بسم الله الرحمن الرحيم

 

افكار بصوتٍ عالٍ عن الفلسفة والعرفان

 

نبيـل الكرخي

الفلسفة وتشمل العلوم التالية:

أ‌. العلوم النظرية: وهي ثلاثة أقسام ، وتشمل:
اولاً. الطبيعيات: وتشمل علم الفلك والمعادن والنبات والحيوان.
ثانياً. الرياضيات: وتشمل الحساب والهندسة والهيئة والموسيقى.
ثالثاً. الالهيات: وتشمل: ما بعد الطبيعة (او البحوث العامة للوجود ، ومعرفة الله).

ب‌. العلوم العملية: وهي ثلاثة أقسام أيضاً ، وتشمل:
أولاً. الاخلاق (يتعلق بالشخص).
ثانياً. تدبير المنزل (يتعلق بالاسرة).
ثالثاً. السياسة (يتعلق بالمجتمع)[1].

وما يهمنا من هذه العلوم الفلسفية حالياً هو علاقة الفلسفة بالإلهيات ، إذ أن الطبيعيات والرياضيات انتقلت الى خانة العلوم التجريبية وحققت تقدماً كبيراً. واما العلوم العملية فقد جاء في الاسلام قواعد رصينة تثبّت الاخلاق وكل ما يتعلق بالاسرة والمجتمع.
فالداعين الى ادخال الفلسفة في العقائد يستندون الى امرين:

الاول: ان فهم الآيات االقرآنية والاحاديث الشريفة انما يتم بصورة ادق من خلال الفهم الفلسفي ، حيث انها ذات مضامين عالية لا تتمكن سوى الفلسفة من كشفها ومعرفة حقائقها بصورة حقيقية. ويرد عليهم ان فهم القرآن وتفسيره بالرأي مذموم شرعاً ، وفهم القرآن الكريم انما يتم من خلال القواعد التي وضعها آل البيت (عليهم السلام) وهي ما نقل عنهم من مأثور ولا سيما ما نقل عنهم من احاديث ومن موارد تفسير القرآن بعضه بعضاً ، وما تسالم عليه البشر من اصول عقلية بديهية.

الثاني: ان أقوى الشبهات التي يذكرها الملحدون ضد التوحيد هي الشبهات الفلسفية ولذلك ينبغي اثبات التوحيد فلسفياً لنتمكن من تفنيد تلك الشبهات بالفلسفة نفسها. وهذا الكلام اذا صح فإنه يتطلب من الفلسفة أمور:

 ان تنطلق الفلسفة في فلسفتها من الآيات والاحاديث لا ان تفرض رؤيتها عليهما.
ـ ان لا تكون هناك قواعد فلسفية تخالف نصوص الكتاب والسنة. وقيل أن هناك مقولة لملا صدرا يقول فيها: تباً لفلسفة لا تطابق الشريعة.
ـ ان تتجنب الفلسفة الخوض في الغيب (ما افترضته من وجود عالم العقول وعالم المثال) وكل ما لم يرد عليه دليل بخصوص وجود تلك العوالم او الصادر الاول الذي يسمى ايضاً الحقيقة المحمدية ، اذ لا يعلم الغيب الا الله تعالى.
ـ ان يكون محل عمل الفلسفة هو ما يمكن ان يوجد من "منطقة الفراغ" العقائدي إنْ صح التعبير ، وهي منطقة القضايا التي لم يرد بها نص من القرآن الكريم والسنة الشريفة. اما ما سبق لعلم الكلام ملئه من قضايا فكرية ممتدة من زمن الائمة عليهم السلام فلا يصح للفلسفة ان تتدخل فيها وتغيرها لأن ذلك يعني ظهور انقطاع عقائدي بين زمان ظهور العقائد الفلسفية وزمن المعصومين عليهم السلام. وهو يعني عدم معرفتنا برضى المعصومين (عليهم السلام) عن تلك العقائد المستحدثة ، لا سيما مع وجود العديد من الاحاديث الشريفة التي تذم الفلسفة.

وعندما تحدث السيد الشهيد محمد باقر الصدر عن الفلسفة الاسلامية ونقضه للفلسفة الغربية بكتابه الشهير (فلسفتنا) فهو إنما استند في نقضها الى القضايا العقلية البديهية (التي يتفق عليها العقلاء من المتكلمين والفلاسفة) ولم يلتزم أي قاعدة فلسفية من قواعد الحكمة المتعالية ، وفي خصوص الحركة الجوهرية فقد استشهد في فلسفتنا بملا صدرا وقوله بالحركة الجوهرية لا على سبيل صحتها بل على سبيل ان الماركسيين ليسوا هم اول من قال بالحركة الجوهرية بل سبقهم المسلمون اليها ، فإن كانت حقاً ففي المسلمين من هم السابقون الى القول بها وإن كانت باطلة فهي ليست من صميم العقيدة الاسلامية وبطلانها لا يؤثر على العقيدة شيء بل يكشف عن بطلان الفكر الماركسي الذي يتبناها ايضاً كأحد اهم مرتكزاته الفكرية.

ومن خلال ما اطلعنا عليه من موروثات مدرسة الحكمة المتعالية وجدنا انها لا تسعى فقط للغوص في عالم المعرفة عبر الفلسفة والعرفان بل ان لديها طموح كبير في التحكم في الكون عبر النتائج الفلسفية والعرفانية التي تتوصل اليها ، ويدل على ذلك امور عديدة اهمها:

  • ـقول سيد كمال الحيدري في معرض كلامه عن الاسماء الحسنى: (إنَّ الانسان لو رزق علم الاسماء وعلم الروابط والعلاقات التي بينها وبين الاشياء وما تقتضيه اسماؤه تعالى مفردة ومؤلّفة ، علم النظام الكوني بماجرى وبما يجري عليه من قوانين كلّية منطبقة على جزئياتها واحداً بعد واحد)[2].

  • ان لدى غالبية المشتغلين بالعرفان والفلسفة كتب روحانية تتحدث عن علم الحروف وعلم الرمل وعلم الطلاسم والتنجيم والسحر وتسخير الجان ، وابرز من برع في هذا الميدان الغزّالي وابن عربي وابن سينا وغيرهم.

    إذن الحكمة المتعالية ليست مدرسة معرفية فقط بل هي مدرسة تطمح للتحكم بمقدرات الانسان من الناحية الفكرية والواقعية.

    فماذا يمكن ان يحدث لو تمكن إنسان من الحصول على مفاتيح التحكم بمقدرات الناس وكان غير معصوم بحيث يمكن ان يقترف اخطاءاً متنوعة الحجم والتاثير ! هل نتوقع الخير للانسانية في تلك الحالة أم نتوقع تدهور مصيرها نحو الشر ؟ وقبل ذلك هل من الممكن فعلاً ان يحصل إنسان غير معصوم على مفاتيح التحكم بمصير البشر والانسانية والواقع ؟ ام انه يمكن للانسان الحصول على بعض المعرفة التحكمية بمقدرات الانسانية من قبيل السحر وتسخير الجان ، وكلنا يعرف موقف الشرع المقدس من تحريم السحر وتحريم ما كان مضراً من تسخير بالمؤمنين.

    وأيضاً نجد أن مدرسة الحكمة المتعالية تريد من الانسان ان يعيش عالم المادة (الطبيعة) وعالم الغيب في آنٍ واحد ، كما يحصل فيما بعد الموت ، ولكنها تستبق الامور ، تستبق الموت ، فهل هذا الاستباق هو مما يريده الله سبحانه من الانسان ، وقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (كل ميسر لما خلق له) ، فالانسان ميسر له في عالم المادة قبل الموت ، وميسر له عالم البرزخ بعد الموت ، وميسر له عالم القيامة والحشر بعد الموت. ولكن هل عالم الجان ميسر للانسان في حياته الدنيا ، وهل عالم الملائكة ميسر للانسان في حياته الدنيا ؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي تقرير إجابته.


    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    [1] الخلاصة الفلسفية / السيد علي حسن مطر / مؤسسة ذو الجناح ، الطبعة الاولى 2003م – ص11.
    [2] بحوث عقائدية 4-6 / السيد كمال الحيدري / دار فراقد ، الطبعة الثالثة 2011م – ص24.

 

 

 

 

الصفحة الرئيسية