بسم الله الرحمن الرحيم

قال تعالى: ((وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُداً))

 

شمس التشيّع وغربال العرفان

تمسكاً بمذهب آل البيت الاطهار (عليهم السلام)
ونبذاً لمنهج إبن عربي وملا صدرا وكل أهل التصوّف والعرفان
 

نبيـل الكرخي

 

الفصل الثاني

الفلسفة وعلم الكلام والتصوّف الغنوصي

 

لا يمكن اختصار الفلسفة بتعريف محدد، ولا بمنهج محدد، ذلك انه تعاريفها ومناهجها تختلف باختلاف العصر والمكان الذي تتواجد فيه او الذي يتناولها ابناؤه! واذا حاولنا ان نلقي الضوء على الفلسفة التي كانت سائدة في عصر الائمة المعصومين (عليهم السلام) والتي قد يكون النهي الوارد بخصوصها، فسوف نجد ان العالم كانت تسوده في ذلك الوقت الفلسفات الغنوصية الهندية واليونانية، وكذلك كانت هناك الفلسفة الافلاطونية المحدثة التي تأسست على يد افلوطين (توفي نحو 270م)، وقد اثرت الفلسفة الافلاطونية المحدثة ببعض المسلمين وانتجت بينهم طائفة الدروز! كما اثرت من قبلها بالمسيحية، وتأثر بها بعض علماء المسيحية الذين انتجوا الفلسفة المسيحية!

واحد اشهر الذين برزوا بعد افلوطين، في الافلاطونية الحديثة، هو فرفرويوس (متوفى في 305م)، وسنرى في كتابنا هذا ان لبعض آراءه وجود في فلسفة مدرسة الحكمة المتعالية الشيعية!

ومن الجدير بالذكر ان احد اشهر الفلاسفة المسيحيين وهو اوغسطين (متوفى سنة 440م) كان من مدرسة الافلاطونية الحديثة!

يقول برتراند راسل: "وقد اكد بحق (العميد انج) في كتابه النفيس عن افلوطين، ما تدين به المسيحية له، فهو يقول: "ان الافلاطونية جزء من البناء الحيوي للاهوت المسيحي، فلن تجد فلسفة اخرى – في رأيي – تستطيع ان تقترن بذلك اللاهوت دون ان يحدث بينهما تعارض"، وهو يقول:"انه يستحيل استحالة مطلقة ان تفصل الافلاطونية عن المسيحية دون ان تمزق المسيحية تمزيقاً"، وهو يذكر لنا أن القديس اوغسطين يتحدث عن فلسفة افلاطون فيصفها يقوله إنها: "أصفى وأشرق ما في الفلسفة كلها"، ويصف افلوطين بقوله إنه رجل "عاش افلاطون في شخصه حياة ثانية"، ولو قد عاش أكثر قليلاً مما عاش لأمكنه أن "يغير كلمات قليلة وعبارات قليلة فيصبح مسيحياً" وفي رأي (العميد إيج) أن "القديس توما الاكويني أقرب الى افلوطين منه الى ارسطو الحقيقي". ولذلك كانت لأفلوطين أهمية تاريخية، باعتباره عاملاً من العوامل التي شكلت مسيحية العصور الوسطى واللاهوت الكاثوليكي"[1].

ويقول فؤاد يوسف قزانجي: "وظلت مدرسة الاسكندرية تشع فلسفة وعلماء، ففي حوالي 500 كان اونيوس بن هرمياس أحد المفكرين الالفلاطونيين المحدثين ربما كان مشرفاً على مدرسة الاسكندرية آنذاك ... وفي النصف الاول من القرن السادس كان يحيى النحوي الشخصية المسيحية الكبيرة في مدرسة الاسكندرية. وفي اوائل القرن السابع الميلادي كان اصطفن الاسكندراني فيلسوف بلاط الامبراطور هرقل أشهر معلمي هذه المدرسة، وعلى  الرغم من ان معظم خريجها هم من فلاسفة القرن السادس"، ... "كانت الفلسفة الافلاطونية المحدثة قد غدت قاعدة الفكر في منطقة الشرق الادنى وجرت محاولة للتوفيق بين نظريات افلاطون وارسطو من جهة وبين بعض الآراء المسيحية الشرقية، (واستطاعت الافلاطونية المحدثة ان تكون ثنائية تنطوي على المثال والمادة للفكرة القائمة بأن الله والطبيعة شيء واحد وان الانسان والكون المادي ليسا سوى مظهر من مظاهر الذات الإلهية) وهو المذهب المعروف بمذهب وحدة الوجود، الذي عاد وظهر في الفكر الصوفي الاسلامي، كما يقول المؤرخ فيليب حتي، وبحسب هذا المذهب فإن الكون المادي ليس سوى فيض من الله الواحد الذي تنبثق منه النفوس التي يمكن لها أن تعود وتتحد به عبر طرق الصوفية والتنسك والعبادة المستمرة" ... "كان من حسن حظ المسيحية انها ورثت كثيراً عن الفلسفتين الافلاطونية والفيثاغورسية، ففي مدينة الاسكندرية حيث التقت التيارات الفكرية اليهودجية والمسيحية ومعهما الفلسفة الاغريقية التي كانت منذ البداية موضع صراع، ثم استقرت بعد ان صار محورها الدين المسيحي، وكان (كليمنت) أشهر مفكر مسيحي في الاسكندرية ترأس أكاديمية الاسكندرية وحاول التوفيق ما بين الفلسفة الدينية المسيحية والفلسفة الاغريقية، ومن ثم جاء بعده (اوغسطين) الذي ربما كان اعظم مفكري المسيحية بعد القديس بولس الذي كان من دعاة الالفلاطونية الجديدة قبل اعتناقه المسيحية، وسرعان ما اصبح كاهناً مسيحياً في مدينة (هبو) إحدى المدن الفينيقية في شمال افريقيا"[2].

اما الفلسفات الهندية فقد سادت فيها فلسفات الفيدا والفلسفة الجينية والشرفاكا والبوذية، وجميعها لها نظرتها الخاصة للكون ونشوءه وحياة الانسان ومصيره، وهي جميعها متعارضة مع الاسلام.

وهكذا نجد انه في عصر الائمة المعصومين (عليهم السلام) كانت تلك الفلسفات الفاسدة هي السائدة، وبعضها ممتد اثره الى يومنا هذا، ولذلك فإن النصوص الصادرة عن المعصومين (عليهم السلام) في ذم الفلسفة قد ينظر اليها باعتبار تلك الفلسفات الفاسدة.

ويمكن ان ادّعي أنَّ كل فلسفة مبنية على البديهيات العقلية والفطرة الانسانية والقواعد المنطقية هي فلسفة مقبولة. وكل فلسفة مبنية على الظن والرأي هي فلسفة باطلة، وانها المقصودة بالفلسفة التي ورد النهي عنها في بعض الاحاديث المروية عن آل البيت الاطهار (صلوات الله عليهم) والتي ربما من خلالها ينبثق قول قمر سماء الفقاهة الشيخ محمد حسن النجفي صاحب الجواهر (رض): ما بعث رسول الله إلا لإبطال الفلسفة[3].

الفلسفة:

المنهج الفلسفي ذو اصول غير اسلامية ، فقد عُرِفَت الفلسفة عند اليونان او اشتهرت عندهم. فكلمة "فلسفة Philosophy": "الفيلوصوفيا Philosophia كلمة يونانية من مقطعين هما فيلو بمعنى حب ، وصوفيا بمعنى الحكمة ، فتكون الفلسفة هي حب الحكمة ، ومع ذلك فقد اختلفت الآراء حول مفهوم الحكمة ، فـ "هومر"[4] استخدم الحكمة بمعنى البراعة العملية في تشغيل الالات وادارة الاعمال ، وهيرودوت استخدمها بمعنى التمرس القائم على التجربة الطويلة والدراية بالمسائل المختلفة. وعلى اي حال فان فيثاغورس كان اول من وصف نفسه بالفيلسوف وعرَّف الفلاسفة بانهم الباحثون عن الحقيقة بتامل الاشياء ، فجعل حب الحكمة هو البحث عن الحقيقة ، وجعل الحكمة هي المعرفة القائمة على التأمل. الا ان افلاطون عرَّف الفلسفة بانها علم الواقع الكلي او العلم بأعم علل ومباديء الاشياء ، فجعل حب الحكمة علماً ، مع اننا نعرف ان العلم مناطه الكشف عن كيفية حدوث الاشياء The How بينما الفلسفة مجالها البحث عن علل الاشياء نفسها The Why ، ففرق بين هدف العلم وهو تحصيل العلل القريبة ، وهدف الفلسفة وهو العلم بالعلل البعيدة او العلل الاولى"... " ولم يعرفها التعريف الموسوعي سوى ارسطو لأنه كان موسوعياً فجعل الفلسفة تشمل كل المعارف العقلية ابتداءاً من التشريع الى الميتافيزيقا ، واقتفى الاكويني آثار ارسطو ، وعرَّف بيكون وهوبز وديكارت ولايبنتس وفولف الفلسفة بأنها علم موسوعي ، وميزوا بين الفلسفة الخلقية والفلسفة الطبيعية ، وبين الفلسفة السياسية والفلسفة الاولى او الميتافيزيقا ، واستخدموا مصطلح الفلسفة بالمعنى الذي نستخدم به الاآن مصطلح العلم. ولم تنفصل العلوم عن الفلسفة الا في القرن التاسع عشر"[5]

يقول في قصة الحضارة: (ثلاث نزعات امتزجت في الفلسفة اليونانية: النزعة الطبيعية (الفيزيقية) والنزعة الميتافيزيقية ، والنزعة الاخلاقية. ووصلت النزعة الطبيعية الى غايتها في ارسطو والميتافيزيقية في افلاطون ، والاخلاقية في زينون القتيومي ، وانتهى تطور النزعة الطبيعية بفصل العلم عن الفلسفة على يد أركميديز ، وهپارخوس ، وانتهت النزعة الميتافيزيقية بتشكك پيرون Pyrrho والمجمع المتأخر ، وبقيت النزعة الاخلاقية حتى غلبت المسيحية على الابيقورية والرواقية أو اندمجتا فيها)[6].

ثم انتقلت الفلسفات المشائية والاشراقية من اليونان الى المسلمين وفكرهم وعقيدتهم عبر عدد من الفلاسفة كابن سينا والفارابي وابن رشد ، وقد اخذ اليونان التصوف عن الهند[7] ولذلك فلا يستبعد ان الفلسفة الغنوصية ايضاً انتقلت من اليونان الى المسلمين بالاضافة الى انتقالها من جهة الفرس والهند ، ومن ابرز الخائضين في الفلسفة الغنوصية او التصوف الغنوصي ذو النون المصري والبسطامي والحلاج وابو الفتوح السهروردي وابو حفص السهروردي والغزالي وابن عربي ، وكان بين الفلاسفة جدالات كبيرة وردود واسعة في مؤلفات شهيرة كتهافت الفلاسفة للغزالي وتهافت التهافت لأبن رشد ، الى ان ظهر ملا صدرا في بداية القرن الحادي عشر الهجري (توفي 1050هـ) والذي انتقى مسائل فلسفية بعضها من ارسطو وبعضها من افلاطون والتصوف الغنوصي وزعم ان مدرسته تضم الفلسفة والعرفان (التصوف الغنوصي) الى جنب الشريعة واطلق عليها اسم (الحكمة المتعالية).

 

محاولة تعريف الفلسفة

لا نبالغ اذا قلنا ان تعريف الفلسفة هو امر لا يقل تعقيداً عن الفلسفة نفسها ! والى يومنا هذا يختلف الفلاسفة في تعريفاتهم للفلسفة.

يقول الدكتور جعفر عباس حاجي: (اما بالنسبة للمفاهيم والتعريفات التي تحدد معنى الفلسفة وتعرفها فهي كثيرة ومتباينة ، والمستقريء لأدبيات الفكر الفلسفي يستشف بكل وضوح وجلاء هذا التباين والاختلاف الذي ترك الباحثين أمام تعريفات متباينة يستصعب في بعض الاحيان ايجاد خيط ينسجها في شكل وحدة متجانسة متماثلة. وبالرغم من وجود هذا التباين في تعريف الفلسفة ن إلا أن هذا لا يعني البتة انها لا تملك موضوعاً خاصاً ، بل يدلنا ذلك فقط على تعدّد ينابيع الفلسفة في صميم الخبرة البشرية ، فغالبية الفلاسفة متفقون ومجمعون على ضرورة السعي نحو المعقول ، ولزوم الكشف عن معاني الاشياء ، ولكنهم مختلفون حول مصادر هذا البحث ومقاييسه وطبيعة تلك الرحلة الفلسفية التي يقوم بها الانسان في عملية إكتشاف الحقيقة. فحينما يطرح أي باحث تساؤلات حول العلوم المختلفة ، مثل الفلك والجيولوجيا والطب والكيمياء ، يلاحظ أجوبة وتعاريف دقيقة موجزة ومحددة. فمثلاً يعرف علم الجيولوجيا بأنه ذلك العلم الذي يدرس من أجل التوصل الى معرفة الصخور والقشرة الرضية وطبقاتها المختلفة والمتعددة. وعلم الفلك بأنه ذلك العلم الذي يدرس ويبحث عن أحوال الاجرام السماوية بقصد الوقوف على القوانين التي تتحكم بها وتسير فيها. ولكن لو طرحنا سؤالاً ما المقصود بالفلسفة؟ لوجدنا إجابات متباينة وصعبة وعسيرة. ويمكننا إرجاع هذا التباين والاختلاف في ماهية الفلسفة الى عاملين رئيسيين هما: العامل الاول: إن كلمة الفلسفة يختلف معناها باختلاف المذاهب الفلسفية المتباينة. فالتعريف الذي يقدمه المذهب التجريبي Empiricism للفلسفة يرفضه المذهب المثالي Idealism ، والتعريف الذي يقدمه الفيلسوف الهيجلي يرفضه الفيلسوف البرجماتي. إضافة الى وجود مدارس ومذاهب لا تعتقد ألبتة بالمطلق The absolute مثل المذهب الوضعي Postivism ، بينما المدرسة الهيجلية Hegelian School والمذهب الاسلامي وغيرها من المذاهب الفلسفية ترى إمكانية التوصل الى المطلق. وهناك من يعتقد بالمطلق ويثبته في الواقع ولكنه يرى أنه من الصعب أو من المستحيل التوصل اليه An Knonwable. العامل الثاني: المتأمل حق التأمل ، في تطورات الفكر الفلسفي ، يلاحظ أن الاختلاف والتباين في معنى لفظ الفلسفة ، كان واضحاً وجلياً حسب التقسيمات الفلسفية للعصور التي مرت بها الفلسفة في رحلتها الصعبة. فالتعاريف التي كانت مقبولة في العصور اليونانية أو الوسيطة تغير الكثير من معالمها وماهيتها في العصور الحديثة. فبينما كانت الفلسفة في فترة من فترات التأريخ الانساني معبّرة عن امكانية الوصول الى معرفة يقينية – والبحث والتقصي عنها يعتبر لذة عقلية ، وانها كانت مدبرة للحياة ، وفي حقبة اخرى مثل العصور الوسطى كانت الفلسفة تعتبر أداة للتوفيق بين العقل والنقل ، او الحكمة والشريعة – على حد تعبير ابن رشد – حيث استخدمت وجندت معظم إمكانياتها للدفاع عن العقيدة الدينية والبرهنة على مصداقيتها وصحة القضايا الدينية. بينما كانت السمة البارزة في فلسفة أواخر القرن الماضي هي بروز النزعة العلمية التي تأطرت في شكل المذهب العملي أو البرجماتي Pragmatism الذي من أشهر أعلامها وليم جيمس W. James (1842- 1910). ومن ثم ظهرت مدارس ومذاهب فلسفية أخرى كل واحد منها يسعة الى تقديم مفهوم وتعريف للفلسفة ينسجم مع إطاره الخاص ، فبرزت الماركسية والوضعية المنطقية والتحليلية والوجودية ... إلخ)[8].

ويقول د. عدنان ابراهيم: (الفلسفة هي نشاط Activity أكثر منها أي شيء آخر ، ولذلك بدايتها قد تكون بالمدارسة ، ان ندرسها وأن نتدارسها ، ولكن حقيقتها ولبها وجوهرها تكمن  في الممارسة أن تمارس ... ارسطو له عبارة شهيرة ، وهو الفيلسوف الاشهر في كل الاعصار بلا منازع ، يقول لا يمكن لأحد ان لا يتفلسف حتى اولئكم الذين يعادون الفلسفة ويجفونها انما يفعلون ذلك بضرب من ضروب التفلسف ، لكي تبرر موقفك المعادي للفلسفة سترى نفسك انخرطت في الفلسفة وبدأت تتفلسف كما يقال. ولا احب ان اطوّل بقضية التعريف ، حيث يعاد تعريف الفلسفة تقريباً في كل عصر وليس على نحو واحد ، بل على انحاء مختلفة)[9].

ويقول د. محمد عبد الرحمن مرحبا: (لقد اثبت علم خصائص الشعوب وتاريخ الحضارات والمذاهب ان الانسان في كل زمان ومكان تستوقفه مشكلات لا يستطيع لها دفعاً: ما طبيعة هذا الكون الذي نعيش فيه؟ أقديم هو أم حادث؟ أأوجده من العدم كائن فائق القدرة يعتني به ويسوسه ام هو موجود بذاته يحمل في طبيعة كونه قوانين سيره وشروط مصيره؟ ما الحياة؟ والى اين المصير؟ ما العلاقة بين النفس والبدن؟ هل الانسان حر مختار مسؤول عن عمله ام هو مجبر عليه؟ ما علة وجود الشر في العالم؟ هل للحياة معنى؟ وما غاية الوجود؟ الخ. اسئلة لا مناص منها هي من صميم التفكير الفلسفي. فحولها كانت – ولا تزال – تدور ابحاث الفلاسفة حتى عهد قريب، ومن ينبوعها كانت تتفجر مذاهبهم، وللاجابة عليها كانت تتفتق قرائحهم. فالفلسفة اذن بمعناها الواسع انما هي محاولة للرد على هذه الاسئلة للرد على هذه الاسئلة. انها البحث في ماهية الاشياء واصولها وعلاقة بعضها ببعض وبالانسان. انها تطّلعٌ الى الآفاق البعيدة. انها تعرف على مظاهر الكون على اختلاف انواعها، وتلمّس لأسبابها وعللها، ومحاولة للتأليف بينها وردها الى اصل واحد ينتظم الكون بأسره. انها تطّلب لعنصر الوحدة الكامن وراء الكثرة، وتعقبٌ للانسجام المختبيء وراء غشاء كثيف من التنوع والاختلاف. وبعبارة اخرى، تدل الفلسفة في اوسع معانيها على مجمل المحاولات التي قام – ولا يزال يقوم – بها الانسان، بدافع من المعرفة وحب الاستطلاع ليتمثل مجموع الاشياء، ومكانه من هذا المجموع والرسالة التي عساه يضطلع بها في هذا المجموع. فكل فلسفة اذن هي بحكم التعريف عمل ضخم جداً. وسنرى ان هذه الضخامة تحمل في ذاتها بذور فشلها وتقضي على كل امل في الوصول الى جواب حاسم. هذا هو تعريف الفلسفة بمعناها العام. واما المعنى الخاص او بالمعنى الفني الذي ظل معمولاً به حتى زمن ليس ببعيد فهي "النظر في حقائق الاشياء". وقيل انها "تعرُّف الوجود المطلق" أو "معرفة الوجود بما هو موجود" ، وقيل انها "معرفة الحقائق الثابتة" ، ولكن التعريف الشائع هو انها "العلم بالمباديء الاولى" ، ولما كانت هذه الامور مما لا يقع في دائرة العلم الطبيعي وليس في الاختبار الحسي من امكانات للخوض فيها ، صارت مادة لعلم آخر هو "علم ما وراء الطبيعة" أو "الميتافيزيقا". لذلك فسنستعمل كلمتي "فلسفة" و"ميتافيزيقا" بمعنى واحد تقريباً. واما اليوم فقد اصبحت الفلسفة عبارة عن تحليل الالفاظ وتحديد معانيها والبحث في بعض القضايا المنطقية الخاصة كالقضايا التالي: "هل يوجد قضايا تركيبية اولية؟" و"هل القانون الطبيعي يقيني ام تقريبي؟" و"هل يمكن تعريف العلة بأنها تعاقب مطرد؟" و"ما هو اساس الاستقراء؟" الخ. وهكذا نرى كيف اخذ يضيق معنى الفلسفة وينحصر مدلولها، وكيف كانت كل شيء فأصبحت لا تكاد تدل على شيء)[10].

ويقول الاستاذ علي حسن مطر: "ان الفلسفة هي ما يتناول موارد المعلومات التي لا يمكن اثباتها بالتجربة الحسيّة ، في مقابل استعمال اصطلاح (العلم) على العلوم التجريبية. ففي الفلسفة بدلا من ان يقال: (علم معرفة الله) ، يقولون: (فلسفة معرفة الله)"[11]. والظاهر ان هذا التعريف يخص الفلسفة التي تشمل قضايا ما وراء الطبيعة (الميتافيزيقا) التي يراد منها الربط بين الفلسفة والدين أو على نحو أصح: إقحام الفلسفة في الدين !

أما "الفلسفة الطبيعية" التي تشمل فلسفات العلوم المختلفة ... فتقول د. أميرة حلمي مطر: "ان الفيلسوف الطبيعي قد نظر الى السبب اما العرّاف فقد نظر الى الغاية، فمهمة الاول هي ان يفسر كيف تحدث الاشياء اما الاخر فيبحث في الغاية منها ويعرف كيف يتنبأ بمعناها"[12]. إذن هناك ضرورة للتمييز بين تفسير كيفية حدوث الاشياء وبين الغاية من الاشياء. ولا يخفى ان العلم يبحث ايضاً في كيفية حدوث الاشياء ولذلك كان في فترة من الزمن جزءاً من الفلسفة. كما انه ليس كل من يبحث عن الغاية من الاشياء يدخل في باب العرافة ، فهناك من العلوم ايضاً من يبحث في الغاية من الاشياء ، كعلم العقاقير الذي تكون غايته شفاء المرضى ، وهكذا.

ويبالغ البعض في صفات الفيلسوف فيقول: "يتميز الفيلسوف بأنه الشخص الملم بكل المعارف أي أنه الشخص الذي لا يقف عند معرفة الجزئيات كما انه ايضاً الشخص الذي يدرك الصعب من المشكلات. ففي حين ان الناس عامة يكتفون بالمعرفة الحسية يتميز الفيلسوف بأنه يدرك الكليات والمجردات أي الاشياء الصعبة وهو أيضاً القادر على تعليم غيره"[13]. ولا يخفى ان إلمام الفيلسوف بكل المعارف – إنْ وُجِدَ فعلاً هكذا فيلسوف – فإلمامه يكون عن سبيل الظن لا القطع باليقين وإن ظن هو القطع باليقين من حيث لا يدري ! كما لا يخفى ان الفيلسوف لا يعنى بالجزئيات بل بالكليات ، وهذه نقطة ضعف في الفلسفة تجعلها في حاجة دائمة الى (علم الكلام) الذي يعنى بالقضايا الجزئية ، من قبيل تحقيق معرفة اسم النبي وصفاته وعدد الائمة خلفائه الاثني عشر (عليهم السلام) وصفاتهم واسمائهم الخ.

"وتتميز الفلسفة عن باقي العلوم بأنها لا تدرس لغرض أو منفعة عملية بل تدرس لمعرفة الحقيقة ذاتها مثل الرجل الحر يحيا لذاته أما الفن فيعيش من اجل هدف آخر غير ذاته. وبناء على ذلك فان من يعرف الكليات يعرف بالتالي الجزئيات المتضمنة فيها ومعرفة المباديء الكلية اصعب من معرفة الجزئيات"[14].

"وننتهي من ذلك الى ان العلم الذي يسمى بالفلسفة هو ذلك العلم النظري الذي يبحث في العلل والمباديء الاولية ومن بين هذه العلل والمباديء الاولية الغاية القصوى أو الخير الأسمى To On-eneka وهي ليست علماً انتاجياً فنياً Poetike وهذا هو معناه لدى الفلاسفة القدماء، إذ أنَّ الدهشة والعجب وحده هو الذي يمكن أن يعد الدافع الذي حرك المفكرين الى التأمل والفلسفة"[15].

و"ينسب الى فيثاغورس انه اول من استخدم كلمة (فيلوسوفيا) أي محبة الحكمة، او الجهد من اجل الوصول الى الحكمة، وينبغي أن نفهم الحكمة هنا بكل معانيها، حيث يختلط فيها النظر بالعمل، فليس الحكيم هو من يعرف أشياء كثيرة فقط، بل هو أيضاً من يسلك سلوك الحكيم. وهنا فإننا نضع أيدينا على فكرة اساسية للفيثاغورية شاركت في جعل تأثيرها يستمر خلال كل عصور الحضارة اليونانية وفي الحضارة المسيحية بل وكذلك في الحضارة الاسلامية، الا وهي ان العلم انما هو في النهاية أداة لتطهير النفس حينما تصل هذه الى الحقيقة. وهكذا فإنَّ الفيثاغورية مذهب علمي في الرياضيات ومذهب فلسفي ومذهب اخلاقي كذلك يقوم على نوع من التصوف العقلي"[16].

وللفلسفة بطبيعة الحال نشاة ومراحل، فهل الفلسفة يونانية المنشأ؟ ... حيث أن الفلسفة ومواضيعها مرتبطة بالفكر الانساني ، فمادام الانسان موجود في اي بقعة على الارض فإذن هناك فلسفة ، ومن غير الصحيح ان يقال ان اليونان هم الذين اوجدوا الفلسفة ، بل هي موجودة في كل حضارة وعند كل الامم ، غاية ما في الامر ان الفلسفة اليونانية تمكنت بسبب عوامل عديدة ان تصل الى عصر التدوين والتداول بصورة منهجية بخلاف بقية الفلسفات في الحضارات الأخرى التي انطمست جلّ معالمها او لم تتمكن من التدوين بطريقة منتظمة مع ان فلسفات بقية الاقوام والحضارات انتقلت الى امم اخرى وحدث تفاعل حضاري فيما بينها ، وهذا امر لا يمكن انكاره بسهولة. "لقد بدأ كثير من مؤرخي الفلسفة يميلون الى القول بأن نشأة الفلسفة في بلاد اليونان في القرن السادس ق.م ليس بحقيقة نهائية حاسمة بقدر ما هو افتراض عملي ونقطة بدء مؤقتة في البحث، نسلم بها لأن الوثائق الخاصة بعلوم الحضارات الشرقية القديمة وفلسفتها ليست وافية ولا هي واضحة بالقدر الذي يسمح بأن نقرر بشكل حاسم ان بلاد اليونان هي مهد الفلسفة ومبدأ تاريخها وانها أرض المعجزة. والى هذا الرأي يذهب المؤرخ الفرنسي الكبير اميل بربيه اذ يقول: (اذا كنا نبدأ تاريخنا بطاليس فليس معنى ذلك اننا نتجاهل التاريخ القديم الذي تم فيه تكوين العقل الفلسفي، وانما لسبب عملي صرف هو ان الوثائق المكتوبة عن حضارات ما بين النهرين ليست كافية وينقصها الوضوح، كما ان الوثائق المتعلقة بالمجتمعات البدائية لا تكفي بدورها في ارشادنا عن اليونان في طورها البدائي). وفي هذا الاتجاه أيضاً يسير العالم المؤرخ الهندي الكبير دكتور راداكريشنان في مقدمته لكتابه الذي اشترك فيه مع نخبة من كبار علماء الهند وفلاسفتها عن تاريخ الفلسفة الشرقية والغربية"[17].

ومن الفلسفات التي نجد اثرها عند الكلدانيين هي فلسفة "تجدد العالم على فترات كبيرة من الزمان، وهي فكرة العود الابدي والسنة الكبرى التي شاعت عند القدماء خاصة الرواقيين. ولقد كان الكلدانيون اول من توصل الى هذه الفكرة من القدماء لتعمقهم في التنجيم والفلك وقد اعتقدوا ان هناك وقتا تشتعل فيه الكواكب السيارة بما فيها القمر والشمس ويحدث هذا في رأيهم كل ستة وثلاثين ألف عام. وقد بقيت آثار هه الفكرة عند الهنود وفي ايران أما عند اليونان فقد حددت السنة الكبرى بثمانية عشرة ألف عام أو عشرة آلاف عام وثمانمائة"[18].

تقول د. اميرة حلمي: "وقد اوتي أقوام كثيرة من قبل اليونان ومن بعدهم علماً وفكراً وحضارة وفناً ولكن الحكمة التي اختص بها اليونان كانت فريدة في نوعها واليها وحدها ينصرف اسم الفلسفة بمعناها الدقيق فاليونان هم اول من اثار المشكلات وقدّم المنهج والمصطلح الذي سارت عليه الفلسفة حتى اليوم ومذاهبهم التي جادت بها قرائح فلاسفتهم قد امتدت الى تفسير الكون والحياة الانسانية على السواء حتى أمكن ان نقول انهم اول من حدد مشكلات الفلسفة واتجاهاتها الرئيسية عندما ناقشوا حقيقة الوجود ومبدأة واثاروا البحث عن طبيعة المعرفة الانسانية ومضوا يتساءلون ما الحق وما اليقين؟ وكيف نبلغ الخير ونحقق الجمال ؟ وكذلك تحققت المعجزة اليونانية في القرن السادس قبل الميلاد على حد قول الاوربيين"[19].

"وها هو نومنيوس أهم مؤسسي الافلاطونية الجديدة في الاسكندرية يعلن في القرن الثاني للميلاد ان الشرق هو مهد الفلسفة وأن أفلاطون ليس الا موسى يتحدث اليونانية. وفي هذه الاقوال ما يشير منذ أقدم العصور الى أن نشأة الفلسفة ما كانت لتتم عند اليونان لولا المقدمات التي قدمتها الحضارات الشرقية القديمة. ويكفي أن نرجع اليوم الى ما انتهت اليه بحوث المتخصصين في تراث الهند الفكري فنجد الفلسفة في قصائد اليوبانيشاد منظومة في تاريخ يرجع الى ما قبل القرن الثامن الميلادي ثم نجد كيف تطور الفكر الفلسفي في الهند على مدى قرون طويلة انتهت الى ظهور مذاهب فلسفية متعددة ومختلفة الاتجاهات فقد تمثل المذهب المادي في فلسفة الكارفاكا Carvaka وعبرت فلسفة السانكيا Sankhya عن الثنائية القائلة بمبدئين احدهما روحاني والآخر مادي ومن هذه المذاهب أيضاً البوذية Buddhism والجانيزم Jainism. وإذا كانت هناك مشكلة قائمة حول حقيقة مؤسس البوذية "جوتاما بوذا" Gautama Buddha ومؤسس الجانيزم ماهافيرا Mahavira هل هما أقرب الى الانبياء أصحاب الاديان أم هما من عداد الفلاسفة أصحاب النظر العقلي؟ فيكفي ان نقول بهذا الصدد انهما قد شيدا مذهبيهما على أساس من الفكر النظري الصرف قصدا به تفسير مشكلة الوجود الانساني والكون وذلك بغير الاستناد الى اي مصدر ديني أو قوى غيبية ، ومن هنا فقد كان منهجهما في البحث فلسفياً ، اما ان تكون تعاليمهما قد تحولت فيما بعد الى عقائد دينية وتعاليم انتهت الى ان ترتفع بهما الى مصاف الانبياء بل الآلهة ، فهذا أمر آخر لا يرجع الى تفكيرهما بقدر ما يرجع الى عقلية مجتمعهما والروح السائدة في حضارة بلادهما"[20].

ويمكن التأكيد على ان من الفلسفات التي نشأت قبل اليونان الفلسفتين البوذية والجينية المنسوبتين لكل من جوتاما بوذا مؤسس البوذية وماهافيرا Mahavira مؤسس الجينية او الجانيزم (واتباعه يسمون الجينس) و"يكفي ان نقول بهذا الصدد انهما قد شيدا مذهبيهما على أساس من الفكر النظري الصرف قصدا به تفسير مشكلة الوجود الانساني والكون وذلك بغير الاستناد الى اي مصدر ديني أو قوى غيبية ، ومن هنا فقد كان منهجهما في البحث فلسفياً ، اما ان تكون تعاليمهما قد تحولت فيما بعد الى عقائد دينية وتعاليم انتهت الى ان ترتفع بهما الى مصاف الانبياء بل الآلهة ، فهذا أمر آخر لا يرجع الى تفكيرهما بقدر ما يرجع الى عقلية مجتمعهما والروح السائدة في حضارة بلادهما"[21].

وقد مرّت الفلسفة اليونانية بمراحل عديدة ، وابرز سماتها في مراحلها انها كانت كلما تطورت العلوم المنضوية تحت جناحها تحولت الى علم منفصل عن الفلسفة ، فكانت العلوم تتساقط عنها وتتركها كلما تطورت بمرور الزمن، مما يقوي ما عرَّفناها به من انها تشمل المعلومات التي لا يمكن اثباتها بالتجربة الحسيّة ، وصدق د. عدنان ابراهيم عندما وصفها بأنها نشاط فكري. وما دامت الفلسفة نشاطاً انسانياً فهي مرتبطة بالانسان منذ نشاته ، ولا معنى للبحث في انه هل الفلسفة يونانية المنشأ ام انها عرفت في الاقوم الاخرى قبل اليونان كالمصريين والبابليين والهنود وغيرهم ، فجميع الاقوام لديها فلسفاتها الخاصة بها سواء نقلت الينا ووصلتنا فلسفتها ام لا. ونحن نجزم بذلك من حيث كون الفلسفة امر مرتبط بالتفكير الانساني والنشاط الذهني. ولذلك فلابد من التمييز بين الفلسفة كنشاط فكري انساني وبين المنهج الفلسفي الذي سار عليه فلاسفة اليونان.

وابرز الفلاسفة اليونانيين: طاليس الملطي نحو (624 - 546) ق.م ، إكسينوفان (زينوفان) (570- 475) ق.م ، بارمنيدس (وُلِدَ 515 او 540 ق.م) ، زينون (تلميذ بارمنيدس)  (490 ــ 430) ق.م ، هراقليطس (535- 475) ق.م أو (544- 484) ق.م ، أنبادوقليس (484- 424) ق.م ، أنكساجوراس (500- 428) ق.م

لوقيبوس (وُلِدَ حوالي 500 ق.م ويقال انه مات سنة 370 ق.م) ، فيثاغورس (570 – 495) ق.م ، ديمقريطس (460 – 370) ق.م ، سقراط (470- 399) ق.م ، افلاطون (427- 347) ق.م ، أَرِسْطُو أو أَرِسْطُوطَالِيس أو أرسطاطاليس (384 - 322) ق.م ، إبيقور(341 – 270) ق.م.

 

 

 

 

الفلسفة والتصوف الغنوصي عند اليونان:

"يذهب هرقليطس الى القول بأن جوهر العقل الانساني من حقيقة هذا الجوهر الالهي الكلي، فالانسان يعرف الحقيقة بأن يتحد بها اتحاداً كلياً ويترتب على هذه الفكرة معارضة هرقليطس لمنهج آخر في المعرفة يقتصر على جمع المعلومات التي تصف الحقيقة ولكنها لا تبلغ اليها لأن العقل لكي يدرك الحقيقة لابد أن يتحد بها، ولذلك هاجم أكثر العلماء والفلاسفة ووصفهم بأنهم لا يصلون الى الحكمة ولا يدركون اللوغوس يقول: (ان المعلومات الكثيرة لا تكفي للفهم). وواضح من ذلك أن منهج هرقليطس الذي يقضي بالاتحاد بالحقيقة هو منهج أقرب ما يكون الى مناهج التصوف حيث تُعرف الحقيقة بالعيان المباشر، وبالاتصال، ولكن هذه النزعة الصوفية عنده لم تكن تتسع لقبول أي شيء غامض في العقل او مبهم او يفوق الحس. فهو على حد وصف برترند رسل على رأس الفلاسفة الين جمعوا بين التصوف والمنطق على السواء"[22].

ويكون "العقل عند هيراقليطس مشترك بين كل الناس، وعنده ان اي فرد يستطيع الوصول الى الحكمة، ورغم ان هيراقليطس يعترف بأن على الفيلسوف ان يعرف اشياء كثيرة، ال ا ان الشيء المهم انما يبدأ بعد ذلك بإعمال العقل في كل المعارف للوصول الى (اللوجوس) ورغم ان اللوجوس مشترك الا ان العامة تعيش وكأن لكل فرد عقلاً خاصاً وقانوناً خاصاً فالحكمة إذن هي الوصول الى اللوجوس. ولكن الطريق الى ذلك ليس هو: أ- اتباع الشعراء. ب- ولا اتباع الديانه التقليدية التي توصي بعبادة احجار هي التماثيل وكأنها توصي بعبادة البيوت. ج- ولا الديانة الاورفية التي هاجمها هيراقليطس هجوماً شديداً لأسباب منها انها تجعل تابعيها يفقدون عقلهم وكأن الجنون أصابهم أو الهذيان، هذا على حين ان اهم ما يتطلبه الوصول الى الحكمة هو الاحتفاظ بالعقل في حالة يقظة دائمة"[23].

"ان طريقة هيراقليطس في التفلسف لا تقوم على جمع المعلومات ولا على اتباع مذاهب الآخرين، بل على البحث الذاتي أي التعقل، ولذلك فان هناك من يترجم النص هكذا: (بحثت في نفسي) ويبدو من هذا التفسير الثاني تأكيد هيراقليطس على مفهوم النفس، ويقال في هذا الصدد انه كان معجباً كثيراً بالحكمة التي كانت على مدخل معبد دلفي والتي تقول: (اعرف نفسك بنفسك)"[24].

و"لما كانت هذه الروح الدنيوية السائدة في الاساطير الاوليمبية لا ترضي النزعات الدينية فلابد أن نشير الى موجات وحركات صوفية النزعة متأصلة التدين تعود لتغزو الروح اليونانية من آن لآخر، وكانت هذه الموجات تظهر كلما تمكن الحكام الطغاة ان يصلوا الى الحكم فيرضوا الشعب بنشر عبادة الآلهة الشعبية كما حدث في أثينا في عهد بزيستراتوس مؤسس الديمقراطية الاثينية"[25].

و"يذهب هرقليطس الى القول بأن جوهر العقل الانساني من حقيقة هذا الجوهر الالهي الكلي، فالانسان يعرف الحقيقة بأن يتحد بها اتحاداً كلياً ويترتب على هذه الفكرة معارضة هرقليطس لمنهج آخر في المعرفة يقتصر على جمع المعلومات التي تصف الحقيقة ولكنها لا تبلغ اليها لأن العقل لكي يدرك الحقيقة لابد ان يتحد بها، ولذلك هاجم أكثر  العلماء والفلاسفة ووصفهم بأنهم لا يصلون الى الحكمة ولا يدركون اللوغوس يقول: (ان المعلومات الكثيرة لا تكفي الكثيرة للفهم). وواضح من ذلك ان منهج هرقليطس الذي يقضي بالاتحاد بالحقيقة هو منهج أقرب الى مناهج التصوف حيث نعرف الحقيقة بالعيان المباشر، وبالاتصال، ولكن هذه النزعة الصوفية عنده لم تكن تتسع لقبول أي شيء غامض في العقل او مبهم أو يفوق الحس. فهو على حد وصف برترند رسل على رأس الفلاسفة الذين جمعوا بين التصوف والمنطق على السواء"[26].

"لكن التأمل المجرد عن العالم المحسوس وجد خير مثال له في فلسفة بارميندس الايلي ذلك الفيلسوف الذي يصف رسل (في كتابه التصوف والمنطق) تصوفه بأنه تصوف منطقي ظهر عند كثير من المتصوفة الميتافيزيقيين من يوم بارمنيدس الى هيجل وتلاميذه المحدثين وأساسه هو أننا لا نعرف اللاوجود وما لا نعرفه ليس موجوداً أو بمعنى آخر الموجود هو وحده المعقؤل. والاتجاه السائد في فلسفة بارميندس يوضح منذ البداية التأثر بالاسرار الدينية وأشهرها عند اليونان الاسرار الأروفية. ويظهر الطابع السري في تعليم بارميندس لأن المعرفة عنده قد اتخذت شكل أسرار لا ينبغي أن تذاع على الجمهور وهو نفس الطابع الذي اتسمت به الفيثاغورية التي اعتبرت المعرفة بالعدد سراً من الاسرار تفسر به حقيقة الكون ويقال أن هيباسوس من ميتابونتوم Hippasus de Metapontun قد قذف به الى البحر لأنه أفشى بعض الاسرار الخاصة بالجذر التربيعي للعدد 2 فالمعرفة لها قوة تأثير على الوجود لا ينبغي أن يتحكم فيها الا الخاصة. وقد كان الانتماء الى المدارس الفلسفية السرية والجماعات ذات النحل الصوفية يتطلب اختبارات قاسية للمريدين أو المرتادين لهذه الاسرار ولهذا يقول أفلاطون في الجمهورية لا يجب أن يمتلك المعرفة الا الفلاسفة أي المرتادون لهذه الاسرار (الجمهورية 519 د). ومن المعروف أن الانتماء لهذه الجماعات لم يكن مسموحاً به للأجانب ولا للعبيد في ذلك الزمان. ولقد كانت أكبر ثورة على هذه النزعة السرية هي ثورة السفسطائيين الذين يمثلون طبقة السراة والاغنياء الذين وصلوا بحكم قوتهم الاقتصادية الى مراكز النفوذ في ظل الديمقراطية الاثينية. هؤلاء المعلمين هم الذين عملوا على تفنيد الاسطورة القديمة في وجود عالم روحاني أو عقلاني هو المقصود بالتعاليم السرية فقد كان وراء نظرية السفسطائيين في تعميم العلم على الجمهور نظرية في الوجود أساسها رفض فكرة نفس للاشياء أو نفس العالم وهي النظرية المعروفة لدى القدماء بأسم الـ animsime لهذا يمكن أن نقول بأن السفسطائيين كانوا يدعون الى علم دنيوي في مقابل العلم الديني او السري ولم يكن لهم بالتالي مدرسة تسهر على حماية الاسرار وأمكن لهم أن يصلوا الى المنهج التجريبي في السياسة والأخلاق والدفاع عن نظرية حسية في المعرفة ورفض ما كان افلاطون وأسلافه من أصحاب الأسرار يقولون به ومن وجود نفس العالم. ويعتبر بارمنيدس الايلي أهم شخصية استمد منها افلاطون اتجاهه التأملي والميتافيزيقي بل أول فيلسوف أثار مشكلة المعرفة على أساس التمييز بين الحقيقة والمظهر في الوجود، فعامة الناس من غير المرتادين للأسرار هم الذين يكتفون بالظن في حين أن المرتادين الذين يصلون الى لب الحقيقة هم القادرون على فهم النفس أو الجوهر وهو وجود ثابت خالد وليس كما تصوره الفيثاغوريون نقاطاً تحدد فراغاً لا نهائياً. أنه كل متصل يتصوره على شكل مادة ولكنه وجود متعال على الادراك الحسي ولا يفهم هذا الوجود الا من ارتاد الاسرار على نحو ما يقول في مقدمة قصيدته التي تبين له أن الآلهة قد كشفت له النقاب وبكثير من الرموز التي تؤكد هذا الطابع السري"[27].

 "أما الدرجة الاعلى من المعرفة فهي التأملnoésis  الذي يصل النفس مباشرة بموضوعها وهو نوع المعرفة الذي به تعرف النفس ذاتها، فهو معرفة العقل بذاته وهذه المعرفة التعقلية التأملية هي اقرب ما تكون الى المعرفة الحدسية المباشرة. غير ان النفس اذا انعكفت على نفسها وتخلصت تماماً مما هو غريب عنها ترقت في مجال المعرفة وبلغت درجة الاتصال المباشر بالحقيقة القصوى عن طريق التجربة الصوفية وهي تجربة عبّر عنها افلوطين باساليب مختلفة ليقربها للقاريء فوصف النفس عند حدوثها بأنها لا تفكر بل تسمو على كل فكر وتتحد بما تراه، فهي لا تكون عندئذٍ بصدد المعرفة النعقلية أو الحدسية بل بصدد ما يسميه أفلوطين بالجذب الذي تصل به النفس الى السكون عند اتحادها بالواحد وهي حال لا يصل اليها كل الناس وانما الفلاسفة وحدهم واحياناً نادرة ولفترة قصيرة. فيغمر النفس نور هو نور المصدر الاول للوجودن فالشمس كما يقول لا ترى بنور آخر غير نورها. وحديث افلوطين عن تجربة الجذب يصدر عن تجربة شخصية مصدرها التامل الباطني، وتطهير النفس من كل العلاقات المادية، ويروي فورفوريوس أنها لم تحدث لفلوطين طول مدة اتصاله له الا اربع مرات. وكذلك تعمل الفلسفة والحياة العقلية على تحرير النفس من العالم الحسي فترقى في حياتها الروحية درجات المعرفة الديالكتيكية التي تؤدي بها من الادراك الحسي الى المعرفة العقلية الاستدلالية Dianoia الى المعرفة الحدسية، لكنها لم تصل الى قمة المعرفة والسعادة في تجربة الجذب extasisi [28].

"وعن سقراط قال: "بل ان بعض المؤلفين ذهب الى ان عقليته وعقلية افلاطون ليستا باليونانيتين بسبب الاتجاهات شبه التصوفية فيهما"[29].

 

الفلسفة الدينية الظنية ... فيثاغورس نموذجاً:

"فيثاغورس: ولد في ساموس ، وهو فيلسوف يوناني ازدهر في حوالي عام 530 قبل الميلاد. غادر ساموس هارباً من طغيان بوليكراتس واقام في كروتون بجنوبي ايطاليا حيث كان له لفترة ما نفوذ سياسي كبير ، إذ أسس هناك جمعية من المريدين جزء من نشاطها ديني والجزء الآخر علمي. ولم يدون المعلم بنفسه شيئاً ولما كان اتباعه قد نسبوا اليه اعمالهم الخاصة على سبيل الولاء ، فان تقييم أفكاره هو من الصعوبة بمكان. وتدل بعض السطور التي جاءت في كتب أكسانوفان على أن فيثاغورس اعتقد في تناسخ الارواح حتى بين الانواع المختلفة ما دامت هناك قرابة في النسب بين جميع الكائنات الحيّة. وقد ذاع صيته كذلك لمعلوماته العلمية والرياضية. وليس ثمة داع لحرمانه من النظرية التي تحمل اسمه. كما قام – على الارجح – بالاكتشاف الهام القائل بأن السلم الموسيقي يقوم على أسس عددية ، ومؤداه ان الفواصل النغمية الرئيسية في السلم الموسيقي يمكن ان يعبر عنها في نسب من الاعداد الاربعة الاولى ، وهذه الاعداد مجتمعة تشكل العدد عشرة الذي كان له عند الجمعية دلالة مقدسة ، اما هل كان فيثاغورس نفسه قد اعتقد مثل خلفائه في انه ليست الموسيقى فحسب بل العالم كله هو على نحو ما عددي ومركب من "الحد" و"اللامحدود" فأمر غير مؤكد"[30].

وقال د.عبد المنعم الحفني عن فيثاغورس: "ولجأ الى قروطونا بإيطاليا ، وأسس بها فرقة دينية سياسية فلسفية ، سيطرت على المدينة ومدّت نفوذها الى المدن المجاورة  وتألب عليها المعارضون وقتلوا عدداً من اعضائها البارزين ، واحرقوا الدار التي يجتمعون بها ، وكان فيثاغورس متغيباً وقتها فنجا بنفسه ، واستطاع من بعد أن يستعيد لفرقته نفوذها ، ولكن الثورة عليها اشتعلت من جديد في منتصف القرن الخامس ، وتفرّق اعضاؤها الى كل مدن اليونان الكبرى ، ومن ثمَّ تضاءل نفوذها ، وخبت تعاليمها في اواخر القرن الرابع ، ومن الصعب الجزم بحقيقة الفيثاغورية فقد كانت فرقة سرية ، والمعلومات عن فيثاغورس  نفسه ضئيلة ، وما نعرفه عنها جاءنا عن طريق المعاصرين ومن خلال كتابات افلاطون وارسطو والكتابات المسيحية حولها. ويروى ان فيثاغورس هو الذي وضع لفظة فلسفة وتعني حب الحكمة ، ورفض أن يتسمّى بأسم الحكيم Sophos ، وقال ان الحكمة لا يوصف بها إلا الآلهة ، وأما هو فليس إلا فيلسوفاً أو محباً للحكمة.وقال ان الفلسفة أسلوب في الحياة يهيء للروح الخلاص ، وأنها السير على درب الله أو ابوللو الداعي الى التوسط في الامور ، والذي يتجسد في فيثاغورس. وينشد الفيثاغوري الطهارة بالصمت واختبار الذات والامتناع عن اللحوم والبقول. وعنده ان كل المخلوقات اقارب ، وتنتقل ارواحها بالتناسخ ، ولذلك كانت كل اللحوم محرّمة. والجماد كذلك أقارب ، طالما أن الكون نفسه مخلوق حي يتنفس. والجسد فان والروةح خالدة ، وعلى البشر أن يعدوا أرواحهم ويطهروها تمهيداً لعودتها الى الروح الكلية التي هي جزء منها. وهي تعاليم تشبه تعالية الاورفية وهي فرقة دينية لا يمكن الفصل بينها وبين الفيثاغورية الدينية ، إلا ان الاورفية تقول بالخلاص من خلال الطقوس الدينية ، أما الفيثاغورية فتؤثر النظر الفلسفي ، ويعني ذلك استخدام العقل والملاحظة لفهم العالم والتعرّف الى حقيقته الإلهية. ويقول الفيثاغوريين إن الاشياء اعداد ، والعدد عندهم ليس رقما ولكنه شكل ، فالواحد نقطة ، والاثنان خط ، والثلاثة مثلث ، والاربعة مربع ، وهكذا ، ومن ثمَّ فالاشياء اعداد أي اشكال ، والكون كله اعداد ونغم Harmonia ، والنغم توافق الاضداد ، والحياة مستمرة طالما ان التناغم يحكمها. ويقال إن فيثاغورس هو الذي وضع لفظة كون Kosmos وتعني اكتمال النظام والجمال معاً. والعدد الكامل عنده عشرة ، لأنه العدد الذي يؤلف بين كل الاعداد ويجمع خصائصها والاجرام السملوية عشرة لأن العالم كامل وله خصائص الكامل. وليست الارض إلا جرماً مظلماً والنار مركز الكون وهي مصدر كل حياة والنار هي الشمـس. ولـقــد تـبنّـى أفـلاطـون نظريــــات الفيثــاغورييـن فـي خـلـود الــروح والأصـل الـريـاضـي للكـون ومعنـى الفلسفـة ، حتـى قيـل إن افلاطـون مـن اتبـاع فيثاغـورس ، فلما بعثت الفيثاغورية في القرن الاول قبل الميلاد اختلطت بتعاليم افلاطــون والـرواقييـن والـمشائييـن، وكـانــت الفيثاغوريـــة المحدثـــة Neo-Pythagoreanism حركة دينية أكثر منها فلسفية، استمرت حتى القرن الثالث الميلادي واندمجت في الافلاطونية المحدثة ، واثرت على الفكر اليهودي من خلال فيلون الاسكندري ، والفكر المسيحي بواسطة كليمنت الاسكندري. ووجدت الفيثاغورية لدى كثير من غلاة الشيعة والغنوصيين مجالاً لتعاليمها ، فقد أثرت في الاسماعيلية وسيطرت على كتابات اخوان الصفا ، وخاصة فكرتها عن الاعداد وعلاقة ذلك {بالشيعة الاثني عشرية}[31]، اختلطت بالبهائية ، وانبثقت عن الفيثاغورية فكرة الحروفية التي تعتبر الحروف رموزاً لأعداد ، والاعداد رموزاً لحروف ، وأضفت على الحروف خصائص أثرت في أفكار غلاة الشيعة عن مكانة السين والميم والعين. ويرى القفطي أن فلسفة محمد بن زكريا الرازي طابعها فيثاغوري ، ويذكر المسعودي أن مدرسة يحيى بن عدي كانت فيثاغورية ، كما يزعم ابن النديم أن ابن كرنيب ، وهو من جلّة المتكلمين ، أخذ بالمذهب الفيثاغوري"[32].

"اما عن شخصية فيثاغورس فانما يحوطها كثير من الاساطير اذ كان مصلحاً دينياً وصاحب فرقة من الاتباع تجمعهم عقيدة دينية واحدة واتجاه فلسفي واحد"[33]... "وعلى العموم فقد اعتقد فيثاغورس أنه كائن أسمى من البشر اذ كان يقول هناك بشر وآلهة وكائنات أخرى وسط بينهما مثل فيثاغورس، وكان يشبّه الناس بجمهور الالعاب الرياضية بعضهم يحضر ليلعب وبعضهم يحضر للتجارة والربح اما البعض الآخر فيكتفون بالنظر وهؤلاء هم الحكماء. اما عن اتباعه الفيثاغوريين فلا نعرف عنهم الكثير خاصة المعاصرين منهم له ولعل السبب في ذلك هو تلك النزعة السرية التي كانوا يحيطون انفسهم بها فلم يكن يسمح لأحد بأن ينسب نظرية معينة لنفسه أو ان يذكر اسم فيثاغورس فكانوا يشيرون اليه بقولهم المعلم او هو قال، وكانوا يعيشون حياة مشتركة وكان فيثاغورس ينتقيهم ويختار أحسنهم خلقاً ومنبتاً وجدية في التعلم ويظلون يستمعون للمدرس سنوات ويقال ان عددهم قد بلغ الثلاثمائة. وكانت هذه السرية أيضاً سمة مترتبة على طابع فسفتهم الديني الصوفي. ذلك لأن معتقداتهم الدينية لم تكن تتلخص في مجرد بعض الافكار المنطقية المحدودة وانما كانت تصدر عن تجربة باطنية أساسها شعورهم الجماعي بالقوة الالهية السارية في الوجود والحياة الواحدة التي تصل جميع الكائنات ببعضها. ولهذا عدت الفيثاغورية حركة اصلاح وتجديد في العقيدة الاورفية التي كانت بدورها حركة اصلاح وتجديد في عبادة ديونيسوس السرية "[34].

"وكثيراً ما لجأت الفيثاغورية الى تفسير الظاهر المحسوس تفسيراً عقلانياً وكان للفيثاغوريين نظريات في الفلك والموسيقى والهندسة واعتمدوا في هذه النظريات على المشاهدات والملاحظات التي تعتمد على الحواس"[35].

" وهكذا فإنَّ الفيثاغورية مذهب علمي في الرياضيات ومذهب فلسفي ومذهب اخلاقي كذلك يقوم على نوع من التصوف العقلي. ومن قواعد سلوك اعضاء الجماعة (امتحان الضمير) اليومي، فكل مساء كان على العضو أن يسأل نفسه: فيم فشلت؟ مالالطيب الذي فعلت؟ ماذا لم أفعل مما كان يجب عليّ أن افعل؟ أما عند استيقاظه فكان عليه أن يحدد برنامج يومه. ومن القواعد الاخلاقية التي كانوا يملونها على اتباعهم:

أ‌.       إحترام الآلهة والخضوع لإرادتهم.

ب‌.  البقاء في المركز الذي نحن فيه في الحياة وعدم تركه.

ت‌.  الولاء للاصدقاء وكل شيء مشترك بينهم.

ث‌.  الاعتدال والبساطة في استخدام خيرات الدنيا.

ونرى من كل هذا الطابع الديني الواضح للفيثاغورية. وهذه الجماعة سياسية أيضاً، إذ امتلكت ناصية الحكم في كروتونا لعدة سنوات وفي مدن غيرها، وكانوا يمثلون اتجاهاً مضاداً للديمقراطية، غير أن ثورة قامت ضدهم وأحرقت المنزل الذي كانوا يجتمعون فيه، فأبادتهم عن آخرهم، الا إثنين هربا من المدينة، وعن طريقهما بقي المذهب قائماً حتى وقت متأخر من التاريخ، حيث نرى (الفيثاغورية المحدثة) تقوم مرى أخرى في القرن الاول الميلادي، لتستمر حياة المذهب من بعد هذا فترة طويلة"[36].

 

محاولات التوفيق بين الفلسفة والدين:

عبر التاريخ كانت هناك صراع بين الدين والفلسفة ، وذلك للطبيعة المختلفة لهما ، فالدين مجموعة قوانين ونظم سماوية مبنية على ما هو اصلح للانسان وإن لم يدرك الانسان نفسه المصالح الكامنة في التعاليم الدينية في اغلب الاحيان لأنها فوق تفكيره وتصوره او فهمه في مرحلته ، واما الفلسفة فهي مبنية على الفكر البشري الذي يصيب ويخطيء ولا يمكن تمييز الصواب والخطأ فيه في اكثر الاحيان ولذلك وجدنا الاختلافات الكبيرة بين الفلاسفة انفسهم ، كما ان القوانين الوضعية التي يضعها الانسان بالاعتماد على بعض تلك المباديء الفلسفية لم تخدمه لحد الان ولم تنهي معاناته المستمرة في جميع انحاء العالم حتى في الدول العظمى والكبرىة التي ما زالت مجتمعاتها تعاني من امراض اجتماعية خطيرة وكبيرة ، من قبيل الانحلال الاخلاقي والاسري وغيرها.

فلا يخفى ان الفلسفة المبنية على الظن والرأي هي منتج بشري ولذلك لا يمكن ان تفي بمتطلبات الاديان السماوية التي انزلها الله سبحانه وتعالى لسعادة  البشرية ، بل يذكر ديورانت ان اشهر الفلسفات اليونانية كانت على خلاف مع الدين ، ففلسفة سقراط كانت معادية للدين وفلسفة ارسطو كانت بديلة عن الدين !  يقول في قصة الحضارة: (لقد مر النزاع بين الدين والفلسفة حتى الوقت الذي نتحدث عنه في ثلاث مراحل: مهاجمة الدين كما حدث في عهد السقراطيين ، والمحاولة التي تهدف الى استبدال قانون اخلاقي طبيعي بالدين كما فعل ارسطو وأبيقور ، ثم العودة الى الدين كما فعلت المتشككة والرواقية وتلك هي الحركة التي انتهت بظهور الافلاطونية الجديدة والمسيحية. وقد حدث مثل هذا التعاقب اكثر من مرّة في تاريخ العالم)[37].

هل لاحظتم الدلالات الخطيرة التي يمكن استكشافها من هذا النص؟ انه يتحدث عن ان الفلسفة التي جاء بها سقراط هي فلسفة معادية للدين ، وان الفلسفة التي جاء بها ارسطو هي فلسفة تسعى لاستبدال الدين بقوانين وضعية ، فهل عرفتم الان مكمن الخطورة في الفلسفة وربما هذا واحد من الاسباب وراء إعراض الائمة الهداة (عليهم السلام) عنها وتحذيرهم للمؤمنين منها ومن خطورتها.

وبرغم الصراع بين الدين والفلسفة الظنية[38] فقد ظهرت محاولات للتوفيق بينهما ! وربما يمكن القول ان بدايات التوفيق بين الفلسفة والدين قد ظهرت في الفكر المسيحي على يد القديس اوغسطين (354- 430)م وتوما الاكويني (1225- 1274)م ، ثم انتقل ذلك الى الفكر الاسلامي على يد الفارابي (880- 950)م ، وابن سينا (980- 1037)م ، وابن رشد (1126- 1198)م ، وابن عربي (1164- 1240)م ، ثم بعد ذلك الى ملا صدرا (1572-1640)م. فعلى سبيل المثال نقرأ في الموسوعة الفلسفية المختصرة ان ابن سينا[39]"اقام مذهباً فلسفياً في الوحدانية يقترب الى اقصى حد ممكن من تركيب يؤلف مباديء الاسلام وتعاليم افلاطون وارسطو"[40].

وحيث انه في تلك الفترة كان علم الكلام هو الممثل الرئيسي للفكر والعقيدة الاسلامية ، فمعنى ذلك ان محاولة التوفيق بين الفلسفة والفكر الاسلامي هي بالحقيقة محاولة للتوفيق بين الفلسفة وعلم الكلام.

ومن ابرز القضايا التي وقع فيها الخلاف بين علم الكلام والفلسفة هي من قبيل استحالة التسلسل ، وبقاء العرض زمانين ، والترجيح بلا مرجح ، والحدوث الزماني للعالم ، وجواز اعادة المعدوم ، وعدم احتياج المعلول الى العلّة بقاءً ، وغيرها[41].

ولم ينجح التوفيق بين الفلسفة الظنية وعلم الكلام في يوم من الايام بدون تنازل أحد الطرفين عن بعض ثوابته للطرف الآخر !

غير ان علم الكلام شهد تطوراً ملحوظاً ابتداءاً من القرن السابع الهجري ، حينما ادخل الخواجة نصير الدين الطوسي والعلامة الحلي (رضوان الله عليهما) بعض القواعد الفلسفية المنطقية والعقلية في علم الكلام، وتناول العقيدة الاسلامية بالاستناد الى بعض تلك القواعد المذكورة. غير ان هذا الامر فتح الباب فيما بعد لبعض المتفلسفين بالفلسفة الظنية ولاسيما الفلسفة الغنوصية الصوفية لاقحامها بالدين وعقيدته، من امثال سيد حيدر الآملي وملا صدرا. فرغم الموقف الواضح للائمة الهداة (صلوات الله عليهم) الرافض للفلسفة الظنية ، ورغم جهود اصحابهم (رضوان الله عليهم) في ابراز ذلك الرفض بالكلام وتأليف الكتب وما تلاه من جهود اساطين الشيعة وعلمائهم الاعلام، فقد تمكنت الفلسفة الظنية بطريق ما من التسرب الى التشيع!! ورغم ان المتكلمين كانوا قد دخلوا في صراع فكري مع الفلاسفة ، الا ان هذا الصراع بدأ بالاضمحلال والذوبان بجهود الشيخ الخواجة نصير الدين الطوسي الذي بدأ بإدخال الفلسفة اليقينية في علم الكلام ... يقول سيد كمال الحيدري: (لم تستمر هذه المصادمات كثيراً ، بل خمد اوارها من خلال المحاولة التي قام بها المحقق الطوسي في كتابه "تجريد الاعتقاد" فإنّه استطاع ان يدوّن علم الكلام على الاسس العقلية التي قامت عليها الفلسفة الاسلامية ، وناقش كل القواعد العقلية التي بناها المتكلمون لأنفسهم في الامور العامة)[42].

ويقول الشيخ حيدر الوكيل: (ورغم الجهود الكبيرة التي قام بها ابرز تلامذة الخواجا الطوسي في الرد على الفلاسفة ونقض شبهاتهم لكن بقيت آثار تلك الفلسفة واضحة على قسمات الفكر الشيعي ، ولعل من المفارقات الغريبة ان يكون تسرب ما تسرب منها الى الفكر الشيعي بواسطة ذلك العالم الفاضل الكبير الذي صد الفلسفة وهو العلامة الحلي (قدس سره) ، وفي ذلك عبرة لنا تجعلنا نحذر دائماً من مغبة الانسياق وراء بهرجة التعالم والانزواء عن النصوص الدينية ولو قليلاً فان السالك على غير الطريق لا يزيده شدة السير الا بعداً عن الغاية)[43].

لقد كانت النقطة التي تم من خلالها اختراق علم الكلام الذي هو اختراق للدين ، من قبل الفلسفة ، هو تحدي الفلاسفة لعلم الكلام بأن يجيب عن الاسئلة والشبهات الفلسفية التي يذكرونها !! من هنا تم استدراج علم الكلام ليعتمد على بعض القواعد الفلسفية اليقينية، فتتسربت اليه بعض الفلسفات الظنية ولاسيما الغنوصية. فعلم الكلام هو وسيلة البحث في العقيدة الدينية الموحى بها من الله سبحانه وتعالى الى النبي (صلى الله عليه وآله) ، فجاء الفلاسفة في عصر الغيبة الكبرى ليقولوا انه يتوجب على علم الكلام الاجابة عن اسئلتهم وشبهاتهم الفلسفية ، في الوقت الذي يغيب عنصر الارتباط بين الارض والسماء ، اي غياب المعصوم (عليه السلام) ! فكان ان تصدى بعض علماء الكلام للفلسفة بأدواتها الفلسفية التي ادخلوها الى علم الكلام مما سهّل اختراق علم الكلام كله من قبلها تدريجياً عبر الاجيال.

ان علم الكلام يمثل الاداة لبلوغ واثبات العقيدة الدينية ولا يمكن ذلك الا بالرجوع للائمة الطهار (عليهم السلام) والنصوص المروية عنهم واصناف اليقين الاربعة (البديهيات العقلية[44] ، والمحسوسات ، والمجربات ، والقياس المنطقي[45]) ، فما لم نجد جوابه لا نتكلفه بالرجوع الى الفلسفة المنهي عنها.

 

تأثير الفلسفة اليونانية على المسلمين:

لا يخفى تأثر المسلمين بالفلسفة اليونانية منذ بدء ترجمة الكتب اليونانية في العهد الاموي ثم ازدياد حركة الترجمة في العهد العباسي. ونتيجة هذا التأثر فقد ظهر عدد كبير من الفلاسفة المسلمين من مختلف المذاهب ، كالفارابي والكندي وابن سينا وابن رشد والسهروردي وابن عربي والشيخ نصير الدين الطوسي وغيرهم. واخيراً صدر الدين الشيرازي (ملا صدرا) واتباعه الذي اسس مدرسة تعرف بأسم (الحكمة المتعالية) والتي تنتمي بإخلاص الى تراث ابن عربي !

تقول د.اميرة حلمي: "أما في العالم الاسلامي فقد ترجمت اجزاء من التاسوعات الثلاثة الاخيرة الى السريانية ثم نقلت الى العربية ونسبت خطأ الى ارسطوطاليس وسميت هذه المقتطفات بأسم أثولوجيا أرسطوطاليس وكذلك وصل ارسطو الى العرب في صورة أفلاطونية جديدة. ولعبت نظرية الفيض عند فلاسفة الاسلام دوراً خطيراً إذا كانت محور نظرياتهم الكونية وقد امتزجت عندهم الالهيات بالطبيعيات حتى اصبح كل منهما يفسر الاخر ويكمله واختبلت عندهم بنظريات بطليموس في الفلك إذ جعلت الارض مركزاً للكون ويدور حولها الكواكب السيارة السبع وهي زحل فالمشتري فالمريخ فالشمس فالزهرة فعطارد فالقمر. واخذوا بنظرية العقول العشرة، العقل الاول يفيض عن الوجود ويتعقل هذا العقل الاول المبدا الاول واجب الوجود أو الله كما يعقل ذاته وحين يعقل ذاته تحدث الكثرة فيفيض عنه العقل الثاني ثم عن طريق التعقل لمبدئه ولذاته يفيض العقل الثالث حتى نصل الى العقل العاشر الذي سمي عند العرب بالعقل الفعال وهو مدبر العالم الارضي والواسطة بين الكائنات الالهية والعقول البشرية وسمي ايضاً بواهب الصور وسمي ايضاً بالروح القدس والروم الامين وبه فسر الفارابي معرفة الفيلسوف ووحي الانبياء وعنه تفيض نفوس البشر واليه تعود النفوس فيكون به الخلود. وحين تعقل النفوس فإنها تعقل بفضل هذا العقل الفعال الذي يحول العقل الهيولاني او العقل بالقوة الى عقل بالفعل فهو بمنزلة الضوء الذي تعطيه الشمس البصر اما ابن سينا فقد جعل الفيض ثلاثياً حين ذهب الى ان العقل الاول يفيض عن واجب الوجود بعقل ثاني ونفس وجسم هو كرة سماوية أو فلك هو الفلك الاقصى ثم فلك سماء الثوابت ثم أفلاك الكواكب السيارة الى ان يصل الى فلك القمر. أما ابن رشد فقد تبين أن نظرية الفيض هذه لا ترجع الى ارسطو وانما مصدرها الفارابي وابن سينا كما رأى أن طبيعة النفس جوهر عاقل أو عقل فعال وان وظائفها الأخرى لم تنشأ الا بسبب اتصالها بالبدن"[46].

 

 

 

اهميّة الفلسفة ولا أهميتها:

قيل في شبهة حول أهمية الفلسفة أنه ربما يقال إنّ الفلسفة يمكن ان يكون لها دور كبير ومهمّ بعنوان الآلة والوسيلة في الجواب على شبهات الملحدين والمنكرين للخالق سبحانه ، ولذا فهي مهمّة للغاية ، ثم إنهم قد يقولون إنّ فهم المطالب الدقيقة الموجودة في الخطب والاحاديث الصادرة عن النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) يتوقّف على فهم المباني الفلسفية ، وبدونها لا تتيسّر المعرفة الكاملة للنصوص ؟! فيجيب السيد جعفر سيّدان بقوله: "في مقام الاجابة على هذا السؤال لا بدّ من التنبيه الى أنّ المباحث المذكورة في كتب الفلسفة تنقسم الى قسمين:

القسم الاول: المسائل القطعية العقلية الموجودة في فطرة عموم العقلاء ، وجميع العقلاء بمختلف طبقاتهم في المجاميع المختلفة يعتمدون عليها في اعمالهم ومختلف شؤونهم ، وإن كانوا لا يعرفون العبارات الاصطلاحية والعلمية لتلك القواعد ، نظير احتياج  المعلول الى العلّة ، واستحالة تحقُق المعلول بلا علّة ، واستحالة اجتماع الضدّين والمتناقضين ، وأنّ كلّ محدودٍ معلول ، وأنّ المعلول لا يكون قائماً بالذات ، واستحالة الدول والتسلسل ، وحكاية النظم عن الناظم وأمثال هذه المطالب. وفي أي مكتوب بُحثت هذه المطالب بنحو واضح فمن الجيّد الاستفادة منه.

القسم الثاني: المسائل النظرية الاختلافية المبحوثة في الفلسفة ، من قبيل أصالة الوجود أو الماهية ، أو وحدة الوجود أم تباين الوجودات ، أو الوحدة التشكيكية أم الاطلاق في الوجود ، وسراية قاعدة "الواحد لا يصدر منه الا الواحد" على ذات الحق ، و"الشيء ما لم يجب لم يوجد" ، ومسالة الصورة والهيولى ، والحركة في الجوهر ، و"بسيط الحقيقة كلّ الاشياء وليس بشيء منها" وأمثال هذه ، ومن هذا القسم: النتائج المأخوذة من هذه المطالب وأمثالها في الفلسفة والحكمة[47]، فما يستفاد من الفلسفة للجواب على المنكرين للصانع وإبطال مقالاتهم ، فإنّه من مطالب القسم الاول ، وهي مسائل قطعيّة وقوانين بديهية فطرية ، وهي ميزان لجميع المباحث في جميع العلوم ومقبولة لدى كافة العقلاء وهي مذكورة في الفلسفة أيضاً ، وقلنا أنه أينما بُحثت هذه المسائل بشكل أفضل فمن الجدير استفادتها منه. وأنّه قد جرى التأكيد عليها في القرآن والحديث ، ومع التسلّط على هذه المطالب القطعيّة تتّضح الخطب والاحاديث المعارفيّة والتوحيدية إلا أنه لا مجال للتردد في أنّ هذا القسم في الواقع ليس منحصراً في الفلسفة ، بل هو مورد قبول وإقرار الجميع ، وإنّ النقد والردّ يكون في القسم الثاني فقط.

ومع التوجّه الى القسم الثاني الذي هو مورد اختلاف ، ومشكل في مجموعة مباحث نظرية ، لا يمكن أن تتّضح الخطب والروايات أبداً ، بل مع التوجّه الى هذا القسم ووجود الاختلافات في المباني فيه ووجود الانظار المتفاوتة ، فإنّ تفسير النصوص الدينية بهذه البحوث والمباني والنظريّات لا يزيد الانسان إلا حيرة. وبناءً على ذلك ، فإنّ ما يمكن أن يكون آلة في إبطال مقالة المنكرين لله تعالى ، وينفع في فهم الاحاديث المشكلة ، هي مجموعة مسائل قطعية ، وهي عامّة الوصول للعقلاء وليست مختصة بجماعة دون جماعة ، وكل مَن كان أفضل تعقّلاً كان أكثر استفادة لتلك الخُطَب والاحاديث المشكلة. وأمّا ما كان محلّ انتقاد إنّما يكون في المسائل المذكورة في القسم الثاني من الفلسفة ، والتي تتكأ على الادلة النظرية لا الضروريات ، وهي للأسف كثيرة في الفلسفة. وكلام الشيخ الانصاري (قدس سره) في باب القطع من كتاب الرسائل ناظر الى هذا القسم ، حيث قال: وأوجب من ذلك ترك الخوض في المطالب العقليّة النظرية ، لإدراك ما يتعلّق بأصول الدين ، فإنّه تعريض للهلاك الدائم والعذاب الخالد ، وقد اشير الى ذلك عند النهي عن الخوض في مسئلة القضاء والقدر"[48].

ويقول الشيخ مرتضى مطهري ان الفلسفة تقسم الى فلسفة نظرية وفلسفة عملية، وتقسم النظرية الى الالهيات والرياضيات والطبيعيات. وتقسم الرياضيات الى الحساب والهندسة والهيئة والموسيقى. والفلسفة العملية تقسم الى علم الاخلاق وعلم تدبير المنزل وعلم سياسة المدن. وان الفيلسوف الكامل هو الجامع لكل العلوم المذكورة ، وان ارسطو هو اول من وصف كل هذه الفروع الفلسفية بانها تدور حول الموجود بما هو موجود[49]. "ارسطو هو اول شخص سعى وراء سلسلة من المسائل لا تدخل في اي علم من العلوم سواء كان الطبيعي او الرياضي او الاخلاقي او الاجتماعي او المنطقي ويجب ان تعتبر متعلقة بعلم منفصل. ولعله – اي ارسطو – هو اول شخص شخَّصَ محوراً يجمع هذه المسائل حول نفسه بعنوان كونها عوارضه وحالاته والذي هو الموجود بما هو موجود ولعله هو اول شخص كشف ان رابط وعامل اتصال مسائل كل علم مع بعضها البعض وملاك انفصالها عن مسائل العلوم الاخرى شيء يسمى بـ (موضوع العلم) طبعاً مسائل هذا العلم اتسعت بعد ذلك او مثل كل علم فإنها حصلت على اضافات كثيرة"[50]. هذه المسائل التي عني بها ارسطو هي التي استمر اطلاق مصطلح (الفلسفة) عليها، اما بقية العلوم الفلسفية كالحساب والهندسة والاخلاق والطبيعيات فأصبح لها عناوينها الخاصة بها وغاب عنها مصطلح (الفلسفة). واليوم اذا نظرنا الى التطور العلمي في العالم واسباب التقدم المدني والحضاري للبشرية نجد انها تستند الى تلك العلوم الفلسفية التي تخلت عن تسمية الفلسفة كالرياضيات والاجتماعيات والحساب والهندسة والطبيعيات. اما العلوم التي ما زالت مكبّلة بلفظ مصطلح (الفلسفة) فلم تخدم الانسانية شيئاً!! الفلسفة الظنية لم تخدمنا ايها الاخوة والاخوات بل ان البعض ادخلها في العقيدة والدين فشوهوه وحرّفوه.

 

علم الكـلام:

قيل ان علم الكلام هو علم اسلامي صرف نشأ وترعرع في ظل الاسلام ليخدم الايمان العقائدي للمؤمنين والمسلمين ، تكلم به امير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) في احداث السقيفة ، بل وهناك بعض الاحتجاجات المروية عن النبي (صلى الله عليه وآله) وهي من علم الكلام. ولا نبالغ إنْ قلنا أنَّ الاحتجاجات القرآنية ايضاً مبنية على علم الكلام من قبيل قوله تعالى: ((مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ)). وقوله تعالى: ((وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ)).

وربما يتميز علم الكلام بالتالي:

1. مصادر المعرفة هي الكتاب والسُنّة والعقل.

2. يقصد بالعقل هو المسلّمات العقلية التي لا تحتاج الى برهان.

3. الادلة السهلة والواضحة وقلّة المقدمات.

4. الجمع بين التأثير في القلوب والاقناع في العقول.

5. الاسلوب الجدلي الرصين.

6. تجنب الحيدة عن المطلب ومنع الخصم منها.

 

قال الشيخ عبد الله نعمة: (اننا حين نجد القرآن الكريم المصدر الرئيسي لجميع القضايا التي تألَّف منها علم الكلام فيما بعد كإثبات الخالق ، والتوحيد ، والعدل ، والقضاء ، والنبوءة ، ونفي تعدد الآلهة والحشر ، والجبر والاختيار ، والامامة ، وما سوى ذلك من المواضيع الكلامية ، مما تناوله القرآن العظيم وعالجه بأسلوبه الفريد الذي يستسلم له العقل والقلب على السواء ، وقد ذكرنا منه بعض الآيات التي عالجت هذه المواضيع فيما سبق. اننا حين نجد ذلك في القرآن ، نجد أئمة الشيعة من أهل البيت ، وشيعتهم أيضاً أول من تناول تلك المسائل بالحجة المنطقية والبرهنة العقلية ، وبالشرح والتفسير ، وأول من اعطوه عنايتهم واهتماماتهم في قواعد وأصول ، جعلت بعد ذلك علماً مستقلاً ، عرف بعلم الكلام)[51].

وقد ذُكِرَ لعلم الكلام عدّة تعاريف منها:

ـ في شرح المقاصد للتفتازاني: الكلام هو العلم بالعقائد الدينية عن الادلة اليقينية.

ـ وفي المواقف: الكلام علم يقتدر معه على اثبات العقائد الدينية بايراد الحجج ودفع الشبهات.

ـ وفي شوارق الالهام للاهيجي: الكلام صناعة نظرية يقتدر بها على اثبات العقائد الدينية.

ـ وفي البراهين القاطعة: علم الكلام علم باحث عن احوال المبدأ والمعاد على قانون العقل المطابق للنقل بطريق النظر والفكر.

ـ وفي صراط الحق: هو مسائل مشتملة على العقائد الدينية الحاصلة من ادلتها اليقينية.

ـ وفي اطلالة على علم الكلام: علم الكلام هو العلم المتكفل ببيان العقيدة الاسلامية والدفاع عنها[52].

ويمكن ان تكون هذه التعاريف جميعها صحيحة وبضم بعضها الى بعض يكون علم الكلام هو: العلم النظري الذي يقتدر به على اثبات العقيدة الاسلامية والدفاع عنها على قانون العقل المطابق للنقل عن طريق النظر والتفكر وبأدلة يقينية.

ويقول الشيخ حيدر الوكيل ان مسائل علم الكلام يمكن تقسيمها الى: تاريخية وفقهية وغيبية واصولية. فالتاريخية من قبيل بيعة الغدير وزواج ام كلثوم من عمر ووجود بنات للرسول (صلى الله عليه وآله). والفقهية من قبيل مسألة الجمع بين الصلاتين والزواج المنقطع. والدينية من قبيل الرجعة وحضور المعصومين (صلوات الله عليهم) عند المحتضر ساعة وفاته. والاصولية من قبيل التكليف بما لا يطاق وغيرها[53]. ويمكن ان نضيف لها المسائل الدينية الايمانية من قبيل التوحيد والنبوة والامامة والمعاد ، وان الارض لا تخلو من حجة ، والبداء وغيرها من القضايا الايمانية.

وقد وردت عدة روايات عن الائمة الاطهار (صلوات الله عليهم) بعضها ينهى عن الكلام وبعضها يحض عليه وقد بين اساطين واعلام المذهب ، كالشيخ المفيد (رض) وغيره ، ان ذلك النهي هو لمن لا يحسن الكلام والامر لمن يحسنه[54]. وحصيلة البحث ان من يجوز له التكلم في العقيدة هو من جمع أمرين: الاول معرفة العقيدة وسبل بيانها والدفاع عنها بالحق. الثاني الرجوع الى آل البيت النبوي الشريف (صلوات الله عليهم)[55].

ومن سمات علم الكلام ارتباطه بهداية عموم الناس. فعلم الكلام هو مرتبط بالعقائد الاسلامية : التوحيد وما يتضمنه من معرفة الله سبحانه وصفاته الذاتية والفعلية ، وعدله ، وايضاً يتضمن: النبوة والامامة والمعاد. وحيث ان العقيدة الاسلامية هي لعموم الناس فيجب ان يكون مستوى الخطاب في علم الكلام هو ما يفهمه عموم الناس حيث تعرض الادلة وتقام الحجج وتثبت البراهين. فهذا ما يحتاجه عموم الناس لتحقيق الهدف من البعثة النبوية وهو الهداية العامة. اما الفلسفة فهي خطاب تخصصي لقلة قليلة من المتخصصين بها ولذلك لا يمكن ان ترتقي الفلسفة لتكون ذات فائدة لعموم الناس.

قال تعالى: ((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا)).

وقال تعالى: ((شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهُدَى وَالْفُرْقَانِ)).

وقال تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ)).

وقال تعالى: ((وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)).

وقال تعالى: ((إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ)).

وقال تعالى: ((هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ)).

وقال تعالى: ((وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)).

ويضاف الى ما تقدّم ان علم الكلام يتناول المسائل وتفاصيلها وجزئياتها من قبيل اثبات النبوة واثبات ان محمداً (صلى الله عليه وآله) نبي وان القرآن الكريم كلام الله سبحانه ، وان الاوصياء هم اثنا عشر وصياً اولهم امير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) وآخرهم الحجة بن الحسن (عجَّل الله فرجه الشريف). بينما الفلسفة لا تتناول الا المسائل الكليّة من قبيل اثبات التوحيد وبيان الحاجة الى الانبياء وهكذا دون تفاصيل هذه القضايا ، فبالفلسفة لا تتمكن على سبيل المثال من تشخيص اسماء الائمة الاثني عشر (عليهم السلام) بينما علم الكلام يتمكن من ذلك التشخيص. وبذلك يتبين أنَّه حتى الحكمة المتعالية أوالفلسفة أوالعرفان لا يستطيعون الاستغناء عن علم الكلام.

إذن الانسان يحتاج علم الكلام من اجل هدايته الى الصراط المستقيم ، ففوائده اذن دنيوية واخروية. اما الفلسفة فلا يصح منها الا ما كان منها في خدمة علم الكلام. فالفلسفة يمكنها ان تقوم بتعضيد علم الكلام في نتائجه التي يتوصل اليها ، وكذلك يمكنها نقض الشبهات التي يثيرها خصوم الدين والمذهب. وهذا هو منهج الشيخ نصير الدين الطوسي والعلامة الحلي (قُدّس سرهما) حيث يصنفان بانهما اول من ادخل المصطلحات الفلسفية في علم الكلام ومن بعدهما توسع التعامل الفلسفي عقائدياً ، اما مقدار نجاحهما في جعل الفلسفة اداة لعلم الكلام في أثبات العقائد او الدفاع عنها فهذا بحث آخر. اما ان تكون الفلسفة هي المؤسس للعقيدة ولفهم الوجود بقواعدها الذاتية فهذا غير مقبول وغير مجدي لعدم عصمة الفلاسفة مع ما نجده بينهم من اختلافات شاسعة وبون كبير في تأسيس القواعد الفلسفية وفهمها لدرجة انه تم تأسيس مدرسات فلسفية متباينة في الفهم الفلسفي كالمدرسة المشائية والمدرسة الاشراقية والمدرسة الفلسفية الغنوصية ، وحتى داخل المدرسة الواحدة هناك اختلافات بين الفلاسفة انفسهم ن يضاف الى ذلك ما سنبينه بعد قليل – إنْ شاء الله - من ان أصل وجود الفلسفة انها انما وجدت ضد الدين كما في فلسفة سقراط او بديل عن الدين كما في فلسفة ارسطو. فلا يمكن الوثوق بفلسفاتهم كمصدر للعقيدة الدينية او منتِّج لمعتقداته. واما علم الكلام فقد وضع قواعده الائمة الاطهار (عليهم السلام) وعلموها لأصحابهم كهشام بن الحكم ، وأبي جعفر مؤمن الطاق ، وهشام بن سالم ، وحمران بن أعين ، والفضل بن شاذان ، والمتكلّمين بنو نوبخت ، "حيث كان الجميع يعارض المزاج الفلسفي، ويقال: إنّ هشاماً بن الحكم كان له كتاب ردّ فيه على أرسطو في التوحيد"[56]. ومنهم وصل علم الكلام الى فقهاء الشيعة الامامية وتم تأسيس القواعد العقائدية الكلامية. والسيد الطباطبائي يعترف بحقيقة ارتباط علم الكلام بمدرسة الائمة الاطهار (عليهم السلام) فيقول: "فعلما الشيعة ومحققوهم والذين هم تلاميذ مدرسة اهل البيت (ع), كانوا في المقدمة من المتكلمين"[57].

 

هل الجدل يسوء علم الكلام ام هو من ميزاته ؟

يقول سيد كمال الحيدري متهماً علم الكلام بالجدل ، في محاولة منه للتقليل من اهميته وابرازه وكأنه من سلبيات علم الكلام: (وكيفما كان فإنَّ الاتجاه الكلامي لما فرض أن الظواهر الدينية غنية عن التفسير والنقد ، حاول أن يستعين بأي وجه عقلي لإثبات تلك المدعيات. وحيث إنّه لم يستطع أن يجد المبادىء العقلية اليقينية لإثبات ما هو بصدده ، استعان بجملة من القواعد الجدلية في هذا المجال. ومن هنا اتهمت المدرسة الكلامية عامة أن المنهج المتبع في إثبات مدعياتها هو الجدل لا البرهان ، وترتب على ذلك أن الغاية التي كان يهدف اليها المتكلم هي افحام الخصم وإلزامه بخلاف الاستدلال البرهاني فإن المطلوب منه هو الوصول الى الحق والواقع)[58].

والظاهر ان ما اتُهِمَ به علم الكلام من جدل هو احد اهم اساليبه في إقامة الحجة، والتي لا تقلل من شانه واهميته باي وجه من الوجوه. فالبعض يفهم الجدل بانه التكلم بلا حجة وبلا برهان ، بينما الجدل الذي هو من اساليب علم الكلام هو غير ذلك، فهو يقوم على تنظيم المعرفة وقولبتها في نظام متماسك لأفحام الخصم الحقيقة التي يراد لها ان تظهر.

يقول الشيخ محمد رضا المظفر: (الجدل اسلوب آخر من الاستدلال ، وهو يأتي بالمرتبة الثانية بعد البرهان)[59]. وقال تحت عنوان: (صناعة الجدل او آداب المناظرة): (نستطيع ان نحكم بأنه يجب لكل من تهمه المعرفة وكل من يريد أن يحافظ على العقائد والاراء أية كانت أن يبحث عن صناعة الجدل وقوانينها وأصولها. والمتكفل بذلك هذا الفن الذي عني به متقدمو الفلاسفة من اليونانيين[60] وأهمله المتأخرون في الدورة الاسلامية اهمالاً لا مبرر له عدا فئة قليلة من أعاظم العلماء كالرئيس ابن سينا والخواجة نصير الدين الطوسي إمام المحققين)[61]. وواضح ان ان الشيخ المظفر عنى بالجدل عند اليونانيين الجدل الفلسفي بينما يكون الجدل عند المتكلمين كلامياً ، وإنّ كانت طريقتهما واحدة ، ولكن نذكر هذا لئلا يُشتَبه ان المتكلمين ينساقون وراء الجدل الفلسفي !

ثم يذكر الشيخ المظفر تعريف الجدل فيقول: (انه صناعة علمية يقتدر معها – حسب الامكان – على اقامة الحجة من المقدمات المسلّمة على أي مطلوب يراد وعلى المحافظة أي وضع يتفق ، على وجه لا تتوجه عليه مناقضة)... الى ان يقول: (ويمكن التعبير عن تعريف الجدل بعبارة اخرى كما يلي: الجدل صناعة تمكن الانسان من اقامة الحجج المؤلفة من المسلمات أو من ردها حسب الارادة ومن الاحتراز عن لزوم المناقضة في المحافظة على الوضع)[62].

ويقول د. محمد فتحي عبد الله : (يمكننا بالاستناد الى الاشتقاق اللغوي ان نفهم معنيين لكلمة "جدل" تعني هذه الكلمة اولاً: فن الكلام ن لا الكلام الذي يؤثر ويقنع – إذ أن هذا موضوع البلاغة – وإنما الكلام الذي يجعلنا نفهم ونبرهن. كما انها تعني ثانياً: فن المناقشة – انها تتضمن فن البرهان وفن دحض كلام الخصم. فالمجادل يدري كيف ينظم معرفته ويصبها في نظام متماسك كما يعرف بصفة خاصة أن يجد اساساً منطقياً لآرائه ، بيد أنه يتميز على نحو خاص ببراعته في تميز الصحيح من الفاسد فيما يثبته الآخرون ، وبمقدرته على إكتشاف موطن الضعف في نظريتهم ، والحجة القاطعة التي تستطيع ان تضطر المعترض الى السكوت. ومن ثم يتضح ان الجدل وثيق الصلة بالمنطق. بيد ان هذه الكلمة الأخيرة أحرى بها أن تدل على نظرية التفكير العقلي ، في حين ان الجدل يقوم على فن ضبط معرفتنا بالقواعد المنطقية في سياق المناقشة. ومبدأ الهوية هو الاداة الاساسية التي تعتمد عليها الفعالية المنطقية ، وهو في صيغته السلبية ينقلب الى مبدأ عدم التناقض الذي تقوم عليه البراهين بالخلف ، وعلى هذا المبدأ الخير يعتمد المجادل الذي يناقش خصمه بصورة مطلقة تقريباً. إن دحض حجج الخصم يعني غظهار أن نظريته تناقض الوقائع البديهية الى أقصى حدود البداهة ، او نظرية اخرى من نظرياته. وبما أن القضايا المتناقضة لا يمكن أن تكون صحيحة في وقت واحد فإن هذا الخصم يضطر الى الاعتراف بخطئه)[63].

فإذا علمنا هذا واستحضرنا الآيات القرآنية الكريمة التي تحث على الجدال كما في قوله تعالى:

في سورة النحل: ((ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)).

وفي سورة العنكبوت: ((وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)).

وكذلك فاننا "نجد أمثلة كثيرة مـن القـرآن الكريم في مجادلة اليهود والنصارى والمشركين والثنوية ، ومنكري النبوات وغيرهم"[64].

حيث "يعد الجدل من طبائع الإنسان التي فُطر بها، فهو أكثر ميلا للجدل والمناقشة، وحينما تطرق القرآن إلى الحديث عن هذا الموضوع أُقر لكونه طبيعة من طبائع الإنسان وأمره بذلك لكن في نفس الوقت قيد هذا الأمر بالوجهة الصحيحة والحسنة للجدل وتوعد "ولا تجادلو أهل الكتاب إلا بالتي هي أحس ن" "وجادلهم بالتي هي أحسن " بالمقابل من أخل بهذا الشرط وهذا القيد بقوله "إن الذين يجادلون في آيات االله لا يخفون علينا" ... "ومما يدل على أن القرآن لا يلغي طبيعة الجدل التي فطر بها الإنسان بل يقوّمها ويوجّهها الوجهة الحسنة ما قصّه الله علينا من جدال وقع في الأمم الماضية بداية من جدال الملائكة الله عز وجل حول خلافة الإنسان له في أرضه، وجدال إبليس واحتجاجه عن تفضيل آدم عليه، ثم جدال الأنبياء لأقوامهم وفي الأخير جدال محمد صلى الله عليه وسلم لمخالفي دعوته من قومه وغيرهم . والقرآن حينما شجّع الإنسان على الجدال وأمره ذلك وفق شروط وضوابط معينة وإجابته عن الأسئلة والإشكاليات التي انتابت وتنتاب الإنسان من حين لآخر وقصّه علينا ما حدث من جدال في الماضي ليعلم الإنسان كيف يكون الجدل وسيلة من وسائل التفكير ، والإعتقاد، والعمل، وليعلم الإنسان كيف يقنع ويقتنع ويتعظ بالتي هي أحسن، ويثير فيه طبيعة المواجهة، ويحرك الإنسان من الداخل ليخرج عن صمته، ويتعلم كيف يتطلع على النور، وهنا تكمن أهمية هذا الموضوع وضرورته إلا أن الإنسان للأسف الشديد لم يحسن استغلال هذه الميزة ولم يستغلها بما يعود عليه وعلى غيره بالنفع والصلاح في الدنيا والفوز والفلاح في الآخرة، فكفر برسالات الأنبياء، وأنكرها وحاربها ، ولم يتأمل ولم يتدبر مضمون هذه الرسالات، ولم يكد فكره وعقله في البحث والتنقيب عن قيمتها وأهميتها وضرورتها بل حاربها وتمرّد عليها، وأكثر من هذا هاجم أصحابها أنبياءً وأتباعا وحاول القضاء عليهم وإسكات صوتهم ، ووقف الأنبياء أمامهم يجادلونهم بالطريقة الحسنة، والمنهج الأنسب، والعبارات الأوضح، والكلام البديع البليغ الدقيق السهل الخفيف، وبما أتوا من أخلاق وآداب غير أن هذا الموقف الإيجابي من الأنبياء لم يزدهم إلا عتوا واستكبارا وإصرارا لما هم فيه وفسادا)[65].

فمن امثلة الجدل في القرآن الكريم ، قوله تعالى في سورة المؤمنون: ((مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ)) ، وهو اسلوب يسمى "التسليم الجدلي" حيث يُسَلَّم للخصم بمطلبه من اجل اظهار بطلانه.

وقال عبد الرحمن ابن الحنبلي: (اول من سنَّ الجدال الملائكة صلوات الله عليهم حيث قالوا: ((أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)) وهذا منهم استدلال بالترجيح والاولوية ، اي: من سبّح وقدَّس لك هو اولى بالايجاد والجعل فيها ممن يفسد فيها ويسفك الدماء ، وكان جواب الله لهم بالترجيح أيضاً من جهةٍ اخرى ولهذا لم يردَّ عليهم قولهم ، إذ قد علم سبحانه أن الذي ظنّوه فيهم ووصفوهم به كائن بل عدل الله سبحانه الى أمر مجمل فقال: ((إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)) )[66].

فإذا علمنا كل ذلك عن الجدل الذي هو من سمات علم الكلام في المناظرات ، أفلا نعتبر الجدل من السمات الايجابية له ، ام تراهم يصرون على سلبيته !! وكيف ذلك وهو منهج قرآني شريف.

أمّا قول سيد كمال الحيدري بأن علم الكلام "لم يستطع أن يجد المبادىء العقلية اليقينية لإثبات ما هو بصدده" فهو يقصد بـ "المباديء العقلية اليقينية" المباديء الفلسفية والتي رغم ظنّيتها ولا حجّيتها، يظنها سيد كمال يقينية كسائر الفلاسفة ! امّا المباديء العقلية اليقينية الحقيقية فهي قد خلقها الله تبارك وتعالى في عقل الانسان وراسخة في فطرته، فلا معنى للقول إنَّ علم الكلام لم يجدها إذ إنَّها من مرتكزاته الاساسية.

وتحت عنوان (الجدل او الديالكتيك) كتبت الدكتورة اميرة حلمي مطر: "فن الديالكتيك كما يسمى باللغة اليونانية هو فن المناقشة والجدل وهي المناقشة التي تهدف الى كشف الحقيقة. وقد وضع سقراط اللبنة الاولى في بناء الديالكتيك عندما حاول ان يصل الى مفهوم واحد ثابت للفضائل المختلفة من خلال المناقشة والحوار. ونجد امثلة واضحة لاستعمال هذا المنهج في محاورات افلاطون المبكرة او في المحاورات السقراطية مثل محاورات لاخيس ، ليزيس ، واوطيفرون ، وهيبياس ... الخ. غير ان افلاطون قد خطى خطوة اخرى ابعد مما وصل اليه سقراط وذلك حين بحث في التصورات العقلية، لا في عالم الاخلاق وحده بل في عالم الطبيعة بأسرها. وكان بحثه عن هذه الحقائق هو ايضاً بحث التصورات العقلية الثابتة التي تفسر الموجودات الجزئية المحسوسة. وكانت التصورات العقلية عنده تعني الانواع والاجناس الكلية التي تكون عالم المثل العقلية. ولكن كيف يصل الفيلسوف الى ادراك هذه المثل، ثم كيف يحدد علاقتها بالاشياء الاخرى التي تشارك فيها ثم كيف يحدد علاقتها ببعضها ويرتبها في عالم واحد على قمته مثال الخير؟ ان المنهج المؤدي الى هذه المعرفة هو الذي يسميه افلاطون بالديالكتيك. وقد عرَّف افلاطون الديالكتيك في محاورة الجمهورية بأنه المنهج الذي به يرتفع من المحسوس الى المعقول دون ان يستخدم شيئاً محسوساً، وانما بالانتقال من فكرة الى فكرة بواسطة فكرة"[67].

 

طبقات المتكلمين والفلاسفة عند الشيعة:

لو تتبعنا اوائل المتكلمين الشيعة في طبقاتهم لوجدنا ان ابرز اوائل المتكلمين عندهم هم[68]:

في القرنين الاول والثاني الميلادي ، نجد انَّ ابرز المتكلمين هم من اصحاب الائمة الاطهار (عليهم السلام):

1.    قيس الماصر 

2.    زرارة بن اعين

3.    محمد بن علي بن النعمان الاحول الكوفي ولقبه (مؤمن الطاق)

4.    هشام بن الحكم

5.    عيسى بن روضة

6.    الضحاك ابو مالك الحضرمي الكوفي

7.    علي بن الحسن بن محمد الطاطري

8.    الحسن بن علي بن يقطين البغدادي

9.    حديد بن حكيم الازدي المدائني

10.    فضّال بن حسن بن فضّال

11.    حمران بن اعين الشيباني

12.    هشام بن سالم الجواليقي

وابرز متكلمي الشيعة في القرن الثالث الهجري:

1.    الفضل بن شاذان النيسابوري[69] ، اشهر متكلم شيعي في هذا القرن ، وله رسائل كلامية بلغ مجموعها (180) كتاباً.

2.    داود بن اسد بن أعفر ، ابو الاحوص ، له كتب في علم الكلام.

3.    محمد بن عبد الله بن مُملّك الجرجاني الاصفهاني ، كان معتزلياً ثم استبصر ، وله كتب في علم الكلام.

4.    محمد بن هارون الورّاق ، ابو عيسى ، له كتب في علم الكلام.

5.    الشكّال ، وصفه ابن النديم بأنه صاحب هشام بن الحكم ، وله كتب. "ابو جعفر محمد بن خليل البغدادي المعروف بالسكاك او الشكال"[70].

6.    الحسين بن أشكيب ، وله كتب في علم الكلام.

7.    عبد الرحمن بن احمد بن جبرويه ، ابو محمد العسكري ، له كتب.

8.    علي بن اسماعيل بن شعيب بن ميثم التمار، من وجوه المتكلمين وله كتب.

9.    علي بن منصور ، صاحب هشام بن الحكم ، وله كتب.

فهؤلاء الشيعة المتكلمين لديهم كتب الّفوها في زمن حضور المعصومين (عليهم السلام) مما قد يكشف عن رضاهم (صلوات الله عليهم) عن منهجهم الكلامي بملاحظة ما ذكرناه من ان علم الكلام قد تلقاه الشيعة من الائمة الاطهار (عليهم السلام).

وابرز متكلمي الشيعة في القرن الرابع الهجري:

1.    الشيخ المفيد ، ابو عبد الله ، محمد بن محمد بن النعمان العُكبري البغدادي.

2.    بنو نوبخت ، واشهرهم الحسن بن موسى النوبختي ، له العديد من الكتب.

3.    محمد بن القاسم.

4.    الحسين بن علي بن الحسين بن بابويه ، الشيخ الصدوق.

5.    محمد بن عبد الرحمن بن قِبّة الرازي ، من رؤوس المعتزلة ثم استبصر وصار امامياً.

6.    محمد بن بشير الحمدوني ، ابو الحسن السوسنجردي.

7.    محمد بن عبد الملك بن محمد التبّان.

8.    ابو الحسن الناشيء.

9.    ابن ابي عقيل العُمّاني الحذّاء البغدادي.

وابرز متكلمي الشيعة في القرن الخامس الهجري:

1.    الشريف المرتضى.

2.    الشريف الرضي.

3.    الشيخ الطوسي.

4.    الشيخ النجاشي.

5.    الشيخ الدوريستي.

6.    الشريف ابو يعلى الطالبي.

7.    عبيد الله بن عبد الله السُّدآبادي.

وابرز متكلمي الشيعة في القرن السادس الهجري:

1.    اسعد بن احمد بن ابي روح ، ابو الفضل الرافضي ، كان قاضياً بطرابلس.

2.    طلائع بن رُزيك ، الملك الصالح (ت556هـ) ، استولى على مصر ، وله عدة مؤلفات في الكلام.

3.    عبد الجليل بن ابي الحسين القزويني الرازي ، له مؤلفات عديدة.

4.    عبد الجليل بن ابي الفتح ، ابو سعيد المتكلّم الرازي ، له مؤلفات.

5.    عبد الجليل بن عيسى بن عبد الوهاب ، له تصانيف.

6.    جمال الدين ، ابو القاسم ، عبد الله بن علي بن زُهرة الحلبي الحسيني ، له مؤلفات.

7.    زين الدين ، علي بن عبد الجليل البياضي ، له تصانيف.

8.    الشيخ زين الدين ، ابو الحسن ، علي بن محمد الرازي ، له مصنفات.

9.    الشيخ محمود بن علي بن الحسن ، سديد الدين الحُمّصي ، له تصانيف عديدة.

10. السيد علاء الدين ، ابو المظفر ، محمد بن علي بن محمد الخُجَندي الحسني.

وابرز متكلمي الشيعة في القرن السابع الهجري:

1.    ابراهيم بن عثمان الكاشغري ، ابو اسحاق.

2.    احمد بن جعفر الواسطي.

3.    ابن سعادة ، الشيخ كمال الدين  ، احمد بن علي بن سعيد بن سعادة البحراني ، له مؤلفات.

4.    السيد جمال الدين ، ابو الفضائل ، احمد بن موسى بن جعفر بن طاوُس الحلّي ، من اتلمكثرين في التأليف والتصنيف.

5.    الامير حسام الدين ، ابو الحسن بن رجاء ، له كتاب.

6.    السيد رضي الدين بن عرفة.

7.    سالم بن محفوظ بن غريزة السوراوي ، سديد الدين الحلّي ، له كتاب.

8.    سعد الدين بن نجم الدين بن الحسن بن علي الطبري ، له كتاب.

9.    شرف الدين ، ابو علي ، فخار بن معد بن فخار الموسوي ، له كتاب.

10. ابو القاسم بن الحسين الحلّي.

11. شرف الدين ، محمد ابن القزويني.

12. الشيخ كمال الدين ميثم بن علي بن ميثم البحراني ، له مصنفات عديدة.

13. مفيد الدين محمد بن جهم الاسدي الحلّي.

14. جعفر بن الحسن بن يحيى الحلّي ، ابو القاسم نجم الدين ، المحقق الحلّي ، له مصنفات.

15. محمد بن محمد بن الحسن ، ابو الحسن ، الشيخ الخواجة نصير الدين الطوسي.

16. سديد الدين ، يوسف بن علي بن المطهّر الحلّي ، العلامة الحلي.

وبالخواجة الطوسي والعلامة الحلي نتوقف عن تتبع ذكر ابرز المتكلمين الشيعة ، فبجهود هذين العالمين الجليلين بدأ علم الكلام يستخدم بعض الادوات الفلسفية لغرض دعم علم الكلام والرد على الفلاسفة وبيان اخطائهم.

وفي المقابل لو بحثنا عن طبقات الفلاسفة من الشيعة او عن اوائل الفلاسفة الشيعة فستكون النتيجة مخيبة لآمال أنصار الفلسفة الظنية من بين الشيعة الامامية ، حيث وجدنا أنَّ أوائل الفلاسفة المنسوبين الى التشيّع الامامي لم يكونوا من علماء الدين او العقيدة ، وبالتالي فهم لا يمثلون التشيّع وإن انتموا اليه كأفراد في الامة من عامة الشيعة بغض النظر عن منزلتهم الفلسفية العالية ، وهم كل من:

1.    أبو نصر الفارابي محمد بن أحمد بن طرخان بن اوزلغ‏ (ت339 هـ). وهو اول من عرف عنه الفلسفة من الشيعة ، بل من المسلمين حتى اطلقوا عليه اسم المعلم الثاني ، بعد ان كان ارسطو المعلم الاول. ولم يعرف عن الفارابي انه كان ذو تضلع بالعقائد الاسلامية او الفقه ، ولذلك فكونه من الفلاسفة وانه من الشيعة لا يعني انه قد اضاف شيئا الى كفة ميزان الصراع بين علماء الشيعة من المتكلمين وبين الشيعة المتفلسفين.

2.    أحمد بن مسكويه (ت421هـ). وهو كالفارابي لم يعرف عنه التضلع بالعقيدة الاسلامية ، بل كان فيلسوفاً محضاً.

3.    الشيخ الرئيس ابن سينا (ت 428هـ). وهو كسابقيه كان فيلسوفاً محضاً ، ولم يعرف عنه ادخال للفلسفة في العقائد الدينية.

4.    الفيلسوف الكبير الشيخ نصير الدين الطوسي (ت672هـ). وهو اول فيلسوف شيعي ادخل الفلسفة اليقينية في العقائد الدينية، ولذلك لا يصح ان يحسب ضمن الفلاسفة الذين سبقوه كالفارابي وابن سينا. ويُذكَر في اعيان الشيعة نقلا عن البداية والنهاية لابن كثير ان الخواجة الشيخ نصير الدين الطوسي عيّن "لكل من الفلاسفة ثلاثة دراهم يومياً ولكل من الاطباء درهمين ولكل من الفقهاء درهما واحداً ولكل من المحدثين نصف درهم ، لذلك اقبل الناس على معاهد الفلسفة والطب أكثر من اقبالهم على معاهد الفقه والحديث ، بينما كانت تلك العلوم من قبل تدرّس سراً"[71]. وكان له من المؤلفات في الرياضيات (42) مؤلَّفاً ، وفي الاخلاق (6) مؤلفات ، وفي التفسير مؤلفين الاول لتفسير سورة الاخلاص والمعوذتين والثاني لتفسير سورة العصر ، وفي التاريخ مؤلَّف واحد ، وفي الفقه مؤلف واحد ، وفي الجغرافيا مؤلف واحد ، وفي الطب مؤلفين اثنين ، وفي التربية والتعليم كتاب واحد ، وفي المنطق (4) مؤلفات ، وفي الفلسفة (9) مؤلفات ، وفي علم الكلام (17) مؤلَّفاً[72]، ولا يخفى ان اشهر مؤلفاته الكلامية قد كتبها بأسلوب الكلام الفلسفي بإدخال بعض القواعد والمفاهيم الفلسفية اليقينية عليها. ولا تخفى المكانة العالية للشيخ نصير الدين الطوسي واخلاصه لدينه والظاهر عبر سيرة حياته الشريفة ، ويمكن ان نفهم ادخاله للفلسفة اليقينية في علم الكلام وكتب الكلام العقائدية انه اراد بذلك تدعيم ادوات علم الكلام وتطويرها عبر زج بعض الادوات الفلسفية اليقينية فيه ليتمكن من الوقوف امام الشبهات المستحدثة التي لم تكن موجودة قبل زمانه ، ولأن اعداء الاسلام من ملحدين وغيرهم كانوا يلجأون الى اشاعة شبهات فلسفية وسفسطائية (بمعنى مخالفتها للمنطق) بين المسلمين لتوهين الاسلام في اذهانهم ، وسنرى في الفصول القادمة ان الشيخ الخواجة الطوسي (رض) قد أبطل العديد من نتائج القواعد الفلسفية الظنية التي تبنتها بعد ذلك مدرسية الحكمة المتعالية كقولهم (الواحد لا يصدر منه الا واحد). اذن في مقابل (61) متكلماً شيعياً من البارزين منهم ، او الاكثر شهرة منهم - الذين ذكرناهم آنفاً - ممن ظهروا في القرون الاسلامية الاولى الى القرن السابع الهجري ، لم نعثر في مقابلهم على اي فيلسوف شيعي متعمق في العقيدة الدينية او من المتصدين للعلوم الدينية قبل الشيخ نصير الدين الطوسي الذي عاش في القرن السابع الهجري والذي لا يصح ان نعده ضمن الفلاسفة الظنيين كالفارابي وابن سينا وملا صدرا. وهذا يعني ان العقيدة الشيعية الامامية تأسست وتأصلت ونمت وانتشرت في اجواء صافية نقية من الفلسفة طيلة القرون السبعة الاولى. أليس في هذا عبرة لأنصار واتباع الحكمة المتعالية الذين يجدون ان مذهبهم وعقيدتهم الدينية تأسست برعاية الائمة الهداة (عليهم السلام) وبعيداً عن الفلسفة، وان المنهج الكلامي هو الحق المتصل بزمن الائمة المعصومين (عليهم السلام)، وانه هو المنهج الاصيل في تأسيس العقيدة الدينية.

بينما يحاول انصار الفلسفة ان يبرزوا غلبة الفلسفة على علم الكلام ، فيزعمون ان الفلسفة اقدر على اكتشاف الحقائق الدينية من علم الكلام، ويزعمون امكانية الفلسفة على التوصل للحقائق الدينية بمعزل عن الشرع وعن علم الكلام!! فعلى سبيل المثال نجد ان الشيخ محمد رضا المظفر وهو يتحدث عن (القضاء والقدر) في كتابه (عقائد الامامية) يقول: (وعلى كل حال، فعقيدتنا: أنّ القضاء والقدر سر من أسرار الله تعالى، فمن استطاع أن يفهمه على الوجه اللائق بلا إفراط ولا تفريط فذاك، وإلاّ فلا يجب عليه أن يتكلّف فهمه والتدقيق فيه؛ لئلاّ يضل وتفسد عليه عقيدته؛ لاَنّه من دقائق الأمور، بل من أدق مباحث الفلسفة التي لا يدركها إلاّ الأوحدي من الناس، ولذا زلّت به أقدام كثير من المتكلّمين)[73]. مع ان علماء الشيعة المتكلمين هم الاسبق في التعريف بعقيدة الشيعة في القضاء والقدر منذ عصر الشيخ المفيد (رض) وما تلاه. وكمثال آخر نجد أنَّ الشيخ علي الرباني الكلبايكاني يقول: "إنّ المتكلم دائماً يحاول أن يستخدم الابحاث العقلية لإثبات العقائد الدينية ، وأن يقوم على التوفيق بين العقليات والظواهر الشرعية ، ولكن الفيلسوف الالهي إنما يطرح ابحاثه العقلية تحرّياً للحقيقة ، دون أن يتخذ موقفاً فبلياً ، وبإعمال قوّته الفكرية يستطيع أن يفتح كنوز المعارف الدينية ، وإذا كانت الاحكام العقلية أحياناً لم توافق الظواهر الشرعية ، فلا بد ان يتصرف في الظواهر ويفسّر بما يناسب معطيات الادلة العقلية الصحيحة"[74]. ثم يستشهد بقول للمحقق اللاهيجي: "أمّا الفرق بين الكلام والفلسفة فإنَّ العقل له استقلال تامّ في كسب المعارف الإلهية الحقيقية ولم يتوقف في ذلك على ثبوت الشريعة ، فتحصيل المعارف الحقيقية إذا كان من طريق البراهين العقلية الصرفة المنتهية الى البديهيات ، فهذا منهج الحكماء ، والعلم الحاصل من هذا الطريق يسمى بـ (الحكمة) وهو لا محالة يوافق الشريعة الحقّة ، لأن حقيقة الشريعة إنما تتحقّق في نفس الامر بالبرهان. وإذ يبدو – أحياناً – تعارض أو اختلاف بين المسألة الحكمية الثابتة بالبرهان الصحيح وبين القاعدة الشرعية فيجب تأويل القاعدة الشرعية"... الى ان قال: "إنّ الحكمة في الاسلام ليست في الحقيقة إلا كأساس الشريعة وأصلها ، وتوهّم  حصول الاختلاف بين الشريعة والفلسفة إنما هو ناجم من الجهل وعدم المعرفة بحقيقة هذا وذاك"[75].

وهذا النص يخلط بين المعارف الفلسفية اليقينية، وبين المعارف الفلسفية الظنية ، ويحاول تجيير الاولى لصالح الثانية!! وهي محاولات عقيمة للتغطية على الفشل الذريع للفلسفة عبر التاريخ في اثبات الحقائق الدينية او الانتصار لها.

وفي محاولة من اتباع الفلسفة للتضييق بين الهوة الواسعة بين علم الكلام والفلسفة يقولون: "إن موقف المتكلمين من الشيعة اتجاه الفلسفة موقف ايجابي وذلك لأن منهجهم في الكلام هو المنهج العقلي ، وقد استلهموا هذا من ائمة أهل البيت (عليهم السلام) ، إذ العقل – في مدرستهم – حجّة إلهية باطنية ، كما ان الانبياء والقادة الإلهيين حجج الله الظاهرية ، ونحن نرى المعارف الإلهية مبنية على المعايير العقلية بأعلى مراتبها في خطب الامام علي (عليه السلام) في الإلهيات ، فهو رائد الفكر الفلسفي بمعناه الصحيح في العالم الاسلامي ، والذي ورد في الثقافة الاسلامية عن طريق فلسفة اليونان لا يزيد عن طور الاصطلاحات والقوالب الفنية ، مضافاً الى بعض الآراء غير الصحيحة التي هذّبها فلاسفة المسلمين في عصور متأخرة"[76].

وهذا النص يحاول تجيير المنهج العقلي لصالح الفلسفة ، والفرق بينهما شاسع.

 

المنطق:

"علم المنطق لا يعلم الانسان التفكير بل يرشده الى تصحيح التفكير" ... هكذا يصف الشيخ محمد رضا المظفر اهمية علم المنطق[77]، ويستمر الشيخ المظفر ليقول: "علم المنطق يعلمك القواعد العامة للتفكير الصحيح حتى ينتقل ذهنك الى الافكار الصحيحة في جميع العلوم ، فيعلمك على أية هيئة وترتيب فكري تنتقل من الصورة الحاضرة في ذهنك الى الامور الغائبة عنك. ولذا سمّوا هذا العلم (الميزان) و(المعيار) من الوزن والعيار ، وسموه بأنه (خادم العلوم) حتى علم الجبر الذي شبهنا هذا العلم به يرتكز حل مسائله وقضاياه عليه"[78].

و"عندما وضع ارسطو تصنيفه للعلوم ميّز بين ما كان منها علماً نظرياً غايته المعرفة كالفيزيقا والرياضيات والفلسفة الاولى وما كان منها عملياً غايته السلوك مثل الاخلاق والسياسة، وما كان منها انتاجياً غايته انتاج شيء جميل أو مفيد مثل فن الشعر. أما المنطق فلم يذكره ضمن هذه العلوم. ولعل السبب في عدم اعتبار المنطق علماً من العلوم هو أن موضوعه أوسع من أي منها لأنه يدرس التفكير الذي يستخدم فيها جميعها بل يدرس أيضاً التفكير الذي لا يدخل في نطاق العلم كالتفكير الشائع عند جمهور الناس والذي يستخدم في الخطابة. كذلك يقدم المنطق القواعد التي تجنب الانسان الخطأ وترشده الى الصواب ومن هنا فقد عد المنطق عند ارسطو مقدمة للعلوم تساعد على التفكير السليم واطلق عليه فيما بعد أسم الآلة او الأورجانون Organon ولم يطلق ارسطو اسم المنطق على هذهر الأبحاث وانما استخدم كلمة التحليلات Analytics أي تحليل التفكير الى استدلالات، والاستدلال الى أقيسة والأقيسة الى عبارات وحدود. ولقد كانت نقطة البداية في منطق ارسطو هي جدل سقراط وافلاطون، فمن خلال مناقشته لأساليب اللغة ودلالتها كتب ارسطو مؤلفه عن الجدل الذي عرف بأسم الطوبيقا أو المواضع Topics وكتب مؤلفه (المقولات) وكذلك مقالة الدال Δ من كتاب الميتافيزيقا"[79].

و"اعتبر الرواقيون المنطق جزءاً من اجزاء الفلسفة وليس مدخلاً ولا آلة لها كما اعتبره ارسطو وشراحه. ويشمل المنطق عندهم الخطابة وهي الحديث المرسل والديالكتيك وهو نظرية الحديث المنقسم الى اسئلة واجابات أي الحوار، وقد درسوا تحت عنوان الديالكتيك الموضوعات التي سبق لأرسطو دراستها فناقشوا نظرية التعريف والمقولات والأحكام والأقيسة"[80].

وعلى نفس منهج الرواقيين فيما يخص المنطق يظن البعض ان علم المنطق لصيق بالفلسفة ، والحق غير ذلك فهو كما قال الشيخ المظفر: (خادم العلوم) ، سواء كانت الفلسفة او علم الكلام او غيرهما ، وهو يعلمنا القواعد العامة للتفكير الصحيح سواء كنا نتحدث بالفلسفة أم بعلم الكلام.

والقواعد المنطقية العديد منها يقع ضمن دائرة البديهيات العقلية المخلوقة في الفطرة الانسانية ، ولذلك يمكن أن يحكم بها العقل الانساني حتى لو لم يكن مطلعاً على علم المنطق الارسطي لأنها قضايا عقلية بديهية. ولذلك نجد ان السيد الخوئي (رضوان الله عليه) يقول: (أما علم المنطق فلا توقف للاجتهاد عليه أصلا لأنه يعرفه كل عاقل حتى الصبيان)[81]. فالسيد الخوئي يريد ان يقول ان القضايا المنطقية المهمة في الحياة هي قضايا بديهية يعرفها جميع الناس ، ولذلك نجد ان المنطق هو جزء من علم الكلام ومن قواعده لا بإعتبار ان علم الكلام يستند في تحقيقاته الى المنطق الذي هو جزء من الفلسفة بل لكون القضايا المنطقية الرئيسية هي قضايا بديهية يتفق عليها جميع الناس ولذلك فهي معتمدة في علم الكلام وتشكل ركناً فاعلاً فيه.

وبعبارة اخرى ان القضايا العقلية البديهية التي يستند اليها علم الكلام هي القضايا الفطرية التي فطر الله سبحانه الناس عليها وميزات الفطرة هي (أنها ليست بحاجة الى التعليم والتعلّم كما انها ليست قابلة للتغيير ولا التبديل وميزة ثالثة وهي ان فطريات كل نوع من الموجودات تتوفر في جميع افراد ذلك النوع وإنْ كانت قابلة للضعف والشدّة)[82]. وتقسم الفطرة الى قسمين (اولهما المعارف التي هي من لوازم وجود الانسان والثاني الميول والرغبات التي هي مقتضى كيفية خلق الانسان)[83] ، والقسم الاول كما هو واضح هو مدار اهتمامنا والذي له علاقة بعلم الكلام.

 

العقـل:

"للعقل اطلاقات متعددة: منها العقل الفلسفي ، والعقل العرفي ، والعقل التراثي ، والعقل المعرفي.

ويراد بالعقل الفلسفي: جوهر مجرّد عن المادة ذاتاً وفعلاً المعبّر عن بالملائكة بلسان الشرع وبالعقول بلسان الفلاسفة.

واما العقل العرفي هو: العقل الاستقرائي الذي يلهج به العلمانيون عادةً ، المعتمد على الاستقراء أو على متبنيات العرف المشهورة.

واما العقل التراثي فالمقصود به: التراث الذي كثيراً ما يوجد في كلمات المفكرين ، من عرب وغيرهم ، حينما يتحدثون عن العقل العربي أو العقل الغربي.  والذي يعكس عاداتهم وتقاليدهم وطريقة تفكيرهم على مر العصور.

واما العقل المتخذ كأداة من أدوات المعرفة إنما هو العقل القياسي الأرسطي ، وهو عبارة عن : قوة في النفس الانسانية بها تستعد لإكتساب العلوم وإدراك الكلّيات. وهذه القوة المدركة للكليات التي في الانسان ، وهي معنى التعقل الذي يمثل مرتبة من مراتب الإدراك وراء الحس والخيال والوهم ، وبه يتميّز عن بقية الحيوانات. وللعقل بهذا المعنى دور أساسي في التصورات والتصديقات وبواسطته يتم تكليف الانسان ويخرج من القوة الى الفعل ، في حركة تدريجية استكمالية ، فيميّز أولاً الحق من الباطل ، والصواب من الخطأ والخير من الشر ، ثم يسير على جادة التكامل بأفعاله الاختيارية.

وينقسم العقل بالقسمة الاولى الى (عقل نظري) و(عقل عملي) ، وهما قوتان عقليتان قائمتان بجوهر النفس الانسانية المجرّدة"[84]... "وينقسم العقل النظري الى (عقل بسيط) و(عقل مركب) ، أما البسيط فهو المسمّى في مصطلح القرآن الكريم بالفطرة ، وهو المدرك للقضايا البديهية أو القريبة منها ، وهو مشترك بن عامة الناس ، و(العقل المركب) وهو العقل المدرسي القادر على الاستدلال المركب وهو خاص بالعلماء.

أما (العقل العملي)  فقد اختلف الحكماء بشأنه مدركاته ، فالمشهور بينهم أن مدركات العقل العملي جزئية من قبيل: هذا الفعل حسن أو هذا الفعل قبيح.

أما المدركات العملية الكليّة من قبيل : كل عدل حسن أو كل ظلم قبيح ، من مدركات العقل النظري"[85] .... " تنبيه: إنَّ العقل النظري ترتبط به الحكمة النظرية والعملية ، وذلك لأن الحكماء قسّموا الحكمة الى نظرية وعملية" ... "إذن لا ينبغي الخلط بين العقل النظري والعقل العملي من جهة ، وبين الحكمة النظرية والحكمة العملية من جهة أخرى ، لأن الحكمة النظرية والعملية معاً ترتبطان بالعقل النظري في الانسان. أجل تختلف مدركات الحكمة النظرية عن العملية في أن الاخيرة تستلزم جرياً عملياً بخلاف الاولى فإنها ليست كذلك"[86].

واليقين هو الثمرة المفترضة للبحوث العقلية ، وقد ذكروا اربعة اصناف للقضايا اليقينية هي:

الصنف الاول: هو الاوليات العقلية المحضة ، وهي قضايا رسخت في الانسان من جهة قوته العقلية المجردة ، من غير معنى زائد عليها يوجب التصديق بها ... كقولنا ان الاثنين اكبر من الواحد ، وان الشيء الواحد لا يكون قديماً وحديثاً معاً ، وان السلب والايجاب معاً لا يصدقان في شيء واحد فقط ... وهذا الجنس من العلوم لا يتوقف الذهن في التصديق به إلا على تصور البسائط ، أعني الحدود والذوات المفردة.

الصنف الثاني: هو المحسوسات ، كقولنا: القمر مستدير ، والشمس منيرة.

الصنف الثالث: المجربات ، وهي أمور وقع التصديق بها من الحسي بمعاونة قياس خفي ، كحكمنا بأن الضرب مؤلم للحيوان وحز الرقبة مهلك ، والسقمونيا مسهل ...

الصنف الرابع: القضايا التي عرفت لا بنفسها ، بل بواسطتها وكان لا يغرب عن الذهن أوساطها ، بل مهما ومتى أحضر جزئي المطلوب ، أحضر التصديق به لحضور الوسط معه ، كقولنا: الاثنان ثلث السنة ، فإن هذا معلوم بوسط ، وهو أن كل منقسم على ثلاثة أقسام متساوية فأحد الاقسام ثلث ، والستة تنقسم بالاثبات ثلاثة أقسام متساوية. فالاثنان إذن ثلث الستة ، ولكن هذا الوسط لا يغرب عن الذهن لقلة هذا العدد وتعود الانسان[87].

ويمكن ان نضيف للصنف الاول من الامثلة: عدم اجتماع النقيضين ، وعدم جواز الدور والتسلسل في الاستدلال ، وفاقد الشيء لا يعطيه[88] ، والحادث لا يوجد من دون سبب ، والصفات المتضادة لا تجتمع في موضوع واحد ، والكل أكبر من الجزء ... الخ. ويطلق ايضاً على البديهيات العقلية أسم المعارف الضرورية او البديهية ، ومعنى الضرورة هنا أن النفس تضطر الى الاذعان بقضية معينة دون ان تطالب بدليل على صحتها بل تجد من طبيعتها التصديق بها تصديقاً غنياً عن كل بيّنة وإثبات[89].

واما الصنف الرابع فقد اطلق عليه الشيخ المظفر اسم (الفطريات) وجعله القسم السادس من اقسام البديهيات التي هي أصول اليقينيات ، والاقسام الخمسة الاخرى هي: اوليات ومشاهدات وتجريبيات ومتواترات وحدسيات[90].

وهذه الاصناف الاربعة لليقين هي التي يبدو ان علم الكلام يستند اليها في بحوثه العقلية.

ويقول الشيخ حيدر الوكيل وهو يتحدث عن (العقل ودوره في المعرفة): (العقل هو القوة الادراكية المودعة عند الانسان التي تنطبع فيها صور الاشياء ومميزات بعضها عن بعض. هذه القوة المدركة عند الانسان بالوجدان هي التي اعتمدتها الاديان السماوية بل والدعوات البشرية ، فلا غرو ان لا نعير لأوهام الفلاسفة في تفسير حقيقة العقل أهمية. والعقل هو اداة المعرفة الاساسية ، به يزن الانسان ما يتعرف عليه من افكار ، وليس للعقل دور في تأسيس العقائد الدينية بل هو آلة فقط. واهم مرتكزات العقل هو البديهيات الادراكية التي تتكيء على المحسوسات التي تشكل المنطلق الاول للعقل)[91].

ثم يقول: (تقدم ان العقل لا يملك الدور التأسيسي للمعارف الايمانية فما هو السبيل اليها اذن ؟ ونقول: ان المعارف الايمانية على ثلاثة اقسام: الاول: عقلي ، بمعنى ان الاستدلال المرتبط بأسس التعقل الانساني وهو البديهيات له الدور الاساس في تحقق المعرفة لكن بعد بيان الحجج للطريق ، كوجود الباري او توحيده او النبوة. الثاني: غيبي لا سبيل الى الايمان به الا الاخذ عن الصادق المقطوع بصدقه وهم الحجج المعصومون (صلوات الله عليهم). الثالث: تاريخي ، ولا ريب ان النقل التاريخي شيب بالكثير من التزوير ووجود منقولات تاريخية عقائدية من طريق الحجج (صلوات الله عليهم) يفي بتحصيل التصديق او الاطمئنان اكثر من الاعتماد على منقولات المؤرخين من غيرهم ممن ساير السلطان بل حتى من غير المسايرين للسلاطين لوضوح عدم العصمة فيهم. ومن هنا ننطلق لنؤسس اهمية المنقول الروائي[92] عن الحجج (صلوات الله عليهم) حيث لا سبيل الى تحصيل بلاغاتهم الا تلك الاخبار لا سيما ونحن في زمن الغيبة والحيرة. لكن هناك مسالتان مهمتان لا بد من تسليط الضوء عليهما: الاولى: تحقيق المعيار في اعتماد الاخبار في مجال العقيدة. والثانية: دلالة النص الديني)[93] ونكتفي بهذا المقدار من الاقتباس حيث ان التتمة تتعلق بموضوع آخر لا مجال للتوسع فيه هنا.

وفي فرائد الاصول ، يقول الشيخ الاعظم مرتضى الانصاري (رض): (وينسب الى غير واحد من اصحابنا الاخباريين عدم الاعتماد على القطع الحاصل من المقدمات العقلية القطعية الغير الضرورية ، لكثرة وقوع الاشتباه والغلط فيها ، فلا يمكن الركون الى شيء منها)[94]، ويضيف الشيخ حيدر الوكيل: (وهذا المطلب من المطالب المهمة التي لها اثر كبير في تحديد مفردات العقيدة الايمانية ، فان القطع عندما يكون حجة ذاتاً وكاشفاً عن الواقع بذاته مطلقاً ولا اعتبار لمنشأ حصول القطع فان النتيجة هي انه عند الخوض في المباحث الفلسفية التي ادعوا انها هي المبين للمعطى العقلي فحينئذٍ يصل الباحث حسب ذلك المسلك الى الواقع لا بدلالة المعصوم بل بدلالة العقل النظري المحتمل للخطأ لوضوح ان القطع يشمل الجهل المركب لعدم تخصيصه باخراجه من ساحة القطع الذاتي الحجية عند المشهور، وحينئذٍ يحصل التعارض بين حجية العقل بمعنى الايمان بواقعية المنكشف بالعقل والمنكشف بالنقل بعد ان التزموا بتاويل المنكشف النقلي او اهماله مقابل التمسك بالمنكشف القطعي العقلي وامثلته في العقيدة كثيرة منها تفسيرهم للارادة والمعاد وغيرها)[95]. وقال الشيخ الاعظم مرتضى الانصاري (رض): (وقد اشرنا هنا وفي اول المسالة الى: عدم جواز الخوض لاستكشاف الاحكام الدينية ، في المطالب العقلية ، والاستعانة بها في تحصيل مناط الحكم والانتقال منه اليه على طريق اللم ، لأن انس الذهن بها يوجب عدم حصول الوثوق بما يصل اليه من الاحكام التوقيفية ، فقد يصير منشأ لطرح الامارات النقلية الظنية لعدم حصول الظن له منها بالحكم. وأوجب من ذلك: ترك الخوض في المطالب العقلية النظرية لإدراك ما يتعلق باصول الدين ، فإنه تعريض للهلاك الدائم والعذاب الخالد، وقد اشير الى ذلك عند النهي عن الخوض في مسالة القضاء والقدر، وعند نهي بعض اصحابهم صلوات الله عليهم عن المجادلة في المسائل الكلامية، لكن الظاهر من بعض تلك الاخبار: ان الوجه في النهي عن الاخير عدم الاطمئنان بمهارة الشخص المنهي في المجادلة ، فيصير مفحَماً عند المخالفين، ويوجب ذلك وهن المطالب الحقة في نظر اهل الخلاف)[96]، "تنبيه: تقدم ان النهي عن الخوض في المطالب الكلامية ليس لأجل ما ذكروه من عدم احسان المتكلم لعلم الكلام بل لعدم الرجوع اليهم (صلوات الله عليهم)"[97].

هذا وقد ذهب السيد السبزواري والسيد الخميني الى عدم كاشفية القطع عن الواقع بقول مطلق وهو الصحيح[98].

فاعتراضنا على اللجوء للفلسفة الظنية في بيان العقائد الدينية يكمن في التالي:

1.    الروايات الواردة عن الائمة الاطهار (عليهم السلام) في النهي عن الفلسفة.

2.    موقف اساطين علماء الشيعة الرافض لإدخال الفلسفة في العقائد الدينية.

3.    ان الفلاسفة "اخذوا معطيات الفلسفة على انها معطى عقلي لا يمكن تأويله فأولوا النصوص الشرعية ! فبدلاً من اخذ الدين من المبلغين المعصومين (صلوات الله عليهم) اخذوا الدين من دعوى التعقل والغوا النص ، ولا نجد هذا الا التفافاً ظاهراً على الدين والغاءاً لمعطياته"[99]. نعم "لا ننكر امكان تاويل بعض الادلة النقلية لكن عندما تصادم العقل البديهي فقط او النص الديني القطعي اما فيما سوى ذلك فلا سبيل الى التأويل"[100].

4.    ان معطيات الفلسفة هي معطيات ظنية غير قطعية ، وبذلك لا تصلح لتأسيس عقيدة دينية. بدليل الاختلاف الكبير والواسع بين الفلاسفة.

5.    ان العقيدة الدينية يجب ان تؤخذ من منهلها الصحيح المعصوم وهو الائمة الاطهار (عليم السلام).

 

ما هي الغنوصية؟

الغنوصية Gnosis ومعناها (المعرفة) هي طريقة نفسية يتوهم اصحابها انهم من خلالها يحصلون على المعرفة ومن ثم التحكم بالكائنات ، والغنوصيون بصورة عامة يظنون بإمكانية الحصول على المعارف بعيداً عن الوحي من خلال جهدهم النفسي الذاتي عبر الكشف والشهود الصوفي. فالوحي عندهم ليس منحة إلهية بل مكتسب نفسي داخلي متعلق بذات الانسان ! وهذا يعني انهم يظنون انه بالامكان تكرار تجربة النبوة من قبل اي انسان من خلال جهد نفسي داخلي متناسين ان النبوة الحقيقية تكون مؤيدة بالمعجزات التي تبطل فكرتهم برمتها ولذلك تراهم يحاولون ايجاد تفسير نفسي لحدوثها !

ويُعرف الغنوصيون في الاسلام بأسم العرفاء او المتصوفة ، حيث يقول سيد كمال الحيدري إنَّ العرفان أو "المعرفة بالله" ترادفها في اللغة اليونانية كلمة Gnosis التي معناها العلم بلا واسطة الناشيء عن الكشف والشهود[101].

و"العرفان بمعناه اللغوي هو العلم ، ويطلق اصطلاحاً على لون خاص من الادراك ، وهو: ما يحصل من طريق تركيز الالتفات الى باطن النفس (وليس من طريق التجربة الحسيّة أو التحليل النفسي) ، فإنه بواسطة التركيز المذكور تتم عادةً مكاشفات تشبه الرؤيا"[102].

اذن يمكن ان نلخِّص اركان الغنوصية بالتالي:

1.    بذل جهد نفسي من خلال الرياضات.

2.    البحث عن المعرفة من خلال القوى النفسية والكشف ، بعيداً عن الوحي ومعارفه.

3.    السعي للتحكم بالكائنات.

 

التجربة الغنوصية:

الغنوصية تعتمد بشكل اساسي على الكشف الشهودي ! ولا يتفق جميع البشر على صلاحها كأداة معرفية ، ولا سيما دعوى ان الكشف والشهود هو طريق معرفي يقيني ! وهو في احسن حالاته لا يعدو كونه تجربة شخصية للعارف الذي يقترفها ، فهي تجربة لا تفيد حتى صاحبها لعدم العصمة.

أمّا التصوف الغنوصي أو الفلسفة الغنوصية اذا صح التعبير ، فهي ذات اصول غير اسلامية، فقد وعُرِفَتْ الغنوصية (التصوّف) في الامم الآسيوية كالهند والفرس ، وقد اخذ اليونان التصوف عن الهند[103]، وكذلك ظهرت الغنوصية في المسيحيّة واليهوديّة. وقد اخترقت الغنوصية ثقافات العديد من الامم والاديان ولحد الان كما في اوربا وغيرها[104]. ثم انتقلت الفلسفة والغنوصية - او الفلسفة الغنوصية إنْ صح التعبير - الى المسلمين وفكرهم وعقيدتهم عبر عدد من الصوفية كذو النون المصري والبسطامي والحلاج والغزالي وابن عربي، وكان بين الفلاسفة والغنوصيين (المتصوفة) جدالات كبيرة وردود واسعة في مؤلفات شهيرة كتهافت الفلاسفة للغزالي وتهافت التهافت لأبن رشد، الى ان ظهر ملا صدرا في بداية القرن الحادي عشر الهجري (توفي 1050هـ) والذي انتقى مسائل بعضها من الفلسفة والبعض الآخر من الغنوصية (التصوّف) وزعم ان مدرسته تضم الفلسفة والتصوّف (العرفان) الى جنب الشريعة واطلق عليها اسم (الحكمة المتعالية).

تسعى الفلسفة الغنوصية المسماة بالحكمة المتعالية الى الحصول على المعرفة بتكوين نظريات عقائدية دينية متمثلة بالبحث في التوحيد وصفات الخالق جلَّ وعلا وكيفية الخلق ومراحله واطواره ومآله في العالم الآخر منطلقة من الكشف والشهود الذي يترجم الى لغة بشرية عن طريق الفكر الفلسفي ومتبنياته ثم يوضع كل ما ينتج في اطار ديني بعد قسر النصوص الدينية وتفسيرها باطنيا لتتلائم مع النتائج الفلسفية والغنوصية التي توصلوا اليها.

إنَّ العرفان (التصوف الغنوصي) لا يمكنه تأسيس قواعد عقائدية ولا الدفاع عن العقائد ولا دفع الشبهات، وذلك لكون العرفان (الشهود الغنوصي) تجربة شخصية والقائم بها غير معصوم فلا يمكن الوثوق بالخيالات والاوهام التي يسمونها الشهود حتى مع الادعاء بتفسيرها او اسنادها بالقواعد الفلسفية، وذلك لنفس السبب وهو عدم عصمتهم ولاختلاف الفلاسفة انفسهم فيما بينهم.

 

اسلمة الغنوصية:

اذن انتشرت الغنوصية بين المسلمين تحت مسمى التصوف، وحاول بعض الصوفية اسلمة الغنوصية وايجاد مقاربات فكرية بين مبادئها وبين العقائد الاسلامية! فأصبح لها بين المسلمين علماء ومؤلفات ووجود بل وكيان حقيقي! فنشأت المدارس الصوفية والفلسفية المتعددة وكلها تحمل المباديء الغنوصية ولكن بطرق مختلفة، فالفلسفة تعتمد نظريات فكرية بينما التصوف يعتمد الكشف والشهود النفسي.

ورغم تنامي التصوف في البيئة السنيّة بصورة علنية، ومحاولته التغلغل في البيئة الشيعية الا ان التحذريات المبكرة لأئمة آل البيت الاطهار (عليهم السلام) من التصوف والفلسفة وقفت حاجزاً دون الإسفار عن وجود فكر صوفي أو فلسفي بين الشيعة بصورة علنية واخرّت ظهوره بينهم عدة قرون، وبقيت محاولات الغنوصية الصوفية اقتحام التشيّع بصورة خفية ومبكرّة محاولات ضيلة جداً ومحدودة ، كالحلاج واتباعه.

وهناك فرق بين ان يكون هناك علماء شيعة بخلفية فلسفية وهو ما لم نجده في القرون الخمسة الاولى ، وبين ان يتجه بعض عامة الشيعة لدراسة الفلسفة والبلوغ اعلى المراتب فيها بعيداً عن الفكر الديني المنتسب لآل البيت الاطهار (صلوات الله عليهم)، كأبن سينا والبيروني والفارابي وغيرهم. الى ان حل القرن السابع الهجري وظهر الشيخ الخواجة نصير الدين الطوسي (597- 672هـ / 1201– 1274م) والذي يعد اول فيلسوف من علماء الشيعة ممن عمل على جعل الفلسفة اداة في خدمة العقيدة ، فجعل الفلسفة اداة في خدمة علم الكلام. بخلاف من جاء بعده بقرون ممن جعل الفلسفة هي المرجع للدين بدلا من ان تكون في خدمة الدين، كما حصل مع المنهج الخاطيء لملا صدرا ومدرسته الحكمة المتعالية.

ولذلك ... يمكن اعتبار - وبدون مبالغة - إنَّ واحدة من عجائب الدهر هي اقتحام الفكر الغنوصي الصوفي لابن عربي للتشيّع بصورة علنية ابتداءاً من القرن الثامن الهجري حتى اصبح بعض كبار علماء الشيعة الامامية من اتباعه!! ((أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّي إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)).

ولا ابالغ اذا قلت انه حتى ابن عربي نفسه لم يكن يحلم بأنه سيتمكن من اقتحام القلعة الشيعية الراسخة في انقطاع الشيعة الامامية الى ائمة آل البيت (عليهم السلام) في عقيدتهم وفقههم واخلاقهم وجميع شؤون حياتهم. فماذا حصل لتتغير مسيرة بعض الشيعة الامامية ويتعلقوا بأذيال عباءة الصوفية عموماً وابن عربي على وجه خاص بعدما كانوا ينعمون بكساء أهل الكساء (عليهم السلام) وتراثهم الديني الاصيل!!

فلو كان تراث ابن عربي الغنوصي- الفلسفي يتعلق بقضايا غير دينية لربما لم نكن لنعترض على من يتبع افكاره ويعتنقها ويروّج لها! ولكن أن نجد ان تراث ابن عربي تمكن من اختراق العقيدة الشيعية وتأسيس نظريات عقائدية جديدة اقتحمت المنظومة العقائدية الشيعية التي كانت قبل ذلك منقطعة الى اهل البيت الاطهار (عليهم السلام).

وكنموذج على جهود اسلمة الغنوصية نقرأ كلام السيد محمد حسين الطباطبائي: (العرفان هو طريق من طرق العبادة عن طريق المحبة لا عن طريق الخوف والرغبة ، وهو طريق لإدراك حقائق الاديان مقابل طريق الظواهر الدينية وطريق التفكير العقلي)[105]. مع ان الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز يقول في سورة الاعراف: ((وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ المُحْسِنِينَ)).

وقال تعالى في سورة السجدة: ((إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ (15) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ)).

فيرشدنا الله سبحانه الى عبادته خوفاً وطمعاً لا حباً !

 

 

 

 

بين الزهد والتصوّف الغنوصي:

في القرن الاول الهجري كان هناك ثمانية زهاد مشهورين في عصر واحد، اربعة منهم مع امير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليهما السلام)، واربعة منحرفين عنه اي يناصرون جبهة النفاق التي يقودها معاوية، فالذين معه هم: الربيع بن خيثم وهرم بن حيان واويس القرني وعامر بن عبد قيس، واما الاربعة المنحرفين عنه فهم: ابو مسلم الخولاني ومسروق بن الاجدع والحسن البصري واسود بن يزيد أو جرير بن عبد الله[106]! فالاتصاف بالزهد لا يعني سلامة العقيدة ! ذلك الزهد الذي كان من ابرز سمات التصوّف!

وتكمن واحدة من المشاكل التي تواجه البحث في التصوف الغنوصي هو الخلط الوجود في كلمات القدماء والمعاصرين بين "تصوف الزهد" الذي يعني جماعة من المسلمين كانوا يتظاهرون بالزهد والعبادة مع التزامهم بظاهر الشريعة وفق متبنيات اهل السنة، وبين "التصوّف الغنوصي" الذي يعني جماعة من المسلمين يعتنقون عقيدة باطنية غنوصية انتقلت اليهم من الامم التي سبقت ظهور الاسلام، كالهنود والفرس واليونان واليهود والنصارى ومدارها الحلول والاتحاد والفناء.

فاولئك العبّاد الزهاد كانوا يرتدون الصوف للتعبير عن زهدهم بالحياة، وربما لهذا السبب  استحوذ عليهم لقب الصوفي، بينما الاخرون المعتنقون للعقيدة الغنوصية قد تلقبوا بالصوفي نسبةً للكلمة اليونانية سوفيا Sophia (في الإغريقية Σoφíα) التي تعني الحكمة. وقد استغلوا الفئة الاولى من الزهّاد فأظهروا الزهد وغمروا انفسهم في ظلِّهم ليأمنوا الاضطهاد وعدم افتضاح امرهم في بدء نشأتهم في المجتمع الاسلامي الذي يفترض به انه كان يرفض البدعة ويراقب كل دخيل ويرفضه[107]. بل ويقال ان من ركائز الحصول على الحكمة الغنوصية هو الزهد في الدنيا والتخلي عن مباهجها !!

ولذلك تداخلت مواقف المسلمين من المتصوفة وسبب تسميتهم واضطرب الباحثون في ذلك اضطراباً كبيراً. ولذلك يحق لنا فعلاً ان نقول ان هناك تصوّفاً يتمثل بالزهّاد ، وتصوفاً آخر غنوصي يتمثل بأتباع العقائد القديمة الهندية والفارسية واليونانية الباحثة عن المعرفة بعيداً عن الوحي ويتمثل بالطرق الصوفية ومن اشهرهم ابن عربي مؤسس الطريقة الاكبرية.

ويعتبر الحسن البصري وسفيان الثوري من اوائل الصوفية في الاسلام اي المنتمين للفئة التي تظهر الزهد وتدّعي العبادة.

وقال د. علي سامي النشار: (لقد نشأ التصوف اول الامر في احضان الكتاب والسنة في صورة الزهد ، واسترعى انظار بعض الخاصة من المسلمين "المعاني الرقيقة" في القرآن ذات الطابع الخلقي العميق، ورأوا فيها "حقائق خفية" أعمق مما يرى الناس، وسادت نزعات القلق في صدور الخلص من هؤلاء الناس حين اندفع المسلمون وتزاحموا في غمار الحياة، فلجأوا الى هذه المعاني، يعمقون فيها، ويجدون فيها الملجأ،  وبهذا نرى القرآن – الذي وضع الميتافيزيقيا كما وضع الشريعة – يصبح كتاب "تأمل خفي" في رأي الكثير من مفكري الاسلام. وكما حاول فلاسفة الاسلام ان يدخلوا عقائد اليونان الميتافيزيقية في عقول المسلمين، نرى بعض صوفية الاسلام يلجأون في التصوف الى بحث ميتافيزيقي تأثر بكل ما حوله من فلسفات ... أخذوا من الفيدا الهندي وأخذوا من الاشراقية الفارسية، واستمدوا من الفيض الافلوطيني، وتأثروا بأفلاطون وأرسطو، ثم وجدوا مصدراً هاماً في المجموعات الهرمسية، وانتهوا الى عقائد مختلفة اهمها عقيدة الحلول وعقيدة وحدة الوجود)[108].

وقال محمد لطفي جمعة في كتابه (تاريخ فلاسفة الاسلام): (وقد اجمع العلماء على ان اكابر الاولياء من الصوفيين غير من ذكرناهم: مالك بن دينار، البوناني، السختياني، وهيب بن الورد بن اسباط، مسلم الخواص، البسطامي، التستري)[109]. فبعض من ذكرهم كمالك بن دينار كان من المتصفين بالزهد والعبادة (أي ينتمي الى تصوّف الزهد) وليس هو من اهل المنهج الغنوصي (التصوّف الغنوصي) الذي سار عليه ذو النون والحلاج والبسطامي والتستري على سبيل المثال. فهذا الخلط بين نوعي التصوّف انما يراد منه تجيير التعبّد والزهد لصالح الغنوصية ، أي تخفّي التصوّف الغنوصي تحت عباءة تصوّف الزهد. وفي بحثنا هذا فإنَّ كل ما سنذكره باطلاق كلمة (صوفية) او (تصوّف) فهو انما يقصد به التصوف الغنوصي ولا علاقة له بتصوّف الزهد. مع العلم ان أئمة أل البيت الاطهار (عليهم السلام) وقفوا بالضد من نوعي التصوّف المذكورين بإعتبار ان النوع الاول ربما لأنه مخلوط بالرياء وبمخالفة متطلبات العصر وتطور المجتمع، وبإعتبار ان النوع الثاني فاسد العقيدة، وربما لأن تصوف الزهد محدود ومستغل من قبل التصوف الغنوصي للتستر فيه، وربما لأن تصوف الزهد يبدع في الدين نوعاً من الرهبانية الممقوتة في الاسلام.

 

يقول الحر العاملي (رضوان الله عليه): (لا يوجد للتصوف وأهله في كتب الشيعة وكلام الأئمة عليهم السلام ذكر إلا بالذم، وقد صنفوا في الرد عليهم كتباً متعددة ذكروا بعضها في فهرست كتب الشيعة. قال بعض المحققين من مشايخنا المعاصرين: اعلم أن هذا الاسم وهو اسم التصوف كان مستعملا في فرقة من الحكماء الزايغين عن الصواب، ثم بعدها في جماعة من الزنادقة وأهل الخلاف من أعداء آل محمد كالحسن البصري وسفيان الثوري ونحوهما، ثم جاء فيمن جاء بعدهم وسلك سبيلهم كالغزالي رأس الناصبين لأهل البيت ولم يستعمله أحد من الإمامية لا في زمن الأئمة عليهم السلام ولا بعده إلى قريب من هذا الزمان)[110].       

وقال الشيخ شريعتمدار (توفي 1263هـ): "أنّ الصوفية على سبع فِرَقٍ بعدد أبواب جهنّم، فإنها أيضاً سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم، ومن زاد على هذه السبعة فهو مَن جعل قسم القسم قسماً، وعدّد الشعب من الاقسام، لما لا يخفى.

الفرقة الاولى: من قال بوحدة الوجود والموجود، بمعنى أنّ جميع ما في الكون هو الوجود الواجبي والموجود هو الواجب، والتكثّر بحسب الشؤونات أو الخيالات والتوهمات كما عن الجامي أنّه قال:

كلّ ما في الكون وهم أو خيال     أو عكوس في مرابا او ظلال

وعن بايزيد البسطامي أنّه قال: (ليس في جبتّي إلا الله) .....

ونحو ذلك من الكلمات الظاهرة في وحدة الوجود والموجود، وكون الممكن من الامور الاعتبارية الوهمية والخيالية ، ويُعبّر عن هذا المذهب بالموج والدريا. ولا يخفى أنّه موجب لإنكار النبوّة والامامة والدين والمعاد والثواب والعقاب، لعدم تعقّل تكليف الله نفسه وتعذيبها ونحو ذلك ممّا يتعلّق بالدين فهو إنكار للدين ومعترض من أخبث الكافرين.

الفرقة الثانية: من قال بوحدة الوجود وتعدد الموجود، ويمثّلون بالفارسية بقولهم (نَمْ ويَمْ) ..... ويقولون: إنّ أحوال الممكن من تنزّلات وجود الواجب ..... ونحو ذلك من الكلمات الدالّة على أنّ صدور المعلول عن العلّة عبارة عن تنزّل العلّة الى مرتبة وجود المعلول، وتطوّرها بطور المعلول، وأن الوجود بشرط عدم الماهية حقيقية الواجب، وبشرط التعيّن بالماهيّة حقيقية الممكن. وهم أيضاً كالسابقين من الكافرين، لما لا يخفى على احد من المؤمنين المتفطنين.

الفرقة الثالثة: الاتحاديّة ، وهم من قال بالاتحاد ، بمعنى ان العارف بعد الترقّي بالرياضة وتكميل النفس بها يتّحد مع الواجب ويصيران كالشيء الواحد. ..... وهذا المذهب يستلزم إنكار الضرورة ، والتجسّم بالجسم كالاجسام، وهذا كفر بلا كلام.

الفرقة الرابعة: الواصليّة، وهم مَنْ قال بالوصل بالله كالباب والجدرام بالترقّي والتكميل كما لا يخفى. وصاحب هذا المذهب كالسابقين من الكافرين، لما لا يخفى.

الفرقة الخامسة: الحلوليّة، وهم مَنْ قال بحلول الواجب في الممكن العارف بعد التكميل. وهم كالسابقين من الكافرين لإنكار ضروري الدين.

الفرقة السادسة: المباحيّة، وهم من قال بإباحة جميع الاشياء حتى اللواط والزنا بإطلاق النفس فيما تهويه ليصير الهَمّ واحداً. وهم أيضاً منكرون لضروري الدين ، فهم أيضاً من الكافرين.

الفرقة السابعة: الملامتيّة ، وهم مَنْ يقول بجواز تصوير الحلال بصورة الحرام كشرب الخلّ بصورة الخمر ، لبُلُود الناس، ولئلا يحصل العجب والكبر. وهم أيضاً مثل السابقين من جهلة الكافرين، لما لا يخفى، وغيرهم راجعون اليهم.

نعم بعضهم كالقائلين بوحدة الوجود من باب الظلّ وذي الظلّ، أو الشجر والثمر - بمعنى أن الوجود بمعنى منشأ الأثر من غير أن يكون أثراً واحدٌ، وهو وجود الواجب، وما عداه أثر ذلك الوجود – من الفاسقين ، لعدم إلقائهم عن موضع التهمة الواجب على وجه الإصرار ، وهو فسق بلا إنكار. ويدلّ على فساد تلك الاعتقادات – مضافاً الى ما أشرنا اليه من نحو الضرورة – بعض الاخبار المعتبرة الدالّة على براءة الائمة (عليهم السلام) ممّن قال بها من الصوفيّة كما أفاد بعض الأجلّة"[111].

يقول السيد محمد حسين الطباطبائي: "كان العرب بعيدين عن التفكّر الفلسفي حتى ظهرت نماذج من هذا التفكير عبر ترجمة بعض الكتب الفلسفية اليونانية الى اللغة العربية في اوائل القرن الثاني للهجرة ، وبعدها تُرجمت كتب متعددة من اليونانية والسريانية وغيرها الى اللغة العربية ، وحينها اصبحت طريقة التفكير الفلسفي في متناول ايدي العموم ، ومع هذا فإن الكثير من الفقهاء والمتكلمين لم يبدوا اهتماماً بالفلسفة وسائر العلوم العقلية التي وردت اليهم حديثاً رغم الاهتمام الخاص الذي كانت تبديه السلطة الحاكمة آنذاك لمثل هذه العلوم"[112].

وكلام السيد الطباطبائي يمثل اعترافاً بأن الائمة الاطهار (عليهم السلام) لم يتحدثوا بالفلسفة ولم يرشدوا اليها ولذلك اعرض عنها الفقهاء والمتكلمين، بالاضافة الى الاحاديث الواردة عن المعصومين (عليهم السلام) في النهي عن الفلسفة والتصوّف. كما انه اعتراف بان الفلسفة لا اصل لها في الاسلام وانما اخترقت المجتمع والفكر الاسلامي من خلال حركة الترجمة للكتب اليونانية والسريانية.

وقال السيد محمد حسين الطباطبائي عن الشيخ صدر الدين الشيرازي : (كما ناصر صدر المتألهين نظرية "اتحاد العاقل والمعقول" التي نقلها اجمالاً عن "فرفريوس الصوري" احد تلامذة ارسطو)[113].

وقال عن اصالة الوجود: (اختلف القائلون بأصالة الوجود ، فذهب بعضهم إلى أن الوجود حقيقة واحدة مشككة ، وهو المنسوب إلى الفهلويين من حكماء الفرس)[114]. وهو الرأي الذي تبناه ابن عربي ومدرسة الحكمة المتعالية الشيعية!

إنَّ "الحكمة الاشراقية هي الحكمة التي ظهرت في الشرق حيث اشتق الاشراق من المشرق ، والمعتقد الرائج بين الحكماء أن افلاطون هو مؤسس هذه الحكمة ، والظاهر انها كانت رائجة في أقوام قبل افلاطون أمثال الفراعنة ، المصريين ، الهنود ، الايرانيين ، الزردشتيين ، والصابئة. أما مؤسس هذا المذهب في العالم الاسلامي الذي حاول التوفيق بين هذا النهج وتعاليم الاسلام فهو شهاب الدين يحيى بن أميرك السهروردي الذي قتل في مدينة حلب عام (587 هـ.ق) بأمر من صلاح الدين الايوبي حيث كانت حكومة الملك ظاهر شاه ابن صلاح الدين"[115].

"يقول السهروردي: (حكمة الاشراق أي الحكمة المؤسسة على الاشراق الذي هو الكشف أو حكمة المشارقة الذين هم اهل فارس ، وهو أيضاً يرجع الى الاول لأن حكمتهم كشفية ذوقية فنسبت الى الاشراق الذي هو ظهور الانوار العقلية ولمعانها وفيضانها بالاشراقات على الانفس عند تجردها. وكان اعتماد الفارسيين في الحكمة على الذوق والكشف وكذا قدماء اليونان خلا ارسطو وشيعته فإنَّ اعتمادهم كان على البحث والبرهان لا غير)"[116].

ويقول د. التفتازاني: (وهكذا كان السهروردي المقتول منوّع الثقافة ، وحكمته الاشراقية تأتلف في الحقيقة من عناصر متعددة ، وهو يرى انه احيا بها الحكمة العتيقة التي ما زال أئمة الهند وفارس وبابل ومصر وقدماء اليونان الى أفلاطون يدورون عليها ويستخرجون منها حكمتهم ، وهي الخميرة الازلية)[117].

ويقول جون والبريدج عن الشيخ صدر الدين الشيرازي (ملا صدرا)(1571– 1640)م: (كان تلميًذا لميرفندرسكي الذي كان ينشط في ترجمة الكتب من السنسكريتّية إلى الفارسّية في أثناء حكم شاه أكبر (ملك الهند) ، ولم يمض وقت طويل حّتى برز مّلا صدرا وفاق أقرانه من الطّلاب في العلوم النقلّية والعقلّية والحكمة والعرفان)[118].

كما ان الشيخ محمد جواد مغنية (طاب ثراه) يرى ان السيد محمد حسين الطباطبائي اخذ نظريته الخاصة في عصمة الامام (عليه السلام) من سقراط ، يقول الشيخ مغنية عن بعض الآراء الخاصة للسيد الطباطبائي في تفسير الميزان: (وان كان في بعضها مجال للنظر .. مثل تفسيره العصمة بالعلم الذي لا ينفك عن العمل به بحال)[119]،  ويضيف في هامش نفس الصفحة: (هذه النظرية هي عين نظرية سقراط القائلة: ان نظرية المعرفة لا تنفك عن الفضيلة وانه متى توافرت معرفة العقل تحققت خيرية الافعال)[120]. ويضيف الشيخ مغنية في اصل الصفحة: (وملخص ما فهمته من قوله ان العلم على نوعين: نوع لا يستدعي العمل به تلقائياً ، كعلمنا نحن ، فإنه جزء من العلة لا يترتب عليه الاثر المطلوب ما لم تنضم اليه سائر الاجزاء كالرغبة وما اليها ، ونوع يستدعي العمل بذاته ، ويتنافى مع الترك ، كالشجاعة التي تتنافى مع الجبن والكرم الذي يتجافى عن البخل ، واذا كنا لا ندرك هذا النوع من العلم – كما قال – فلأنه بعيد عن طبائعنا واذواقنا. ويلاحظ عليه ان العصمة تكون ، والحال هذه ، اشبه بالتنفس خارجة عن الارادة والاختيار ، مع العلم بأن المعصوم يترك القبيح مع قدرته على فعله ، ويفعل الحسن مع قدرته على تركه ، وعبارة السيد المفسر – هنا – تأبى التأويل ، حيث قال ما نصه بالحرف: "ومن هنا يظهر ان هذه القوة المسماة بالعصمة سبب شعوري علمي غير مغلوب البتة")[121]. اذن الرأي الخاص للسيد الطباطبائي عن العصمة ماخوذ من سقراط والفلسفة اليونانية !

ويقول شهرام بازوكي: (نجد ثلاثة طرق في العرفان الهندي: المعرفة والعمل والعشق. وقد جاء ذلك مفصّلاً في كتاب البهاغافاد غيتا (Bhaqavad – gita) ، وهي مذكورة في الإسلام أيضاً وقد أشار لها الشيخ فريد الدين العطار في مقدمة كتابه (تذكرة الأولياء)، إذ يقول: جمع بعض أهل المعرفة وبعض أهل العمل وبعض أهل الحب بين ذلك كلّه)[122].

ويقول المفكر الإيراني داريوش شايغان: «العرفان أول ما يسترعي اهتمامي. أجد انشدادا قويا إلى العرفان، أنا من عشاق المذهب الطاوي، وأهوى (جوانغ تزو) للغاية. قضينا دورة بأستاذية العلامة الطباطبائي، وكان يبدي رغبة أكيدة في الاطلاع على كتاباتهم، ولأنها لم تكن مترجمة، عكفت أنا والدكتور سيد حسين نصر على ترجمتها. كان يفسر شانكارا كأنه أستاذ بالضبط، ويتركنا في حيرة من الأمر، فمثلا في أحد الاوبانشادات عبارة تنطوي على مفارقة (الذي يفهم لا يفهم، والذي لا يفهم يفهم) وقد فسّر الطباطبائي هذه العبارة، وأجلى غشاوتها، وحلل مضمونها، بنحو أدهشني. بعد ذلك ترجمت أنا والدكتور نصر كتيبا صغيرا من تأليف لاوتسه، اسمه (داو جينغ) كله مفارقات. نقلناه من النص الانجليزي إلى الفارسية. وحينما قرأه العلامة الطباطبائي قال: (هذه أهم رسالة قرأتها في عمري) وصار من عشاق (داو جينغ)»[123].

وقال قتيل الغنوصية دارا شكوه[124]: (استعصى عليّ فهم بعض رموز القرآن، لكن أمكنتني قراءة اوبانيشاد (من كتاب الفيدا البوذي) من حلّ هذه الرموز وأعانني ذلك على فهم القرآن)[125]. وهذا يعني ان الصوفية جعلت من القواعد الغنوصية هي المرجع لفهم الاسلام. وهذه حقيقة واضحة لكل من يتتبع الفكر الصوفي وتأثير الغنوصية على الفكر الاسلامي والعقيدة الاسلامية.

وقال نيكلسون: (وقد قيل عن ذي النون المصري – وله القدم الاولى في نمو الصوفية – إنّه فيلسوف وإنّه كيماوي ، ومعن ذلك أنه تتلمذ للعلم الهلينستي ، فإذا أضيف الى هذا أن اكثر ارائه تتفق وما نجد – مثلا – في كتابات ديونيسيوس ، جرّنا ذلك حتماً الى الجزم بأن الافلاطونية الحديثة قد صبّت على الاسلام صبغة من العنصر الصوفي عينه الذي صبغت به المسيحية من قبل ، وذلك محتمل جداً كما اثبت فيما سلف)[126].

وقال ايضاً: (والفكرة الصوفية في فناء النفس الذاتية في الوجود الكلي هي عندي – دون ريب – من أصل هندي ، ولعل ممثلها الاول العظيم ابو يزيد البسطامي الصوفي الفارسي قد تلقاها عن شيخه ابي علي السندي)[127].

وحول فكرة الفناء التي يتبجّح بها الصوفية ! نجد انها نفس مفهوم درجة الفناء عند البوذيين والتي تسمى عندهم ساماداهي (Samadhi) ، وكتب عدنان الموسوي تحت عنوان («السمادهي» في «اليوغا»): (نهاية الطريق حيث يلج المريد من خلال التأمل لجة السمادهي، إنها حالة فريدة لا يبلغها إلا المريد الدؤوب بعد أن يجتاز كل مراحل الهاثا يوغا السبعة، وهي حالة من اليقظة يكون فيها الجسد والجوراح في حالة من الراحة والاطمئنان كما لو كان المريد نائما في حين تكون ملكاته وقدراته العقلية وميزان السببية عنده في حالة من الحضور كما لو كان في تمام اليقظة، إنها حالة عصية على الفهم بل تتباين الكلمات في وصفها من شخص لآخر كلٌ حسب تجربته وقد وصفها أحد اليوغيين بأن السمادهي هي (حالة يتحد فيها العقل بالذات الحقيقية فينتج عن ذلك غبطة عظيمة) ولذلك يكون المريد في حالته تلك واعٍ ومتيقظ تماما بل ومتخطي حاجز الأنا فلا شعور عنده بالأنا وما يملك، كما تسترخي كل نشاطات الجسد والعقل كحال أشبه بالنوم العميق، إنها غاية المريد في اليوغا الحقيقية إلا أن الجنانا يوغا يذهبون إلى القول أن الوصول إلى الحقيقة أعظم من بلوغ حالة السمادهي وتبقى الأخيرة (السمادهي اليوغية) وإن بدت متقدمة جداً إلا أنها بالقطع دون الوصول إلى الحقيقة، فالأخيرة حال تتخطى الجسد والعقل والحواس وتعبر حاجز المكان والزمان، وقد عبر عنها أحد الفلاسفة واختزلها بقوله : عندما نزيل كل شيء تبقى الحقيقة، بمعنى أنك تستقر في فلك الحضرة الوجدانية على الدوام)[128].

ونجد ان هناك في العالم الغربي انتشاراً للمدارس الفلسفية والغنوصية ولا يقتصر الامر على المسلمين ، بل ويقال ان انتشارها في اوربا هو بتأثير الحركات الفلسفية والصوفية الاسلامية في الاندلس والمغرب العربي ولا سيما في القرون المتأخرة. فمن المتصوفة الاوربيين: جوهان أكهارت ، القديسة تريزا ، القديسة كاثرين ، رتشارد رول ، مارتن لنجز ، جيرار دي نرفال ، رينييه جينون ، فريسجوف شهيون ، ميشال فالسان (تقول الدكتورة فوزية العشماوي عنه[129] انه " إتجه الى طريقة جديدة في الصوفية مستلهما من إبن عربي وقد ساهم في ترجمة ونشر  أفكار وفلسفة إبن عربي في سلسلة أدبية فرنسية في باريس أطلق عليها " الطبعات القديمة " Editions traditionnelles ونشر فيها كثير من النصوص الأساسية من التراث الصوفي) ، ياكوب بوهيمه ، انغليوس سيلسيوس ، سوينبرغ ، وغيرهم.

وهذا يبين ان التصوف والعرفان هو "لغة غنوصية" يمكن اعتناقها خارج حدود الدين لتشمل جماعات بشرية مختلفة الفكر والدين وهي الى جانب الفلسفة تشكل جزءاً من الجاهلية الفكرية القديمة التي يراد احيائها لتكون بديلاً عن الاسلام المحمدي العظيم.

 

اوائـــل الصوفيّــــة:

ولاستكمال البحث نعرج الى تتبع بعض اوائل الصوفيّة والبحث في البيئة التي نشؤوا فيها والتي اثرت عليهم في زرع فكرة التصوف فيهم وكيفية انتقالها اليهم ومنهم الى المسلمين ، وسنجد ان اوائل المتصوفة هم من سكنة بلاد فارس ومصر ويعيشون في بيئة مشبّعة بالفكر الغنوصي الهندي والفارسي واليوناني والقبالة اليهودية. فمن رواد التصوف نذكر:

ـ ابو هاشم الصوفي ، وهو اول من ادخل الفكر الغنوصي الى المجتمع الاسلامي من خلال ارتباطه بأحد كبار اليهود في فلسطين مركز عقيدة القبالة الغنوصية اليهودية. قال الحر العاملي عنه: (واضع مذهب الصوفية ورد الطعن فيه من عدة طرق منها: ما رواه علي بن الحسين بن بابويه قمي في قرب الاسناد الذي صنفه عن سعد بن عبد الله عن محمد بن عبد الجبار عن العسكري (عليه السلام) انه قال: سُئِلَ الصادق (عليه السلام) عن حال ابي هاشم الكوفي الصوفي فقال: انه فاسد العقيدة جداً وهو الذي ابتدع مذهباً يقال له التصوف وجعله مفراً لعقيدته الخبيثة. ورواه ايضاً بسند خر وقال فيه وجعله مقراً لنفسه الخبيثة)[130]. وقد نقل الحر العاملي عن السيد ابو المعالي محمد بن احمد بن عبد الله الحسني في كتابه عن الاديان ما معناه (ذكر مذاهب الصوفية هؤلاء لهم اسماء متكثرة وبناء مذهبهم من ابي هاشم الكوفي تابع بني اميّة وفرقهم متعددة)[131]. فنص على انه تابع لبني امية أي على منهجهم. وضمن نفس السياق يقول الدكتور كامل مصطفى الشيبي: (وينقل عن كتاب أصول الديانات أنه "كان اموياً وجبرياً في الظاهر وباطنياً ودهرياً في الباطن وكان مراده من وضع هذا المذهب أن يثير الاضطراب في الاسلام". وينقل أن صاحب أصول الديانات يرى انه ورد عنه أحاديث كثيرة في الطعن على الائمة المعصومين ، ويرى "إنما سماه المشايخ بالصوفي بقطع النظر عن لبسه الصوف او عدمه")[132]. وقال حاجي خليفة: (ولما ادركهم اهل العصر الثاني سمي من صحب الصحابة بالتابعين ثم اختلف الناس وتباينت المراتب فقيل لخواص الناس ممن لهم شدّة عناية بأمر الدين الزهّاد والعبّاد ثم ظهرت البدعة وحصل التداعي بين الفرق فكل فريق ادعوا ان فيهم زهاداً فانفرد اهل السنّة المراعون انفسهم مع الله سبحانه وتعالى الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة بأسم التصوّف واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الاكابر قبل المائتين من الهجرة. انتهى. وأول من سمّي بالصوفي ابو هاشم الصوفي المتوفي سنة 150 خمسين ومائة. واعلم ان الاشراقيين من الحكماء الالهيين كالصوفيين في المشرب والاصطلاح خصوصاً المتأخرين منهم الا ما يخالف مذهبهم مذهب اهل الاسلام ولا يبعد ان يؤخذ هذا الاصطلاح من اصطلاحهم كما لا يخفى على من تتبع كتب حكمة الاشراق)[133]. فالظاهر من هذه النصوص ان ابا هاشم الصوفي كان من الصوفية الغنوصية بدلالة ما نُسِبَ اليه من كونه كان دهرياً باطناً. كما ان ولائه الاموي يؤكد ما ذكرناه في المقدمة من انَّ بني اميّة كانوا يسعون لنشر الافكار الهدّامة في المجتمع الاسلامي وبإعادة الجاهلية ونشر القيم والعقائد المتقاطعة مع الاسلام المحمدي الاصيل. كما ان شدة التصاق الصوفية الغنوصية بالصوفية الاسلامية وتناغمها في استعمال الدواتها الظاهرية كالزهد وإظهار العبادة جعل شخصاً مثل سفيان الثوري الذي كان يقول عن المعافى بن عمران الموصلي انه ياقوتة العلماء[134] – كما سيمرّ بعد قليل – ينخدع بابي هاشم الصوفي وما يظهره من زهد وتعبّد حتى ينقل انه قال فيه: (لولا ابو هاشم الصوفي ما عرفتُ دقيق الرياء) ، وقوله: (ما علمتُ معنى الصوفيّ حت رأيت أبا هاشم الصوفيِّ)[135] ، وهذا يكشف ان لفظ (الصوفي) غير مرتبط بارتداء الصوف بل بشيء آخر هو ما نراه لفظ (Sofi) اليوناني بمعنى الحكمة ، وهذا ما عرفه سفيان الثوري وتعلمه من ابي هاشم الصوفي. وهذا يؤكد ان ابا هاشم الصوفي لم يكن يرتدي الصوف بل هو ينتمي للتصوف الغنوصي الذي ذكرنا ان اتباعه لم يكونوا يرتدون الصوف بخلاف "تصوف الزهد" المرائي المذموم الذي اشتهر اتباعه بارتداء الصوف وإظهار الزهد والتعبّد. ويؤيد هذا قول الجامي في نفحات الانس وهو يتحدث عنه: (ومن قبله كان الزهاد والمتورعون والمتوكلون والمحبون لله ، لكن اول من سُمّي بالصوفي ابو هاشم الصوفي وما سُمّي أحد بهذا الاسم قبله. وكذا اول ابتداء بناء الخانقاه للصوفية الكرام لأجله في رملة الشام)[136]. ويورد الجامي رواية التقاء ابو هاشم بيهودي اطلق عليه لقب (سلطان الرملة) وانه هو مَنْ بنى اول خانقاه للصوفية لأجل ابي هاشم ، ومن هذه القصة قد يتضح انه ربما كان ذلك اليهودي (سلطان الرملة) احد كبراء اليهود في تلك الناحية وربما كان من طائفة القبالة (Cabalism) اليهودية الغنوصية التي نشأت في فلسطين ، ومنه انتقلت الغنوصية الى ابي هاشم الصوفي ومن ثم تغلغلت في المجتمع الاسلامي تحت غطاء الزهد والتعبّد والورع. ويقوي غنوصية عقيدة ابو هاشم الصوفي ما نقله الدكتور كامل مصطفى الشيبي عن (طرائق الحقائق) من انه كان يقول بالحلول والاتحاد[137]. وأيضاً نسبه الى هذا القول صاحب حديقة الشيعة قال عنه: (انه كان يلبس ثياباً خشنة من الصوف كالرهبان ويقول بالحلول والاتحاد لنفسه كالنصارى في عيسى عليه السلام ، وكان في الظاهر أموياً جبرياً وفي الباطن ملحداً دهرياً ، والطائفة التي ينتسب اليها تسمّى صوفية سواء لبست الصوف أو لم تلبسه) الى ان يقول: (وكان غرض هذا الملعون من وضع مذهب التصوّف هدم مذهب الاسلام ، وقد ورد من الائمة (عليهم السلام) احاديث في طعنه)[138].

ـ عبدك الصوفي ، نقرأ عنه في معجم الفلاسفة: (صوفي من بغداد توفي سنة 210هـ / 825م ، كان اول من تسمى بهذه الصفة فقيل: عبدك الصوفي)[139]. واسم عبدك هو (عبد الكريم)[140]. وقال اسحاق بن داود: أول من سمّي ببغداد (صوفي) عبدك الصوفي ، وكان من اورع المشايخ وأهيبهم ، وكان عبدك من اصحاب معافى بن عمران[141] وهو المعافى بن عمران الازدي الفهمي فقيه أهل الموصل وزاهدهم وعابدهم وورعهم[142]، والذي كان سفيان الثوري يسميه ياقوتة العلماء[143]، وسفيان الثوري (97- 161)هـ هو من مشايخ المعافى بن عمران وكان بشر الحافي من تلاميذ المعافى المذكور[144]. ومن خلال ذلك يتضح ان عبدك الصوفي يصطف الى جانب سفيان الثوري وبشر الحافي في انتمائهم الى "تصوف الزهد" المرائي المذموم وليس التصوف الغنوصي الفاسد العقيدة !

وهناك رأي غريب يقول (اما صيغة الجمع "الصوفية" التي ظهرت عام 199هـ (814م) في خبر فتنة قامت بالاسكندرية فكانت تدل – قرابة ذلك العهد فيما يراه المحاسبي والجاحظ – على مذهب من مذاهب التصوف الاسلامي يكاد يكون شيعياً نشأ في الكوفة ، وكان عبْدَك الصوفي آخر أئمته وهو من القائلين بأن الامامة بالتعيين ، وكان لا يأكل اللحم وتوفي ببغداد حوالي عام 210هـ (825م). وإذن فكلمة "صوفي" كانت اول امرها مقصورة على الكوفة)[145]. وقد رأينا انه لا علاقة واضحة بين عبدك الصوفي والكوفة ، فإسحاق بن داود يقول ان اول من سمّي ببغداد (صوفي) هو عبدك الصوفي ، كما انه من اصحاب المعافى بن عمران فقيه اهل الموصل ، فليست هناك ما يدل على ارتباط لعبدك الصوفي بالكوفة ولا بفتنة الاسكندرية سنة 199هـ ! ولا هو كان اماماً لجماعة معروفة ! ومن هذا يتبين تهافت العديد من الآراء التي تحاول البحث في اصل التصوف وبداية ظهوره !

إذن عبدك الصوفي لا ينتمي للتصوف الغنوصي الذي نبحث في بيئة نشوءه وتغلغله في المجتمع الاسلامي ، وإنما ذكرناه لنميزه عمن سواه ولكي لا ينخدع القاريء ببعض البحوث والكتب والاقوال التي تحاول تجميل التصوّف الغنوصي او تغيير صورته الحقيقية.

ـ جابر بن حيان الصوفي: لم يرد ذكره في كتاب (نفحات الانس من حضرات القدس) لعبد الرحمن الجامي رغم انه ذكر تراجم (200) شخصية صوفية ، ولا في كتاب طبقات الصوفية لأبي عبد الرحمن السلمي ، ورغم اننا بيّنا في موضع آخر من بحثنا هذا ان كتاب طبقات الصوفية لم يستوعب جميع الصوفية ، إلا انه من المستبعد ان يهمل ذكر شخصية شهيرة كجابر بن حيان لو كان فعلاً من المنتمين لعالم التصوّف !

غير ان علي بن يوسف القفطي في تاريخ الحكماء قال: جابر بن حيان الصوفي الكوفي كان متقدماً في العلوم الطبيعية بارعاً منها في صناعة الكيمياء وله فيها تواليف كثيرة ومصنفات مشهورة وكان مع هذا مشرفاً عل كثير من علوم الفلسفة ومتقلداً للعلم المعروف بعلم الباطن وهو مذهب المتصوفين من أهل الاسلام كالحارث بن اسد المحاسبي وسهل بن عبد الله التستري ونظرائهم[146].

وفي كتاب (معالم العلماء) لإبن شهراشوب المتوفى حوالي 588هـ يقول أن (احمد بن محمد بن عبيد الله بن سليمان ابو عبد الله الجوهري) له عدة كتب منها كتاب اسمه (اخبار جابر بن حيان بن يزيد الجعفي)[147] ! والظاهر انه خلط بين اسم (جابر بن يزيد الجعفي) من اصحاب الامامين الباقر والصادق (عليهما السلام) مع اسم جابر بن حيان !

وقال السيد الخوئي (رض) : (جابر بن حيان الصوفي الطرسوسي ، ابو موسى من مشاهير أصحابنا القدماء ، كان عالماً بالفنون الغريبة وله مؤلفات كثيرة أخذها من الصادق عليه السلام ، وقد تعجب غير واحد من عدم تعرض الشيخ والنجاشي لترجمته)[148]. ولكنه (اعلى الله مقامه الشريف) لم يبين مستنده في اعتبار جابر بن حيان (من مشاهير اصحابنا القدماء) ، كما انه لا يوجد في كتب الشيعية الامامية المعتبرة اي رواية في سندها جابر بن حيان ، وهناك رواية واحدة يرويها العلامة المجلسي (رض) عن كتاب اطلق عليه اسم (الطب) ! وتلك الرواية تتحدث عن مراسلة جابر بن حيان للامام الصادق (عليه السلام) أي انها لا تتحدث عن لقاء مباشر للامام الصادق (عليه السلام) مع جابر بن حيان ، ونصها: (الطب: عن جعفر بن جابر الطائي عن موسى بن عمر بن يزيد عن عمر بن يزيد قال كتب جابر بن حيان الصوفي الى ابي عبد الله عليه السلام فقال: يا ابن رسول الله ، منعتني ريح شابكة شبكت بين قرني الى قدمي فادع الله لي. فدعا له وكتب إليه: (عليك بسعوط العنبر والزئبق عل الريق تعافي منها إنشاء الله. ففعل ذلك فكأنما نشط من عقال)[149]، وقال الشيخ محمد باقر البهبودي معلقاً على ورود اسم جابر بن حيان في الرواية في هامش نفس الصفحة: (في بعض النسخ: جابر بن حسّان)! والملفت للنظر ان هذه الرواية تخص الطب وليس الكيمياء التي زعموا ان جابر بن حيان تعلمها من الامام الصادق (عليه السلام)! وللبحث عن (كتاب الطب) الذي نقل العلامة المجلسي (رض) روايته المذكورة عنه، نقرأ في موضع آخر من كتابه بحار الانوار وهو يذكر مصادر كتابه، ففيما يخص كتاب (الطب) يذكر كتاب طب الائمة (عليهم السلام) لأبي عتاب عبد الله بن بسطام بن سابور الزيات واخيه الحسين بن بسطام ذكرهما النجاشي من غير توثيق وذكر ان لهما كتاباً جمعاه في الطب[150]، وذكر ايضاً (كتاب طب النبي (صل الله عليه وآله) وإن كان أكثر أخباره من طرق المخالفين لكنه مشهور متداول بين علمائنا ، قال نصير الملة والدين الطوسي في كتاب آداب المتعلمين: "ولا بد من ان يتعلم شيئاً من الطب ويتبرك بالآثار الواردة في الطب الذي جمعه الشيخ الامام ابو العباس المستغفري في كتابه المسمى بطب النبي (صلى الله عليه وآله) )[151]. والظاهر ان رواية مكاتبة جابر بن حيان مصدرها كتاب طب الائمة (عليهم السلام) لأبني بسطام ، ويؤيد هذا ما جاء في اعيان الشيعة قوله: (وقد روى الحسين بن بسطام بن سابور واخوه ابو عتاب او غياب عبد الله بن بسطام بن سابور الزيات عن جابر بن حيان عن الامام الصادق عليه السلام في كتابهما المعروف بطب الائمة)[152]، والظاهر انها نفس رواية البحار اذ لا توجد سواها ! وقد راجعت كتاب طب الائمة (عليهم السلام) لأبني بسطام فوجدت ان الرواية المشار اليها انما يرويها (جابر بن حسان الصوفي) عن الامام الصادق (عليه السلام)[153] !! ، وكذلك ذكرها السيد البروجردي (رض) في كتابه (جامع احاديث الشيعة) حيث نقلها عن كتاب طب الائمة (عليهم السلام) المذكور وذكر في الرواية (جابر بن حسان الصوفي)[154]. وأيضا هناك كتاب بالفارسي اسمه (الطب الكبير يا فرشته نجات) يقول مؤلفه محمد سرور الدين: (ورم دردناك: جابر بن حسان الصوفي بعرض رسانيد كه بادى در بدن من افتاده وميان فرق تا قدم من ميدود ، برايش نوشت از جيوه وعنبر شافي درست كن با استعمالش شفا خواهي يافت)[155]، وورد فيه اسم (جابر بن حسان الصوفي) ، وكذلك في كتاب (مكاتيب الائمة عليهم السلام) ذكر نفس الرواية السابقة ولكن فيها اسم (جابر بن حسان الصوفي) وفي الهامش اشارة الى انه في بعض النسخ (جابر بن حيان)[156] !

ويضاف لما سبق اننا قد عرفنا ان ابني بسطام المذكورين هما مجهولا الحال فعلى أية حال الرواية ضعيفة فكيف يمكن اعتبارها.

وذكر ابن النديم: (اسماء الفلاسفة الذين تكلموا في الصنعة ، وهم: هرمس ، اغاذيمون ، انطوس ، ملينوس ، افلاطن ، ذيسموس ، اسطوس ، هرقل. بوروس ، مارية ، دساورس ، افراغسرس ، اسطفانس ، اسكندروس ، كيماس ، جاماساب ، دراسطوس ، ارخلاوس ـ مرقونس ، سنقحا ، سيماس ، روسم ، فورس ، سعورس ، تالاوس ، مويانس ، سفدس ، مهدارس ، فرناوانس ، مسطيوس ، كاهن ارطي ، آرس القس ، خالد بن يزيد ، اصطفن ، حربي ، جابر بن حيان ، يحيى بن خالد بن برمك ، خاطف الهذلي ، الامونحي ، ذو النون المصري ، سالم بن فروخ ، أبو عيسى الاعور ، الحسن بن قدامه ، ابو قران ، البوني ، سحاوه ، الرازي ، السائح العلوي ، ابن وحشية ، العزاقري)[157]. تصوروا ان يتم حشر اسم الامام جعفر الصادق (عليه السلام) كاستاذ لجابر بن حيان يعلمه الكيمياء (الخيمياء) او الصنعة كما كانوا يسمونها وكما سماها ابن النديم !! فيصطف بذلك جابر بن حيان أي بفضل تلمذته المزعومة للامام الصادق (عليه السلام) الى جانب هؤلاء الذين بعضهم فلاسفة وبعضهم قساوسة وبعضهم كهنة وبعضهم صوفيون غنوصيون!! بل وبعضهم معروفون بالسحر والشعوذة والعزائم كأبن وحشية المذكور[158]!! وبعضهم من الكذابين الذين ادّعوا ما ليس لهم كابن العزاقري المعروف ايضاً بأسم الشلمغاني.

ربما كانت هناك مؤامرة لتشويه الصورة العامة للامام جعفر الصادق (عليه السلام) في المجتمع الاسلامي من خلال ربطه بالخيمياء والزجر والفأل والعلوم الباطنية الغنوصية!

وفعلاً فإن الصاق اسم جابر بن حيان بأسم الامام جعفر الصادق (عليه السلام) دفع البعض لتشويه الصورة العظيمة لإمام العالمين جعفر الصادق (عليه السلام) كما نقرأ في ترجمته التي كتبها اليان سركيس في كتابه (معجم المطبوعات العربية) حيث قال: (احد الائمة الاثني عشر على مذهب الامامية وكان من سادات أهل البيت ولقب بالصادق لصدقه في مقالته. له كلام في صنعة الكيميا والزجر والفأل وكان تلميذه ابو موسى جابر بن حيان قد ألّف كتاباً يشتمل عل ألف ورقة تتضمن رسائل جعفر الصادق ، توفي بالمدينة ودفن بالبقيع)[159]. وهكذا اختصر عظمة علوم الامام الصادق (عليه السلام) بالكيمياء والفأل والزجر ! فلم يذكره لا بعقيدة ولا بفقه !! سالبين عنه دوره الامامي العظيم الذي نصبه الله سبحانه وتعالى فيه !

ويقوي ما ذهبنا اليه آنفاً ما في روضات الجنات: ابو موس جابر بن حيان الصوفي الطرسوسي كان من مشاهير قدماء العلماء بالأفانين الغريبة من الكيمياء والليمياء والهيمياء والسيمياء والريمياء وسائر علوم السر والجفر الجامع وأمثال ذلك[160].

واستكمالا لفهم معنى الكيمياء وهدفها في ذلك الوقت نقرأ ما كتبه د. راغب السرجاني حيث يقول: (وقد جاء في (لسان العرب) لابن منظور أن الكيمياء كلمة عربية مشتقة من كَمَى الشيء وتكمَّاه: أي ستره، وكَمَى الشهادة يكميها كميًا وأكماها: أي كتمها وقمعها. وقد فسَّرها أبو عبد الله محمد الخوارزمي (ت 387هـ) في كتابه (مفاتيح العلوم) بقوله: "إن اسم هذه الصنعة كيمياء، وهو عربي، واشتقاقه من كمى ويكمي: أي ستر وأخفى"، وهذا يتفق مع ما ذهب إليه الرازي حين سمَّى كتابيه في الكيمياء "الأسرار" و"سر الأسرار") ، ثم يقول: (إذا كنا قد ذكرنا أن علم الكيمياء علمٌ إسلاميٌّ اسمًا وفعلاً، فلا ينفي هذا وجود ما كان يُسمَّى "الخيمياء"، وهي ذلك الفن القديم الذي قال البعض بنشوئه في مصر، وقال آخرون في الصين (القرن الثالث أو الخامس ق.م)، وكان أيضًا عند اليونان والسريان في حضارتهم. ولكن الحقيقة أن الخيمياء اليونانية والسريانية لم تكن ذات قيمة، ولم يكن لها علاقة بالكيمياء الحديثة، ولا بالتفكير العلمي على الإطلاق؛ حيث اعتمد الإغريق والسريان آنذاك على الفرضيات والتحليلات الفكرية؛ إذ إن الخيمياء تلجأ إلى الرؤية الوجدانية في تعليل الظواهر والخوارق في التفسير وترتبط بالسحر، وهو ما سمّاه المسلمون (علم الصنعة)، وهو الذي كان يسعى منذ قديم الزمن إلى بلوغ هدفين بعيدين:

الأول: تحويل المعادن الخسيسة، كالحديد والنحاس والرصاص والقصدير إلى معادن نفيسة، كالذهب والفضة من خلال التوصل إلى حجر الفلاسفة.

والثاني: تحضير إكسير الحياة ليكون بمنزلة علاج يقضي على متاعب الإنسان، وما يصيبه من آفات وأمراض، ويطيل حياته وحياة الكائنات الحية الأخرى).

(أن المجمع عليه أن خالد بن يزيد ابن معاوية الأموي (ت 85هـ/ 704م) كان مُبتدَأ الاهتمام بهذا العلم من المسلمين، وهو الذي كان مرشحًا للخلافة، فلمّا لم ينلها صرف همَّه من السياسة إلى العلم؛ وروي أنه كلَّف بعض الأقباط المتحدثين بالعربية مثل: مريانوس، وشمعون، وإسطفان الإسكندري بجمع بعض المباحث الكيماوية الموجودة بالإسكندرية ونقلها إلى العربية. وبهذا وصلت الخيمياء بمفهومها الخاطئ إلى المسلمين، مع ما تخللها مما كُتِبَ فيها من الأضاليل والطلاسم والأوهام، وكان هدفها آنذاك تحقيق غايات وهمية لا تمتُّ إلى الكيمياء الحقيقية بصلة؛ إذ إن الأخيرة ترتكز على قواعد وقوانين علمية)[161]. وهذا النص يؤكد ما سبق لنا ذكره وهو ان بني امية كانوا هم وراء انتشار الغنوصية في المجتمع الاسلامي تحت غطاء الزهد! فهذا "الزاهد في الخلافة" خالد بن يزيد الاموي ينشر العلوم الباطنية الغنوصية ويحرص عل ترجمة كتبها الى العربية ، واصبح اسم الكيمياء (الخيمياء) مرتبطاً بالاضاليل والطلاسم والاوهام والسعي لتحقيق اهداف وهمية من قبيل تحويل المعادن الى ذهب والحصول على إكسير الحياة أي الشباب الدائم !! ثم بعد ذلك يأتي خصوم آل البيت الاطهار (عليهم السلام) ليلصقوا هذه الاوهام والاباطيل والاهداف الموهومة بالامام جعفر الصادق (عليه السلام) من خلال مزاعم تعليمه الكيمياء لجابر بن حيان الذي لم يذكر احد من المؤرخين انه ذهب الى المدينة المنورة ليستقي علم الكيمياء (الخيمياء) من الامام الصادق (عليه السلام) كما لم يذكر احد منهم ان الامام الصادق (عليه السلام) قد ذهباً يوماً الى الكوفة ليعطي دروسه فيها وليلتقي هناك بجابر بن حيان الكوفي ! فأين كان لقائهما والتلمذة المزعومة ؟!

 

ونعود الى ابن النديم (متوفى 384هـ) لنجدهُ يقول عن جابر بن حيان: (هو (ابو موسى عامي) ابو عبد الله جابر بن حيان بن عبد الله الكوفي المعروف بالصوفي. اختلف الناس في امره ، فقالت الشيعة انه من كبارهم ، واحد الابواب ، وزعموا أنه كان صاحب جعفر الصادق عليه السلام. وكان من اهل الكوفة. وزعم قوم من الفلاسفة انه منهم. وله في (كتب) المنطق والفلسفة مصنفات. وزعم أهل صناعة الذهب والفضة أن الرياسة انتهت إليه في عصره ، وان امره كان مكتوماً ، وزعموا انه كان يتنقل في البلدان لا يستقر به بلد خوفاً من السلطان عل نفسه. وقيل إنه كان في جملة البرامكة ومنقطعاً اليها ، ومتحققاً بجعفر بن يحيى. فمن زعم هذا قال إنه عني بسيده جعفر هو  البرمكي ، وقالت الشيعة انما عني جعفر الصادق)[162]. فيظهر من هذا النص ان الشك في تلمذة جابر بن حيان للامام الصادق (عليه السلام) قديم منذ القرن الرابع الهجري.

وقال حاجي خليفة (أول من تكلم في علم الكيمياء ووضع فيها الكتب وبين صنعة الاكسير والميزان ونظر في كتب الفلاسفة من أهل الاسلام خالد بن يزيد بن معاوية بن ابي سفيان ، واول من اشتهر هذا العلم عنه جابر بن حيان الصوفي من تلامذة خالد كما قيل:

حكمة اورثناها ؟؟ جابر ... عن امام صادق القول وفي

لوصي طاب في تربته ... فهو كالمسك تراب النجف

وذلك لأنه وفى لعلي واعترف له بالخلافة وترك الامارة)[163] ! ولكن دعوى تركه الامارة قد لا تصح فخالد بن يزيد بن معاوية هو الذي كان ولي العهد لمروان بن الحكم حينما بويع على الخلافة ثم نكث مروان فأزاحه عن ولاية العهد وجعلها لولديه عبد الملك وعبد العزيز[164]. وكان خالد بن يزيد يقول عن نفسه: (عنيت بجمع الكتب فما أنا من العلماء ولا من الجهال)[165] أي يمكن ان نصفه بتعابيرنا المعاصرة انه كان من المثقفين في صنعة الكيمياء بعدما اهتم بها وعمل على ترجمة الكتب المختصة بها الى العربية، بل وقيل ان له مؤلفات هي: (السر البديع في فك رمز المنيع في علم الكاف، فردوس الحكمة في علم الكيمياء منظومة، كتاب الحرارات، كتاب الرحمة في الكيمياء ، كتاب الصحيفة الصغير، كتاب الصحيفة الكبير، مقالتا ميريانس الراهب في الكيمياء، وصيته الى ابنه في الصنعة)[166]. ولعلها كتب ترجمت فنسبت اليه. وانما ذكرنا ما ذكرناه عن خالد بن يزيد بن معاوية لنوضح البيئة الفكرية والعلمية التي كانت سائدة في تلك الفترة والتي ساعدت على نمو العلوم والافكار الغنوصية في المجتمع الاسلامي.

ويقول الدكتور احمد فؤاد الاهواني نقلاً عن هولميارد ان المصدر الذي استقى منه جابر علومه في الكيمياء وهو الافلاطونية الحديثة كانت تتجه نحواً صوفياً وعن هذا الطريق تأثر بالتصوّف. ومن الغريب ان ذا النون المصري يذكر ايضاً انه كان يجمع بين الصنعة والتصوّف ، بدأ بالكيمياء ثم عدل عنها الى النزعة الصوفية[167].

والظاهر ان جابر بن حيان قد استفاد من تشيّعه فهو ينتمي الى عائلة شيعية دفعت ثمن تشيعها حيث قتلت السلطة الاموية والده لكونه شيعياً من الناشطين في الدعوة ضدهم تحت شعار اعادة السلطة الى آل البيت الاطهار (عليهم السلام) والتي تحولت بعد ذلك الى الدعوة العباسية بعد استيلاء اولاد محمد بن علي بن عبد الله بن العباس عليها وتأسيسهم الدولة العباسية ، فجمع جابر بين التشيّع والتصوّف ، ولكن لا نعرف على وجه الدقة هل كان جابر بن حيان شيعياً إمامياً ام اسماعيلياً ولا سيما ان اسمه لم يرد في اية رواية سوى واحدة ضعيفة السند ويتيمة ولا علاقة لها بالتصوف ولا بالكيمياء الذي اشتهر به !! مما يقوي احتمال ان المقصود هو شخص آخر يدعى جابر بن حسان كما ورد في بعض النسخ ، وقد مرّ تفصيل هذا آنفاً.

كان جابر يذكر استاذه في كتبه بالعبارات التالية: (مولانا عليه السلام)[168] ، وفي مواضع آخر: (سيدي جعفر)[169]، و(سيدي)[170] ! فهو لم يصرّح بأسم استاذه سوى أنَّ اسمه (جعفر) ! ولذلك ذهب البعض الى القول انه جعفر البرمكي وليس الامام جعفر الصادق (عليه السلام) لما عُرِفَ عن والده يحيى بن خالد بن برمك من اشتغال بالكيمياء والصنعة مما يحتمل ان جعفر البرمكي تعلمها عن والده !

كتب هنري كوربان: (واذا كنا نذكر ان الاسماعيلية تكونت في البدء مع اتباع الامام اسماعيل ابن الامام جعفر فإنَّ الصلات بين جابر والاسماعيلية وبين جابر والامام جعفر تظهر لنا على وجهها الحقيقي. واذا كانت السيرة المتلاحمة لحياة جابر ، التي استخلصها الكيميائي "الجلدكي" من مجمل المصنفات الجابرية ، تؤكد ان هناك بالفعل رجلاً يدع جابر بن حيان وانه كان كيميائياً وتلميذاً للامام السادس – اي الامام جعفر الصادق (عليه السلام) - ومن اتباع الامام الثامن علي الرضا ، وانه مات في طوس (في خراسان) في العام 200هـ/ 804م ، فانه لم يعد هناك سبب وجيه لانكار ذلك)[171]. وهذا النص هو النص الوحيد الذي عثرت عليه والذي يربط بين جابر بن حيان وبين الامام علي الرضا (عليه السلام) وينسب ذلك الربط للجلدكي ! ولم اعثر عل نص آخر بهذا الخصوص ! وهذا النص يرد على البعض الذين يذهبون للقول ان جابر بن حيان شخصية وهمية اسطورية ! كما ان هذا النص يضطرب فتارة يعد جابر بن حيان من الاسماعيلية وتارة ينسبه لاتباع الامام الرضا (عليه السلام) اي انه من الشيعة الامامية ! ويقول في موضع آخر: (يهتم جابر بنوع خاص بـ "ميزان الحروف" هذا في رسالة له بعنوان "كتاب المجيد" هذه الرسالة بالرغم من كونها عويصة الفهم الا انها تفصح لنا عن الروابط بين مذهب جابر الكيميائي و"الغنوص" الاسماعيلي ، لا بل انها قد تؤدي بنا الى معرفة سر شخصية جابر)[172].

وربما اصبحت تلمذة جابر بن حيان على الامام جعفر الصادق (عليه السلام) من المسلمات التاريخية عند البعض فلنا ان نتسائل اين تمت تلك التلمذة ؟! يقول الدكتور جابر الشكري: (ولما استولى العباسيون على الخلافة سنة 749هـ رجع جابر الى الكوفة وانخرط في حلقات التعليم التي كان يعرضا الامام جعفر الصادق ، ثم اتصل به ولازمه ، ودرس عل يده بعض علوم الفقه والدين ، ثم دخل مدخل الصوفيين ومال الى الصوفية ولذلك لقب بالصوفي. ذكرنا ان الامام جعفر الصادق كان ثاني من تكلم في علم الكيمياء ، ويظهر ان اتصال جابر بالامام جعفر الصادق وملازمته له واحترامه لسيده ، كما كان ينعته "سيدي جعفر" وكذلك اطلاعه على الكيمياء التي عمل بها ، قد اثار في نفسه حب هذا العلم)[173]. ولكن الذي يتعارض مع ما جاء في هذا النص ان الامام جعفر الصادق (عليه السلام) كان يعقد حلقات درسه في المدينة المنوّرة وليس في الكوفة ، فأين التقى بجابر بن حيان ؟

ثم ان هناك سؤال آخر وهو: ما هي الآثار الصوفية التي انتجها جابر بن حيان ليصح ان يقال له (الصوفي) ، وهل ان النتاجات الغنوصية التي صدرت عنه تؤهله لحمل لقب الصوفي بنفس ما هو متعارف عند الآخرين الذين حملوا نفس اللقب؟! فربما يكون لقب (الصوفي) الذي يحمله له سبب آخر غير ان يكون من الصوفية؟ كأن تكون مهنته التي يعتاش عليها هي بيع الصوف او هو لقب لوالده او احد اجداده او اي سبب آخر! فإذا كان اشهر ما انتجه جابر بن حيان هو صنعة الكيمياء فما علاقتها بلقب (الصوفي) سوى انها جزء من العلوم الخمسة الباطنية (الخيمياء (الكيمياء) ، والهيمياء (الطلاسم) ، والسيمياء (السحر) ، والليمياء (التسخير) ، والريمياء (الشعوذة) ). وبذلك تكون الكيمياء من العلوم المذمومة في تلك العصور ، ولذلك نجد ان شخصاً مثل الذهبي يذهب الى تحريم الكيمياء ضمن جملة من المحرمات ، حيث يقول: (والعلم الذي يحرم تعلمه ونشره علوم الاوائل وإلهيات الفلاسفة وبعض رياضتهم بل أكثره ، وعلم السحر ، والسيمياء ، والكيمياء ، والشعبذة ، والحيل ، ونشر الاحاديث الموضوعة ) إلخ[174].

ومن خلال مطالعة المؤلفات المنسوبة لجابر بن حيان نجد ان بعض ما ورد فيها لا يمكن قبوله من الناحية الدينية ولذلك يستبعد ان لجابر بن حيان علاقة تلمذة مباشرة للامام الصادق (عليه السلام) اللهم الا بنفس نحو تلمذة ابو حنيفة للامام الصادق (عليه السلام) حيث لم يستفد منه الا مخالفته ! فقد قال جابر بن حيان في "كتاب البحث" وهو مخطوط ، أن الشرع الاول إنما هو للفلاسفة فقط إذ كان اكثر الفلاسفة أنبياء كنوح وإدريس وفيثاغورس وثاليس القديم وعلى مثل ذلك الى الاسكندر. ثم بعد ذلك فإن الشرع إنما خُلّد ونزل في النصارى وفي الاسلام من بعد ، واما الصابئة والمجوس فإنهم قوم من فروع الفلاسفة اخيراً ، وذلك ان الصابئة من التهامية عل جنس عبادة الكواكب وليس كالتهامية ، واما المجوس فمن لدن افلاطون في عبادة النار وذلك ان افلاطون طرق لهم هذا الطريق إذ قال: إن العالم كائن من النار والارض ، فقال في موضع آخر: من الشمس والمركز ، فأخذ ذلك زرادشت ووضع لهم فيه أصلهم الذي هم عليه ، فأما اليهود فإنهم قوم عروا من الدين وهم لا يشكون أنهم متمسكون بالتوراة وإنهم لفيث عدول عنها ومخالفة لها[175] !

ـ الفضيل بن عياض ، خراساني من ناحية مرو من قرية يقال لها فندين ، ولد بسمرقند – ببلاد فارس - ونشأ بأبيورد من بلاد التركستان. توفي سنة 187هـ[176].

ـ ذو النون المصري ، وهو ذو النون بن ابراهيم الاخميمي المصري مولى لقريش وكان ابوه ابراهيم نوبياً. ولد سنة 179 هـ الموافق 796م وتوفي سنة 245 هـ الموافق 859م. وكتب فارس سعد في صحيفة العرب العدد: 9672 بتاريخ 07/09/2014 تحت عنوان (ذو النون المصري متصوف يحل رموز الهيروغليفية) جاء فيه: (في بحث لعكاشة الدالي وهو عالم عربي مصري يعمل محاضرا في جامعات لندن ومتحف بيتري في إنكلترا يقول إن أيوب ابن مسلمة والصوفي ذو النون المصري وجابر بن حيان وأبو بكر بن وحشية وأبو القاسم العراقي ساهموا في فك طلاسم الخطوط المصرية قبل وصول الحملة الفرنسية إلى أرض مصر عام 1789 بألف سنة على الأقل، وكان ذو النون يفهم معانيها وينقل ما فيها من أفكار إلى الناس). وكتبت ايمان كمال مصطفى المهداوي في بحثها الموسوم (الصورة الشعرية في شعر ذي النون المصري) ما نصّه: (كل الذين ترجموا له اثبتوا انه كان من العلماء الحاذقين المشتغلين بصناعة الكيمياء ومن الحاذقين باللغة السريانية ، فضلاً عن كونه زاهداً حكيماً سلك طريقاً خاصاً ، واتخذ في الدين سيرة خاصة ، كان من المعنيين بحل رموز البرابي في اخميم ، وهو الذي غرس بذور التصوف في مصر ، ويعد اول من تكلم من الصوفية في علم المقامات والاحوال ، وهو من الشعراء الذين كتبوا اشعاراً وقصائد ومنظومات في علم الصنعة او علم الكيمياء او التدبير والحكمة وهو الذي ادخل الآراء الفلسفية والرموز الى هذا اللون الشعري). والبرابي الوارد ذكرها آنفاً هي كما اخبر عنها ياقوت الحموي (أبنيه عجيبة فيها تماثيل وصور، واختلف في بانيها، والأكثر الأشهر أنها بنيت في أيام الملكة دلوكه، صاحبة حائط العجوز، وقد ذكرت ما بلغني من خبرها، وكيفيه بنائها، والسبب فيه في البرابي من هذا الكتاب، وهو بناء مسقف بسقف واحد، وهو عظيم السعه، مفرطها، وفيه طاقات ومداخل، وفي جدرانه صور كثيره، منها صور الآدميين، وحيوان مختلف، منه ما يعرف، ومنه ما لا يعرف، وفي تلك الصور، صوره رجل لم ير أعظم منه، ولا أبهى، ولا أنبل، وفيها كتابات كثيره، لا يعلم أحد المراد بها، ولا يدرى ما هي، والله أعلم بها). وقال القفطي: (ذو النون بن ابراهيم الاخميمي المصري ، من طبقة جابر بن حيان في انتحال صناعة الكيمياء ، وتقلد علم الباطن والاشراف على كثير من علوم الفلسفة. وكان كثير الملازمة لبربا بلدة إخميم ، فإنها بيت من بيوت الحكمة القديمة وفيها التصاوير العجيبة والمثالات الغريبة التي تزيد المؤمن إيماناً والكافر طغياناً).

فالظاهر ان ذا النون المصري كان قد اخذ التصوف الغنوصي من المؤلفات الغنوصية القديمة المكتوبة بالهيروغليفية والسريانية بالاضافة الى استاذته المشرقية فَاطِمَة النيسابورية وهي أحد أعلام التصوف السني وكانت من قدماء نساء خراسان قال عنها أبو عبد الرحمن السلمي أنّها: (من العارفات الكبار، لم يكن فِي زمانها فِي النِّسَاء مثلهَا) كما أثنى عليها أبو يزيد البسطامي وقال عنها (مَا رَأَيْت فِي عمري إِلَّا رجلا وَامْرَأَة فالمرأة كَانَت فَاطِمَة النيسابورية مَا أخْبرتهَا عَن مقَام من المقامات إِلَّا وَكَانَ الْخَبَر لَهَا عيَانًا)، ووصفها ذو النون المصري بأنها: (وليّة من أَوْلِيَاء الله عز وَجل وَهِي أستاذي) ، وقد سكنت مكة وتُوفيت فيها سنة 223 هـ.

ويروي في حلية الاولياء عن ذو النون المصري قوله: (قرأت في باب مصر بالسريانية فتدبرته فإذا فيه: يقدر المقدرون والقضاء يضحك)[177].

وقال نيكلسون: وقد قيل عن ذي النون المصري – وله القدم الاولى في نمو الصوفية – إنّه فيلسوف وإنّه كيماوي ، ومعن ذلك أنه تتلمذ للعلم الهلينستي ، فإذا أضيف الى هذا أن اكثر ارائه تتفق وما نجد – مثلا – في كتابات ديونيسيوس ، جرّنا ذلك حتماً الى الجزم بأن الافلاطونية الحديثة قد صبّت على الاسلام صبغة من العنصر الصوفي عينه الذي صبغت به المسيحية من قبل ، وذلك محتمل جداً كما اثبت فيما سلف[178].

وقال جورج طرابيشي: ويعد من أكثر المتصوفين غموضاً حتى نسبه بعض الدارسين الى الغنوصية ، وكان ابرز تلاميذه بايزيد البسطامي[179].

ـ ابراهيم بن ادهم من اشهر الصوفية ومن الطبقة الاولى ومن ائمة التصوف ، وكان من ابناء الملوك في بلخ وهي مدينة بخراسان.

ـ حذيفة بن قتادة المرعشي المتوفى سنة 207هـ لم اعثر على ترجمته في كتاب طبقات الصوفية لابي عبد الرحمن السلمي ، ولكن واخباره في حلية الأولياء وصفة الصفوة وسير أعلام النبلاء. فالظاهر ان كتاب طبقات الصوفية رغم شهرته لم يستوعب كل الصوفية وفاته منهم العديد وإنما ذكرناه لهذا الغرض ، رغم انه لم يتضح لنا هل انه ينتمي للتصوّف الغنوصي الفاسد العقيدة ام لتصوف الزهد والرياء المذموم.

ـ بشر الحافي ، اصله من مرو من قرية (بَكرِد) أو (مابرسام) ، وصحب الفضل بن عياض. توفي سنة 227هـ. ويقال انه جمع حوله اتباعاً من اهل الورع[180].

ـ حاتم الاصم ، من قدماء مشايخ خراسان ، من اهل بلخ ، وكان استاذ احمد بن خضرويه ، وله ابن يقال له (خشنام). توفي حاتم الاصم في (واشجرد) من قرى ما وراء النهر نحو ترمذ عند رباط يقال له (رأس سروند) على جبل فوق (واشجرد) سنة 237هـ.

ـ ابو يزيد البسطامي ، واسمه طيفور بن عيسى بن سروشان (وكان سروشان مجوسياً فأسلم) وهو من اهل بسطام وهي بلد على الطريق الى نيسابور ، توفي سنة 261م وقيل 234م[181]. وقال هنري كوربان انه من سلالة مزدكية.

يُعد من اكبر متصوفة الاسلام ، اخذ نظريته في الفناء عن اصول هندية ، وفصل بين المعرفة والعبادة[182].

ـ الحكيم الترمذي ، واسمه ابو عبد الله محمد بن علي بن الحسين الترمذي ومن أعلام التصوف في القرن الثالث الهجري توفي سنة 285هـ / 898م ، ومن كبار مشايخ خراسان. ويقال ان ابن عربي منه اخذ فكرة ان النبي يأخذ العلم والمعرفة من الوحي بينما الوليّ يأخذها من الله تعالى بدون واسطة ! فيفضّل الولي على النبي !!

وهو اول من وضع مصطلح (خاتم الأولياء) والذي ادعاه جماعة من المتصوفة كابن حمويه وابن عربي وبعض الشيوخ بدمشق وغيرها[183].

ـ الحسين بن منصور الحلّاج ، وكان جده مجوسياً اسمه محمي من أهل بيضاء فارس ، ونشأ الحسين الحلاج في واسط وقيل بشستر وقدم بغداد[184]. قتل في14 ذي القعدة سنة 309هـ. وروى الخطيب في تاريخه بعض ما كان يخدع به الحلاج الناس من مخاريق يدعيها ! كما يروى ان الحلاج قد ادعى البابية والسفارة للامام الحجة بن الحسن (عجّل الله فرجه الشريف) وصدر التوقيع الشريف بلعنه. وقال الشيخ المفيد (رض): (والحلاج والعزاقري وامثالهما من المبطلين المعروفين بالفسق والخروج عن الايمان)[185].

وقال ابن العماد الحنبلي عن الحلاج: فسافر الى الهند وتعلم السحر فحصل له به حال شيطاني وهرب منه الحال الايماني ثم بدت منه كفريات أباحت دمه وكسرت صنمه واشتبه على الناس السحر بالكرامات فضلّ به خلق كثير كدأب من مضى ومن يكون الى مقتل الدجال الاكبر والمعصوم من عصمه الله وقد جال هذا الرجل بخراسان وما وراء النهر والهند وزرع في كل ناحية زندقة فكانوا يكاتبونه من الهند بالمغيث ومن بلاد الترك بالمقيت لبعد الدار عن الايمان وأما البلاد القريبة فكانوا يكاتبونه من خراسان بأبي عبد الله الزاهد ومن خورستان بالشيخ حلاج الاسرار وسماه أشياعه ببغداد المصطلم وبالبصرة المحير[186]. وكتب إدوارد براون في (تاريخ الأدب في إيران - ج1, الباب الثالث والرابع, ص341) : سافر الحلاّج إلى الهند وهناك زاد نضجاً وعمقاً واعتاد المجاهدات الشاقة وتعلم التحكم في نفسه وطبقاً لقول أحد مرافقيه في سفره إلى الهند ممن كانوا معه في سفينة واحدة فإنه توجه إلى هناك لتعلم علم السحر!

ومن مؤلفات الشيخ المفيد (رض) هي كتاب (الرد على اصحاب الحلاج)[187] وهذا يعني ان فكر الحلاج لم ينتهي بمقتله الامر الذي اضطر الشيخ المفيد للرد عليه.

وقال العلامة المجلسي في البحار: (والحلاجية ضرب من اصحاب التصوف وهم اصحاب الاباحة والقول بالحلول وكان الحلاج يتخصص بإظهار التشيّع وإنْ كان ظاهر امره التصوف وهم قوم ملحدة وزنادقة يموهون بمظاهره كل فرقة بدينهم ويدّعون للحلاج الاباطيل)[188].

كان جماعة يستشفون ببوله[189] !!

وقال الشيخ المفيد (رض): (ولم يكن الحلاج يتخصص بإظهار التشيّع وإن كان ظاهر امره التصوف وهم قوم ملحدة وزنادقة يموهون بمظاهرة كل فرقة بدينهم ، ويدعون للحلاج الاباطيل ويجرون في ذلك مجرى المجوس في دعواهم لزرادشت المعجزات ومجرى النصارى في دعواهم لرهبانهم الآيات والبينات)[190].

وذكر شيخ الطائفة الطوسي (رض) في كتابه (الغيبة) في باب (ذكر المذمومين الذين ادعوا البابية) ويقصد ادعوا انهم سفراء ونواب خاصين لصاحب الامر الحجة بن الحسن (عجّل الله فرجه الشريف) وذكر منهم الحسين بن منصورالحلاج[191]. وورد توقيع صاحب الامر (عجّل الله فرجه الشريف) بلعنه[192].

ومن اقوال الحلاج الكفرية: (ليس في جبتي سوى الله) و(انا الحق وانا الله)[193].

وكان الحلاج (يخرج فاكهة الشتاء في الصيف وبالعكس ويمد يده في الهواء ويعيدها وعليها مكتوب قل هو الله احد ، يسميها دراهم القدرة ، ويخبر الناس بما صنعوا في بيوتهم ويتكلم بما في ضمائرهم ، وفتن به خلق كثير واختلفوا فيه اختلاف النصارى بالمسيح)[194].

وقال السيد محمد حسين الطهراني في كتابه (الروح المجرد) كلاماً لا اعرف هل هو من كلامه ام من كلام السيد القاضي الطباطبائي وهو قوله: (إنَّ اساس مطالب منصور الحلاج هي نفس مطالب سائر العرفاء وليس لديه شيء آخر دونهم ، لكنه كان مفشياً للاسرار الالهية فأوقع جمعاً من الناس في الفتنة والفساد فرُقي برأسه الى المشنقة)[195].

وقال ايضاً: (نعم لكأنّ الجميع يتفقون على أنّ جرم الحسين بن منصور الحلاج كان كشف الاسرار الالهية ، وهو جرم عظيم)[196].

وقال الشبلي: انا والحلاج شيء واحد لكنهم نسبوني الى الجنون فنجوت ونسبوا الحسين (الحلاج) الى العقل فهلك[197].

وعندما يتحدث ابن عربي عن الحلاج يصفه بقوله (قدّس الله روحه)[198] !

ـ ابن مسرة ، واسمه محمد بن عبد الله ، ولد سنة 269هـ ، وكان ابوه شغوفاً بالنظر اللاهوتي وقد تردد في المشرق على حلقات المعتزلة والباطنية[199]. نعرف من كتبه كتابان فقط هما (كتاب التبصرة) و(كتاب الحروف) ويتضمن ما عُرِفَ بالجبر الروحي. تخفّى عن الفقهاء ومات سنة 319هـ. تجمع مذاهبه بالاجمال بين الافلاطونية المحدثة والغنوصية ، وتعزو نفسها الى "الحكيم انباذوقلس" وتقول بوجود مادة روحانية تشترك فيها جميع الكائنات عدا الذات الالهية. وكانت مدرسة ابن مسرة اول فرقة صوفية تأسست في الاندلس وقد اخذت بباطنية صارمة وبتنظيم هرمي سرّي وكان من ابرز من تأثروا بالمذهب المسري ابن عربي. يقول الفريد غيوم: كان يبدو لسامعيه العاديين صوفياً بريء نطقه وكلامه من اي دليل على زيغ العقيدة ، ولكنه كان في الباطن بين حلقة تلاميذه المقربين استاذاً للحقيقة التي لا تقبل المصانعة. كانوا يرون في كلامه معنى خفياً عميقاً لا يفهمه الا الصفوة المنتخبون. وهو اول من قدم للغرب الاستعمال الغامض الملتبس للكلمات الاعتيادية عمداً وتقصداً[200].

وقال الذهبي: (ومما نقل عن ابن مسرة أنه كان يقول : ليست الجنة التي أخرج منها أبونا آدم بجنة الخلد ، بل جنة في الأرض) قال الذهبي: فهذا تنطع وتعمق مرذول)[201] !

واضاف الذهبي: (قال الطلمنكي في رده على الباطنية : ابن مسرة ادعى النبوة ، وزعم أنه سمع الكلام ، فثبت في نفسه أنه من عند الله. قلت : ليس هذا من قبيل ادعاء النبوة ; بل من قبيل الغلط والجهل. توفي ببلده بعد رجوعه من قرطبة في نصف شعبان سنة ست وأربعين وثلاث مائة)[202].

وكتب هنري كوربان تحت عنوان (ابن مسرة ومدرسة المِيرية) التالي: (تقوم اهمية هذه المدرسة على عاملين ، احدهما انها تمثل في الطرف الغربي من العالم الاسلامي ، ذلك الاسلام الباطني الذي عهدناه في الشرق وكان له تأثير بيّن. نلاحظ من واقع هذه المدرسة أهمية الدور المعطى لتعليم "امبيذقلس" المتحوّل الى داعية للحكمة اللدنية ، وذلك في الطرفين المشرقي والمغربي للباطنية في الاسلام. ويطيب من جهة اخرى لـ "اسينوس بالاسيوس" ان يرى في تلامذة ابن مسرّة متممين للغنوص الذي قال به "بريسيلين" Priscillien (في القرن الرابع). فاذا ما أبقينا من هذا الغنوص على الملامح الاساسية المهمة (كفكرة المادة الشاملة التي ما زالت خالدة خلود الله ، والمصدر الالهي للنفس ، وان اتحادها بالجسد المادي جاء نتيجة لإثم ارتكبته في العالم الآخر ، ثم قضية خلاصها وعودتها الى مواطنها نتيجة للتطهير الذي يصبح ممكنناً بفضل مواعظ الانبياء  وارشادهم ، وتفسير المعنى الروحي للكتابات المقدسة) فإن هذه الملامح جميعاً نجدها في الواقع عند ابن مسرّة  ومدرسته)[203].  

 

التصوف والعرفان وجهان لعملة واحدة:

يقول الدكتور شهرام بازوكي: (إنّ العرفان المصطلح هو ما يصبو إليه التصوف ، فهو معرفة قلبية بالله تحصل نتيجة السلوك القلبي ٬ وقد استمر هذا السلوك بعد النبي والأئمة بين المتصوفة ٬ وأصبح منهجا لهم. ومن هذه الناحية ٬ يمكننا القول بأنّ ما يميز العرفان عن التصوف هو أنّ التصوف طريق والعرفان مقصده؛ وعلى هذا الأساس ٬ أرى من العجيب الفصل بينهما وإن كان متعارفا ٬ً وقد بدأ هذا التفكيك الخاطئ منذ أواسط الحكم الصفوي في إيران (905 – 1148) واشتد العمل به في السنوات الأخيرة ٬ فكثيرا ما نسمع بأنّ جلال الدين الرومي كان عارفا ولم يكن متصوفا.ً فيما كتابه المثنوي  وهو المصدر في قراءة أفكاره  يعجّ بالأشعار والدلالات الصوفية)[204].

واضاف: (لقد كان العرفان ماثلاً في باطن التصوف على مدى التأريخ، لكن بدأ نبذ الصوفية من أواخر العصر الصفوي، على الرغم من أنّ الملوك الصفويين أنفسهم كانوا من المتصوفة، وقد أشهر الشاه إسماعيل الصفوي ـ مؤسس السلالة الصفوية ـ السيف باسم التصوف، لكنّ بعض ممارساتهم، وخاصة ما صدر من شيوخ قبائل القزلباش، أدّى إلى نبذ التصوف، وقد قارن ذلك شيوع التفسير الفقهي للدين وحالة من السطحية[205] تخالف بطبيعتها التصوّف؛ فساهم ذلك كثيراً في تشويه صورة التصوف نفسه، وأطلق بعض أهل السلوك في هذه الظروف اسم العرفان على التصوف وصاروا يدافعون عنه، لكي لا يصنّفوا على المتصوّفة المنبوذين)[206].

وفي معرض السؤال : (إنّ أغلب عرفاء الشيعة يسمّون أنفسهم عرفاء؛ فلم لا يسمّون أنفسهم متصوفة؟ ولم لا نطلق عليهم هذه التسمية؟) اجاب الدكتور شهرام بازوكي: (كما ذكرت ، وقع هذا التفكيك بين التصوّف والتشيع في العهد الصفوي (905 – 1148ﻫ)، حيث كان مشايخ المتصوفة قبل ذلك محلّ احترام علماء الشيعة وإجلالهم، وقد كان علماء ـ كابن شهر آشوب (صاحب المناقب)، وعبدالواحد الآمدي (صاحب غرر الحكم ودرر الكلم)، والسنائي (الشاعر والحكيم) ـ تلامذة للشيخ أحمد الغزالي الذي تعرّض لكثير من التجريح على أيدي السطحيين، ونرى إجلال الحكيم نصير الدين الطوسي للشيخ صدر الدين القونوي، والاستمداد منه لحلّ مشاكله العرفانية في مراسلاتهما التي طبعت مؤخراً، كما كان يبدي القاضي نورالله التستري والسيد حيدر الآملي منتهى التواضع تجاه مشايخ المتصوفة. لكن ظهرت بعض أمارات الانحراف في أوساط السلطنة الصفوية، على الرغم من كونهم متصوفة ومن سلالة الشيخ صفي الدين الأردبيلي، وهذا دليل آخر على وحدة التصوف والتشيع، حيث أعلنت السلطنة الصفوية التشيع مذهباً رسمياً للبلاد، ولهم في ذلك الفضل على الإيرانيين جميعاً. ويبدو أنّ ذلك كان من تبعات السلطة؛ إذ يؤدي عدم مراعاة حقوق الله وحقوق الناس إلى الانحراف، وحتى جعل التصوف دنيوياً (Secular) ، إذ يمكننا الحديث في هذه الفترة عن التصوف الولائي ـ أي العلوي ـ والتصوف الصفوي على غرار التشيع العلوي والتشيع الصفوي الذي طرحه الدكتور علي شريعتي، وانتهى الأمر إلى تشويه صورة التصوف، لما أدى إليه من شيوع القشرية الدينية، وتودّد بعض العلماء إلى الحكام الأمر الذي شرح مساوءه الشيخ البهائي، وتواطؤهم مع شيوخ قبائل القزلباش للاستيلاء على السلطة؛ فنتجت عن ذلك حالة من الازدواجية بين رفض التصوّف وترويجه تحت عنوان العرفان. ونلاحظ هذه الازدواجية في كتابات أغلب عرفاء تلك الفترة، فمثلاً نجد صدرالدين الشيرازي ـ وهو من الفلاسفة العرفاء ـ يرفض التصوّف في كتاب (كسر أصنام الجاهلية)، ويصف المتصوفة بعديمي الإدراك للذة المعرفة؛ في حين يعتبر منهج المتكلمين والفقهاء القشريين في زمانه مخالفاً للدين ويدافع عن التصوف الصحيح ويؤيّد منهجه في تهذيب النفس ويسعى لإحياء علم الدين الحقيقي على غرار الغزالي، ويصرّح في خاتمة كتابه بأنّ الإيمان الحقيقي هو ما يسمّى عند المتصوفة بالولاية. وقد قبل الفيض الكاشاني التصوف من جهة ورفضه من جهة أخرى؛ لسوء سمعته. وبناءً على ذلك، يمكننا قراءة مواقفهم على أنّهم كانوا يرفضون التصوف الشائع آنذاك، والذي دخل عليه الانحراف، ويؤيدون التصوف الحقيقي. كما تحاشى بعض كبار الفقهاء ـ كالشيخ البهائي والمجلسي الأول ـ اسم المتصوفة، على الرغم من كونهم متصوّفة. وفي معرض الحديث عن فوارق منهج الحكماء والمجتهدين، يجيب العالم الشهير المجلسي الثاني عن أسئلة الملا خليل القزويني، بقوله: من يرفض التصوف من الأساس فهو جاهل. ويضيف: إنّ التصوف على صنفين: حق وباطل، ويعتبر نفسه مع علي بن طاووس وابن فهد الحلي والشيخ البهائي وأباه (المجلسي الأول)، من أتباع التصوف الحق. ولهذه الازدواجية التي بدأت في العصر الصفوي واستمرت إلى يومنا هذا، أهمية قصوى في بحثنا. وكما أسلفت، يمكننا الحديث عن تصوّف ولائي وتصوف صفوي؛ إذ نرى بعد قرن من انتكاسة التصوف، دخولَ فقهاء عظام في السلوك العرفاني والصوفي حين أحيا معصوم علي شاه ونور علي شاه الإصفهاني التصوف في إيران، على الرغم من براءتهم من التصوّف المذموم، أي التصوف الصفوي. وقد دخل وادي السلوك إلى الله العالم والعارف الشيخ عبد الصمد الهمداني، صاحب كتاب (بحر المعارف) ـ الذي استشهد على يد الوهابية عام 1216ﻫ ـ وذلك بإرشاد من نور علي شاه، كما صار سبباً لتعرّف السيد بحر العلوم على نور علي شاه. وقد كتب بحر العلوم (رسالة السير والسلوك) في تلك الفترة؛ ولذلك نجدها تعكس تعاليم طريقة (النعمة اللهية)، ونرى تفصيل هذه التعاليم في كتبهم. وفي حين ينسب السيد محمد حسين الطباطبائي والسيد محمد حسين الحسيني الطهراني هذه الرسالة إلى بحر العلوم، ينفي ذلك كثير ممن لا معرفة له بالعرفان، كما ينكرون أيّ صلة للسيد بنور علي شاه؛ لأنه من مشايخ المتصوفة. ويَنقل في كتاب (الروح المجردة)، حين ذكره لبعض كرامات شيوخ المتصوفة آنذاك، أنّهم من الأولياء وإن كانوا على مسلك الدراويش والمتصوفة، وهو مسلك سيء، أي إنّه يرفض مسلكهم (وهو التصوف المذموم) من ناحية، ويعتبرهم أولياء الله من ناحية أخرى، لكن كيف لأولياء الله أن يكونوا على مسلك خاطئ؟ هكذا أصبح عنوان التصوف مذموماً وحلّ عنوان العرفان محله، بينما المعيار هو الآراء والتعاليم لا العناوين؛ إذ يتبرّأ المتصوفة الحقيقيون من كثير من الأعمال التي تنسب إلى التصوف؛ فنراهم يوقّعون ضد الملا سلطان محمد الكنابادي (السلطان علي شاه)، صاحب (تفسير بيان السعادة)، ويعتبرون عقائده مخالفة للإسلام. وقد قال هو أيضاً حين علم بذلك: إنّ صاحب هذه الأفكار ـ أياً كان ـ خارج عن الإسلام، وأنا أيضاً أوقّع على ذلك)[207].

ومن الجدير بالذكر ان كلمة (العارف) قد وردت في كلام الصوفية الاوائل ونختار ذو النون المصري كنموذج لنطالع هذه الكلمات في اقواله ، وكما وردت في كتاب حلية الاولياء:

فمن كلام ذو النون المصري احد مؤسسي التيار الصوفي الغنوصي في المجتمع الاسلامي :

ـ إلهي ... انت الذي سلمت قلوب العارفين من اعتراض الوسواس ...

ـ ويا من حبب اليه قلوب العارفين ...

ـ إلهي ... وإليك حنت قلوب العارفين ... حتى اوصلتهم انت الى مقام الصادقين في عملك والى منازل المخلصين في معرفتك ... فما ظنك باقوام اخيار ابرار وقد خرجوا من رق الغفلة واستراحوا من وثائق الفترة وانسوا بيقين المعرفة ...

ـ وخاطبته امراة يصفها بالصدّيقة قائلة: انت عارف تكلم بلسان المعرفة ...

ـ معاشرة العارف كمعاشرة الله يحتمل عنك ويحكم عنك ، تخلقا بأخلاق الله الجميلة ...

ـ لا يزال العارف ما دام في دار الدنيا مترددا بين الفقر والفخر ، فإذا ذكر الله افتخر وإذا ذكر نفسه افتقر ...

ـ لكل قوم عقوبة وعقوبة العارف انقطاعه عن ذكر الله.

ومما جاء في كتاب طبقات الصوفية نقرأ كلام ذي النون المصري: (العارف كل يوم اخشع لأنه كل ساعة اقرب)[208].

هذا بعض كلام ذو النون المصري مما ورد فيع لفظ العارف ، ذكرناه كنموذج يدل على وحدة المصطلحين (الصوفي) والعارف) في الدلالة.

 

ومن كلام ابن عربي ضمن نفس السياق:

ـ (العارف والمعرفة ، من أشهده الربُّ نفسه فظهرت عليه الاحوال ، والمعرفة حاله)[209].

ـ (كما قال ابو يزيد البسطامي رحمة الله عليه: لو وقع العالم وما فيه ألف ألف مرّة في زاوية قلب العارف ما أحس به لغاية سعته)[210].

ـ (كإيمان العارفين المحبين للصفات فإنهم وإن آمنوا به وعرفوا بتجليه بكل الصفات)[211].

ـ ( تؤثر همة العارف بعد كمال عرفانه أي إذا تيقن وقوع كل شيء بقدره وامتناع وقوع خلاف ما قدر الله في الازل)[212].

ـ (ولهذا لما سمعها بعض العارفين قال: ومن كان مع الرحمن فإل من يحشر؟ فأجابه بعضهم بقوله: من اسم الرحمن الى اسم الرحمن ومن اسم القهار الى اسم اللطيف)[213].

ـ (من تجليات الصفات والافعال للعلماء العارفين في مراتب علومهم)[214].

ـ (العلماء المحققون يرون حقية ما انزل اليك عيانا لان المحجوب لا يمكنه معرفة العارف وكلامه إذ كل عارف بشيء لا يعرفه الا بما فيه من معناه فمن لم يكن له حظ من العلم ونصيب من المعرفة لا يعرف العالم العارف وعلمه  لخلوه عما به يمكن معرفته)[215].

ـ (وعلى هذا تجري افعال العارفين من عباده)[216].

ـ (فاعلم ان العارف اذا كان يمده من الملأ الاعلى روح من هذه الارواح الآمرة التي لها التقدم على غيرها كإسرافيل وإسماعيل وعزرائيل وجبريل وميكائيل والنور والروح وأمثالهم فإن العارف يكون له أثر في العالم العلوي والسفلي بقدر مرتبة ذلك الروح)[217].

وعبارات عديدة له في مؤلفاته تبين استخدامه مصطلح (العارف) استخداماً صوفياً غنوصياً.

 

وَهْمُ الجمعِ بين الشريعة و"الطريقة" و"الحقيقة":

يقصدون بالطريقة العرفان وما فيه من كشف وشهود مزعوم ، ويقصدون بالحقيقة الفلسفة !

يقول السيد محمد حسين الطباطبائي: (لذلك رام جمعٌ من العلماء ــ بما عندهم من بضاعة العلم على اختلاف مشاربهم ــ أن يوفّقوا بين الظواهر الدينية والعرفان، كابن عربي، وعبدالرزاق الكاشاني، وابن فهد، والشهيد الثاني، والفيض الكاشاني. وآخرون أن يوفقوا بين الفلاسفة والعرفان كأبي نصر الفارابي والشيخ السهروردي صاحب الإشراق، والشيخ صائن الدين محمد تركه، وآخرون أن يوفقوا بين الظواهر الدينية والفلسفة كالقاضي سعيد وغيره، وآخرون أن يوفقوا بين الجميع كابن سينا في تفاسيره وكتبه، وصدر المتألّهين الشيرازي في كتبه ورسائله، وعدّة ممّن تأخر عنه؛ ومع ذلك كلّه، فالاختلاف العريق على حاله لا تزيد كثرة المساعي في قطع أصله إلاّ شدّةً في التعرق، ولا في إخماد ناره إلاّ اشتعالاً: ألفيت كلَّ تميمةٍ لا تنفع)[218].

وقضية الجمع بين التصوّف (العرفان) والفلسفة في منهج واحد من اغرب ما يكون ، فقد كان الصراع على اشدّه بينهما ولفترة طويلة ، ومن ابرز معالم ذلك الصراع كتاب (تهافت الفلاسفة) الذي رد فيه المتصوّف ابو حامد الغزالي على الفلاسفة ، ثم عاد الفيلسوف ابن رشد ورد على تصوّف الغزالي بكتابه (تهافت التهافت) وتشكل لكل طرف انصار ومؤلفات منها:

ـ (الذخيرة في تهافت الفلاسفة) تأليف علي بن محمد علاء الدين الطوسي ثم الرومي الحنفي ، المتوفى سنة 887هـ. وله ايضاً: (البداية في المحاكمة بين الحكماء).

ـ (تهافت الفلاسفة) تاليف مصلح الدين مصطفى بن يوسف بن صالح البرسوي الرومي الحنفي الشهير بخواجه زاده المدرس بمدرسة السلطانية بمدينة بروسة والمفتي بها والمتوفى سنة 893هـ[219].

ـ (تهافت الفلاسفة) تأليف محمد بن صفي الدين عبد الرحمن بن محمد بن عبد السلام الإيجي معين الدين الصفوي الشيرازي الشافعي (832- 906)هـ[220].

ـ (شرح تهافت الفلاسفة) تأليف مؤيد زاده  واسمه عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن علي الاماسيه وى المعروف بمؤيد زاده الرومي المدرس الحنفي توفي سنة 970هـ[221].

ـ (حاشية على تهافت الفلاسفة لخواجه زاده) في محاكمة بينه وبين الاغزالي ، تأليف محمد شريف بن يوسف بن القاضي محمود بن الملا كمال الدين الكوراني الصديقي الشاهوي الرويسي الشافعي ، توفي سنة 1078هـ[222].

ـ (حاشية على تهافت الفلاسفة لخواجه زاده) للحكيم شاه محمد بن مبارك القزويني المتوفى 966هـ[223].

فحينما يحاول ابن عربي ومن بعده ملا صدرا الجمع بين هذين المنهجين المتناقضين والمتخاصمين يتضح من ذلك الجمع ان قضية الجمع التقاطية وليست حقيقية.

 

هل للذهن قدرة على كشف الحقائق:

هل يمكن الحصول على المعرفة الالهية وكشف الحقائق المتعلقة بنشأة الخليقة والوجود بما هو موجود من خلال الذهن البشري وهو ما يزعمه ابن عربي ومدرسة الحكمة المتعالية الشيعية التابعة لتراثه !

"ما هي قدرة الذهن البشري على كشف الحقائق؟ وما هو مقدارها؟ وهل يستطيع الذهن من كشف كنه الاشياء وحقائقها؟ وهل يا تُرى تُعرف حقائق الاشياء بمعرفة مجموعة اصطلاحات وتسميات ومعاني فارغة؟

إنَّ المذهب الذي تسير عليه الفلسفة بقسميها المشّائية والاشراقيّة يرى أن الذهن البشري قادر على كشف كل شيء وحتى الذات الإلهية المقدسة وصفاتها كما هو واضح من منهجيتها الفلسفية وإن لم يصرحوا بذلك ، خلا تصريحهم في بداية الحكمة واصفين المنع من الخوض بالذات الإلهية بأنّه (يلزم تعطيل العقول وهو غير جائز)[224] !!

والمعروف لدى جملة من المحققين بأن الذهن البشري قادر على كشف كثير من الاشياء لكن بمعرفة اللوازم والآثار لا الحقائق والذوات خصوصاً الذات الإلهية الجامعة لكل الكمالات ، فالمحدود كيف يدرك اللامحدود ، هذا من جهة عقلية. واما من جهة نفسية وشهودية فالحضور والشهود للفقير لا يمتد للإحاطة بالغني ولا بشهود كنهه وذاته ، مضافاً الى ان الحضور والشهود انما يكون للوازم والآثار فهو شهود لوجود الذات لا الذات الإلهية المقدسة"[225].

ويعترف السيد محمد حسين الطباطبائي بامور خطيرة بقوله: "والظاهر أن اكثرية مشايخ العرفان الذين جاء ذكرهم في كتب العرفان كانوا على مذهب اهل التسنن ، والطريقة التي نشاهدها اليوم (والتي تشتمل على مجموعة من عادات وتقاليد لم نجد في الكتاب والسنة اساساً لها) تذكّرنا بتلك الايام ، وإن كان البعض من تلك العادات والتقاليد انتقلت الى الشيعة. وكما يقال ، إن هؤلاء كانوا يعتقدون أن الاسلام يعوزه منهج للسير والسلوك ، والمسلمون استطاعوا أن يصلوا الى طريقة معرفة النفس ، وهي مقبولة لدى الباري عزَّ وجل ، مثل ما في الرهبانية عند المسيحيين إذ لم يوجد أساس له في الدعوة المسيحية ، فأوجدها النصارى وحبّذها جمع فأنتجها"[226].

فالسيد الطباطبائي في هذا النص يعترف بأن اكثرية مشايخ العرفان كانوا على مذهب التسنن،  اي انهم لم يكونوا من المتمسكين بالثقلين العظيمين، فهم بذلك من اهل الضلال بلا شك، فكيف يتابع شيعي متمسك بالثقلين جماعة من اهل الضلال ويوافقهم على منهجهم ويتخذهم رؤساء دينيين وعرفاء يدلونه على طريق معرفة مزعومة! والذي يعترف السيد الطباطبائي مرة اخرى بانه لم يكن موجودا في الكتاب ولا في السنة؟!!

ثم الطامة الكبرى باعتراف السيد الطباطبائي بان رؤية اولئك العرفاء من اهل التسنن – وابن عربي منهم بلا شك – كانوا يرون ان الاسلام يعوزه منهج للسير والسلوك !! فهؤلاء العرفاء يرون ان الاسلام ناقص في هذا المجال المهم بينما الله سبحانه وتعالى يقول ((اليوم اكملت لكم دينكم)) !! وهذا ما يكشف عن بؤس اولئك العرفاء وضلال طريقتهم التي لم ترد في كتاب ولا سنة والتي كانوا يرون ان الاسلام يفتقر اليها فاكملوها بعقولهم الفقيرة الضالّة !!

وكتب لويس ماسينيون: (كان التصوف في اول عهده يدول حول نقطتين: اولاهما: ان العكوف على العبادة يولد في النفس "فوائد" هي الحقائق الروحية ، وقد انكر الحشويّة ذلك. وثانيتهما: أن علم القلوب يفيض على النفس "معرفة" تنطوي على استعداد الإرادة لتلقي هذه الفوائد ، وقد انكر المعتزلة ذلك وقنعوا بمعرفة النفس معرفة نظرية. ويقول المتصوفة إن في علم القلوب قوة محركة وهو يبيّن السفر الى الله وما فيه من مقامات وأحوال عدتها اثنا عشر ، كما يقولون ان بعض الفضائل يكتسب وبعض الفوائد يتلقى كما هو الحال عند القديس يوحنا قليماقوس)[227].

ويعترف الغزّالي في المنقذ من الضلال" بأن الكشف حينما يتشكّل فإنه يكون بعيداً عن العقل ، قال: (ومن نظر في أقوال رسول الله صلى الله علیه وسلم ، وما ورد من الأخبار في اهتمامه واللطف ، إلى تحسین الأخلاق بإرشاد الخلق ، وتلطفه في جرّ الناس بأنواع الرفق وإصلاح ذات البین ، وبالجملة إلى ما یصلح به دینهم ودنیاهم ، حصل له علم ضروري ، بأن شفقته صلى الله علیه وسلم على أمته أعظم من شفقة الوالد على ولده. وإذا نظر إلى عجائب ما ظهر علیه من الأفعال ، وإلى عجائب الغیب الذي أخبر عنه القرآن على لسانه وفي الأخبار ، وإلى ما ذكره في آخر الزمان ، فظهر ذلك كما ذكره ، علم علماً ضروریاً أنه بلغ الطور الذي وراء العقل ، وانفتحت له العین التي ینكشف منها الغیب الذي لا یدركه إلا الخواص ، والأمور التي لا یدركها العقل)[228].

وينقل الدكتور جميل صليبا عن الغزالي قوله: (بل الايمان بالنبوة أن يقر باثبات طور وراء العقل تنفتح فيه عين يدرك بها مدركات خاصة والعقل معزول عنها كعزل السمع عن ادراك الالوان والبصر عن ادراك الاصوات وجميع الحواس عن ادراك المعقولات)[229].

ويرد ميرزا حبيب الله الخوئي على دعوى وجود طور وراء العقل بقوله: (وهو سخيف جداً لإمتناع أن يكون طور وراء العقل إلا النبوّة ، ولو جُوِّزَ ذلك لبطلت الشرائع والأديان والأحكام النقليّة والعقلية وارتفع الأمان وانسد باب الايمان)[230].

غير ان ابن عربي يوجه مقوله (طور وراء العقل) توجيهاً آخر يحسب فيه انه ينجي من ورطة مخالف العقل وادعاء وجود مساحة خارجه !! فيقول: (كل وضع لا تطلع العقول البشرية على سببه فهو من طور وراء العقل المشوب بالوهم لامتناع وقوع التخصيص من غير مخصص كوضع حروف التهجي وايام الاسابيع بل وضع اللغات كلها)[231]، بينما يكون خفاء السبب لا يعني ان حكمته هي وراء العقل مادامت منتجاً بشرياً كاللغات وغيرها ، ومجرد ان نجهل امراً لا يعني ان ما وراء العقل هو المتحكم فيه ، واما اذا كان السبب من عالم الغيب حيث العلم الالهي فهو أمر آخر بعيد عن المدركات البشرية كلها. فلا يصلح كلام ابن عربي لتأويل وجود "طور وراء العقل" إلا بالاعتراف بخطأ هذه المقولة.

ويتحدث الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي وهو احد اعمدة الحكمة المتعالية[232] في العصر الحاضر، في معرض حديثه عن أنواع المعرفة: (المعرفة الشهودية: وهذه المعرفة خلافاً للاقسام السابقة تتعلّق بعين المعلوم وذاته دون وساطة الصورة والمفهوم الذهني للمعلوم، كما هو الشأن في سائر أنواع المعرفة حيث يتوصل إليها الانسان من خلال الصور الذهنية. وهذه المعرفة الشهودية مصونة من الخطأ والاشتباه ولكن كما وضّح في محلّه أنَّ ما يطلق عليه المعرفة الشهودية والعرفانية عادةً هو في واقعه تفسير ذهني للمشاهدات وهو يقبل الخطأ والاشتباه)[233].

ورغم ان ابن عربي يذهب الى عصمة قلوب اهل المراقبة ! فيقول: (وتدبر ما احسن قول من اوتي جوامع الكلم صلى الله عليه وسلم كيف قال في هذا المقام يعلم رجاله كيف يكونون فيه دع ما يريبك الى ما لا يريبك وقال استفت قلبك وإن افتاك المفتون فأحالهم على قلوبهم لما علم ما فيها من سر الله الحاوية عليه في تحصيل هذا المقام ففي القلوب عصمة إلهية لا يشعر بها الا اهل المراقبة)[234]. ومع ذلك فقد اخطأ خطأً كبيراً حينما ذهب في كتابه فصوص الحكم، الفص الاسحاقي، الى ان النبي ابراهيم الخليل (عليه السلام) اراد ان يذبح ابنه اسحاق (عليه السلام) وليس اسماعيل (عليه السلام) شرح القيصري ذلك بقوله: (واعلم أن ظاهر القرآن يدل على ان الفداء عن اسماعيل وهو الذي رآه ابراهيم (عليه السلام) أنه يذبحه وإليه ذهب أكثر المفسرين وذهب بعضهم الى انه اسحاق ، والشيخ معذور فيما ذهب اليه لأنه مأمور كما قال في أول الكتاب) أي ان شيخه ابن عربي مأمور بحسب ما كُشِفَ له ان يذكر ان اسحاق (عليه السلام) هو الذبيح رغم انه بخلاف ظاهر القرآن الكريم.

وقد علّق السيد الخميني على موقف ابن عربي من اسحاق (عليه السلام) قائلاً: (قال شيخنا العارف الكامل دام ظله العالي أنّ الشيخ كشفه في عالم المكاشفة رأى في العين الثابتة الإسحاقيّة اقتضاء هذا المعنى الذي ظهر في إسماعيل عليه السلام في عالم الملك من العبوديّة التّامة والفناء التام فأخبر عمّا ظهر عليه من العين الثابتة وهذه المكاشفة صحيحة إلاّ أن عدم الظّهور في عالم الملك لقوّة العين الثابتة الإسماعيلية أو لمانع آخر هذا وقد استشكلت عليه بأنّ الظاهر من كلام الشيخ وقوعه بالنّسبة إلى إسحاق في عالم الملك فصدق ذلك وقال دام ظله يمكن أن يكون كشفه صحيحاً إلاّ أنّ خياله لمّا كان مشوباً تمثّل له المعنى المجرّد عن اللباس في عالم خياله بصورة إسحاق عليه السّلام فإن المكاشفات تقع مجرّدة عن الصورة ولكن الخيال يمثّلها بأي صورة شاء بمجرد مناسبة والغالب دخالة المأنوسات والمعتقدات في ذلك التمثل هذا ما أفاد دام ظله)[235]. فالسيد الخميني كشف بوضوح عن دخالة صور المأنوسات والمعتقدات في التمثل الكشفي. فالكشف لا يكشف عن الحقيقة كلها بل الحقيقة من وجهة نظر صاحب الكشف ، فأي قيمة معرفية تبقى للكشف بعد ذلك ؟!

وفي حديثه عن معايير صدق الكشف عند القيصري نجده يشير في مقدمة شرحه لفصوص الحكم الى انه: (ليس صحيحاً أن المكاشفات العرفانية والشهود مصونة عن الخطأ والاشتباه، بل في كثير من الموارد ما يظهر أنه مكاشفة شهود الحقيقة يكون في الواقع من صنع الخيال ومن الالقاءات الشيطانية التي لا تزيل الحجاب عن الحقيقة فقط، بل هي تقلب الحقيقة وتوجب الضلال)[236].

واشار الشيخ علي شيرواني الاستاذ في حوزة قم المقدسة الى انَّ ابن تركة نبّه في تمهيد القواعد الى (أن الكشف والشهود العرفاني ليس مصوناً عن الخطأ والشبهة بل قد يقع السالك والمشاهد احياناً في ورطة الخيالات الفاسدة ويعد الخيال حقيقة ، ومن هذه الناحية يحتاج الى معيار يصونه من الخطأ. من هنا هناك حاجة الى آلة وملاك من اجل تشخيص الحق من الباطل في العلوم العرفانية لكي يمكن به تمييز الخطأ من الصواب ، كما يقوم علم المنطق بهذا الدور بالنسبة للفلسفة. وإذا لم يكن هناك وجود لمثل هذه الوسيلة لأجل تمييز الحق من الباطل في نتائج العرفان المختلفة فلن يكون أي منها قابلاً للاعتماد ولن يكون طريق العرفان طريقاً كاملاً وتاماً)[237].

وقال الشيخ علي شيرواني: (يضطر سالك طريق الحقيقة أن يكون بين يديه وسيلة واداة توضح له المقصد وهذه الوسيلة هي العلوم البرهانية والنظرية التي تحصل بعد التزكية والتصفية اللازمة. فالعلوم النظرية ومن جملتها المنطق هي معايير توصل الطالب – في حالة كان تصرفه موافقاً – الى ملكاته المناسبة)[238]. ويقيّم علو مرتبة العرفان على البرهان فيقول: (إنَّ آلية الحكمة وأصالة البرهان في تقويم بعضهما البعض يحققان علو مرتبة العرفان بالقياس مع الحكمة ، والعارف وإن كان يطوي طريقه بمعيار البرهان لكنه في المقصد ينظر من أفق أعلى الى المسائل التي يضعها امام عينيه)[239].

ولكنه يستدرك بعد ذلك فيقول: (إن البرهان والاستدلال لا يستطيع ان يقوّم جميع انواع الكشف والشهود والعرفان لأن إدراك بعض المسائل العرفانية بعيد عن القدرة البشرية بشكل مطلق ، وفي مواضع يكون الإدراك العرفاني أعلى من طاقة الإدراك المفهومي. ولكن في هذه الموارد أيضاً يوجد إحتمال لقياس ومعرفة الكشف الصحيح من الخاطيء. فمعيار العرفان ليس محدوداً بالبرهان بل هناك معيار آخر مصون من الخطأ والاشتباه وهو معيار الكشف الاعلى لأصحاب حق اليقين. صاحب حق اليقين بسبب كونه مطلعاً على متن  الواقع فهو لا يقع ابداً في الخطأ والاشتباه او الشك والتردد). ويضيف: (ما دام الكلام عن علم اليقين وحق اليقين ، فالاثنينية ستبقى بين العالم والمعلوم ، ويكون هناك مجال للشك والتردد ، ولكن في حق اليقين مع نفي الاثنينية لا يبقى أي نوع من التردد. إنَّ كلام الشخص الواصل الى هذا المقام هو نفس كلام أمير المؤمنين (عليه السلام): (ما شككت في الحق منذ رأيته) والانبياء والاوصياء جميعاً هم من الواصلين لهذا المقام لذلك هم الموازين القسط)[240].

ويقول الشيخ ماجد الكاظمي: (واما الالهامات والمكاشفات النفسية والاشراقات الروحية الحاصلة لغير الانبياء والاوصياء صلوات الله عليهم ، فهي لا تعتبر دليلاً أبداً ، وليس لها أي حجية بالمرّة ، وأورد عليها إشكالات متعددة ، وهي باطلة من وجوه نذكر قسماً منها:

أولاً. ان قسماً من الإلهامات والمكاشفات وما شاكلها ، حالات نفسية وروحية لا تمثل بعداً واقعياً ، وهذه النقطة مهمة جداً ...

ثانياً. ان الحالات الشهوديّة والنفسيّة لا يمكن نقلها للآخرين.

ثالثاً. لا دليل على حجية المكاشفات والالهامات.

رابعاً. اذا كانت مخالفة للعقل فهي باطلة مائة بالمائة ، وإذا كانت موافقة له ، فالحجية للعقل ، وكيف كان فهي على أقسام ، إما شيطانية أو نفسانية أو رحمانية. وتعين الاخير بلا دليل ، وقد دلًنا القرآن الكريم على شيطانية بعض الايحاءات: ((وإنّ الشياطين ليوحون الى اوليائهم)) وقال تعالى: ((قل هل اُنبؤكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل افاك اثيم)).

والحاصل أنه لا يوجد مصدر رابع للمعرفة وهو ما يسمى بإشراق الروح أو الإلهامات وما شاكلها. فانحصر الطريق بالحس والعقل والوحي الالهي. ومن هنا تفرق الفلسفة المشائية عن الاشراقية والتي تقوم على اساس الايمان بالمكاشفات العرفانية الى صف المصادر الثلاثة المتقدمة ، بل وتتقدم عليها في نظرهم كما علم من استدلالاتهم. فالحق والصحيح بطلان الفلسفة الاشراقية[241].

فهل كان السامري من أهل الكشف؟ قال الله سبحانه وتعالى: ((قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ ، قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ، قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي اليَمِّ نَسْفاً )).

قال في تفسير الميزان في تفسيره للآية (96) من سورة طه: "قال الراغب في المفردات،: البصر يقال للجارحة الناظرة نحو قوله: «كلمح البصر» «و إذ زاغت الأبصار» و للقوة التي فيها، و يقال لقوة القلب المدركة بصيرة و بصر نحو قوله: «فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد» و قال: «ما زاغ البصر و ما طغى» و جمع البصر أبصار وجمع البصيرة بصائر، قال تعالى: «فما أغنى عنهم سمعهم و لا أبصارهم» و لا يكاد يقال للجارحة: بصيرة، و يقال من الأول: أبصرت، و من الثاني: أبصرته و بصرت به، وقلما يقال في الحاسة بصرت إذا لم تضامه رؤية القلب"[242].

إذن قد يكون ابصار السامري هو إبصار قلبي ، فهل يا ترى كان للعرفان والكشف دور في هذا الابصار لا سيما وقد قيل فيه انه كان من خيار اصحاب النبي موسى (عليه السلام) قبل فعلته الشنيعة تلك ؟

وربما يؤيد ذلك ما قاله في تفسير الميزان بعد ذلك قال: "و قوله: «فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس» - و محصله أنه تقرر و حق عليك أن تعيش فردا ما دمت حيا - كناية عن تحسره المداوم من الوحدة و الوحشة.

و قيل: إنه دعاء من موسى عليه و أنه ابتلي إثر دعائه بمرض عقام لا يقترب منه أحد إلا حمي حمى شديدة فكان يقول لمن اقترب منه: لا مساس لا مساس، و قيل: ابتلي بوسواس فكان يتوحش و يفر من كل من يلقاه و ينادي لا مساس و هو وجه حسن لو صح الخبر"[243].

 

الكشف والشهود محاولات لمحاكاة النبوّة:

قال الغزالي: (أما من أثبت النبوة بلسانه ، وسوى أوضاع الشرع على الحكمة ، فهو على التحقيق كافر بالنبوة ، وإنما هو مؤمن بحكم له طالع مخصوص ، يقتضي طالعه أن يكون متبوعاً ؛ وليس هذا من النبوة في شيء. بل الإيمان بالنبوة: أن يقر بإثبات طور وراء العقل ، تنفتح فيه عين يدرك بـها مدركات خاصة ، والعقل معزول عنها ، كعزل السمع عن إدراك الألوان ، والبصر عن إدراك الأصوات ، وجميع الحواس عن إدراك المعقولات. فإن لم يجوّز هذا ، فقد أقمنا البرهان على إمكأنه ، بل على وجوده. وإن جوز هذا ، فقد أثبت ، أن ههنا أموراً تسمى خواص ، لا يدور تصرف العقل حواليها أصلاً ، بل يكاد العقل يكذبـها ويقضي باستحالتها)[244].

فمن خلال هذا النص نجد ان الغزّالي يعتبر النبوة طور وراء العقل معزول عن العقل ، والمنطقة التي هي وراء العقل هي التي يزعمون انهم يصلون اليها بالكشف والشهود ! ولهذا فهناك من الصوفية يمنّون انفسهم بالوصول الى مرتبة النبوة وإن لم يجرؤا ان يعلنوا النبوّة بل استعاضوا عنها بالقطبية وما شابه ! وعلموا ان اعلان ذلك يؤلب المسلمين عليهم فذكروه بالتلميح لا بالتصريح.

وكشف ملا صدرا وتلميذه الشيخ الفيض الكاشاني عن رأي خطير لمدرسة الحكمة المتعالية - الفيض الكاشاني كان صهراً لصدر الدين الشيرازي (ملا صدرا أو صدر المتألهين كما يسميه اتباعه) ومن ابرز تلاميذه في الحكمة المتعالية - وهذا الرأي مفاده ان هناك اشخاص يتصلون بالله سبحانه بصورة مباشرة ومكالمة حقيقية من دون ان يكونوا انبياء !! يقول ملا صدرا: "واعلم ان بإزاء هؤلاء من كل امّة قوماً وقع بينهم وبين الله مكالمة حقيقية يكلّمهم الله وينظر اليهم وهم يسمعون كلامه بسمع قلبي بلا واسطة تعليم بشري خارجي ، فيكون الفهم لازماً لسماعهم . وقد ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله): (ان في امتي محدّثين مكلّمين)"[245].

وامّا الفيض الكاشاني فيذهب الى اعتبار ان النبي والائمة المعصومين (عليهم السلام) ليسوا هم وحدهم المصدر الوحيد للعلوم الدينية بل ان هناك في الامة من يتمكن من الوصول الى بعض الحقائق التي اطلق عليها اسم درجة (عين اليقين) بصورة مستقلة عنهم ! فيقول: "فصل: المحقق في العلوم الثلاثة الدينية[246] ليس منحصراً في الائمة المعصومين عليهم السلام كما يظنه جماعة من أصحابنا وان كان العالم بجميع المسائل في الجميع منحصرا فيهم فانه يوجد في هذه الامة المرحومة أفراد كثير رزقهم الله العلم اللدني[247] والتحقيق الكشفي في كثير من المسائل الدينية خصوصا العلمين الاولين ولا سيما علم التوحيد وتنزيه الحق ومعرفة اليوم الاخر حتى جاوز بعضهم في بعضها علم اليقين ووصل الى عين اليقين كما اشير إليه فيما رواه في الكافي باسناده الموثق عن اسحاق بن عمار قال : سمعت أبا عبد الله ( ع ) يقول : ان رسول الله ( ص ) صلى بالناس الصبح فنظر الى شاب في المسجد وهو يخفق ويهوى برأسه مصفرا لونه قد نحف جسمه وغارت عيناه في رأسه فقال له رسول الله ( ص ) : كيف أصبحت يا فلان ؟ - قال : أصبحت يا رسول الله ( ص ) موقنا ، فعجب رسول الله ( ص ) من قوله وقال : ان لكل يقين حقيقة فما حقيقة يقينك ؟ - فقال : ان يقيني يا رسول الله ( ص ) هو الذي أحزنني وأسهر ليلي وأظمأ هواجري ، فعزفت نفسي عن الدنيا وما فيها حتى كأني أنظر الى عرش ربي وقد نصب للحساب وحشر الخلائق لذلك وأنا فيهم ، وكأني أنظر الى أهل - الجنة يتنعمون في الجنة ويتعارفون على الارائك متكؤون ، وكأني أنظر الى اهل النار وهم فيها معذبون مصطرخون ، وكأني الان أسمع زفير النار يدور في مسامعي ، فقال رسول الله لاصحابه : هذا عبد نور الله قلبه بالايمان ثم قال له : الزم ما انت عليه ، فقال الشاب : ادع الله لي يا رسول الله ( ص ) اني ارزق الشهادة معك ، فدعا له رسول الله ( ص ) فلم يلبث ان خرج في بعض غزوات النبي ( ص ) فاستشهد بعد تسعة نفر وكان هو العاشر . وفي رواية أخرى ما يقرب منه وفيها مكان الشاب حارثة بن مالك بن النعمان الانصاري وانه ( ص ) قال له : أبصرت فاثبت .

وفي نهج البلاغة من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في بعض خطبه: عباد الله ان من أحب عباد الله إليه عبدا أعانه الله على نفسه فاستشعر الحزن وتجلبب الخوف فزهر مصباح الهدى في قلبه وأعد القرى ليومه النازل به ، فقرب على نفسه البعيد ، وهون الشديد ، نظر فأبصر وذكر فاستكثر ، وارتوى من عذب فرات سهلت موارده فشرب نهلا وسلك سبيلا جددا ، قد خلع سرابيل الشهوات وتخلى من الهموم الا هما واحدا انفرد به ، فخرج عن صفة العمى ومشاركة أهل الهوى وصار من مفاتيح أبواب الهدى ومغاليق أبواب الردى ، قد أبصر طريقه ، وسلك سبيله ، وعرف مناره ، وقطع غماره ، واستمسك من العرى بأوثقها ، ومن الجبال بأمتنها ، فهو من اليقين على مثل ضوء الشمس ، قد نصب نفسه لله سبحانه في أرفع الامور ، من اصدار كل وارد عليه وتصيير كل فرع الى أصله ، مصباح ظلمات ، كشاف عشوات ، مفتاح مبهمات ، دفاع معضلات ، دليل - فلوات ، يقول ويفهم ، ويسكت فيعلم ، قد أخلص لله فاستخلصه ، فهو من معادن دينه ، وأوتاد أرضه ، قد ألزم نفسه العدل ، فكان أول عدله نفي الهوى عن نفسه ، يصف الحق ويعمل به ، لا يدع للخير غاية إلا أمها ، ولا مظنة الا قصدها ، قد مكن الكتاب من زمامه فهو قائده وامامه ، يحل حيث حل ثقله ، وينزل حيث كان منزله . وقال ( ع ) أيضا: وآخر قد تسمى عالما وليس به ، الحديث ، وقد مضى تمامه في الاصل الثامن ويستفاد من آخره مذمة علم الكتاب[248] وأهله وأنهم ليسوا بعلماء ويأتي في الاصل الاتي ما يؤكده وذلك لان العلم ما يوجب الخشية من الله والطمأنينة في السر كما دل عليه هذان الحديثان ، وينبه عليه قوله تعالى : انما يخشى الله من عباده العلماء ، وليس ذلك الا اليقين والتحقيق المأخوذ من الله سبحانه كما قال الله عز وجل في حق من قال: وعلمناه من لدنا علما . وقال بعضهم[249]: أخذتم علمكم ميتا عن ميت وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت ، ولهذا قال النبي ( ص ) : علماء أمتي كأنبياء بني اسرائيل[250] فان الانبياء عليهم السلام انما يأخذون علمهم من الله سبحانه من غير تقليد وهو العلم في الحقيقة كما قال الصادق ( ع ) : اعرفوا منازل شيعتنا بقدر ما يحسنون من روايتهم عنا ، فانا لا نعد الفقيه منهم فقيها حتى يكون محدثا ، فقيل له : أو يكون المؤمن محدثا ؟ - قال : يكون مفهما والمحدث المفهم . وأما غير ذلك فهو تقليد أو جدل أو مزج بينهما أو غير ذلك وليس شئ منها من العلم في شئ ، وانما يحصل هذا بعد تفريغ القلب وتصفية الباطن وتخليته"[251].

إنَّ كلام الفيض الكاشاني يكشف بوضوح تام المنهج الغنوصي لمدرسة الحكمة المتعالية وهو المنهج الذي يبحث الانسان من خلاله عن المعرفة بعيداً عن الوحي والنبوة ، أي بعيداً عن العصمة ! ولذلك تجد اهل العرفان مختلفون فيما بينهم في كشوفاتهم بل ويصلون في الكثير من الاحيان الى حد التفوّه بكلام بعيد عن الاتزان العقلي أي هذيان وجنون وقتي والذي يحاولون تلطيفه بتسميته (شطحات) يبررونها بتبريرات مختلفة ونتيجتها واحدة وهي بعدهم عن المنهج المحمدي العاصم من الاضلال بالتمسك بالثقلين الكتاب والعترة الطاهرة. فلا ضمان لمن يسلك غير المسك المحمدي في العقيدة والمعارف عامة من ان يقع في الضلال من حيث يعلم او لا يعلم.

فقول الفيض الكاشاني: (فانه يوجد في هذه الامة المرحومة أفراد كثير رزقهم الله العلم اللدني والتحقيق الكشفي في كثير من المسائل الدينية خصوصا العلمين الاولين ولا سيما علم التوحيد وتنزيه الحق ومعرفة اليوم الاخر حتى جاوز بعضهم في بعضها علم اليقين ووصل الى عين اليقين كما اشير إليه فيما رواه في الكافي) ، غير ان دلالة الحديث لا تساعد ما استدل به عليه من حيث أنَّ المسلم الموقن يتحدّث عما رآه مما جاء به الاسلام ، فتحدث عن رؤيته القلبية للعرش والحشر والجنة ونعيمها والنار وعذابها ، فلم يأت بشيء جديد لكنه زاد يقيناً فيما جاء به الاسلام ، وهذا هو معنى الزيادة في اليقين من العلم به الى عينه. فليس هناك علم جديد يحصل عليه الانسان من خلال الكشف بل هناك ترقي في مراتب العلم من علم اليقين الى عين اليقين ، ثم الى حق اليقين وهو اعلى مراتب اليقين.

وقال الفيض الكاشاني في المحجة البيضاء تحت عنوان (بيان شواهد الشرع على صحة طريق أهل المجاهدة في اكتساب المعرفة لا من التعلّم ولا من الطرق المعتادة) ، فاستشهد ببعض الآيات الكريمة والاحاديث الشريفة وتكلف جداً في تفسيرها وحمّلها من المعاني ما لا تحتمله ، الى ان نقل كلاماً لابي حامد الغزالي ممضياً له ، فكتب ما نصّه: (قال ابو حامد: والحكايات لا تنفع الجاحد ما لم يشهد ذلك في نفسه ومن أنكر الاصل أنكر التفصيل ، والدليل القاطع الذي لا يقدر أحد على جحده أمران: احدهما عجائب الرؤيا الصادقة فإنّه ينكشف بها الغيب وإذا جاز ذلك في النوم فلا يستحيل أيضاً في اليقظة فلم يفارق النوم اليقظة إلا في ركود الحواس وعدم اشتغالها بالمحسوسات وكم من متيقّظ غائص الفكر لا يسمع ولا يبصر لاشتغاله بنفسه. والثاني: إخبار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الغيب وامور في المستقبل كما اشتمل عليه القرآن وإذا جاز ذلك للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جاز لغيره إذ النبي عبارة عن شخص كوشف بحقائق الامور وشغل بإصلاح الخلق ، فلا يستحيل أن يكون في الوجود شخص يكاشف بالحقائق ولا يشغل بإصلاح الخلق وهذا لا يسمى نبياً بل يسمى ولياً فمن آمن بالانبياء (عليهم السلام) وصدّق بالرؤيا الصحيحة لزمه لا محالة أن يقرّ بأن للقلب بابين باب الى الخارج وهو باب الحواس وباب الى الملكوت من داخل القلب وهو باب الالهام والنفث في الروع والوحي ، وإذا أقرَّ بهما جميعاً لم يمكنه أن يحصر العلوم في التعلّم ومباشرة الاسباب المألوفة ، بل يجوز أن يكون المجاهدة سبيلاً إليه ، فهذا ما ينبّه على حقّية ما ذكرناه من عجائب تردد القلب بين عالم الشهادة وعالم الملكوت)[252].

ويدعي الشيخ علي شيرواني أن غير الانبياء (عليهم السلام) يمكنهم بلوغ مرتبة الاطلاع ملكوت السموات والارض ، فيقول بخصوص قوله تعالى في سورة الانعام: ((وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ)) ما نصّه: "الحاصل ان هذه الآية الشريفة ترى ان ملكوت السماوات والارض التي هي ليست ممكنة بغير الشهود العرفاني ، وخارجة عن مقولة الادراك الحسي والعقلي او الفهم المستفاد من الادلة النقلية هي من لوازم اليقين ، وبما ان الوصول الى مرحلة اليقين ليس منحصراً في جماعة خاصة وأشخاص خاصين ، بل دعي الجميع إليه.  ولا بد من معرفة أن هذا النوع من المعرفة ليس مختصاً بالانبياء ، فغيرهم أيضاً إذا وضعوا قدمهم في وادي السلوك واطاعوا أوامر الشارع المقدس ، وتمتعوا بالاستعداد المناسب ، يصلون الى هذا المقام"[253].

ومن المهم التطرق لما ذكره يوسف زيدان: " ولا يفوتنا هنا ، الإشارة إلى أن أول تعبيرٍ مشكلٍ ، قاله صوفىٌّ عن النبوة ، هو عبارة أبى الغيث بن جميل الذى صدم الناس بقوله : (خضنا بحراً وقف الأنبياء على ساحله) .. وقد كان ابن جميل معاصراً لابن عربى ، إذ عاش باليمن وتوفى بها سنة 651 هجرية ، بعد وفاة ابن عربىٍّ بثلاثة عشر عاماً. وقد راح الصوفية المتأخرون على ابن جميل يتفنَّنون فى تأويل عبارته بحيث لا يخرجون بدلالتها عن سياج الشريعة ، إشفاقاً منهم على الصوفية -والمسلمين عموماً- من صدمة العبارة"[254]. وهذا النص يبيّن حقيقة الرؤية الغنوصية للمتصوِّفة تجاه النبوة.


 

[1] تاريخ الفلسفة الغربية / برتراند راسل / ترجمة الدكتور زكي نجيب محمود، مراجعة احمدامين/ الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2010 – الكتاب الاول ص438.

[2] اصول الثقافة السريانية في بلاد ما بين النهرين / فؤاد يوسف قزانجي / دار دجلة في المملكة الاردنية / الطبعة الاولى 2010م – ص124 و125.

[3]  علم الكلام الشيعي / الشيخ حيدر الوكيل - ص40.

[4] هومر: لم يذكر د. عبد المنعم الحفني في كتابه (الموسوعة الفلسفية) شيئاً عنه ! وهو (هوميروس Homeros) مؤلف الالياذة.

[5]  الموسوعة الفلسفية / د. عبد المنعم الحفني – ص316 و318.

[6]  قصة الحضارة / وِل وَايريل ديورانت – الكتاب 8 ،ج3 من المجلد الثاني، ص159.

[7] المصدر السابق – الكتاب 8 ، ج3 من المجلد الثاني ص193.

[8]  نظرية المعرفة في الاسلام / الدكتور جعفر عباس حاجي - ص(21-23).

[9]  سلسلة التعريف بمباحث الفلسفة / محاضرات فديوية للدكتور عدنان ابراهيم ، منشورة في موقع اليوتيوب – ح1. (بتصرف ضئيل).

[10] المسألة الفلسفية / د. محمد عبد الرحمن مرحبا – ص9 و10.

[11]  الخلاصة الفلسفية / السيد علي حسن مطر الهاشمي – ص22 (بتصرّف).

[12]  الفلسفة اليونانية تاريخها ومشكلاتها / د. أميرة حلمي مطر  – ص44.

[13]  الفلسفة اليونانية تاريخها ومشكلاتها / د. أميرة حلمي مطر – ص236.

[14]  الفلسفة اليونانية تاريخها ومشكلاتها / د. أميرة حلمي مطر – ص236.

[15]  المصدر السابق – ص237.

[16]  الفلسفة اليونانية حتى افلاطون / د. عزت قرني – ص33.

[17]  الفلسفة اليونانية تاريخها ومشكلاتها / د. أميرة حلمي مطر – ص21.

[18]  المصدر السابق – ص64 و65.

[19]  الفلسفة اليونانية تاريخها ومشكلاتها / د. أميرة حلمي مطر – ص9.

[20]  الفلسفة اليونانية تاريخها ومشكلاتها / د. أميرة حلمي مطر – ص27 و28.

[21]  الفلسفة اليونانية تاريخها ومشكلاتها / د. أميرة حلمي مطر – ص27 و28.

[22]  الفلسفة اليونانية تاريخها ومشكلاتها / د. أميرة حلمي مطر – ص61 و62.

[23]  الفلسفة اليونانية حتى افلاطون / د. عزت قرني – ص39 و40.

[24]  المصدر السابق – ص40.

[25]  الفلسفة اليونانية تاريخها ومشكلاتها / د. أميرة حلمي مطر – ص39.

[26]   المصدر السابق – ص61.

[27]  الفلسفة اليونانية تاريخها ومشكلاتها / د. أميرة حلمي مطر – ص84 و85.

[28]  الفلسفة اليونانية تاريخها ومشكلاتها / د. أميرة حلمي مطر – ص426 و427.

[29]  الفلسفة اليونانية حتى افلاطون / د. عزت قرني – ص107.

[30]  الموسوعة الفلسفية المختصرة / نقلها عن الانجليزية: فؤاد كامل ، جلال العشري ، عبد الرشيد الصادق – ص320 و321.

[31]  وبلا شك فإن الشبهات التي احاطت بمذهب الشيعة الاثنا عشرية وجعلت المؤلف يحشر اسمه ضمن المتأثرين بالفيثاغورية هو نتيجة الاختراق الصوفي الغنوصي لهذا المذهب الذي يمثل في حقيقته الاسلام المحمدي الاصيل.

[32]  الموسوعة الفلسفية / د. عبد المنعم الحفني – ص353 و354.

[33]  الفلسفة اليونانية تاريخها ومشكلاتها / د. أميرة حلمي مطر – ص70.

[34]  المصدر السابق – ص71 و72.

[35]  المصدر السابق – ص84.

[36]  الفلسفة اليونانية حتى افلاطون / د. عزت قرني – ص33 و34.

[37]  قصة الحضارة / وِل وَايريل ديورانت – الكتاب 8 ، ج3 من المجلد الثاني ، ص188.

[38] نقصد بالفلسفة الظنية تلك الفلسفات المبنية على الظن والرأي، لا الفلسفات المبنية على البديهيات والاسس العقلية المنطقية الاصلية والتي نسميها في كتابنا هذا الفلسفة اليقينية. وكل كلمة (فلسفة) نطلقها في كتابنا هذا بدون اشارة الى كونها ظنية ام يقينية، فإنما نعني بها الفلسفة الظنية.

[39]  فيلسوف فارسي وطبيب ، وقد نقل اسمه الى اللاتينية فكان Avicenna.

[40]  الموسوعة الفلسفية المختصرة / نقلها عن الانجليزية: فؤاد كامل ، جلال العشري ، عبد الرشيد الصادق – ص16.

[41]  دروس في الحكمة المتعالية / السيد كمال الحيدري - ج1 ص48.

[42]  دروس في الحكمة المتعالية / السيد كمال الحيدري - ج1 ص48.

[43]  علم الكلام الشيعي / الشيخ حيدر الوكيل - ص42.

[44] يقول الشيخ المظفر في المنطق (ص228): ان البديهيات هي اصول اليقينيات وهي على ستة انواع: أوليات ومشاهدات وتجريبيات ومتواترات وحدسيات وفطريات.

[45] القياس في المنطق يختلف عن (التمثيل) ، والتمثيل هو: "ان ينتقل الذهن من حكم احد الشيئين الى الحكم الآخر لجهة مشتركة بينهما" ، و(التمثيل) هو الذي يُعرَف في عُرفِ الفقهاء بـ (القياس) الذي يجعله أهل السنّة من أدلة الاحكام الشرعية ، بينما الشيعة الامامية ينفون حجيته ويعتبرون العمل به محقاً للدين وتضييعاً للشريعة. {عن المنطق للشيخ المظفر}.

[46]  الفلسفة اليونانية تاريخها ومشكلاتها / د. أميرة حلمي مطر – ص428 و429.

[47] (كمسالة السنخية بين الخالق والمخلوق ، واتحاد العلم والارادة في اهلو تبارك وتعالى ، وقِدَم العالم ، والمعاد المثالي ، ومنشأية عالم الجنة للنفوس البشرية وقوامها بنفوسهم ، وتبديل العذاب بالعذب في النار و...) ، المصدر: خراسان ومدرسة المعارف الالهية / حوار مع آية الله السيد جعفر سيّدان - هامش صفحة 27.

[48] خراسان ومدرسة المعارف الالهية / حوار مع آية الله السيد جعفر سيّدان - ص(26-29).

[49] الفلسفة / الشيخ مرتضى مطهري - ص14 و15 و23و24.

[50] المصدر السابق – ص23 و24.

[51]  فلاسفة الشيعة / الشيخ عبد الله نعمة – ص41.

[52]  علم الكلام الشيعي / الشيخ حيدر الوكيل - ص12 و13.

[53]  علم الكلام الشيعي / الشيخ حيدر الوكيل - ص14 بتصرف.

[54]  المصدر السابق - ص17.

[55]  المصدر السابق - ص19.

[56] مقال بعنوان (إعادة النصاب، قراءة نقديّة لمقالة – العقل والدين بين المحدّث والحكيم) بقلم الشيخ علي ملكي الميانجي ، ترجمة محمد عبد الرزاق.

[57] الشيعة في الاسلام / السيد محمد حسين الطباطبائي - ص96.

[58]  دروس في الحكمة المتعالية / السيد كمال الحيدري - ج1 ص46.

[59] المنطق / الشيخ محمد رضا المظفر – ص270.

[60] تحت عنوان (الجدل او الديالكتيك) كتبت الدكتورة اميرة حلمي مطر: "فن الديالكتيك كما يسمى باللغة اليونانية هو فن المناقشة والجدل وهي المناقشة التي تهدف الى كشف الحقيقة. وقد وضع سقراط اللبنة الاولى في بناء الديالكتيك عندما حاول ان يصل الى مفهوم واحد ثابت للفضائل المختلفة من خلال المناقشة والحوار. ونجد امثلة واضحة لاستعمال هذا المنهج في محاورات افلاطون المبكرة او في المحاورات السقراطية مثل محاورات لاخيس، ليزيس، واوطيفرون، وهيبياس ... الخ. غير ان افلاطون قد خطى خطوة اخرى ابعد مما وصل اليه سقراط وذلك حين بحث في التصورات العقلية، لا في عالم الاخلاق وحده بل في عالم الطبيعة بأسرها. وكان بحثه عن هذه الحقائق هو ايضاً بحث التصورات العقلية الثابتة التي تفسر الموجودات الجزئية المحسوسة. وكانت التصورات العقلية عنده تعني الانواع والاجناس الكلية التي تكون عالم المثل العقلية. ولكن كيف يصل الفيلسوف الى ادراك هذه المثل، ثم كيف يحدد علاقتها بالاشياء الاخرى التي تشارك فيها ثم كيف يحدد علاقتها ببعضها ويرتبها في عالم واحد على قمته مثال الخير؟ ان المنهج المؤدي الى هذه المعرفة هو الذي يسميه افلاطون بالديالكتيك. وقد عرَّف افلاطون الديالكتيك في= =محاورة الجمهورية بأنه المنهج الذي به يرتفع من المحسوس الى المعقول دون ان يستخدم شيئاً محسوساً، وانما بالانتقال من فكرة الى فكرة بواسطة فكرة" .  أنظر: الفلسفة اليونانية تاريخها ومشكلاتها / د. أميرة حلمي مطر – ص178.

"والمنهج الذي تستخدمه المعرفة الفلسفية (أي فلسفة أفلاطون بعبارة أخرى صريحة) هو منهج "الديالكتيك" أي الحوار العقلي (سواء بين فرد وفرد أو بين الفرد ونفسه) الذي ينتقل من مثال عقلي الى آخر بلا اعتماد على أي شيء "حسي" ولهذا المنهج طريق صاعد، هو الذي اشرنا اليه منذ لحظات والذي يصعد الى المبدأ الأول، وطيق هابط، فبعد الوصول الى المبدأ المطلق يبدأ الفيلسوف في استخراج النتائج التي تنتج عنه وذلك حتى آخر هذه النتائج مستعيناً بالمثل العقلية وبها وحدها، فبينها ينتقل واليها يصل، ومن الطبيعي بعد كل هذا أن تكون المعرفة الديالكتيكية أوثق المعارف وأكثرها يقينا، ثم تتبعها أنواع المعارف الأخرى من رياضية وفنية وتصور للخيالات، وذلك بحسب درجة حقيقة كل من موضوعاتها". أنظر: الفلسفة اليونانية حتى افلاطون / د. عزت قرني – ص212.

[61] المنطق / الشيخ محمد رضا المظفر – ص270.

[62] المصدر السابق – ص271.

[63]  الجدل بين ارسطو وكانط / د. محمد فتحي عبد الله – ص9 و10.

[64]  منهجية الحوار الجدلي في القرآن الكريم والسنة النبوية / د. احمد ادريس الطعان – ص2.

[65]  الجدل في القرآن ، خصائصه ودلالاته / يوسف عمر لعساكر - ص6.

[66]  استخراج الجدال من القرآن الكريم / الشيخ ناصح الدين ابي الفرج أبن الحنبلي ت634هـ – ص31.

[67]  الفلسفة اليونانية تاريخها ومشكلاتها / د. أميرة حلمي مطر – ص178.

[68]  اقتبسنا اسماء متكلمي الشيعة الامامية باختصار من مقدمة الشيخ محمد رضا الانصاري القمي لكتاب (مناهج اليقين في اصول الدين) للعلامة الحلي (رض).

[69] الفضل بن شاذان النيسابوري: وهو من أجلاء أصحاب الرضا والجواد والهادي (صلوات الله عليهم) توفي سنة 260هـ.

[70]  فلاسفة الشيعة / الشيخ عبد الله نعمة – ص46.

[71]  اعيان الشيعة / السيد محسن الامين ج9 ص417.

[72]  المصدر السابق ج9 ص419.

[73]  عقائد الامامية / الشيخ محمد رضا المظفر – ص58.

[74]  ما هو علم الكلام / علي الرباني الكلبايكاني - ص63.

[75]  المصدر السابق - ص64.

[76]  ما هو علم الكلام / علي الرباني الكلبايكاني - ص90.

[77]  المنطق / الشيخ محمد رضا المظفر ص8.

[78]  المصدر السابق.

[79]  الفلسفة اليونانية تاريخها ومشكلاتها / د. أميرة حلمي مطر – ص251 و252.

[80]  المصدر السابق – ص378.

[81] التنقيح في شرح العروة الوثقى / تقرير لابحاث السيد ابو القاسم الموسوي الخوئي (قدس سره) / بقلم الشيخ علي الغروي (قدس سره) – ج1 ص12.

[82] الخلاصة الفلسفية / السيد علي حسن مطر الهاشمي– ص336.

[83] المصدر السابق – ص336.

[84] اصول المعرفة والمنهج العقلي / د. ايمن المصري – ص69 و70.

[85] المصدر السابق – ص70 و71.

[86] المصدر السابق – ص72.

[87] أسس اليقين بيمن الفكر الديني والفلسفي / د. يوسف محمود محمد – ص17.

[88] عن (فاقد الشيء لا يعطيه) قال الشيخ علي حمود العبادي: (هذه كبرى عقلية يكفي لاثباتها تصور اطرافها). أنظر: دروس في التوحيد / تقريرات ابحاث سيد كمال الحيدري – ص126.

[89] الخلاصة الفلسفية / السيد علي حسن مطر الهاشمي– ص87.

[90] المنطق / الشيخ محمد رضا المظفر – ص228.

[91] علم الكلام الشيعي / الشيخ حيدر الوكيل – ص114.

[92] يقول الشيخ حيدر الوكيل: (لا شك ان التراث الروائي الموجود بين ايدينا اليوم هو من اهم ما بقي لنا من جهود ائمتنا الهداة (صلوات الله عليهم) وعلمائنا الاعلام على مر العصور لا سيما العصور الاولى ، وليست العلوم الاخرى الا خادمة وممهدة لفهم هذا التراث وتنظيمه واستخراج النتائج منه ، فما يُدّعى من ان اكثر التراث الروائي عندنا مدسوس شابته الاسرائيليات فهو من قلّة التدبر او الخلط بين تراث الخاصة وتراث غيرهم من الفرق الاسلامية). انظر: علم الكلام الشيعي – هامش ص124.

[93] علم الكلام الشيعي / الشيخ حيدر الوكيل – ص123 و124.

[94] المصدر السابق – ص130.

[95] المصدر السابق – ص130 و131.

[96] فرائد الاصول / الشيخ مرتضى الانصاري (رض) - ج1 ص64.

[97] علم الكلام الشيعي / الشيخ حيدر الوكيل – ص134.

[98] المصدر السابق – هامش ص131.

[99]  علم الكلام الشيعي / الشيخ حيدر الوكيل - ص158.

[100]  المصدر السابق - هامش ص159.

[101] العرفان الشیعي / الشیخ خلیل رزق ، تقريرات محاضرات سيد كمال الحيدري- ص١٦.

[102] الخلاصة الفلسفية / السيد علي حسن مطر الهاشمي – ص47.

[103] قصة الحضارة / وِل وَايريل ديورانت – الكتاب 8 ، ج3 من المجلد الثاني ص193.

[104] راجع مقالنا الموسوم: (الغنوصية ترتدي الحداثة)، منشور في موقعنا الالكتروني الشخصي. ومما جاء فيه: " نتيجة لتسلل الافكار الغنوصية في الفكر الاوربي في محاولتهم للتخلص من سيطرة الكنيسة على الحياة السياسية والاجتماعية، وضمن إطار الدعوة الى الحداثة هناك ، وحيث ان للافكار الغنوصية موطيء قدم في البلاد الاسلامية ايضاً بعناوين التصوف والعرفان، فقد عمد البعض الى المزاوجة بين الغنوصية القادمة من اوربا مع الغنوصية المتغلغلة عند المسلمين في بلادهم لتحقيق نفس هدف التخلص من سيطرة الدين على الحياة الاجتماعية في البلاد الاسلامية. فظهرت افكار سروش وشبستري التي تجعل من التصوف تجربة شخصية مماثلة للتجربة النبوية ! وان النبوة ما هي الا تجربة صوفية غنوصية !! وانه يمكن استبدال الشريعة الاسلامية بشريعة وجدانية تنبع من داخل الانسان بتجربة غنوصية حداثية!!

ويحدثنا فراس السوّاح عن تأثير الفكر الغنوصي في الفكر الحديث فيقول: (كان للفكر الغنوصي عامة تأثير على بعض المفكرين الغربيين في العصور الحديثة وذلك من خلال الصوفي والمفكر الالماني جاكوب بوهمة (نحو 1600م) الذي اسس التيار الغنوصي في الثقافة الاوربية الحديثة. وكان من اكثر المتأثرين بجاكوب بوهمة الفنان والشاعر الانكليزي وليم بليك (1757- 1827) الذي تشف رسوماته وأشعاره عن مؤثرات غنوصية عميقة. وضمن هذا التيار الذي خلقه بوهمة ابتدأت في المانيا بشكل خاص الدراسة الاكاديمية الجدية للغنوصية ، وذلك منذ ظهور كتاب غوتفريد أرنولد: "التاريخ الامبراطوري للكنائس والهرطقات" في عام 1699 ، الذي عرض فيه المؤلف الهرطقات الغنوصية باعتبارها تيارات مسيحية اصيلة. وقد قرأ الكاتب والمفكر الالماني غوتة في شبابه كتاب أرنولد هذا وتأثر به جداً ، وكتب في مذكراته أنه قد رسم في ذلك الحين بتاثير ارنولد الخطوط العامة لنظامه الغنوصي الخاص. وقد استعاد غوتة شغفه الاول ذاك عندما كتب خاتمة مؤلفه الشهير (فاوست) التي يصور فيها تجلي "الانوثة الخالدة" وكانها نسخة عن "صوفيا الغنوصية" التجلي الاكمل للالوهة) . ويستطرد السوّاح في ابراز تأثير الغنوصية في الفكر الحديث فيذكر تاثير الغنوصية على عدد كبير من شعراء الحركة الرومانسية في القرن التاسع عشر الميلادي الذين اخذوا بإعادة ابتكار اساطير غنوصية للتعبير عن موقف من العالم وصل الى شفا هاوية من العدمية ، من هؤلاء: شيلي واللورد بايرون والفونسو دي لامارتن وفكتور هيجو وميهيل امينيسكو ، ويقول انه فيما عدى ليوباردي الذي كان على معرفة واسعة بالغنوصية القديمة ومتاثراً بها بشكل مباشر فإن البقية قد ابتكروا ميثولوجيا تطابقت احياناً في تفاصيلها مع الميثولوجيا الغنوصية القديمة ، وكان هدفهم من ذلك التحرر من تركة العهد القديم في المسيحية، حتى وصل بهم نرضم لمفهوم الالوهة=        =التوراتي الى الموقف المارقيوني (نسبة الى المسيحي المنشق مارقيون من القرن الثاني الميلادي) الذي يرى في إله العهد القديم صانع هذا العالم المادي تجسيداً للشر ويجب مقاومته والتحرر من سلطانه. كما الهمت الغنوصية عدداً من الكتاب المحدثين مثل: اناتول فرانس (1844- 1924) واليكساندر بلوك (1880-1921) والبرت فيروي (1865- 1937) وهيرمان هيسة (1877- 1962) والروسي ميخائيل بولجاكوف ، وفي مجال الفلسفة فقد نشر الالماني فرديناند كريستيان بوير في عام 1935 كتابه المميز في الغنوصية المسيحية والذي دافع فيه عن الغنوصية باعتبارها فلسفة دينية يقابلها في العصر الحديث المثالية الالمانية ممثلة بشيلينغ وهيغل وغيرهم ممن تاثر برؤى بوهمة .

وفي مجال علم النفس الحديث تاثر كارل غوستاف يونغ مؤسس مدرسة علم النفس التحليلي وسيكولوجيا الاعماق ، بالرؤى والصور الغنوصية حتى انه كتب مؤلفاً غنوصياً فيه الكثير من تأملات الغنوصي القديم باسيليد. وبتأثير يونغ قام عدد من علماء النفس بينهم هنري جارلس (Henri Charles) وبيوك (Puech) وكارل كيرني (Karl Kerenye) بتفسير الرموز الغنوصية باعتبارها اسقاطات ميثولوجية للتجربة الذاتية . ويمكن ملاحظة امتداد الفكرة الغنوصية بوجود إلهين اثنين الى الافكار الحداثية ، فقد استفادت الغنوصية من الفلسفة الافلاطونية الوسيطة التي ميزت بين ما يسمى "التفكير العقلي الخطي" و"الخبرة الداخلية الحدسية" التي تقود الى معرفة الله سبحانه وتكشف للروح الانسانية صلتها بعالم الالوهية ، كما قالت هذه الفلسفة الافلاطونية بوجود ما يسمى "ديميرج" يتوسط بين الملأ  الاعلى والعالم المادي ودعته بالاله الثاني" ! وهذا الـ "ديميرج" ممزق بين تأمل الملكوت المثالي الاعلى وبين توجيه عنايته نحو الادنى بإتجاه العلم الحسي.

وفكرة الاله الثاني بدت مترسخة في الغنوصية الى ان ظهرت من جديد عند احمد القبانجي نفسه حينما قال ضمن نطاق افكاره الحداثية بوجود إلهٍ ثانٍ في داخل الانسان وهو "الاله الوجدان" واسماه ايضاً "الاله الشخصي" ! وهو اله مرتبط بالانسان من جهة ومرتبط بـ "الله المطلق" على حد تعبيره ، من جهة اخرى.

قال تعالى في سورة النحل: ((وَقَالَ اللَّهُ لاَ تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ )) ".

[105] الدين العرفاني والعرفان الديني / علي شيرواني– ص67.

[106] مستدرك سفينة البحار / الشيخ علي النمازي الشاهرودي - ج4 ص381.

[107] في حلية الاولياء ، ج9 ص337 نقرأ ان المتوكل العباسي يخاطب ذو النون المصري ابرز رجال الصوفية الغنوصية بقوله: (أنت زاهد اهل مصر؟) فأجابه ذو النون المصري بقوله: كذا يقولون.

[108] نشأة الفكر الفلسفي في الاسلام / الدكتور علي سامي النشار - ج1 ص53.

[109] تاريخ فلاسفة الاسلام في المشرق والمغرب / محمد لطفي جمعة / طبعة ليون القاهرة - ص290. أيضاً نفس المصدر طبعة مؤسسة  هنداوي – ص291.

[110] الاثنا عشرية / الحر العاملي 1104هـ – ص14 و15.

[111] البراهين القاطعة في شرح تجريد العقائد الساطعة / الشيخ محمد جعفر الاسترآبادي المعروف بشريعتمدار - ج2 ص(344-346).

[112] الشيعة في الاسلام / السيد محمد حسين الطباطبائي – ص97.

[113] دراسات في الحكمة والمنهج / السيد عمار ابو رغيف – ص266.

[114] بداية الحكمة / السيد محمد حسين الطباطبائي - ص17.

[115] الحكمة المتعالية عند صدر المتألهين الشيرازي / د. علي الحاج حسن – ص126.

[116] المعرفة وفقاً للمنهج العرفاني عند الامام الخميني / حسن علي المحمود – ص18.

[117] مدخل الى التصوف الاسلامي / د. ابو الوفا الغنيمي التفتازاني – ص195.

[118] مقال بعنوان (مّلا صدرا، الحكيم العارف) بقلم جون والبريدج John Walbridge ، ترجمة طارق عسيلي ، منشور في موقع (معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية). والفلسفية) والمتخصص بالترويج لمدرسة الحكمة المتعالية ومقره في لبنان.

[119]  مع علماء النجف الاشرف / الشيخ محمد جواد مغنية – ص135.

[120] المصدر السابق.

[121] المصدر السابق.

[122] حوار مع د. شهرام بازوكي ، منشور في موقع مجلة نصوص معاصرة بتاريخ 15/12/2014 تحت عنوان (الدين والتصّوف والعرفان، العلاقة والارتباط) ، ترجمة فرقد الجزائري.

[123] مجلة (قضايا اسلامية معاصرة ، العدد 22 ، شتاء 2003م ، في حوار مع داريوش شايغان تحت عنوان: (التعايش بين الاديان ، مقاربات في المرتكزات المعنوية والمعرفية للتعددية) ، ص70.

أنظر: ايضاً: مقال بعنوان (جدليات التفكير الديني في إيران) للاستاذ عبد الجبار الرفاعي ، منشور في عدة مواقع في الانترنيت منها موقع (مشرقيات) وموقع صحيفة الوسط البحرينية.

[124] دارا شكوه (1615 – 1659)م ، الابن الرابع للسلطان شاه جهان ملك الهند وولي عهده، وكان صوفياً و أديباً. واسمه حمد بن شاه جهان بن جهانگير بن أكبر بن همايون بن محمد بابر ابن عمر شيخ الگورگاني الهندي، الملقب بدارا شكوه، المشتهر بقادري. انخرط في الطرق الصوفية وصار منهم. خرج عليه أخوه الأصغر (اورنگ زيب) واتهمه بالالحاد وأمر باعدامه سنة 1069 هـ فأعدم. المصدر: موقع ويكيبيديا الموسوعة الحرة.

[125] حوار مع د. شهرام بازوكي ، منشور في موقع مجلة نصوص معاصرة بتاريخ 15/12/2014 تحت عنوان (الدين والتصّوف والعرفان، العلاقة والارتباط) ، ترجمة فرقد الجزائري.

[126] الصوفية في الاسلام / نيكلسون – ص24 و25.

[127] المصدر السابق – ص28.

[128] منشور في صحيفة الوسط البحرينية - العدد 4017 - الجمعة 06 سبتمبر 2013م الموافق 01 ذي القعدة 1434هـ.

[129] مقال بعنوان (تأثير التصوف في المجتمعات الاوربية) للدكتورة فوزية العشماوي استاذة اللغة العربية والحضارة الاسلامية بجامعة جنيف ، منشور في عدة مواقع في شبكة الانترنيت العالمية.

[130] الاثني عشرية في الرد على الصوفية / الحر العاملي – ص33.

[131] المصدر السابق – ص52.

[132] الصلة بين التصوّف والتشيّع / الدكتور كامل مصطفى الشيبي – ص291.

[133] كشف الظنون عن اسامي الكتب والفنون / حاجي خليفة ت1067هـ – ج1 ص414.

[134] وسفيان الثوري نفسه كان يقول عن جابر بن يزيد الجعفي من اصحاب الامامين الباقر والصادق (عليهما السلام): (جابر الجعفي صدوق في الحديث إلا أنه كان يتشيّع)! هكذا كان موقفه من التشيّع والشيعة. انظر: معجم رجال الحديث للسيد الخوئي (رض)، ج4 ص342. 

[135] نفحات الانس من حضرات القدس / ابو بركات عبد الرحمن الجامي – ص66 و67.

[136] المصدر السابق – ص67.

[137] الصلة بين التصوّف والتشيّع / الدكتور كامل مصطفى الشيبي – ص290.

[138] منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة / حبيب الله الهاشمي الخوئي ت1324هـ – ج13 ص140.

[139] معجم الفلاسفة / جورج طرابيشي – ص417.

[140] مستدركات علم رجال الحديث / الشيخ علي النمازي الشاهرودي - ج5 ص398.

[141] ذيل تاريخ بغداد / ابن النجار البغدادي – ج1 ص252.

[142] تهذيب الكمال / الحافظ جمال الدين يوسف المزّي ت742هـ – ج28 ص147.

[143] المصدر السابق – ج28 ص152.

[144] الكاشف في معرفة من له رواية في كتب الستة / الذهبي ت748هـ – ج2 ص274.

[145] التصوّف / ماسينيون ومصطفى عبد الرازق - ص26 و27.

[146] اعيان الشيعة / السيد محسن الامين – ج4 ص30.

[147] معالم العلماء / ابن شهراشوب – ص56.

[148] معجم رجال الحديث / السيد ابو القاسم الموسوي الخوئي (رض) – ج4 ص328.

[149] بحار الانوار / العلامة المجلسي (رض) / تحقيق محمد باقر البهبودي / دار إحياء التراث العربي في بيروت / الطبعة الثانية 1983م – ج59 ص186.

[150] بحار الانوار / العلامة المجلسي (رض) / تحقيق محمد باقر البهبودي / دار إحياء التراث العربي في بيروت / الطبعة الثانية 1983م – ج1 ص11.

[151] بحار الانوار / العلامة المجلسي (رض) / تحقيق محمد باقر البهبودي / دار إحياء التراث العربي في بيروت / الطبعة الثانية 1983م – ج1 ص43.

[152] اعيان الشيعة / السيد محسن الامين – ج4 ص30.

[153] طب الائمة (عليهم السلام) / عبد الله وحسين ابني سابور الزيات (ابني بسطام النيسابوري) - ص70.

[154] جامع أحاديث الشيعة / السيد حسين البروجردي (رض) ت1383هـ - ج16 ص674.

[155] الطب الكبير يا فرشته نجات (فارسي) / محمد سرور الدين – ص324.

[156]  مكاتيب الائمة (عليهم السلام) / علي الاحمدي الميانجي -ج4 ص339.

[157] الفهرست / ابن النديم البغدادي – ص497.

[158] المصدر السابق – ص504.

[159] معجم المطبوعات العربية / اليان سركيس ت 1351هـ - ج1 ص700.

[160] اعيان الشيعة / السيد محسن الامين – ج4 ص30.

[161] مقال بعنوان (المسلمون وابتكار علم الكيمياء) للدكتور راغب السرجاني ، منشور في موقع قصة الاسلام.

[162] الفهرست / ابن النديم البغدادي – ص499.

[163] كشف الظنون عن اسامي الكتب والفنون / حاجي خليفة ت1067هـ – ج2 ص1415.

[164] شجرة طوبى / الشيخ محمد مهدي الحائري ت1369هـ - ص118.

[165] جامع بيان العلم وفضله / ابن عبد البر ت463هـ - ج1 ص132.

[166] هدية العارفين / اسماعيل باشا البغدادي ت1339هـ – ص343.

[167] اعيان الشيعة / السيد محسن الامين – ج4 ص33.

[168] اعيان الشيعة / السيد محسن الامين – ج4 ص34.

[169] المصدر السابق.

[170] المصدر السابق.

[171] تاريخ الفلسفة الاسلامية / هنري كوبان – ص204.

[172] المصدر السابق – ص207.

[173] الكيمياء عند العرب / د. جابر الشكري - ص29 و30.

[174] سير اعلام النبلاء / الذهبي ت748هـ - ج10 ص604.

[175] في التصور الاسلامي للطبيعة، "الطبيعة بين الضرورة والاحتمال عند جابر بن حيان" / د. مصطف لبيب عبد الغني - هامش ص15.

[176] طبقات الصوفية / ابو عبد الرحمن السلّمي - ص11.

[177] حلية الاولياء وطبقات الاصفياء / ابو نعيم احمد بن عبد الله الاصفهاني ت430هـ - ج9 ص339.

[178] الصوفية في الاسلام / نيكلسون – ص24 و25.

[179] معجم الفلاسفة / جورج طرابيشي – ص314.

[180] المصدر السابق – ص181.

[181] طبقات الصوفية / ابو عبد الرحمن السلّمي - ص25.

[182] معجم الفلاسفة / جورج طرابيشي – ص178.

[183] مجموع فتاوى احمد ابن تيمية / جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم وابنه – ج11 ص444.

[184] تاريخ بغداد / الخطيب البغدادي - ج8 ص112.

[185] المسائل الصاغانية / الشيخ المفيد (رض) – ص58.

[186] شذرات الذهب / ابن العماد الحنبلي ت1089هـ – ج2 ص253.

[187] رسالة في الغناء / الشيخ الحر العاملي (رض) – ص179.

[188] بحار الانوار / العلامة المجلسي (رض) ، ت1111هـ / تحقيق محمد الباقر البهبودي وعبد الرحيم الرباني الشيرازي / دار احياء التراث العربي في بيروت ، الطبعة الثالثة 1983م - ج25 ص345.

[189] خاتمة المستدرك / ميرزا حسين النوري الطبرسي ، ت1320هـ - ج1 ص384.

[190] تصحيح اعتقادات الامامية / الشيخ المفيد (رض) ، ت413هـ – ص135.

[191] الغَيبة / الشيخ الطوسي (رض) ، ت460هـ - ص401.

[192] منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة / حبيب الله الهاشمي الخوئي - ج13 ص284.

[193] المصدر السابق ج13 ص176.

[194] منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة / حبيب الله الهاشمي الخوئي - ج13 ص351.

[195] الروح المجرد / السيد محمد حسين الطهراني - ص444.

[196] المصدر السابق - ص447.

[197] المصدر السابق - ص445.

[198] تفسير ابن عربي / تحقيق الشيخ عبد الوارث محمد علي - ج2 ص233.

[199] اي ان ابن مسرة تربى ونشأ في ظل شغف ابوه الباطني.

[200] معجم الفلاسفة / جورج طرابيشي – ص33 و34.

[201] سير اعلام النبلاء / الذهبي ت748هـ – ج15 ص557.

[202] سير اعلام النبلاء / الذهبي ت748هـ – ج15 ص558.

[203] تاريخ الفلسفة الاسلامية / هنري كوبان – ص 329 و330.

[204] حوار مع د. شهرام بازوكي ، منشور في موقع مجلة نصوص معاصرة بتاريخ 15/12/2014 تحت عنوان (الدين والتصّوف والعرفان، العلاقة والارتباط) ، ترجمة فرقد الجزائري.

[205] ربما يقصد انتشار المنهج الاخباري بين بعض علماء الشيعة في ذلك الوقت.

[206] حوار مع د. شهرام بازوكي ، منشور في موقع مجلة نصوص معاصرة بتاريخ 15/12/2014 تحت عنوان (الدين والتصّوف والعرفان، العلاقة والارتباط) ، ترجمة فرقد الجزائري.

[207] حوار مع د. شهرام بازوكي، منشور في موقع نصوص معاصرة في 15/12/2014 تحت عنوان (الدين والتصّوف والعرفان، العلاقة والارتباط) ، ترجمة فرقد الجزائري.

[208] طبقات الصوفية / ابو عبد الرحمن السلّمي - ص26.

[209] العرفان ألم استنارة ويقظة موت / شفيق جرادي – ص18.

[210] تفسير ابن عربي / ابن عربي – ج1 ص105.

[211] المصدر السابق – ج1 ص248.

[212] تفسير ابن عربي / ابن عربي – ج1 ص295.

[213] المصدر السابق – ج2 ص13.

[214] المصدر السابق – ج2 ص133.

[215] المصدر السابق – ج2 ص152.

[216] الفتوحات المكية / ابن عربي – ج3 ص5.

[217] المصدر السابق – ج3 ص12 و13.

[218] مقال بعنوان (إعادة النصاب، قراءة نقديّة لمقالة – العقل والدين بين المحدّث والحكيم) بقلم الشيخ علي ملكي الميانجي ، ترجمة محمد عبد الرزاق.

[219]  هدية العارفين / اسماعيل باشا البغدادي ت1339هـ – ج2 ص433.

[220]  المصدر السابق – ج2 ص223.

[221]  المصدر السابق – ج1 ص642.

[222]  المصدر السابق – ج2 ص291.

[223]  الذريعة / الشيخ آقا بزرگ الطهراني - ج6 ص50.

[224] هو في الحقيقة ليس تعطيلاً للعقول بل كشف عن امتناع ذاتي فيها عن ادراك حقائق الذات الإلهية المقدسة وكيفية نشاة الكون والمخلوقات. يقول الشيخ ماجد الكاظمي: (فما ذكروه من "تعطيل العقول غير جائز" صحيح فيما للعقل قدرة الاستكشاف ، وأما ما لا يسعه العقل فكيف يستطيع كشفه؟). انظر: الرؤية الفلسفية ، ص58.

[225] الرؤية الفلسفية / الشيخ ماجد الكاظمي - ص57 ، بتصرف قليل.

[226] الشيعة في الاسلام / السيد محمد حسين الطباطبائي - ص105.

[227] التصوّف / ماسينيون ومصطفى عبد الرازق – ص36.

[228] المنقذ من الضلال / ابو حامد الغزالي - ص129.

[229] المعجم الفلسفي / الدكتور جميل صليبا - ج1 ص54.

[230] منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة / ميرزا حبيب الله الهاشمي الخوئي - ج13 ص162.

[231] تفسير ابن عربي - ج2 ص320.

[232] الحكمة المتعالية هي المدرسة الشيعية التي اسسها الشيخ صدر الدين الشيرازي الذي يسميه اتباعه (صدر المتألهين) ويسميه خصومه (ملا صدرا) وهي مدرسة غنوصية تجمع بين العرفان (التصوف) والفلسفة والشريعة وهي تنتسب بأفكارها الى ابن عربي.

[233] دروس في العقيدة الاسلامية / الشيخ محمد تقي المصباح اليزدي – ص53.

[234] الفتوحات المكية / ابن عربي – ج1 ص246.

[235] فصوص الحكم لأبن عربي ، تعليق آية الله العظمى الامام الخميني – ص113.

[236] الدين العرفاني والعرفان الديني / علي شيرواني – ص59.

[237] الدين العرفاني والعرفان الديني / علي شيرواني – ص60.

[238] المصدر السابق – ص62.

[239] المصدر السابق.

[240] الدين العرفاني والعرفان الديني / علي شيرواني – ص63.

[241] الرؤية الفلسفية / الشيخ ماجد الكاظمي - ص39.

[242] تفسير الميزان / السيد محمد حسين الطباطبائي – ج14 ص194.

[243] تفسير الميزان / السيد محمد حسين الطباطبائي – ج14 ص197.

[244] المنقذ من الضلال / ابو حامد الغزالي - ص124.

[245] اسرار الآيات / صدر الدين محمد بن ابراهيم الشيرازي ت1050هـ / تعليقات حكيم مولى علي نوري - ص57.

[246] وقد بيّن تلك العلوم فيما سبق هذا النص بقوله: (الاول اشارة الى العلوم الاعتقادية والثاني الى علم آفات النفس وتهذيب الاخلاق والثالث الى علم الشرائع ومشاغل الحلال والحرام وبيان طريق تحصيلها اما تحقيق أو تقليد).

[247] العلم اللدني: هو العلم الحاصل من الالهام الخاص. يقول سيد حيدر الاملي: (ثم اعلم أن العلم اللدني الحاصل من الالهام وإن كان في جميع الزمنة حاصلاً ، لكن قوته وظهوره في هذا الزمان أكثر لأن الله لمّا سدّ باب الوحي الخاص وانقطع طريق النبوة – كما مرّ – اراد أن ينفتح باب الالهام ويتسع طريق الولاية لطفاً بعباده وعناية بأحوالهم ، وهذا الباب في هذا العالم لا ينسد وهذا الطريق في هذه النشأة لا ينقطع إلا بموت خاتم الاولياء الذي هو المهدي وقيام الساعة باختفائه ، كما أن انقطع طريق النبوة وانسد باب الرسالة بموت نبينا صلى الله عليه وآله وسلم). انظر: جامع الاسرار ومنبع الانوار / سيد حيدر الآملي - ص458.

[248] في نسخة أخرى : " الكلام ". { عن هامش تحقيق الكتاب}

[249] القائل هو ابو يزيد البسطامي. { عن هامش تحقيق الكتاب ومصادر اخرى}

[250] هذا الحديث مع شهرته في السنة الناس لم يوجد لها مأخذ يوثق به وتسكن النفس لاجله الى صدوره عن المعصوم قال المحدث النوري - قدس سره - في المجلد الاول من كتاب دار السلام بعد نقل رؤيا يتضمن هذا الخبر ما لفظه ( 176 من الطبعة الاولى ) : " قلت : قد صرح المحدث الخبير السيد نعمة الله الجزائري في زهر الربيع بعدم عثوره على هذا الخبر في كتب الاخبار ، وعده بعض المخالفين في الاخبار الموضوعة في كتاب صنفه لها ولكن العلامة ( ره ) ارسله عنه ( ص ) في اول كتاب التحرير وفي رجال الكشي عن ابي الجارود قال : قلت للاصبغ بن نباتة : ما كان منزلة هذا الرجل فيكم ؟ - قال ما أرى ما تقول الا ان سيوفنا كانت على عواتقنا فمن أومى الينا ضربناه بها ، وكان يقول لنا : تشرطوا تشرطوا فوالله ما اشتراطكم لذهب ولا فضة ، وما اشتراطكم الا للموت ، ان قوما قبلكم تشارطوا نبيهم فما - مات أحد منهم حتى كان نبي قومه اونبي قريته أو نبي نفسه ، وانكم بمنزلتهم غير انكم لستم بانبياء . وبهذا الخبر يمكن صرف الخبر المذكور عن ظاهره لما دل عليه الادلة العقلية والنقلية من عدم جواز بلوغ غير النبي الى رتبته بان يكون المراد والله العالم ان علماء هذه الامة مثل انبياء بني اسرائيل في اتباعهم لنبي واحد وهو موسى على نبينا وآله وعليه السلام وترويجهم جميعا لشريعته ونشرهم آثاره ووقفهم انفسهم على بيان ما جاء به من الاحكام والعلوم الربانية وعدم كونهم بأنفسهم ذوي سنن متبعة وشرائع منتهجة ، أو المراد من العلماء هم الائمة عليهم السلام على ما يظهر من أخبار كثيرة من انحصار العلماء فيهم ففي الخبر المشهور : نحن العلماء وشيعتنا المتعلمون وباقي الناس غثاء ، وهذا أظهر والله العالم " .  { عن هامش تحقيق الكتاب}

[251] - الأصول الأصيلة / الفيض الكاشاني / الناشر سازمان جاب دانشكاه ، 1390هـ - ص158- 164.

[252] المحجة البيضاء في تهذيب الاحياء / الفيض الكاشاني – ج5 ص46.

[253] الدين العرفاني والعرفان الديني / علي شيرواني – ص79.

[254] مقال ليوسف زيدان بعنوان (تَـجَلِّـيَــاتُ النـُّـبُــــوَّةِ فى فُصُوصِ الحِكَمِ ، لابن عَـرَبى) ، منشور في موقعه الشخصي (موقع يوسف زيدان للتراث والمخطوطات).

 

 

 

 

الرجوع الى واجهة البحث

الصفحة الرئيسية