كمن آمن ببعض وكفر ببعض ولا سيّما قد علم أن ألسنة الشرائع الإلهية إذا نطقت في الحق بما نطقت به إنما جاءت به في العموم ...) فقال: (قوله ولا سيما الخ ، هو متعلق بقوله فقد أساء الأدب وأكذب الحق والرسل والضمير في قوله جاءت به راجع إلى التشبيه المفهوم من فحوى الكلام وحاصل المراد أنّ الوقوف عند التنزيه إساءة الأدب وتكذيب الحق والرسل لا سيما أنّ ألسنّة الشرائع نطقت بالتشبيه بلسان العموم في بعض الموارد وبلسان الخاصة في موارد أخر أو في الكلام الذي لم يفهم منه العامة ما فهمه الخاصة في أي لسان ولغة كان وقوله فإن للحق في كل خلق ظهوراً تعليل لأصل المقصود من مقام التشبيه أي التشبيه ثابت فإنّ الحق ظاهرٌ في كل شيء بحسبه وقوله فهو الظاهر في مفهوم أي في كل حقيقة أتى بلفظ المفهوم للمشاكلة مع كلامه السّابق أي فهو تعالى مع ظهوره في كل الحقائق محجوب عن كلّ فهم فإنّ المشاهدة الحضوريّة وإن كانت واقعة ولكن الإحاطة بجميع المظاهر غير ممكن إلاّ للكمل والأقطاب). ثم يعلق على قول ابن عربي: (فحدّ الألوهية له بالحقيقة لا بالمجاز كما هو حدّ الإنسان اذا كان حيّاً) ، بقوله: (أي كما أنّ حد الألوهية للإنسان إذا كان حيًّا فإنه بعدما ذكر أن نسبته إلى العالم نسبة الروح المدبر إلى الجسم وذكر أنّ حقيقة الحدّ عبارة عن جهة الباطن التي هي الرّوح استنتج أنّ حدّ الألوهية للحق وللإنسان كليهما فحدّ الإنسان هو جهة الباطن التي هي الروح وهو بعينه جهة الألوهية التي هي حدّ الحقّ وأمّا ما ذكره الشارح فهو بعيد وإن كان منه غير بعيد).

ثم يعلق السيد الخميني على قول الشارح القيصري: (ولا يتوهم أنّ هذا الكلام يناقض قوله: "فحدّ الحقّ محال" لأن الحد هنا للمرتبة باعتبار الحق والعالم ، لا للحق من حيث ذاته). بقوله: (ما ذكره من استحالة التحديد ليس مختصّاً بالتحديد الذاتي بل يجري في التحديد بحسب المظهر تفصيلاً أيضاً كما صرّح به قبل ذلك ومع ذلك لا يناقض هذا كلامه السابق فإن التحديد بالألوهية التي هي حدّ الإنسان إجمالاً ممكن لا تفصيلاً).

ثم يعلق السيد الخميني على قول القيصري: (ثم يوجد أن نفسه وروحه سارياً في عين كلّ مرتبة وحقيقة كل موجود لا حالاً وعلماً وشهوداً فقط كسريان الحق فيها فيدرك تسبيح الموجودات بذلك النّور ويسمعه كما قال عبد الله" بن مسعود (رض) ولقد كنّا نسمع تسبيح الطعام) ، بقوله: (قوله سارياً الخ، وذلك في قرب الفرائض الذي صار العبد متمكناً في الفناء الذاتي والصفتي والفعلي فيخلع بخلعة البقاء بعد الفناء فيتحقق بالوجود الحقاني بعد رفض الوجود الخلقي بكليته فصار جسمه جسم الكلّ ونفسه نفس الكلّ وروحه روح الكلّ كما في الزيارة الجامعة: أجسادكم في الأجساد وأرواحكم في الأرواح وأنفسكم في النفوس ففي ذاك المقام يصير العبد سمع الحق وبصره ويده كما في حق مولى الموالي سلام الله عليه أذن الله الواعية عين الله الناظرة ويد الله إلى غير ذلك فيسمع الحق به ويبصر وأمّا في قرب النوافل فصار الحق سمع العبد وبصره وذلك عند الفناء الصفاتي كما في الحديث القدسي المعروف).

وحول قول القيصري: (ولما كان السمع والبصر راجعين إلى الحق في مقام الجمع قال: (وافرد) ولم يقل: (ووحد) تنبيهاً على أن فردانيته لا يكون إلاّ في" "عين الكثرة لأنّ الفردية يشتمل عليها ضرورة لكونه عدداً ، والوحدانيّة تقابلها). كتب السيد الخميني معلّقاً: (لا يخفى أن الوحدانية لم تكن مقابلها تقابل العزلي بل هي في عين كونها خارجةً عنها سارية فيها ومعها معيّة قيوميّة كما نقل عن زبور آل محمد (صلى الله عليه وآله) لك يا إلهي وحدانية العدد فالتعبير بأفرد دون وحّد لم يكن لما ذكره الشارح كما هو الظاهر بل يمكن أن يكون الوجه في التعبير بأفرد بصيغة أفعال دون فرّد ووحّد بصيغة تفعيل أن نظره إلى الوحدة الصرفة الحاصلة للذات المقدسة في مقام غيبه لا التوحيد الذي هو عبارة عن إرجاع الكثرات الى الوحدة وإفناء التعينات في بحر الوجود المطلق والتوحيد والتفريد يفيدان المعنى الثاني بخلاف الأفراد ، تدبر تجد).

وحول قول ابن عربي: (فلو أن نوحا جمع لقومه بين الدعوتين لأجابوه..) كتب السيد الخميني مخالفاً فكرته في طريقة الدعوة، لا في اصل فكرة الجمع بين التنزيه والتشبيه ، فقال: (قال شيخنا العارف الكامل الشاه آبادي مد ظله العالي فلو أن نوحاً جمع بين الدعوتين لما أجابوه أصلاً فإن قومه كانوا واقعين في الكثرة والتشبيه بطريق التقييد لا التشبيه الأطلاقي الذي هو حق التشبيه فإنهم كانوا يعبدون الأصنام وهو تقييد في التشبيه فلو أن نوحاً تفوه بالتشبيه أو اطلاقه بأن يقول أنّ التقييد باطل والإطلاق حق لما توجهوا إلى التنزيه والوحدة أصلاً فكان عليه أن يدعو إلى التنزيه فيعالج قومه معالجة الضد كما فعل فهو عليه السلام وإن كان صاحب التشبيه والتنزيه جمعاً لا تفرقه إلاّ أنه ما دعا إلاّ إلى التنزيه لمناسبة حال المدعوين. نعم كان نبينا (صلى الله عليه وآله) صاحب مقام التشبيه والتنزيه وكان جمعهما مقاما له بخلاف سائر الأنبياء (عليهم السلام) فإنهم لم يكونوا صاحب المقام بل كانا فيهم بطريق الحال أقول الدعوة إلى التنزيه هي الدّعوة إلى التشبيه وبالعكس فإن التنزيه محجوب في التشبيه والتشبيه مستور في التنزيه نعم كان من أدب الأنبياء عليهم السلام التصريح بالتنزيه وجعل التشبيه في الحجاب لأصحاب السر وأرباب القلوب وبحسب حالات قومهم وغلبة جهات الكثرة والوحدة عليهم كانت الدعوة مختلفة في التصريح والرمز ولهذا من أخذ موسى (عليه السلام) بلحية أخيه ما فهم القوم إلاّ التنزيه مع أنّ أرباب المعرفة فهموا منه التشبيه وعلى هذا يمكن أن يكون قوله: ((ثم إني دعوتهم جهاراً ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسراراً)) {نوح: 8-9} إشارة إلى أن الجهر والأسرار من كيفية الدّعوة فتكون دعوته جهراً وصراحة إلى التنزيه المطلق وسرّاً وفي الحجاب إلى التشبيه المطلق والعطف بـ (ثمّ) لدلالة أنّ الدعوة الأسرارية إلى التشبيه منضمة في الدعوة الجهرية إلى التنزيه ولعل قوله دعوت قومي ليلاً ونهاراً حكاية عن الدعوة الجهريّة والأسراريّة وتقديم اللّيل على النهار لعله للإشارة إلى عدم احتجاب نفسه (عليه السلام) عن الكثرة في عين الوحدة وعن الوحدة في عين الكثرة.

وحول استناد ابن عربي لقوله تعالى ((ليس كمثله شيء)) وقوله: (فلو ان نوحاً عليه السلام أتى بمثل هذه الاية لفظاً أجابوه ، فإنّه شبّه ونزّه في آية واحدة ، بل في نصف آية). وقول القيصري يشرح هذا النص: (الآية هي ((ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)) ونصفها ((ليس كمثله شيء)) والنصف الآخر ((وهو السميع البصير)) فإن في كل من النصفين تشبيها وتنزيها كما مرّ بيانه). فكتب السيد الخميني معلقاً: (قوله كما مر بيانه، ما مرّ من البيان منه كون التشبيه والتنزيه باعتبارين في كل من الفقرتين وليس المقصود ذلك فإنه ليس جمعاً بينهما ومراده الجمع كما لا يخفى فلعل المراد من الجمع بينهما هنا في قوله ليس كمثله شيء أن عدم المثليّة يلازم الإحاطة التامة بنحو ظهور الواحد في مراتب الكثرات والظهور الكذائي هو التشبيه فالآية الشريفة جامعة بينهما وفي قوله هو السميع البصير أظهر فإنّ السمع الثابت للممكنات والبصر الحاصل لهم إذا كانا له تعالى بعين ثبوتهما لهم كان هو الظاهر المحيط في مراتب الكثرات ومرائي الممكنات فإذا كان هو المحيط الظاهر فيهم لم يكن كأحدهم فنزّه وشبه في نصف آية باعتبار واحد ويمكن أن يكون نصف آية هو مجموع الفقرتين فإن الظاهر أنهما متممين للآية فراجع)[22].

كما ان السيد الخميني لا يبدي معارضة لفكرة ابن عربي في تلذذ المعذبين بالنار! ففي تعليقه على كلام القيصري الذي قال: (وسر ذلك ان الرحمن جامع للاسماء الالهية ومن جملتها المنتقم) فعلق السيد الخميني قائلاً: (ولعل الرحمن الذي يشفع عند المنتقم لم يكن من الاسماء المحيطة الشاملة له ايضاً بل من الرحمة الخالصة المحصنة التي لا تكون في باطنها نقمة أصلاً فحكومة ارحم الراحمين حكومة غير مشوبة بالانتقام والسخط وإن كانت صورة الرحمة هي النار فإن الخلود في النار لا ينافي التذاذ أهلها بها بناءً على من يرى عدم الخلود في أليم العذاب كالشيخ ومن تبعه وإن كان الخلود في النار من الضروريات)[23].

ورغم الشطحات والآراء الغريبة عن الاسلام التي اطلقها ابن عربي نجد ان ابن تيمية لم يكن من المعادين له ولم يكفره ، يقول الدكتور عبد المنعم الحفني: (ان ابن تيمية يرى أن ابن عربي أقرب القائلين بوحدة الوجود الى الاسلام وأحسنهم كلاماً في الكثير من المواضع لانه لم يخلط الظاهر بالمظاهر وأقرّ الامر والنهي والشرائع وأمر بالسلوك الصوفي على ما أمر به المشايخ من الاخلاق والعبادات)[24].

فإذا كان ابن تيمية هذا رأيه فلا نستغرب ان يظهر شخص شيعي يدعى الشيخ قاسم الطهراني ليتحدث عن (وصول ابن عربي القطعي إلى أعلى درجات القرب الإلهي) !!؟

 

مفهوم وحدة الوجود والموجود في كلام ابن عربي:

ورد مفهوم "وحدة الوجود والموجود" مرتين في الفتوحات المكية لابن عربي في النصين التاليين:

1.      قوله: (فالوحدة في الايجاد والوجود والموجود لا يُعقل ولا يُنقل إلا في لا إله إلا هو)[25].

2.      قوله: (فاثبت الكثرة في الثبوت وانفِها من الوجود وأثبت الوحدة في الوجود وانفِها من الثبوت)[26].

ويؤكد الدكتور ابراهيم مدكور ان اول من استعمل مصطلح (وحدة الوجود) هو ابن تيمية[27] !

ويقول ملا صدرا في معرض اثباته "وحدة الوجود والموجود": (ومما يجب ان يعلم أن اثباتنا لمراتب الوجودات المتكثرة ومواضعتنا في مراتب البحث والتعليم على تعددها وتكثرها لا ينافي ما نحن بصدده من ذي قبل إن شاء الله من اثبات وحدة الوجود والموجود ذاتاً وحقيقةً كما هو مذهب الاولياء والعرفاء من عظماء أهل الكشف واليقين وسنقيم البرهان القطعي على ان الوجودات وان تكثرت وتمايزت الا انها من مراتب تعينات الحق الاول وظهورات نوره وشؤونات ذاته لا انها امور مستقلة وذوات منفصلة)[28].

ويقول في موضع آخر: (واما الانسان الكامل فهو الذي يقبل الحق ويهتدي بنوره في جميع تجلياته ويعبده بحسب اسمائه فهو عبد الله في الحقيقة ولهذا سمي بهذا الاسم أكمل افراد نوع الانسان لأنه قد شاهد الحق الاول في جميع المظاهر الآمرية والخلقية من غير تطرق تكثر لا في الذات ولا في التجلي أيضاً لما مرّ من ان تجليه تعالى حقيقة واحدة والتكثر باعتبار تعدد شؤونه وحيثياته المسماة بالماهيات والاعيان الثابتة التي لا وجود لها في ذاتها ولا يتعلق بها جعل وتأثير بل لها مع انحاء الوجودات التي هي اظلال للنور الاحدي ورشحات للوجود القيومي ضرب من الاتحاد فيصير احكاما لها ومحمولات عليها فالكاملون علموا الحقائق علماً لا يطرء عليه ريب وشك فهم عباد الرحمان الذين يمشون على ارض الحقائق هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً وهم العقول الضعيفة القاصرة العاجزة عن إدراك التجليات الالهية في كل موطن ومقام وأما النفوس الابية الطاغية فهي غير معظمة لشعائر الله فهم في الحقيقة في جحيم البعد ومضيق الحرمان عن ادراك الحقائق والانوار الالهية إذ لا يقبلون الا ما اعطت ذواتهم وقيل فيهم انكم وما تعبدون من دون لله حصب جهنم أي جهنم الحرمان عن ملاحظة تجليات الحق واضافته لأنهم حيث اشتبه عليهم الوجودات التي هي نفس فيضات الحق وانحاء تجلياته بلوازم الماهيات التي هي امور برأسها وأصنام بحيالها فعبدوها ونسبوا الوجود والايجاد في المراتب المتأخرة اليها ولم يعبدوا الحق الاول في جميع المراتب وبحسب كل الاسماء لنهم لم يعلموا ان الحق هو المتجلي في كل شيء مع انه المتخلي عن كل شيء فسبحان من تنزه عن الفحشاء وسبحان من لا يجري في ملكه الا ما يشاء. ذكر اجمالي: انظر ايها السالك طريق الحق ماذا ترى من الوحدة والكثرة جمعاً وفرادى فان كنت ترى جهة الوحدة فقط فأنت مع الحق وحده لارتفاع الكثرة اللازمة عن الخلق وان كنت ترى الكثرة فقط فأنت مع الخلق وحده وان كنت ترى الوحدة في الكثرة محتجبة والكثرة في الوحدة مستهلكة فقد جمعت بين الكمالين وفزت بمقام الحسنيين والحمد لله ذي العظمة والكبرياء وله الاسماء الحسنى)[29].

انظر لجرأته على الله سبحانه عندما ينسب اليه تعالى شأنه ان حيثياته هي الماهيات والاعيان الثابتة !! وقد دلت النصوص الشريفة من قبل الائمة الهداة (عليهم السلام) على منع الخوض في ذات الله تعالى لان العقل البشري لا يمكنه ادراك كنه الذات الالهية المقدسة، فيما يتحدث ملا صدرا عن "ماهيات" و"اعيان ثابتة" فيها تبعاً لتراث ابن عربي!! نستجير بالله من الخذلان. ورب قائل يدّعي اننا لم نفهم مراده بهذه العبارة بصورة صحيحة فنقول له ان اعتراضنا ليس على مراده بل على خوضه ونسبته للذات المقدسة ما لا يعلمه الا ظناً وفق قواعد الفلسفة الموهومة[30].

 

 

 

ويقال في معنى "وحدة الوجود والموجود" انه احد المعاني التالية:

ـ أن الوجود حقيقة واحدة ولا تعدد في حقيقته وإنه كما يطلق على الواجب كذلك يطلق على الممكن فهما موجودان وحقيقة الوجود فيهما واحدة والاختلاف إنما هو بحسب المرتبة لأن الوجود الواجبي في أعلى مراتب القوة والتمام ، والوجود الممكني في أنزل مراتب الضعف والنقصان وإن كان كلاهما موجوداً حقيقة وأحدهما خالق للآخر وموجد له. فهذا في الحقيقة قول بكثرة الوجود والموجود معاً . نعم، حقيقة الوجود واحدة فهو مما لا يستلزم الكفر والنجاسة بوجه بل هو مذهب أكثر الفلاسفة بل مما اعترض المسلمون وأهل الكتاب ومطابق لظواهر الآيات والأدعية فترى إنه «عليه السلام» يقول: أنت الخالق وأنا المخلوق وأنت الرب وأنا المربوب، وغير ذلك من التعابير الدالة على أن هناك موجودين متعددين أحدهما موجد وخالق للآخر ويعبر عن ذلك في الاصطلاح بالتوحيد العامي .

ـ وإن أراد من وحدة الوجود ما يقابل الأول وهو أن يقول بوحدة الوجود الموجود حقيقة وإنه ليس هناك في الحقيقة إلاّ موجود واحد ولكن له تطورات متكثرة واعتبارات مختلفة لأنه في الخالق خالق وفي المخلوق مخلوق كما إنه في السماء سماء وفي الأرض أرض وهكذا . وهذا هو الذي يقال له توحيد خاص الخاص وهذا القول نسبه صدر المتألهين إلى بعض الجهلة من المتصوفين ـ وحكي عن بعضهم إنه قال : ليس في جبتي سوى الله ـ وأنكر نسبته إلى أكابر الصوفية ورؤسائهم ، وإنكاره هذا هو الذي يساعده الاعتبار فإن العاقل كيف يصدر منه هذا الكلام وكيف يلتزم بوحدة الخالق ومخلوقه ويدعي اختلافهما بحسب الاعتبار ؟! وكيف كان فلا إشكال في أن الالتزام بذلك كفر صريح وزندقة ظاهرة لأنه إنكار للواجب والنبي «صلى الله عليه وآله وسلّم» حيث لا امتياز للخالق عن المخلوق حينئذ إلاّ بالاعتبار وكذا النبي «صلى الله عليه وآله وسلّم» وأبو جهل ـ مثلاً ـ متحدان في الحقيقة على هذا الأساس وإنما يختلفان بحسب الاعتبار .

ـ وأما إذا أراد القائل بوحدة الوجود أن الوجود واحد حقيقة ولا كثرة فيه من جهة وإنما الموجود متعدد ولكنه فرق بيّن موجودية الموجود وموجودية غيره من الماهيات الممكنة لأن إطلاق الموجود على الوجود من جهة إنه نفس مبدء الاشتقاق . وأمّا إطلاقه على الماهيات الممكنة فإنما هو من جهة كونها منتسبة إلى الموجود الحقيقي الذي هو الوجود لا من أجل إنها نفس مبدء الاشتقاق ولا من جهة قيام الوجود بها، حيث إن للمشتق اطلاقات: فقد يحمل على الذات من جهة قيام المبدء به، كما في زيد عالم أو ضارب لأنه بمعنى من قام به العلم أو الضرب .وأخرى: يحمل عليه لأنه نفس مبدء الاشتقاق، كما عرفته في الوجود والموجود .وثالثة: من جهة إضافته إلى المبدء نحو إضافة، وهذا كما في اللابن والتامر لضرورة عدم قيام اللبن والتمر ببايعهما إلاّ أن البايع لما كان مسنداً ومضافاً إليهما نحو إضافة ـ وهو كونه بايعاً لهما ـ صح إطلاق اللابن والتامر على بايع التمر واللبن ، وإطلاق الموجود على الماهيات الممكنة من هذا القبيل ، لأنه بمعنى إنها منتسبة ومضافة إلى الله سبحانه بإضافة يعبر عنها بالإضافة الاشراقية فالموجود بالوجود الانتسابي متعدد والموجود الاستقلالي الذي هو الوجود واحد . وهذا القول منسوب إلى أذواق المتألهين، فكأن القائل به بلغ أعلى مراتب التأله حيث الوجود بالواجب سبحانه ويسمى هذا توحيداً خاصياً . ولقد اختار ذلك الأكابر ممن عاصرناهم وأصر عليه غاية الإصرار مستشهداً بجملة وافرة من الآيات والأخبار حيث أنه تعالى قد أطلق عليه الموجود في بعض الأدعية .وهذا المدعى وإن كان أمراً باطلاً في نفسه لابتنائه على أصالة الماهية ـ على ما تحقق في محله ـ وهي فاسدة لأن الأصيل هو الوجود[31] إلاّ أنه غير مستتبع لشيء من الكفر والنجاسة والفسق.

ـ بقي هناك احتمال آخر وهو: ما إذا أراد القائل بوحدة الوجود وحدة الوجود والموجود في عين كثرتهما فيلتزم بوحدة الوجود والموجود وإنه الواجب سبحانه إلاّ أن الكثرات ظهورات نوره وشئونات ذاته وكل منها نعت من نعوته ولمعة من لمعات صفاته ويسمى ذلك عند الاصطلاح بتوحيد أخص الخواص . وهذا هو الذي حققه صدر المتألهين ونسبه إلى الأولياء والعرفاء من عظماء أهل الكشف واليقين قائلاً : بأن الآن حصص الحق واضمحلت الكثرة الوهمية وارتفعت أغاليط الأوهام. ويضيف السيد الخوئي: إلاّ أنه لم يظهر لنا ـ إلى الآن ـ حقيقة ما يريدونه من هذا الكلام . وكيف كان فالقائل بوحدة الوجود ـ بهذا المعنى الأخير ـ أيضاً غير محكوم بكفره ولا بنجاسته ما دام لم يلتزم بتوال فاسدة من إنكار الواجب أو الرسالة أو المعاد[32]. ولكن لا يبعد الحكم بفساد عقيدته لاسيما مع قولهم بفيض الوجود بدلاً من خلقه ، وبقولهم بالمعاد الروحي وغيرها من المفاسد العقائدية التي سنتطرق اليها – إنْ شاء الله - في الفصل الرابع من هذا البحث.

وقال الدكتور محسن جهانگيري: (وتُعَدّ الصوفية وعلى رأسها ابن عربي ممن يعتقد بأنّ الوجود في الخارج فرد وحقيقة متحققة. وتعبّر هذه الطائفة عن رأيها بعبارة (وحدة الوجود والموجود) التي لها وجوه ومعان عديدة)[33].

ويقول: (ويُعدّ ابن عربي اول صوفي وعارف في العالم الاسلامي انبرى بشوق عظيم وايمان حقيقي راسخ لترسيخ هذا المبدأ وسعى لشرحه وتفصيله)[34]، (وتُعدّ جميع كتب ابن عربي وآثاره لا سيما كتابيه المهمين الفتوحات المكية وفصوص الحكم وثيقة قوية وبرهاناً قاطعاً ليس على ايمانه بوحدة الوجود فحسب وإنما على أن قضية وحدة الوجود تشغل دينه وروحه وفكره وتمثل اساس عرفانه والمبدأ الحاكم والمتحكم في مساره الفكري ، ويتفرع عنها – في عرفانه ونظامه الفكري – جميع المسائل الفلسفية والكلامية المهمة التي تدور حول الله تعالى وصفاته والانسان ومعارفه والحياة المعنوية والمحبة الالهية والاديان والمذاهب والآداب والاخلاق ، وجميع ما يتصل بالدنيا والآخرة. وقد جعل من هذا المبدأ اساساً ومصدراً لكل شيء وأرجع كل شيء اليه بما فيها الاحكام الفقهية والدينية التي فسّرها وأوّلها بما ينسجم معه ، وزجّ كل ما لديه من امكانات لتوضيحه وشرحه واشار في كتبه اليه في كتبه ورسائله لأقل مناسبة وأبسط ذريعة بشوق شديد وعبارات مختلفة رائعة واستعان من أجل تقريره وتأييده بالكشف والذوق والعقل والنقل وبكل ما هو ممكن وكل ما بإمكانه ان يقدم له الدعم في هذا المجال. ولهذا لا يبقى أدنى مجال للشك لدى من لديهم حتى معرفة بسيطة بآثاره في انه إمام عرفان الوحدة الوجودية الكبير والمؤمن الحقيقي بها)[35].

ويقول: (يرى ابن عربي ويعتقد بأنَّ حقيقة الوجود مبدأ ومصدر جميع الآثار ، وطاردة للعدم بالذات وخير محض وواحدة بالوحدة الشخصية لا السنخية ، والوحدة الذاتية لا العددية ، ولا بشرط من جميع الشروط حتى من شرط الاطلاق ، ومطلقة من جميع القيود حتى من قيد الاطلاق) ... (فحقيقة الوجود والموجود بالمعنى المذكور عبارة عن الحق تعالى والذي هو وجود صرف وخالص وواجب ، وخير محض ولا بشرط ، ومطلق من جميع الشروط والقيود ، ومبدأ جميع الآثار ومصدرها. إذن لا يوجد في دار الوجود سوى حقيقة واحدة ووجود واحد وموجود حقيقي واحد وهو الحق تعالى. بناءً على ذلك صحيح انه (لا وجودَ ولا موجودَ إلا الله) ، اي لا يوجد وجود صرف وموجود حقيقي إلا الله ، إلا أنّ هذه الحقيقة البحتة وهذا الحق الواحد له شؤون وأطوار وتجليات وتعيّنات وظهورات تظهر في موطن العلم ، وفي ملابس الاسماء والاعيان الثابتة ، وفي مرحلة الذهن في مجالي الاذهان وفي مرتبة الخارج في مظاهر الاعيان والموجودات الخارجية. فهو إذن حقّ وخلق ، وظاهر متحقق ومظاهر ، ووحدة وكثرة ، إلا أنّ وجود الحق ، ذات الوجود والوجود الحقيقي ، ووجود الخلق تجلياته وظهوراته ، حيث يعني الخلق هنا التجلي والظهور. فالظاهر واحد والمظاهر كثيرة ، والوحدة في ذات الوجود وحقيقته ، والكثرة في مجاليه ومظاهره. وهذه الكثرة وخلافاً لتصور البعض ليست اعتبارية محضة وموهومة حتى يزول التمايز بين الحق والخلق ، والظاهر والمظاهر ، والخالق والعالم ، ويحل الحلول والاتحاد والكفر والالحاد مما يؤدي في آخر المطاف الى تعطيل الشرائع والاحكام الالهية ، وانما هي كثرة حقيقية ووجود العالم متحقق في مرتبته ، ولم تتنزل ذات المتعال الحق الى مرتبة الخلق ، ولم تتحد مع ذات الخلق المتدانية ولم تصبح عينها ، وإنما الحق حق ، والخلق خلق ، والظاهر ظاهر ، والمظاهر مظاهر ، وهناك تمايز بينهما في عرفان ابن عربي مثلما اعترف بذلك خصمه اللدود ابن تيمية[36]. وغاية ما في الامر لولا هذه الحقيقة لما ظهر هذا الظل ، ولو لم تظهر تلك الذات الوحدانية لما ظهرت هذه الكثرة. وقد يُلاحظ في عرفان ابن عربي أحياناً ان الحق عين الخلق والخلق عين الحق ، وقد لا يكون احدهما عين الآخر في احيان اخرى. وحينما يُعدّ أحدهما عيناً للآخر ..... فالمراد بالحق هو الحق المخلوق به ، وحينما لا يعد احدهما عيناً للآخر ويتميز احدهما عن الآخر فالمراد بالحق ، ذات الحق الاحدية والتي هي متعالية ومتنزهة عن الخلق)[37].

وقال السيد عبد الاعلى السبزواري: "اما القائلون بوحدة الوجود ... منها: الوحدة في عين الكثرة أو وحدة الوجود وكثرة الموجود. ولا ريب في ان الله تبارك وتعالى منزه عن هذه التصورات ولكن الظاهر عدم رجوعها الى انكار الضروري. ومنها: الوحدة الواقعية الشخصية بأن يكون الله تبارك وتعالى عين الكل والكل عينه تعالى ... لا ريب في انه انكار للضروري"[38].

 

 

هل كان ابن عربي شيعياً ؟

اختلفت الاراء في عقيدة ابن عربي وهل هو من اتباع آل البيت (عليهم السلام) ام هو من اهل السنة والجماعة ، فالسيد جعفر مرتضى العاملي يذهب في كتابه (ابن عربي ليس بشيعي) الى انه ليس بشيعي وناقَشَ هذه القضية بالتفصيل في كتابه المذكور. بينما الشيخ قاسم الطهراني يذهب في كتابه (القول المتين في تشيّع الشيخ الاكبر محي الدين ابن عربي) كما في عنوانه من انه شيعي !

وفي الطرف الآخر نجد الذهبي في ميزان الاعتدال يقول: (ونقل رفيقنا أبو الفتح اليعمري وكان متثبتا قال سمعت الإمام تقي الدين بن دقيق العيد يقول سمعت شيخنا أبا محمد بن عبد السلام السلمي يقول وجرى ذكر أبي عبد الله بن العربي الطائي فقال هو شيخ سوء شيعي كذاب فقلت له وكذاب أيضا قال نعم..) كما في لسان الميزان في ترجمته.

فالذين ينسبون ابن عربي الى التشيع هم صنفان صنف من السلفية يريد الطعن في عقيدته ومذهبه الصوفي بان ينسبونه الى التشيع والرفض بحسب معترضم ، وصنف من الشيعة الامامية يريدون اضفاء الشرعية الدينية على افكاره التي اصبحت عِماد مدرسة الحكمة المتعالية التي اسسها الشيخ ملا صدرا الذي يسمونه صدر المتألهين الشيرازي.

وفي الحقيقة فهذه القضية غير مهمة على الاطلاق ، فسواء كان ابن عربي شيعياً او سنياً فليس له تأثير فيما نصبوا اليه ، فإن كان ابن عربي شيعياً فمن ذا الذي اعطاه الحق ليتقول على الله سبحانه وعلى دينه وعلى العقيدة الاسلامية بغير علم وبغير هدىً ؟! ومن ذا الذي اعطى اتباعه الحق ليرفعوه الى منزلة تضاهي منزلة الائمة الاثني عشر (عليه السلام) وحاشاهم من ذلك ، ولسان حال اتباعه انه إمامهم الثالث عشر !! وهيهات لاتباع ابن عربي ان يثبتوا انَّ لفكره امتداداً في مدرسة آل البيت الاطهار (عليهم السلام).

وإن ثبت ان ابن عربي كان سنياً - كما هو الظاهر – فمن ذا الذي اعطى الحق لاتباعه من الشيعة اصحاب العرفان ليتمسكوا بآراءه في مقابل مدرسة آل البيت المعصومين الاطهار (عليهم السلام) ؟!!

 

التوافق بين ابن عربي والحلاج ومدرسة الحكمة المتعالية الشيعية:

يعتبر الحلاج من الشخصيات المحترمة عند ابن عربي يبجله ويدافع عن آراءه ويتقبلها ويلتمس له الاعذار في شطحاته.

قال ابن عربي في الفتوحات المكية: (وهذا كان علم الحسين بن منصور رحمه الله فإذا سمعت احداً من اهل طريقنا يتكلم في الحروف فيقول إن الحرف الفلاني طوله كذا ذراعاً أو شبر أو عرضه كذا كالحلاج وغيره فإنه يريد بالطول فعله في عالم الارواح وبالعرض فعله في عالم الاجسام ذلك المقدار المذكور الذي يميزه به وهذا الاصطلاح من وضع الحلاج)[39].

وقال: (وعليه كما قبلنا شهادة الشبلي وقوله في الحلاج ولم نقبل قول الحلاج في نفسه ولا في الشبلي لأن الحلاج سكران والشبلي صاح) ، فيجدّ في الاعتذار عن الحلاج والتماس العذر له.

وضمن نفس التماس العذر للحلاج يقول: (اذا قيل الحق في غير موطنه لم يقبل وربما عاد وباله عل قائله مع كونه حقاً إذ كل قول حق لا يكون محموداً عند الله وهذا معلوم مقرر في شرع الله في العموم والخصوص كالشبلي والحلاج فقال الشبلي شربت انا والحلاج من كأس واحد فصحوت وسكر فعربد فحبس حت قتل والحلاج في الخشبة مقطوع الاطراف قبل ان يموت فبلغه قول الشبلي فقال هكذا يزعم الشبلي لو شرب ما شربت لحل به مثل ما حل بي أو قال مثل قولي ، فقبلنا قول الشبلي ورجحناه عل قول الحلاج لصحوه وسكر الحلاج فالصحو بالله والسكر بالله لا بد فيه من علم بالله وما لا يعطي علماً فليس بصحو الطريق ولا سكره)[40].

وقال: (السؤال السابع والاربعون ومائة: ما تأويل قول بسم الله ، (الجواب): هو للعبد في التكوين بمنزلة كن للحق فبه يتكون عن بعض الناس ما شاءوا ، قال الحلاج بسم الله من العبد بمنزلة كن من الحق ولكن بعض العباد له كن دون بسم الله وهم الاكابر)[41].

وقال شعراً: ليس في الجبة شيء غير ما  ... قاله الحلاج يوماً فأنعموا[42]

وقال: (حكي عن الحلاج لما قطعت اطرافه أنكتب بدمه في الارض الله الله حيث وقع قال رحمه الله: ما قدَّ لي عضو ولا مفصل ... إلا وفيه لكم ذكر

فهذا من هذا الباب وهؤلاء هم العشاق الذين استهلكوا في الحب هذا الاستهلاك وهو الذي يسمى بالغرام)[43].

وقال: (وهذا من اعجب الاسرار أن يكون الوالد عين الاب والام لمن هو لهما ولد والاب والام عين الولد لمن هما له أبوان وهو الذي اشار إليه الحلاج رحمه الله في قوله ولدت أمي اباها ولا يكون الوالد عين الولد لمن هو له والد وهو له ولد إلا في هذا النكاح)[44] !!

وقال: (وروينا عن الحلاج انه ذاق من هذا المقام حت ظهر عليه منه حال المقام فكان له بيت يسمى بيت العظمة إذا دخل فيه ملأه كله بذاته في عين الناظر حت نسب إل علم السيمياء في ذلك لجهلهم بما هم عليه أهل الله من الاحوال)[45] !!

وقال: (ولذلك لطخ الحلاج وجهه بالدم حين قطعت أطرافه لئلا يظهر إلى عين العامة تغير مزاجه غيرة منه على المقام لمعرفته بهذا كله)[46].

وقال: (قال الحلاج وإن لم يكن من اهل الاحتجاج بسم الله منك بمنزلة كن منه فخذ التكوين عنه فمن تقو جأشه واستدار عرشه وتمهد فرشه كرسول الله (ص) قال كن ولم يبسمل فكان ولم يحوقل فمن ذاق ضاق)[47] ، وربما يصفه بانه لم يكن من اعل الاحتجاج لحالة السكر التي يزعم ان الحلاج كان يمر بها !

وعل نفس المنوال يقول الشيخ صدر الدين الشيرازي (ملا صدرا): (وهذا لا ينافي الفناء الذي ادعوه فإنه يحصل بترك الالتفات الى الذات والاقبال بكليه الذات الى الحق فلا يزال العالم في حجاب تعينه وأنيته عن إدراك الحق لا يرتفع ذلك الحجاب عنه بحيث لم يصر مانعاً عن الشهود ولم يبق له حكم وإن امكن ان يرتفع تعينه عن نظر شهوده لكن يكون حكمه باقياً كما قال الحلاج: بيني وبينك اني ينازعني ... فارفع بلطفك اني من البين)[48].

وقال ملا صدرا: (وقال الحلاج حب الواحد افراده وقيل الصوفي مع الله بلا زمان فان ما مع غير ذي مكان لا يكون ذا مكان فيكون مجرداً وقيل الصوفي كائن بائن بلا أين أي موجود مفارق عن المادة الى غير ذلك مما لا يطول الكلام بذكره)[49] !

وقال ايضاً: (وقول الحجاج: بيني وبينك اني ينازعني ... فارفع بلطفك غني من البين ، يؤيد ما ذكرناه)[50].

وقال السيد محمد حسين الطهراني في كتابه (الروح المجرد) كلاماً لا اعرف هل هو من كلامه ام من كلام السيد القاضي الطباطبائي وهو قوله: (إنَّ اساس مطالب منصور الحلاج هي نفس مطالب سائر العرفاء وليس لديه شيء آخر دونهم ، لكنه كان مفشياً للاسرار الالهية فأوقع جمعاً من الناس في الفتنة والفساد فرُقي برأسه الى المشنقة)[51].

وقال ايضاً: (نعم لكأنّ الجميع يتفقون على أنّ جرم الحسين بن منصور الحلاج كان كشف الاسرار الالهية ، وهو جرم عظيم)[52].

وهذا الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء وهو من اتباع مدرسة الحكمة المتعالية التي اسسها ملا صدرا ، يقول عن الحلاج وابن عربي وغيرهم من كبار الصوفية ما فيه مدح كبير لهم ، قال بعد ذكره وتأييده لعقيدة وحدة الوجود والموجود: (ولكن الذي طفح وطغى في كلمات العرفاء الشامخين ومشايخ الصوفية السالكين والواصلين هو وحدة الوجود ووحدة الموجود أيضاً ، وكانت هذه الكلمة العصماء يلوح بها أكابر العرفاء والاساطين في القرون الاولى كالجنيد والشبلي وابا يزيد البسطامي ومعروف الكرخي وامثالهم حت وصلت الى الحلاج واقرانه إلى أن نبغ في القرون الوسطى محي الدين العربي وتلميذاه القونوي والقيصري فجعلوها فناً من الفنون والمؤلفات الضخام كالفتوحات المكية وغيرها ، والمتون المختصرة كالفصوص والنصوص التي شرحها ونقحها صدر الدين القونوي)[53].

وكذلك سيد كمال الحيدري يستشهد ببعض كلام الحلاج وغيره ويبرر لهم شطحاتهم وكلماتهم التي ظاهرها الكفر ! فيقول: (قد تصدر من بعض السلّاك بعض الشطحيّات فيُحكم بكفره وإقامة الحد عليه ، وقد وقع هذا كثيراً في هذا المجال وعل امتداد التاريخ الاسلامي ، فبعضهم كان يقول: "سبحاني ما اعظم شأني"[54] ، ويُنسب الى آخر أنه كان يقول: ثم بدا في خلقه ظاهراً ... في صورة الآكل والشارب[55].

وعنه أيضاً: أأنت ام انا هذا في إلهين؟ ... حاشاك حاشاك من إثبات إثنين[56]

فهو يرى في البيت الاول ظهور الله تعال فيه لأنه آكل وشارب ، ويرى في الثاني انهما إله واحد وليسا إلهين ، وفي كلمة أخرى يقول "أنا الحق" وإلى غير ذلك من الشواهد)[57].

وهكذا تحول الحلاج من صوفي ملعون على لسان الامام الحجة (عجّل الله تعال فرجه الشريف) فيما يروى عنه ، الى ولي من الاولياء يبحثون عن تبريرات لشطحاته ويستشهدون بكلامه !! فتمكن التصوّف الغنوصي من اختراق التشيّع الامامي بكل قوّة وصولجان وكما سنرى في الفصل القادم.

ويقول سيد كمال أيضاً: (ولهذه المدرسة اتباع كثيرون في تاريخ الفكر الاسلامي منهم: بايزيد البسطامي ، الحلاج ، الشبلي ، الجنيد البغدادي ، ذو النون المصري ، ابو القاسم القشيري ، ابن فارض المصري ، المولوي الرومي ، وامثالهم كثير. ولكن يُعدّ الشيخ الاكبر محي الدين ابن عربي على رأس مدرسة العرفان النظري لأنه استطاع أن يجعل هذا اللون من المعرفة علماً مستقلاً له موضوعات ومسائل ومباديء ، وبذلك امتاز هذا الفرع من المعرفة عن باقي الفروع ، وكل من جاء بعده من العرفاء فإنّه كان يدور في ذات الدائرة التي وضع اسسها هذا العارف المحقق)[58].

 

 أفعال الانسان بين الجبر والاختيار:

يذهب متكلموا الامامية وجمهور حكماء الاسلام الى أنَّ فعل الانسان مخلوق الانسان بدون واسطة ومخلوق الله بواسطة. وفسّر الحكيم والمتكلم الامامي نصير الدين الطوسي الحديث الشريف: (لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الامرين) بالمعنى أعلاه ، وذهب الى ضرورة اسناد افعالنا الينا[59].

بينما يذهب ابن عربي الى خلاف عقيدة الشيعة الامامية. فيميل في قضية خلق الافعال نحو الاشاعرة ، وطالما اثنى في آثاره عليهم على هذا الصعيد وأكّد أنّ الفاعل الحقيقي هو الحق لا العبد ، والعبد ليس سوى محل لظهور الفعل وليس فاعله الحقيقي. ومع انه لديه القدرة على أداء الفعل ولولاها لما كُلِّف ، إلا أنّ هذه القدرة قد خلقها الله تعالى أيضاً. وهذ يعني ان العبد وقدرته وفعل المقدور مخلوقة جميعها من قبل الله تعالى)[60].

 

العقيدة المسيحية تلقي بظلالها على ابن عربي:

نجد ملامح تأثر ابن عربي بالفلسفة المسيحية ، الى جانب فكره الغنوصي ، في الاتجاهات التالية:

1.    موقفه من التثليث.

2.    موقفه من لاهوت وناسوت انساني مزعوم.

3.    نظريته في "الكلمة الالهية".

وكالتالي:

1.   موقف ابن عربي من التثليث:

يقول الدكتور محسن جهانگيري: (تحظى فكرة التثليث باهمية خاصة في عرفان ابن عربي ونظامه الفكري ، وهي في الحقيقة اساس الخلق والايجاد ومدار الوجود لأنّ الواحد ليس بإمكانه أن يكون بمفرده مصدراً للوجود وظهور الشيء ، وليس بإمكان عدد الاثنين ان ينتج شيئاً ما لم يأت ثالث ويوصل بينهما ويكون جامعاً ورابطاً لهما ، حيث في هذه الصورة فقط يتكون أمر ما بحسب استعدادهما ، وهذا يعني ان التثليث أساس الخلق والايجاد ومحوره)[61]. ويقول: (ابن عربي ومثل اغلب القدماء يعتقد انّ الواحد ليس عدداً لأنه ليست له كثرة ولا يقبل الانقسام ، والعدد هو الذي ينقسم ، ولهذا يعتبر الاثنين هو العدد الاول وهو عدد زوجي منقسم الى متساويين  ، والثلاثة هو اول الاعداد الفردية ومنقسم الى متخالفين يتخالفان بالزيادة والنقصان)[62]! ويضيف: (وصفوة القول هي انّ أمر الايجاد والذي هو عبارة عن ظهور الحق بصورة الخلق ، يقوم على الفردية الاولى والمتمثلة بالعدد (3) لأنها اساس ايجاد العلم والعلم يطلب العالِم والمعلوم ومن هنا يلزم التثليث والثلاثة اول الاعداد الفردية. والعالم قد ظهر من هذه الحضرة الفردية والتي هي الحضرة الالهية لأنّ الايجاد بحاجة الى ثلاثة اشياء: الاول العالِم والذي هو ذات الفاعل والفاعل ظلّه ، والثاني المعلوم والمتمثل بالاعيان الثابتة والقابل ظله ، والثالث العلم والذي هو العلاقة بين العالم والمعلوم والتأثير ظله ، ومن هنا يتوقف أمر الايجاد على ثلاثة أشياء)[63]. و(انطلاقاً من اضفاء ابن عربي لنوع من الفردية على الثلاثة وعدّه للفرد من نعوت الواحد ، يتجرّأ بالقول بوجود ارتباط بين التوحيد الاسلامي والتثليث المسيحي ورؤيته للفردية في التثليث وتفاؤله بشمول أهل التثليث بالخلاص ، وذلك لأنه قد رآهم موحدين في مقام الكشف المعنوي)[64] ... يقول ابن عربي: (واما اهل التثليث فيُرجى لهم التخلص لما في التثليث من الفردية لأنّ الفرد من نعوت الواحد فهم موحدون توحيد تركيب فيُرجى أن تعمَّهم الرحمة المركبة ولذا سُمّوا كفاراً لأنهم ستروا الثاني بالثالث فصار الثاني بين الواحد والثالث كالبرزخ فربما لحق أهل التثليث بالموحدين في حضرة الفردانية لا في حضرة الوحدانية. فهكذا رأيناهم في الكشف المعنوي لم نقدر أن نميّز ما بين الموحدين واهل التثليث إلا بحضرة الفردانية فإني ما رأيت لهم ظلاً في الوحدانية ورأيت أعيانهم في الفردية ورأيت اعيان الموحدين في الوحدانية والفردانية فعلمتُ الفرق بين الطائفتين)[65].

وهكذا تقود سفسطة ابن عربي عرفانه نحو التثليث واعتبار اهله موحدون "توحيد تركيب" وهو مصطلح سفسطائي بإمتياز !! فأين كل ذلك من توحيد آل البيت (عليهم السلام) وتعبدهم لله الواحد القهّار.

 

 

 

 

2.   موقف ابن عربي من لاهوت وناسوت انساني مزعوم:

عندهم إنَّ اللاهوت هو مقام الذات وفي الاصل لا هو الا هو ، والحلاج هو اول من استخدم كلمة لاهوت من الصوفية ، اما الناسوت فهو عالم الحس والشهادة[66].

إنّ الحلاج (قد قال قبل ابن عربي واستناداً الى الحديث النبوي القائل: (ان الله خلق آدم على صورته)[67] بأن للأنسان جانباً لاهوتياً وصورة إلهية فضلاً عن الجانب الناسوتي ، فعُرف بين سائر أجزاء العالم بشرف الحصول على الصورة الالهية دون غيره من الموجودات. إلا أن الحلاج لم يأخذ بوحدة اللاهوت والناسوت ، وإنما قال بالثنوية وعدم الوحدة رغم اعتقاده بحلول اللاهوت بالناسوت وامتزاجهما معاً كامتزاج الخمر بالماء ! وفكّر ابن عربي وأتباعه من بعده بشكل اعمق وأوسع في الانسان ومقامه واهميته إلا انهم وعلى العكس من الحلاج قالوا بأنّ اللاهوت والناسوت وجهان لحقيقة واحدة وليسا طبيعتين منفصلتين ، أي أنَّ الحقيقة الواحدة لا غير إلا انّ لها باطناً وظاهراً ، باطنها اللاهوت وظاهرها الناسوت ، وقد يُعبّر عنهما احياناً بأسمي الربوبية والعبودية)[68].

اما في المسيحية ففي مذهب النساطرة ان اللاهوت جاء للمسيح بعد ولادته أي اتحد المسيح بعد الولادة بالاقنوم الثاني اتحاداً مجازياً (اتحاد اللاهوت بالناسوت مجازي) ، واما وفي مذهب الكنائس الشرقية (الآرثوذكس) فيقول ان للمسيح طبيعة واحدة ومشيئة واحدة ففي المسيح اقنوم واحد تم بعد الاتحاد بدون اختلاط ولا امتزاج[69]. أي اتحاد الناسوت باللاهوت بدون اختلاط ولا امتزاج ! واما في مذهب الكاثوليك فهو مذهب الطبيعتين والمشيئتين وهذا المذهب يقول بأن للمسيح طبيعتين ومشيئتين ، فالمسيح أقنوم إلهي بحت ، ولكن له ذاتان وكيانان هما الإله والانسان ، ومن الواضح أن هذا القول متأثر الى حد ما بإتجاه نسطور سالف الذكر الذي يرى بأن المسيح إنسان غمره اللاهوت بعد ولادته ، ولكن الكاثوليك يختلفون عن نسطور في اعتقادهم أن مريم ولدت الاثنين جميعاً ، فهي قد ولدت يسوع المسيح الذي هو مع أبيه في الطبيعة الالهية ومع الناس في الطبيعة الانسانية ، فهو طبيعتان ومشيئتان وأقنوم واحد[70].

اما في الاسلام الحقيقي الذي يمثله مذهب آل البيت الاطهار (عليهم السلام) فليس هناك اي جانب لاهوتي في الانسان ولا في المسيح (عليه السلام) بل هو بشر مما خلق الله سبحانه وتعالى.

 

3.   نظريته في "الكلمة الالهية":

من خلال دراسة مفهوم (الكلمة الالهية) عند ابن عربي والتي تعني (الحقيقة المحمدية) بمفهومها الصوفي الغنوصي ، ومطابقة ذلك لمفهوم (الكلمة) عند المسيحيين والتي يعنون بها المسيح وهو مفهوم وُلِدَ في بيئة غنوصية ايضاً ، وهو ما يمكن ان نطلق عليه مجازاً اسم (الحقيقة المسيحية) ، يتبين لنا التقارب الشديد في اصل الفكرة لدى الطرفين الصوفي الغنوصي والمسيحي.

يبين الدكتور أبو العلا عفيفي (1897- 1966)م وهو عالم بالفلسفة الإسلامية وحاصل على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة كمبردج 1930 برسالته عن "فلسفة ابن عربي الصوفية " تحت اشراف المستشرق البريطاني رينولد نيكسون، يبين المعنى الصوفي للفظ (الكلمة) عند ابن عربي وذلك في تصديره لفصوص الحكم ، يقول: (وليست نظرية ابن عربي في الإنسان الكامل وما تفرع عنها من بحوث فلسفية دقيقة ، إلا جزءاً من نظرية أخرى له أوسع وأشمل ، وهي نظريته في الكلمة الإلهية ، فإنه عالج في هذه النظرية ثلاث مسائل هامة تحوم كلها حول موضوع واحد يسميه في كل حالة باسم خاص. المسألة الأولى «الكلمة» من الناحية الميتافيزيقية ، وهذه يسميها حقيقة الحقائق ، وهي مرادفة للعقل الإلهي أو العلم الإلهي. ولما كان الحق لا يعقل شيئاً مغايراً لذاته ، وعقله ذاته عقل لجميع الأشياء ، كانت حقيقة الحقائق عقلًا وعاقلًا ومعقولًا ، وعلماً وعالماً ومعلوماً . فهي الحق متجلياً لنفسه في نفسه في صور العالم المعقول. والمسألة الثانية هي «الكلمة» من الناحية الصوفية وهذه يطلق عليها اسم الحقيقة المحمدية ويعتبرها مصدر كل وحي وإلهام للأنبياء والأولياء على السواء)[71].

وفي تعليقه على فصوص الحكم يقول الدكتور ابو العلا عفيفي عن الفكر الصوفي لابن عربي: (وهو لا يشير إلى الأنبياء والأولياء بهذين الاسمين وإنما يسميهم «الكَلِم» جمع كلمة ومعناها عنده الإنسان الكامل أي الإنسان الذي حقق في وجوده كل معاني الكمال الإلهي ، وتجلت فيه كل الصفات الإلهية فأصبح من أجل ذلك أحق الموجودات بأن يكون خليفة الله في كونه - لا في أرضه فحسب . وليست هذه الكلم سوى الأنبياء والأولياء وإن كان كل موجود من الموجودات كلمة من كلمات الله لأنه المظهر الخارجي لكلمة التكوين . «قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِه مَدَداً» (س18 آية109). والمراد «بالكلَم» هنا وفي سائر فصول الكتاب بوجه أخص حقائق الأنبياء والأولياء لا أشخاصهم ، وعلى رأسهم جميعاً «الكلمة» التي هي الحقيقة المحمدية)[72].

وفي موضع آخر من تعليقه يقول ابو العلا عفيفي: (لما تمثل جبريل لمريم في صورة البشر السوي - ولم يكن في الحقيقة إلا صورة من خلق خيالها كما يقول ابن عربي - خافت واستعاذت با لله منه وتوجهت بكل ما فيها من جمعية روحية إلى الله ، فحصل لها حضور تام معه ، فَنِيَتْ فيه عن نفسها وكانت على أتم استعداد لقبول الكلمة الإلهية التي هي روح عيسى أو حقيقته . وليس وصف عيسى بالكلمة اختصاصاً له ، فإن كل موجود كلمة من كلمات الله التي لا تنفد كما قال عزّ وجل «قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِه مَدَداً» . فعيسى إحدى هذه الكلمات: أما الكلمة بالألف واللام فاسم يقصره ابن عربي على الحقيقة المحمدية أو الروح المحمدي الذي يصفه بجميع الصفات التي يصف بها المسيحيون الكلمة (المسيح) في نظريتهم)[73].

وفي الجانب المسيحي نقرأ في انجيل يوحنا (1: 1-3) النص التالي: (في البدء كان الكلمة ، والكلمة كان لدى الله ، والكلمة هو الله ، كان في البدء لدى الله ، به كان كل شيء ، وبدونه ما كان شيء مما كان).... وحول معنى "الكلمة" الواردة في هذا النص نقرأ في نسخة العهد الجديد المطبوعة بموافقة المطران بولس باسيم: (الكلمة في العرف المسيحي مؤنث لفظي ، مذكر معنوي ، وهو ابن الله الذي صار انساناً ليخلِّص الناس من الخطيئة ويهب لهم النعمة)[74]. فبالكلمة التي هي المسيح عندهم كان كل شيء وبدونه ما كان شيء مما كان !! ومن الجدير بالذكر أنَّ انجيل يوحنا (في نسخة العهد الجديد المشار اليها آنفاً) تحدثت عن تاثيرات البيئات الغنوصية التي كُتِبَ انجيل يوحنا فيها فتقول: (فقد يكون ان يوحنا استعمل بعض الالفاظ التي كانت شائعة في تلك البيئات ولكن في معنى مسيحي كله جديد)[75] !

ويقول الاب بولس الفغالي تحت عنوان (يسوع الكلمة): (يسوع هو كلمة الله التي جاءت شخصاً حياً وتجسّدت في البشر) ... (والمسيح ككلمة الله المتجسّد قال: "قبل أن يكون ابراهيم انا كائن" ، أي أنا يهوه (كما في العهد القديم) ، انا الرب ، أنا الكائن منذ اللأزل. وُجِدَ الكلمة قبل العالم ، والعالم به كُوِّنَ)...(ولكن بما ان الكلمة هو الله ، فهذا يعني أن الله جاء يقيم بيننا فرأينا مجده)[76].

ويقول ايضاً: (الانبياء حملوا كلمات الله. أما المسيح فهو الكلمة التي ما بعدها كلمة من عند الله)... (يتميّز الكلمة عن الله الآب وهو متّحد به اتحاداً تامّا. وعلى الارض وجّه حياته كلها نحو الآب. وهذه الكلمة هو الله أي مساوٍ للآب على مستوى الطبيعة الإلهية)[77].

وفي الحواشي على انجيل يوحنا في نسخة الكتاب المقدس التي صادق على طبعها مطران بيروت اغناطيوس زيادة نقرأ عقيدتهم المسيحية المبنية على (الكلمة) وحقيقتها من وجهة نظرهم ، حيث يقولون: (في هذا الكلام صرّح يوحنا بأزلية الكلمة ولاهوته فقوله في البدء يعني به ان الكلمة كان قبل كل شيء وقبل كل زمان بما انه صورة الله الآب الكاملة التي صورها على ذاته بمشاهدته نفسه فهو ازلي كما ان مشاهدة الآب نفسه هي ازلية. وقوله والكلمة كان عند الله يعني ان الكلمة متميّز عمن ولده فالآب غير الأبن والبن غير الآب ومع ذلك فهما شيء واحد في الطبيعة والذات والجوهر والقدرة والحكمة كما صرّح به في قوله "وكان الكلمة الله". وفي هذا السر العظيم موضوع ايماننا الوطيد في هذه الحياة وموضوع مشاهدتنا السعيدة في الابدية)[78]. فهذه "الكلمة" التي بُني عليها الايمان المسيحي هي ما يمكن ان نطلق عليه مصطلح "الحقيقة المسيحية" بحسب معترضم.

فيكون لمفهوم (الكلمة) بعداً غنوصياً ، اي ان كاتب انجيل يوحنا عمد الى تنصير الغنوصية في العصر المسيحي ، كما حاول البعض بعد ذلك اسلمة الغنوصية في العصر الاسلامي !! بدليل ظهور مفهوم (الكلمة) في انجيل يوحنا المكتوب في بيئة غنوصية وايضاً ظهورها بنفس المفهوم في افكار ابن عربي المنتمية للتصوف الغنوصي. فهي عند الطرفين: الكلمة التي صدرت من الله ، وانها التي خلقت العالم ، غير ان الطرف الاول يسميها المسيح أو ما نعبّر عنه بــ "الحقيقة المسيحية" ، والطرف الثاني يسميها "الحقيقة المحمدية".

وضمن نفس السياق وللتأكيد على التشابه بين عقيدة "الحقيقة المحمدية" الصوفية الغنوصية ، وبين عقيدة "الكلمة" أي المسيح المنبثق عن الله (تعالى عما يصفون) وانه هو خالق الكون كما ان الصوفية تقول ان "الحقيقة المحمدية" هي الصادر الاول والوحيد عنه تعالى وانها هي خالقة الكون ، سيمر علينا في (الفصل الخامس) من هذا الكتاب تحت عنوان (الصادر الاول، الصادر الوحيد، الحقيقة المحمدية) أن فكرة الصادر الاول هي فكرة فلسفية قديمة مفادها ان الله سبحانه لم يصدر عنه الا كائن واحد اطلقوا عليه اسم الصادر الاول أو العقل الاول (أو الحقيقة المحمدية من قبل المسلمين الذين سعوا في "أسلمة" الغنوصية) ، وانه تعالى شأنه لا يتمكن ان يصدر عنه كائن آخر ، ومن الصادر الاول والوحيد تم خلق بقية الكائنات !! وممن تحدث عن الصادر الاول من المدرسة الافلاطونية الحديثة والتي ابرز رموزها الفيلسوف اليهودي فيلون الإسكندري (30ق.م- 50م) والفيلسوف المسيحي المصري افلوطين (205م-270م) ، علماً أنَّ الاسكندرية في تلك الفترة من التاريخ كانت من اهم مراكز الغنوصية في العالم.

وللتوسع قليلاً للربط بين مصطلحات (الكلمة الالهية) عند ابن عربي و(الكلمة) عند المسيحيين ، وانها هي جميعها الصادر الاول والوحيد والحقيقة المحمدية ! نقرأ في الرسالة الى العبرانيين (1: 1-3)في العهد الجديد الذي يمثل الجزء الثاني من الكتاب المقدس المسيحي ، ما نصّه: (ان الله بعدما كلّم آبائنا قديماً مرات كثيرة بلسان الانبياء كلاماً مختلف الوسائل ، كلمنا هذه الايام وهي آخر الايام ، بلسان الابن الذي جعله وارثاً لكل شيء ، وبه أنشأ العالمين. هو شعاع مجده وصورة جوهره، يحفظ كل شيء بقوة كلامه.ولما طهّر العالم من الخطايا جلس عن يمين ذي الجلال في العلى).... وجاء في نسخة العهد الجديد المطبوعة بموافقة بولس باسيم ان هاتين العبارتين اللتين تتحدثان عن شعاع مجده وصورة جوهرة (مأخوذتين من تعليم مفكري الاسكندرية في ذلك العصر)[79].... وقد نُسِبَتْ كتابة وتأليف (الرسالة الى العبرانيين) الى احد تلاميذ بولس[80] اي ان زمن كتابتها هو القرنين الاول والثاني الميلاديين. وتعتبر الاسكندرية من اهم مراكز الغنوصية في القرنين الميلاديين الاول والثاني. ومن الغنوصية انتقلت فكرة "الصادر الاول" الى الصوفية ، (الصوفية تعبير استعمله المسلمون لأسلمة مصطلح الغنوصية) !

... ويقول القس انطونيوس فكري في تفسير عبارة (وبه انشأ العالمين): (فالمسيح هو خالق السماء والأرض (يو3:1). خالق الخليقة السمائية والأرضية. المنظور وغير المنظور، الزمني والأبدي. هو اللوغوس هو قوة الله وحكمته)[81]. وكما ترى هي نفس فكرة "الحقيقة المحمدية" الصوفية التي خلقت كل شيء !!

ولبيان اختراق الغنوصية للمسيحية في القرنين الاول والثاني الميلاديين وانتاجها تلك النصوص الغنوصية التي اقتبسنا منها آنفاً ، يقول فراس السوّاح في معرض حديثه عن الصراع بين الكنيسة المسكونية (القويمة) والكنيسة الغنوصية: (في خضم هذا الخلاف الذي استعر بين الجانبين ، وكل منهما يدّعي تمثيله للكنيسة الحقّة ن وقف اتباع المعلم الغنوصي فالنتينوس في نقطة الوسط بين الطرفين ، فهم في اصرارهم على البقاء داخل إطار الكنيسة المسكونية يرفضون المحاولات الرامية الى وضعهم في صف الهراطقة ، ويعتبرون أنفسهم أعضاء فعالين في هذه الكنيسة نفسها. وفي هذه المسألة يقول المعلمان الفالنتينيان بتولمي وهيركاليون بأن الكنيسة تتألف من فريقين الاول روحاني ويشتمل على الغنوصيين ، والثاني غير روحاني ويشتمل على القويمين ، وذلك استناداً الى قول يسوع: "لأن كثيرين يدعون وقليلين ينتخبون" ، فالكثرة التي دعيت هم القويمين ، والقلة التي اختيرت هم الغنوصيون ، الذين وهبهم الله الفهم الروحي لكي يعلموا الكثرة طريق العرفان. إن كلا الفريقين ينتميان الى كنيسة واحدة ويتشاركون في طقوس وعبادات واحدة ، ولكن ما يميزهما هو درجة الفهم ، ذلك ان القويمين يعبدون إله العهد القديم على أنه الله ، ويعتقدون بأن المسيح الذي قام من بين الاموات سوف ينجيهم من الخطيئة ، وهم يقبلونه عن طريق الايمان دون أن يفهموا سر طبيعته. أما الذين تلقوا العرفان فقد تعرفوا على المسيح باعتباره مرسلاً من "أبي الحقيقة" وقد كشف لهم قدومه عن طبيعتهم المتطابقة مع طبيعته ومع الله. ويقدم المعلم الفالنتيني الآخر ، هيركاليون ، تفسيراً رمزياً للكنيسة باعتبارها بنية مؤلفة من قسمين ، الاول عبارة عن باحة خارجية يتعبد فيها القويمون ، والثاني عبارة عن حرم داخلي يتعبد فيه الروحانيون الذين تلقوا الغنوص)[82]... وتعني كلمة الغنوص Gnosis "المعرفة الحدسية الباطنية ، أو العرفان بمصطلح التصوف الاسلامي.والعارفون هم الغنوصيون Gnostics الذين يتواصلون من خلال بصيرتهم الداخلية بالحقيقة الكليّة. أما خصومهم فهم غير العارفين agnostics الذين وقفوا عندظاهر التعاليم الدينية ولم ينفذوا الى باطنها"[83].

ومن ثم ظهرت نفس التعاليم الغنوصية بين المسلمين عبر اختراق التصوف الغنوصي لهم ، فظهر القول بالصادر الاول والوحيد والذي يسمونه ايضاً (الحقيقة المحمدية).


 

[1] قال يحيى محمد: " روى الآملي أنه بعد أن أتم الشيخ الأعرابي تصنيف (الفتوحات المكية) سُرق منه، فاغتم أصحابه دونه، فطمأنهم بأنه سيكتب النسخة بعينها من غير زيادة ولا نقصان. فكان له ما أراد، إذ عُثر على النسخة المسروقة فطوبقت مع الأخرى فلم يجدوا فيها زيادة ولا نقصان سوى فوات واو العطف من بعض المواضع. وقد فُسّر الأمر بأن الحكمة منه هو الخوف من تأليه إبن عربي، وهو ما أيده العارف الآملي (المقدمات من نص النصوص، ص108ـ110)". {انظر: هوامش مقال بعنوان (هل يخطأ الكشف العرفاني أو يتناقض؟) منشور في الموقع الالكتروني "فهم الدين" للاستاذ يحيى محمد}.

[2] شرح مشكلات الفتوحات المكية / عبد الكريم الجيلي - ص14.

[3] نسبة الى أمبيذوقليس الصقلي واضع نظرية العناصر الأربعة التي لايوجد بمقتضاها خلق للمادة ولا فناء وإنما مزج للعناصر وتفكك لها (وهي النار والهواء والماء والتراب) = = وفي تاريخ مختصر الدول لابن العبري ، ص22: (وقال بعض الإسلاميين: إن أول من وصف بالحكمة كان لقمان وكان في زمان داود النبي ومنه اخذ امبيذوقليس)! ولد في اوائل القرن الخامس قبل الميلاد.

[4] قال يحيى محمد: "الملفت للنظر أن كتاب (فصوص الحكم) قد نال من الإهتمام ما لم ينله أي كتاب آخر. فعلى الرغم من ضآلة حجمه فقد عثر بعض الباحثين على (125) كتاباً من الشرح والإختصار، و(36) كتاباً من الرد، و(33) كتاباً من الدفاع، فكان المجموع الكلي هو (194) كتاباً ما بين شرح وإختصار ورد ودفاع. يضاف إلى ذلك وجود (138) رأياً يخص تجريح كاتبه، و(33) رأياً يخص تعديله، والمجموع هو (171) رأياً من التجريح والتعديل". {انظر: هوامش مقال بعنوان (هل يخطأ الكشف العرفاني أو يتناقض؟) منشور في الموقع الالكتروني "فهم الدين" للاستاذ يحيى محمد}.

[5] فصوص الحكم لأبن عربي ، تعليق آية الله العظمى الامام الخميني – ص53.

[6] محي الدين بن عربي / الدكتور محسن جهانگيري – ص20 و21.

[7] الفتوحات المكية / ابن عربي – ج2 ص6.

[8] الفتوحات المكية / ابن عربي – ج2 ص9.

[9] المصدر السابق – ج3 ص456.

[10] محي الدين بن عربي / الدكتور محسن جهانگيري – ص26.

[11] الكشف عن حقيقة الصوفية لاول مرة في التاريخ / محمود عبد الرؤوف القاسم – ص57.

[12] فصوص الحكم لأبن عربي / تعليق آية الله العظمى الامام الخميني – ص37.

[13] مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم / داود بن محمد القيصري – ص679.

[14] المصدر السابق.

[15] محي الدين بن عربي / الدكتور محسن جهانگيري – ص291.

[16] المصدر السابق – ص293.

[17] محي الدين بن عربي / الدكتور محسن جهانگيري – ص293 و294.

[18] محي الدين بن عربي / الدكتور محسن جهانگيري -  ص30.

[19] المصدر السابق – ص294.

[20] اسرار الآيات / صدر الدين محمد بن ابراهيم الشيرازي ت1050هـ / تعليقات حكيم مولى علي نوري - ص226.

[21] المصدر السابق - ص450 و451.

[22] فصوص الحكم لأبن عربي / تعليق آية الله العظمى الامام الخميني– ص76-80.

[23] المصدر السابق.

[24] الموسوعة الصوفية / د. عبد المنعم الحفني - ص94.

[25] الفتوحات المكية / ابن عربي – ج1 ص715.

[26] المصدر السابق – ج2 ص502.

[27] محي الدين بن عربي / الدكتور محسن جهانگيري – ص275.

[28] الحكمة المتعالية في الاسفار العقلية الاربعة / الشيخ صدر الدين محمد الشيرازي ت1050هـ – ج2 ص71.

[29] الحكمة المتعالية في الاسفار العقلية الاربعة / الشيخ صدر الدين محمد الشيرازي ت1050هـ – ج7 ص366.

[30] الفلسفة الموهومة هي التي تحاول الخوض في الذات الاهلية وتقيسها على الذات البشرية ، فتقول ان وجود الله تعالى كوجودنا وان العالم قديم وان معه اعياناً ثابتة تفرّد ابن عربي بزعم وجودها !! فالفلسفة الانسانية هي التي تخص الانسان والطبيعة واحوالها وتنقلب الى فلسفة موهومة عندما تحاول البحث في ذات الله تبارك وتعالى شأنه لأنها لا تتمكن من ادراك شيء منها.

[31] فيكون هذا الامر غير باطل لمن يقول بأصالة الماهية.

[32] التنقيح في شرح العروة الوثقى / تقرير لابحاث السيد ابو القاسم الموسوي الخوئي (قدس سره) / الشيخ علي الغروي (قدس سره) - ج3 ص74-78.

[33] محي الدين بن عربي / الدكتور محسن جهانگيري – ص258.

[34] المصدر السابق – ص273.

[35] محي الدين بن عربي / الدكتور محسن جهانگيري – ص274.

[36] ذكر انه يشير بذلك الى عبارة ابن تيمية: (لكن ابن عربي أقربهم الى الاسلام وأحسن كلاماً في مواضع كثيرة فإنه يفرّق بين الظاهر والمظاهر فيقرّ الامر والنهي والشرائع على ما هي عليه) ، رسائل ابن تيمية ج1 ص176.

[37] محي الدين بن عربي / الدكتور محسن جهانگيري – ص276 و277.

[38] الاعلان عن اسرار الفلسفة العرفان / الشيخ حسن الميلاني - ص80.

[39] الفتوحات المكية / ابن عربي – ج1 ص169.

[40] الفتوحات المكية / ابن عربي – ج2 ص546.

[41] المصدر السابق – ج2 ص125.

[42] المصدر السابق – ج2 ص320.

[43] الفتوحات المكية / ابن عربي – ج2 ص337.

[44] المصدر السابق – ج2 ص656.

[45] المصدر السابق – ج4 ص84.

[46] المصدر السابق – ج4 ص143

[47] الفتوحات المكية / ابن عربي – ج4 ص328.

[48] الحكمة المتعالية في الاسفار العقلية الاربعة / صدر الدين محمد الشيرازي – ج2 ص115 و116.

[49] الشواهد الربوبية في المناهج السلوكية / صدر الدين محمد الشيرازي – ص221.

[50] المبدأ والمعاد / صدر الدين محمد الشيرازي - ص140.

[51] الروح المجرد / السيد محمد حسين الطهراني - ص444.

[52] المصدر السابق - ص447.

[53] الفردوس الاعلى / الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء - ص208.

[54] وهو كلام لابي يزيد البسطامي !

[55] هذا البيت الشعري منسوب للحسين بن منصور الحلاج.

[56] هذا البيت الشعري منسوب للحسين بن منصور الحلاج.

[57] العرفان الشيعي / تقرير بحث سيد كمال الحيدري للشيخ خليل رزق – ص260 و261.

[58] الفلسفة / سيد كمال الحيدري – ص82.

[59] محي الدين بن عربي / الدكتور محسن جهانگيري – ص428.

[60] المصدر السابق – ص428.

[61] محي الدين بن عربي / الدكتور محسن جهانگيري – ص374.

[62] محي الدين بن عربي / الدكتور محسن جهانگيري – ص374 (الهامش).

[63] المصدر السابق – ص375 و376.

[64] المصدر السابق – ص381.

[65] الفتوحات المكية / ابن عربي ت638هـ – ج3 ص172.

[66] محي الدين بن عربي / الدكتور محسن جهانگيري – ص451 (الهامش).

[67] بينما الشيعة الامامية يرفضون تلك الاحاديث حيث رووا من طرق آل البيت الاطهار (عليهم السلام) ما ينقض مضمون تلك الاحاديث ، ومما رووه في هذا الخصوص:

في الكافي: عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن خالد عن أبيه عن عبد الله بن بحر عن أبي أيوب الخزاز عن محمد بن مسلم قال : سألت أبا جعفر ع عما يروون أن الله خلق آدم على صورته فقال هي : صورة محدثة مخلوقة واصطفاها الله واختارها على سائر الصور المختلفة فأضافها إلى نفسه كما أضاف الكعبة إلى نفسه والروح إلى نفسه فقال : " بيتي " " ونفخت فيه من روحي ". انظر: الاصول من الكافي للشيخ الكليني (رض) (329 هـ) الجزء1 صفحة 134 باب الروح.

وفي التوحيد للشيخ الصدوق (رض): حدثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني رحمه الله قال: حدثنا علي ابن إبراهيم بن هاشم عن أبيه عن علي بن معبد عن الحسين بن خالد قال: قلت للرضا ع: يا ابن رسول الله إن الناس يروون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) = = قال: إن الله خلق آدم على صورته فقال: قاتلهم الله لقد حذفوا أول الحديث إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مر برجلين يتسابان فسمع أحدهما يقول لصاحبه: قبح الله وجهك ووجه من يشبهك فقال صلى الله عليه وآله وسلم: يا عبد الله لا تقل هذا لأخيك فإن الله عز وجل خلق آدم على صورته. أنظر: التوحيد للشيخ الصدوق (رض) (381 هـ) صفحة 152.

[68] محي الدين بن عربي / الدكتور محسن جهانگيري – ص450 و451.

[69] مقارنة الاديان ، المسيحية / الدكتور احمد الشلبي – ص165.

[70] المصدر السابق.

[71] فصوص الحكم / محي الدين ابن عربي / تعليق ابو العلا عفيفي - ج1 ص38 و39.

[72] المصدر السابق - ج2 ص3و4.

[73] المصدر السابق - ج2 ص182 و183.

[74] العهد الجديد / نسخة مطبوعة بموافقة المطران بولس باسيم النائب الرسولي للاتين في لبنان ، ت2012م - هامش ص351.

[75] المصدر السابق – ص345.

[76] العهد الجديد / المقدمات والحواشي بقلم الاب بولس الفغالي / جمعية الكتاب المقدس / الطبعة الاولى ، 2004م ، طبع في لبنان – مدخل الى بشارة يوحنا ، ص294 و295.

[77] المصدر السابق – الحاشية ص298.

[78] الكتاب المقدس / نسخة مطبوعة بمصادقة مطران بيروت اغناطيوس زيادة / دار الكتاب المقدس في الشرق الاوسط ، 1992م - الحواشي على العهد الجديد ، ص479.

[79] العهد الجديد / نسخة مطبوعة بموافقة المطران بولس باسيم النائب الرسولي للاتين في لبنان ، ت2012م – هامش ص856.

[80] المصدر السابق- ص854.

[81] مقال تفسير الرسالة الى العبرانيين للقس انطونيوس فكري ، منشور في الموقع الالكتروني (الأنبا تكلا هيمانوت الحبشي) القبطي الآرثوذكسي.

[82] الوجه الآخر للمسيح / فراس السوّاح – ص65 و66.

[83] المصدر السابق – ص66.

 

 

الرجوع الى واجهة البحث

الصفحة الرئيسية