بسم الله الرحمن الرحيم

 

مناقشة قولهم "بسيط الحقيقة كل الاشياء" وإبطاله

 

نبيـل الكرخي

ذكر الشيخ علي حمود العبادي في معرض اثباته علم الواجب بالاشياء قبل الايجاد مقدمتين الاولى ان الواجب تعالى بسيط ونحن نرى ان استخدام لفظ (احدي) بدلاً من (بسيط) اليق بعظمة الله سبحانه. والمقدمة الثانية ان بسيط الحقيقة كل الاشياء وهي قاعدة وضعها ملا صدرا (صدر المتألهين) حيث قال عنها: (إن كل بسيط الحقيقة يجب ان يكون كل الاشياء بالفعل ، وهذا مطلب شريف لم أجد في وجه الارض من له علم بذلك)[1].

أقول: ان اعترافه بانه ليس على وجه الارض من له علم بما افترضه يدل على ان الحق بعيد عنه ، فلو كان ما قاله حقاً وهو عنده اصل من اصول الهداية لوجدناه في القرآن الكريم الذي قال ((ما فرطنا في الكتاب من شيء)) او في الاحاديث الشريفة عن آل البيت الاطهار وهم احرص الناس على بيان ما يتعلق بالهداية من حقائق.

واما قاعدته نفسها التي تقول بسيط الحقيقة كل الاشياء فالاصح منها القول ان الاحد هو خالق كل الاشياء ، وأن الاحدية هي باب خلق كل الاشياء. فلو لم يكن الخالق احدياً لأصبح محتاجاً لأجزائه ولأصبح فقيراً ولما اصبح الهاً.

ولذلك قال الله تعالى في التعريف بذاته المقدسة: (( قل هو الله أحد )) ... (( ولم يكن له كفواً أحد )). فهو الاحد اولاً وآخراً.

ويشرح المؤلف في نفس الصفحة قاعدة الملا صدرا كالتالي:

الله غير مركب أي احدي ويسميه بسيط

كل هوية (شيء) صح ان يسلب عنها شيء فهي متحصلة من ايجاب وسلب فهي مركبة

فبعكس النقيض ينتج:

كل بسيط (احدي) لا يسلب عنه شيء لأنه غير مركب

إذن الواجب تعالى لا يسلب عنه شيء حتى لا يصبح مركباً

وبما ان الواجب تعالى لا يسلب عنه شيء لأنه ليس مركباً فهو كل الاشياء

!!!!!

وينقل المؤلف في ص124 عبارات ملا صدرا نفسها فيقول: (بتعبير صدر الدين نفسه: "إن الهوية البسيطة الالهية لو لم تكن كل الاشياء لكانت ذاته متحصّلة القوام من كون شيء ولا كون شيء آخر ، فيتركب ذاته ولو بحسب اعتبار العقل وتحليله من حيثيتين مختلفتين ، وقد فُرِضَ وثَبتَ أنه بسيط الحقيقة ، هذا خلف. فالمفروض أنّه بسيط إذا كان شيئاً دون شيء آخر ، كأن يكون { أ } دون { ب } فحيثية كونه { أ } ليست بعينها حيثية كونه { ليس ب } وإلا لكان مفهوم { أ } ومفهوم { ليس ب } شيئاً واحداً ، فالملزوم مثله ، فثبت أن البسيط كل الاشياء").

ولا بد قبل ان نخوض في مناقشة القاعدة ان نقول أن المقصود بالاشياء في هذه القاعدة هي الاشياء الموجودة فلا يدخل في بحثنا هذا الصفات ، حيث يقال ان الله عالم وانه ليس بجاهل ، فلا يصح وفق هذه القاعدة ان يقال ان الله عالم وجاهل بذريعة نفي التركيب ، فالقاعدة هنا تتحدث عن الموجودات وليس عن الصفات.

والان ، ان قاعدة بسيط الحقيقة كل الاشياء تعني بعبارات اخرى أننا لا يمكن ان نقول ان الواجب ليس كوكباً او ليس قمراً او ليس شمساً ، فهو كل الاشياء !! لأننا لو قلنا ذلك لأصبح الواجب مركباً من انه = (الواجب) + (ليس كوكباً) ، وهذا لا يجوز لأنه اصبح مركباً !!

هل تصدقون هذه القاعدة الشركية التي تمنع المسلم من القول ان الله ليس شمساً وليس قمراً وليس صنماً !!؟؟؟

ومن جهة اخرى ، فالمؤلف يتحدث عن هذه القاعدة (بسيط الحقيقة كل الاشياء) في معرض اثباته (علم الواجب تعالى بالاشياء قبل الايجاد) ، بينما هذه القاعدة لا تتحدث عن العلم بل عن وجود الشيء فعلاً ، وبذلك نجد ان استدلال المؤلف بهذه القاعدة في هذا الموضوع غير تام. فايرادها في موضوع وحدة الوجود ادق من ايرادها هنا.

 

وقد ذكر الشيخ حيدر حب الله شرحاً للمراد من قاعدة (بسيط الحقيقة كل الاشياء) ننقله بنصّه ثم نناقشه:

قال : (تعني قاعدة )بسيط الحقيقة كلّ الأشياء وليس بشيء منها( أنّ ما كان واحداً من الجهات جميعاً بالوحدة الحقّة التامّة لا بالوحدة العددية فقط، وليس إلا الله سبحانه وتعالى هو الواحد بالوحدة الحقة التامّة، فهو كلّ الأشياء والأشياء كلّها تكون هو، لا كل شيء على حدة يكون هو الله فكلّ الأشياء هي الله لا أنّ هذا الشيء أو ذاك هو الله. وقد استدلّوا لذلك بأنّ الله تعالى بسيط لا يوجد فيه أيّ نوع من أنواع التركيب على الإطلاق، فإذا فرضنا أنّه واجب الوجود وفرضنا أنّه ليس العالمَ، فسوف يكون مركّباً من جهتين: الأولى من إثبات الله له أي إثبات ذاته له، والثانية من نفي العالم عنه، وهذا التركيب وإن كان عقليّاً إلا أنّه يحكي عن واقع خارجي، فأيّ شيء يتألّف من ذاته ومن سلب الغير عنه ففيه جهة تركيب، وكل شيء منّا مؤلّف من سالب وموجب، والموجب هو أنه ذاته والسالب هو أنه ليس غيره، والله لا تركيب فيه فلابد أن لا يكون هناك غيره أبداً حتى يكون بسيطاً. ومعنى أنّه ليس هناك غيره لا أنّه هو الشجر والحجر، بل بمعنى أنّه الوجود الواحد الذي يعرفه العالم؛ لأنّ الحجرية والشجرية ليست وجودات وإنما ماهيات اعتبارية، ومن هنا كانت نظرية بسيط الحقيقة وثيقة الصلة بنظرية أصالة الوجود.

 

وقد نظّر لهذه القاعدة الفلسفية (بسيط الحقيقة) صدر الدين الشيرازي بشدّة، واعتبر أنه لم يفهمها على وجه الكرة الأرضية سواه وسوى أرسطو على حدّ تعبيره، ولكنها موجودة في كلمات الفلاسفة، وميزة الملا صدرا أنه حاول تقويتها والاهتمام بها في الأبحاث الفلسفية، وهي تثبت وحدة الوجود بمعنى من المعاني. والله العالم)[2].

قول الاستاذ حب الله :(فهو كلّ الأشياء والأشياء كلّها تكون هو، لا كل شيء على حدة يكون هو الله فكلّ الأشياء هي الله لا أنّ هذا الشيء أو ذاك هو الله) ، هذا الامر يعود لقضية وحدة الوجود فالاستاذ هنا يقصد ان كل الموجودات وجودها واحد هو وجود الله حيث انهم يقولون ان لا وجود الا وجود واحد ولذلك قالوا وحدة الوجود.

فمن غير المعقول انه يقصد ان مجموع (الشمس والقمر والصنم والحجر والاشجار والحيوانات) الخ الموجودات هي الله تعالى بل قصده وجود هذه الاشياء هو وجود واحد بالاضافة الى انه نفس وجود الله ، ولذلك يقولون وحدة الوجود.

فمن غير المعقول ان يكون قصد الاستاذ حب الله ان الله هو مجموع الممكنات !!

وقبل الاسترسال في مناقشة كلام الاستاذ حب الله ينبغي الاشارة الى قضية اخرى وهي ان مدرسة الحكمة المتعالية تعتبر الله سبحانه بلا ماهية فهو وجود فقط. اذن دعونا لا ننسى ان الله تعالى ليس عنده ماهية بحسب مدرسة الحكمة المتعالية.

قول الاستاذ حب الله: (فإذا فرضنا أنّه واجب الوجود وفرضنا أنّه ليس العالمَ، فسوف يكون مركّباً من جهتين: الأولى من إثبات الله له أي إثبات ذاته له، والثانية من نفي العالم عنه، وهذا التركيب وإن كان عقليّاً إلا أنّه يحكي عن واقع خارجي، فأيّ شيء يتألّف من ذاته ومن سلب الغير عنه ففيه جهة تركيب، وكل شيء منّا مؤلّف من سالب وموجب، والموجب هو أنه ذاته والسالب هو أنه ليس غيره، والله لا تركيب فيه فلابد أن لا يكون هناك غيره أبداً حتى يكون بسيطاً).

ومعنى ذلك اننا اذا قلنا ان الله موجود فلا يمكن ان نقول ان وجود الله ليس وجود الصنم لأن ذلك يعني التركيب للواجب تعالى كالاتي:

وجود الله + ليس وجود الصنم = تركيب ، بينما الله تعالى لا يجوز ان يكون مركبا فهو احدي الوجود (بسيط) .... ولذلك لا يصح ان نقول ان وجود الله ليس وجود للصنم بل هو وجود واحد !!

اذن الوجود واحد لله تعالى وللصنم وللشمس وللقاذورات !!

فحينما يقول انسان للشمس: هذا ربي فقد يقصد ان وجودها هو نفس وجود الله فهي ربه من حيث الوجود ، وكذلك الاصنام وبوذا وكل المعبودات ، كلها هي الله من حيث الوجود !! وحتى الحلاج فقد كان صادقاً بحسب هذه النظرية حينما قال ما في الجبة الا الله ! وهو يقصد بذلك وجوده. بل حتى الجبة هي الله من حيث وجودها !!

ولذلك ينقل عن ابن عربي عقيدة وحدة الاديان وانها جميعا تقود الى الله تعالى عما يصفون. ويظهر انه من هنا نشأت فكرة الصراطات المستقيمة عند سروش واتباعه حيث يظهر من بعض كتاباته تاثره بالفكر الصوفي.

بقي شيء نذكِّر به ، وهو إذا كان الوجود واحداً ووجود الله تعالى كوجود بقية الممكنات ، فأين نذهب بقوله تعالى: (( ليس كمثله شيء )) ؟! وهؤلاء يقولون بل مثله كل شيء !!!


 

الهوامش:

[1] دروس في التوحيد / الشيخ علي حمود العبادي / تقريرات ابحاث سيد كمال الحيدري / دار فراقد ، الطبعة الثانية 2012م – ص123.

[2] الموقع الرسمي لسماحة الشيخ حيدر حب الله ، عبر الرابط: http://hobbollah.com/include/maqalat2.php?mod=6&cat1=28&id=207

 

 

الصفحة الرئيسية