بسم الله الرحمن الرحيم

قال تعالى: ((وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُداً))

 

شمس التشيّع وغربال العرفان

تمسكاً بمذهب آل البيت الاطهار (عليهم السلام)
ونبذاً لمنهج إبن عربي وملا صدرا وكل أهل التصوّف والعرفان
 

نبيـل الكرخي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

(( وأكمل ذلك لي بدوام الطاعة ، ولزوم الجماعة ، ورفض أهل البدع ومستعملي الرأي المخترع ))

من دعاء مكارم الاخلاق لسيد الساجدين الامام علي زين العابدين (صلوات الله عليه)

 

الهدف من هذا البحث:

إلهـي هـل انت خلقتنا أم افضتنا أم يا ترى نحن من تجلياتك كما يزعم ابن عربي !!!

أم يا ترى انت افضت "الحقيقة المحمدية" وهي التي خلقتنا كما يزعمون !!؟

أم يا ترى كانت تضحيات ومقاتل الائمة الاطهار (صلوات الله عايهم) من أجل ان يتلوّث التشيّع بتصوف وعرفان ابن عربي فيتخذ بعضهم منه إماماً يفسر لهم كيف يفكر خالقهم وكيف هو علمه وإرادته وكيف انه من خلال تثليثه يخلق الكائنات !!

هذه الاسئلة وغيرها ربما تكشف عن عمق الازمة العقائدية التي ينتجها اتّباع مدرسة الحكمة المتعالية الشيعية التي التزمت بإنتقائية التراث الصوفي لابن عربي مع الفلسفة الاشراقية تارة والمشائية تارة اخرى ، ثم تغليف ذلك كله بغلاف الشرعية الدينية بعد سفسطائيات تأويلية باطنية ما انزل الله سبحانه وتعالى بها من سلطان !

فما نهدف اليه في هذا البحث هو تمييز الاصيل عن الدخيل في العقائد الشيعية وايقاف التبعية الفكرية والعقائدية والصوفية لتراث ابن عربي ومنع مساواة الولاء له بالولاء للائمة الاطهار (عليهم السلام). فإذا تمكنّا بحول الله وقوته من التمييز المذكور فعند ذاك نتمكن من ايقاف المد الغنوصي الذي يريد ان يستولي على مذهبنا الاصيل وعقيدتنا الاسلامية المحمدية الطاهرة بعد ان عجز كبار الطغاة من طمس معالمها بقتلهم الائمة الاطهار (عليهم السلام) والعلماء الاخيار (رضوان الله عليهم) وبث الفتن والاضاليل بين ابناء الامة الاسلامية المحمدية الواحدة.

إنَّ قضية ادخال التصوف في العقيدة الشيعية هي قضية حساسة للغاية فمن المعلوم ان الشيعة الامامية ينتهون بجميع قضاياهم الدينية العقائدية والفقهية والاخلاقية الى النبي (صلى الله عليه وآله) عن طريق التمسك بالثقلين اللذين امرنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالتمسك بهما وهما الكتاب الكريم والعترة الطاهرة (عليها السلام) لكي يكون هذا التمسك المرتكز الاساسي في الأمن من الضلال. اما المنهج الغنوصي الصوفي العرفاني الذي تنتهجه مدرسة الحكمة المتعالية الشيعية بالاستناد الى تراث ابن عربي فيعني ان يتم اضافة مفاهيم غنوصية وعرفانية ظنّية كمرتكز ثالث الى جانب الكتاب والعترة وبذلك تنهار المنظومة النبوية التي تعهدت بالامن من الضلال لمن يسلك سبيل التمسك بالثقلين والتي من اجلها سالت الدماء الزكيّة للائمة المعصومين وتقطعت احشاء آخرين منهم بالسم (صلوات الله عليهم أجمعين) !

وغالباً ما يبرز التساؤل عن وجود العديد من اكابر علماء الشيعة من الذين انتموا الى المسلك العرفاني ، فكيف ننتقد هذا المسلك الذي يعني انتقادهم ؟! وجواب ذلك اننا هنا لا ننتقد عموم العرفان والذي هو في اقصى ابعاده لا يتجاوز كونه تجربة شخصية لا يمكن الجزم بصحتها حتى بالنسبة للشخص القائم بها بنفسه ، بل ننتقد ادخاله كبابٍ معرفي للعقيدة الشيعية الامامية المنتمية حصراً الى فكر آل البيت (عليهم السلام) ، فعقيدتنا قد تناقلناها كابراً عن كابر عبر القرون حتى انتهت الى الائمة الاطهار (عليهم السلام) ، فهُم والقرآن الكريم المصدران الوحيدان للعقيدة الاسلامية المحمدية ، فلا ابن عربي ولا غيره من اصحاب المسلك الصوفي الغنوصي يُسمح لهم بإدخال مفاهيم عقائدية مخالفة لمنهج آل البيت (عليهم السلام) او لم ترد عندهم لأننا نعلم ان ائمتنا الاطهار (عليهم السلام) قد بينوا لنا جميع قضايانا العقائدية التي يتوجب علينا معرفتها واعتناقها لنحصل على السعادتين الدنيوية والاخروية ، والقرآن الكريم صريح بانه ((مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ)) فلا مجال لطريق آخر غير طريقهم (عليهم السلام) ولا معارف عقائدية اخرى غير معارفهم (صلوات الله عليهم).

اما العرفان فاذا كان بمعنى التقوى والتكامل الاخلاقي وتطوير الجانب النفسي للمؤمنين فنحن غير معترضين عليه بل قد ننشده ونستفيد منه.    

كما ان الفلسفة اذا كانت بمعنى تطوير القابلية الذهنية والمزيد من التعمق في العلوم العقلية والاستعداد لرد الشبهات التي يثيرها خصوم الاسلام مستندين الى فلسفتهم الغربية ، فلا بأس بدراسة الفلسفة وتعلمها ، ولدينا شاهد على اهمية النتاجات الفلسفية الاسلامية المدافعة عن العقيدة ومنها كتاب فلسفتنا للسيد محمد باقر الصدر، ومن قبله المؤلفات العقائدية للشيخ الخواجة نصير الدين الطوسي والعلامة الحلي. أمّا اذا كانت الفلسفة باباً لإحداث تغييرات عقائدية تنحرف بعقيدتنا بعيداً عما ارشدنا اليه الأئمة الهداة عليهم السلام) من قبيل قول الفلسفة بالواحد لا يصدر عنه الا واحد وتطبيقها على الخالق تعالى عمّا يصفون، او قولهم باستحالة اعادة المعدوم والذي به يحرّفون المعاد الجسماني الى معاد روحاني، او قولهم بوحدة الوجود وما فيه من مفاسد، او قولهم بأن الارادة الالهية هي صفة ذات وليس صفة فعل والذي يؤدي الى القول بقدم العالم. فهذه الاسباب تجعلنا نضع حاجزاً بين الفلسفة وبين العقيدة الدينية، لنلخص الموقف بقولنا: نعم للفلسفة التي تؤيد الدين وعقيدته، وكلا للفلسفة التي تتعارض مع الدين او تحرّف عقيدته، ونعم للفلسفة التي تنبع من العقل الانساني وبديهياته وفطرته لانها فلسفة لن تتعارض مع الدين ولا مع العلم.

اذن قضيتنا منحصرة في رفض ادخال اي مصدر عقائدي آخر غير المصادر المنتهية الى آل البيت (عليهم السلام). نعم قد يُقال ان اهل المنهج العقائدي الغنوصي الصوفي العرفاني يزعمون انهم انما يستندون الى الآيات القرآنية والاحاديث الشريفة فيفسرونها بمعناها الباطني الذي يظنون انه معناها الحقيقي الذي صدرت من اجله ! وقد وجدنا ان منهج علمائنا منذ عصر الائمة (عليهم السلام) وعصر الغيبة الصغرى ثم عصر الغيبة الكبرى هو العمل بظاهر المعنى لا العمل بباطنه ، وعلى هذا تأسست العقيدة الشيعية الامامية. بل ان اللجوء الى اسلوب التفسير الباطني قد يصبح ذريعة ومأخذ على اهل المنهج العقائدي الغنوصي الصوفي العرفاني نتيجة تفسير كلامهم بغير مقاصد معانيه الظاهرية ، فيعترض شخص ويزعم أن ظاهر كلامهم غير حجة ويستلزم الاخذ بباطن كلامهم مما يعني اتخاذ معاني ونظريات جديدة لم يعرفوها ! وتظل تتسلسل القضية ولا يتمكن احد بعد ذلك من ايصال اي فكرة او عقيدة لأن كل من يتكلم ياتي الاخر ويفسر كلامه بغير ظاهره أي بزعم ان باطنه كذا وكذا ، فتشيع الفوضى العقائدية بين الناس !! وهذا بخلاف مقاصد الشريعة المقدسة.

ومن المعلوم إنَّ المنهج العقائدي الغنوصي الصوفي العرفاني هو جزء من مدرسة الحكمة المتعالية وهي مدرسة فكرية ظهرت في التشيّع على يد الشيخ صدر الدين الشيرازي الشهير بصدر المتألهين أو ملا صدرا (980هـ - 1050هـ / 1572م-1640م) بعد اتّباعه للتراث الصوفي لابن عربي ، ولذلك تجد ان هذه المدرسة تجلّ وتحترم ابن عربي وتستنير بفكره وتعلن تبعيتها لأفكاره وتراثه رغم مباينته للثقلين الذين اشار رسول الله (صلى الله عليه وآله) الى ان التمسك بهما يجنب المسلم الضلال ، وهما الكتاب والعترة الطاهرة (عليها السلام).

إذن هدفنا في هذا البحث اعلان ضرورة تجنيب العقيدة الشيعية الامامية كل اثر لمدرسة الحكمة المتعالية ومن كل اثر صوفي غنوصي يتعارض مع منهج أهل البيت (عليهم السلام) القائم على علم الكلام.

 

 

 

الرجوع الى واجهة البحث

الصفحة الرئيسية