بسم الله الرحمن الرحيم

 


المنهج العرفاني لاحمد القبانجي
 

 

نبيـل الكرخي

 

يصف احمد القبانجي نفسه بأنه من "العرفانيين الجدد" في إطار دعوته لما اطلق عليه الوجدان أو "الاله الشخصي" كما يصفه في بعض محاضراته. وتقوم اساس دعوته الوجدانية التي اتخذ من "الوجدان" شعاراً لها على مزاعم أنه ليس هناك انبياء ورسل من الله الى الخلق بل ان البشر مرتبطون بالله تعالى من خلال "الوجدان الاله" الصادر عن الله تعالى كصدور اشعة الشمس عن الشمس ، على حد تعبيره. وهذا "الوجدان الاله" يقبع داخل الانسان ، وفي داخل كل انسان هناك "اله – وجدان" خاص به ، ولذلك فعلى كل انسان ان يعمل بوجدانه وليس بوجدان شخص آخر حتى لو كان ذلك الشخص الآخر يزعم انه نبـــي  !!

والأسس التي وضعها احمد القبانجي لنفسه وذكرها في محاضراته هي مزاعمه التالية:

·        القرآن فيه اخطاء وغير صادر من الله سبحانه ! وهي دعوى قديمة نادى بها المبشرون النصارى والمستشرقون من خصوم الاسلام فعاد احمد القبانجي ليحييها من جديد !

·        الوجدان في داخل كل انسان هو وجدان صغير مرتبط بالله ارتباط اشعة الشمس بالشمس !

·        كل وجدان معصوم.

·        وجدان النبي هو مصدر القرآن وليس الله عز وجل ، فالنبي كما يزعم احمد القبانجي صادق ولم يختلق القرآن ولم ينسبه زوراً الى الله بل توهم ان القرآن من الله تعالى بينما هو من وجدانه ، فالنبي اخطأ في فهم وجدانه !

 

وهنا تبرز الى الساحة النقدية عدة اثارات:

§        لم يبين احمد القبانجي مفهومه للوجدان ولا حدود حركة الوجدان ومهمته ولا ضوابط عمله ولم يبين الدليل على وجود الوجدان.

§        لماذا لم يقم الوجدان الاله بتصحيح فهم النبي وخطأه حينما نسب القرآن لله سبحانه بدلاً من وجدانه !! ولماذا اخطأ الانبياء السابقون كإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام في فهم وجدانهم ونسبوا كل الكتب التي جاؤا بها الى الله عزَّ وجل بينما هي صادرة عن وجدانهم بحسب فرضية احمد القبانجي ؟!!

§        كيف يكون النبي غير معصوم ووجدانه معصوم مع ان الوجدان هو جزء لا يتجزأ من النبي وفكره وما يصدر عنه من قول وفعل !!

§        ما فائدة وجود وجدان معصوم اذا كان المتلقي غير معصوم وهو النبي.

§        لماذا لم يتدخل الله سبحانه مباشرة لتصحيح فهم النبي لوجدانه ؟

§        هل ان وجدان النبي ناطق بأمر الله ام باستقلال عنه. فاذا كان بأمر الله فهو نفس دور الوحي وان كان باستقلال فذلك يعني تعدد الآلهة حيث ان احمد القبانجي يقول ان الوجدان هو اله صغير داخل الانسان !

§        احمد القبانجي اعترض في محاضرته (حقيقة الوحي) وقال ما يدرينا ان جبريل كان صادقاً في نقله للقرآن ؟! ونحن بدورنا نقول ما يدرينا ان وجدان النبي كان صادقاً ومعصوماً. فاحمد القبانجي يدعي ان الوجدان معصوم ولكننا لا نعلم صحة هذه القضية اذ لا دليل عليها ، واحمد القبانجي لم يذكر دليلاً على عصمة الوجدان !

§        لنفترض ان القرآن صادر عن وجدان النبي وان فيه اخطاء ، مجرد فرضية ، وفرض المحال ليس بمحال ، فلماذا لم يصدر عن وجدان شخص آخر قرآن آخر ؟! لماذا اصبح وجدان النبي هو المنبع الوحيد للقرآن رغم الاخطاء الموجودة فيه بحسب زعم احمد القبانجي؟ الا يكشف تفرد وجدان النبي بصدور القرآن عنه ان الله اختار هذا النبي لنقل القرآن من خلال وجدانه ، حيث يقول احمد القبانجي كما اسلفنا ان الوجدان مرتبط بالله كارتباط اشعة الشمس بالشمس ، اذن وجدان النبي مرتبط بالله سبحانه وتفرد هذا الوجدان بالقرآن يعني انه بأختيار من قبل الله عز وجل.

§        اذا كان الوجدان الالهي مرتبط بالله تعالى وصدر عن الوجدان القرآن اذن فالقرآن الصادر عن الوجدان هو قرآن ليس فيه اخطاء كما ان النبي صادق ولم يتعمد الكذب اذن فان مصدر الخطأ هو بين النبي ووجدانه !! أي بانتقال القرآن من وجدان النبي الى النبي !! فما هو مصدر هذا الخلل لماذا كانت العلاقة بين النبي ووجدانه فيها خلل بحيث كان هناك فهم خاطيء !! وهل من المعقول ان لا يفهم الانسان وجدانه ؟! اذن كيف يزعم احمد القبانجي ان الانسان مرتبط بالله من خلال الوجدان اذا كان يفهم الوجدان بصورة خاطئة وليست هناك قناة صافية بينهما ؟! اذن لا يمكن للانسان ان يتصل بالله من خلال الوجدان لأن قناة الاتصال يمكن ان تكون ضبابية تؤدي الى فهم خاطيء !!!

اذن بناءا على ما تقدم لا يمكن للوجدان ان يؤدي دوره كوسيط بين الله والانسان. فهل يعلم الله هذا القصور في العلاقة بين الانسان ووجدانه ، بكل تاكيد يعلم ذلك ولذلك لم تكن هناك علاقة مباشرة بين الانسان والله من خلال الوجدان بينما كانت العلاقة هي بين الله والنبي من خلال الوحي ثم يقوم النبي ببيان اوامر الله للناس من خلال دعوتهم وارشادهم. ودور النبي هنا يتطلب ان يكون معصوما لكي يفهم الوحي بصورة تامة ويبلغه بصورة تامة ، كما يتطلب ان يكون الوحي صادقا في نقل اوامر الله سبحانه بكل دقة وامانة. وهذا هو عين قول المسلمين ونظرتهم العقائدية.

ولفهم اسباب انحراف احمد القبانجي وحقيقة دعوته الوجدانية لا بد من عرض موجز للعرفان ومعناه وابعاده ، ثم نبين كيف انسلخ احمد القبانجي عن منهج العرفانيين المسلمين ليكون لنفسه منهجاً وجدانياً ضمن ما اطلق عليه اسم "العرفانيون الجدد".

 

العرفان والسبب الفكري لانحراف احمد القبانجي:

يقول الشهيد مرتضى مطهري: "إن العرفان من العلوم التي ولدت وترعرعت وتكاملت في مهد الثقافة الاسلامية"[1] ... وبيّن ان للعرفان ناحيتين ناحية اجتماعية هي التصوف كونه طريقة سلكتها فرقة اجتماعية. وناحية ثقافية بإعتباره واحداً من العلوم الاسلامية ، وهو بهذا الوصف يقسم الى قسمين العرفان النظري والعرفان العملي. فالناحية النظرية منه تختص "بدراسة الوجود والتعرف على الله والكون والانسان ، ومن هذه الناحية يكون العرفان مشابهاً للفلسفة إذ يحاول تفسير الوجود"[2]. اما الناحية العملية للعرفان "فهي عبارة عن علاقة الانسان وواجباته تجاه نفسه والكون وخالقه ... وهذا القسم من العرفان يسمى بـ (علم السير والسلوك) الذي يتعرض الى بيان البداية التي ينبغي على السالك أن يخطوها للوصول الى (التوحيد) الذي هو قمّة الانسانية المنيعة ، والمنازل والمراحل التي يجتازها في طريقه والحالات التي تعرض له في هذه المراحل)[3].

"وقد عُرِفَ مشايخ العرفان بوصفهم طبقة علمية بـ (العرفاء) وبوصفهم شريحة اجتماعية بـ (المتصوفة)[4]. وأداة العرفاء هي القلب وتهذيب النفس وتصفيتها بخلاف الفلاسفة الذين يستخدمون العقل والاستدلال والبرهان[5].

ولكن ما هو العرفان؟ يقول الشهيد مطهري: "العرفان المصطلح عبارة عن صرف الذهن عما سوى الله والتوجه الكامل لذات الحق والتعرض لنوره"[6]. وابرز ما يميز العرفان أنه يحدث للصوفي بطريق مباشر ، وهو اشبه شيء بالومضة فهو من قبيل الادراك المباشر الوجداني في مقابل الادراك الحسي المباشر والادراك العقلي المباشر أو الحدس[7].

ويصور اهل العرفان ان له ارتباطاً بالاسلام وبالاسلام حصراً ، ويحاولون ان يجدوا لهم مستند في الكتاب والسنّة. غير ان شواهد عديدة تكشف عن ان العرفان كان له وجود في الامم الاخرى قبل الاسلام. يقول جميل صليبا: ويطلق اسم العرفانية أو الغنوصية (Gnosticisme) على المذهب الذي انتشر في القرنين الثاني والثالث للميلاد ، وامتد بطريق الافلاطونية الحديثة (الذين اخذوا بنظرية التوفيق بين العقائد المختلفة)[8] الى فلاسفة الاسلام ، وخلاصته ان العقل البشري قادر على معرفة الحقائق الالهية ، وان الحقيقة واحدة وان اختلف تعليمها ، وان الموجودات فاضت عن الواحد ولها مراتب مختلفة اعلاها مرتبة العقول المفارقة وادناها مرتبة المادة التي هي مقر الشر والعدم ، أما النفس التي هبطت الى هذا العالم فانه لا خلاص لها الا بالمعرفة ، بل الخلاص بالمعرفة افضل من الخلاص بالايمان والاعمال الصالحة[9].

فالعرفان أو "المعرفة بالله" ترادفها في اللغة اليونانية كلمة Gnosis التي معناها: العلم بلا واسطة الناشيء عن الكشف والشهود[10].

"ونجد في المأثور العرفاني عدداً من النصوص التي تجيب عن ظاهرة التشابه بين التصوف أو العرفان وبعض المذاهب الروحية الاجنبية ، ونذكر على سبيل المثال ما نقله ابن العربي عن الجنيد ما يؤكد فيه حرص هذه الطائفة على الالتزام بما جاء في الدين من تعاليم وتقيّدهم بما انزل الله تعالى. يقول ابن العربي: (فلرفع الشبه الذي وقع بيننا وبين من لا يؤمن بالشرائع قال الجنيد: عملنا هذا وإنْ وقع فيه الاشتراك بيننا وبين العقلاء فأصل رياضتنا ومجاهدتنا وجميع اعمالنا التي اعطتنا هذه العلوم والاثار الظاهرة علينا إنما كان من علمنا على الكتاب والسنة. فهذا معنى قوله: (علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة)"[11]. وهذا يؤكد ان العرفان له امتداد في الامم الاخرى غير انه يبرز ان هناك دعوة لأن لا يكون العرفان بديلاً عن الشريعة ، وهذا بخلاف الدعوة الوجدانية لأحمد القبانجي.

إذت العرفان او الغنوصية تمتاز بميزة مهمة هي مدار بحثنا هذا وهي انها تزعم ان العارف يمكنه بواسطة ادراك وجداني مباشر تحصيل العلم والمعرفة بصورة مباشرة بلا واسطة لوحي او غيره ، بل بواسطة الكشف والشهود. فجاء احمد القبانجي وطوّر هذه المزاعم وقال ان النبوة اصلاً غير موجودة بل هي عبارة عن كلام وجدان النبي (صلى الله عليه وآله) ، فنسب الكشف الذي يزعمه العرفاء والمتصوفة الى النبي (صلى الله عليه وآله) واعتبره واحداً من المتصوفة الغنوصية وأنه ليس هناك وحي ولا كلام الله عز وجل !! فكان هذا هو اساس بدعة احمد القبانجي وانحرافه عن الاسلام وضلاله. فدعوته هي دعوة غنوصية مماثلة للدعوات الغنوصية التي ظهرت منذ القرن الثالث بعد الميلاد وظهور المسيحية ومماثلة للدعوات الصوفية التي ظهرت منذ القرن الثالث الهجري.

انظروا لهذه النصوص وشدة شبه ما جاء فيه مع ما يدعو احمد القبانجي اليه:

·        يقول الأب جورج رحمة في مقدمة كتابه (ايريناوس اسقف مدينة ليون): "حاولت الغنوصية أن تخلق تيّارا مسيحيا جديدا ، موافقا للعصر كما يدَّعي أتباعها , هو مزيج من أساطير الشرق الدينية ومن المبادئ الخلقيّة للفلسفة اليونانية. وبالطبع ، في تيّار كهذا ، لم يبقى دور للوحي ألالهي في المعرفة اللأهوتية ، وحتى في ألايمان بأنجيل المسيح ، والكمال ، الذي كان غاية الغنوصيين ألأساسية ، لا يمكن التوصل اليه في نظرهم الاّ بالمعرفة العقلية كطريق اخير الى معرفة الله ، الأمر الذي دفع بالكثيرين منهم الى تشويه حقيقة الوحي بالذات ومحاربة الكنيسة من خلال محاربة تعاليمها المبنية على هذا الوحي"[12].

·        يقول فراس سواح وهو يتحدث عن الغنوصية ان فريقاً من الغنوصيين كانوا يرون ان اولئك الاساقفة والقساوسة والشمامسة الذين يدّعون تلقي سلطتهم من الله ليسوا الا جداول ماء جافة وهم يتفاخرون بإمتلاكهم وحدهم اسرار الحقيقة على الرغم من انهم لا يفقهون الاسرار[13]. ويبين ان الغنوصية تركز (على حرية الفرد في سلوك طريقه مسترشداً بخبرة المعلمين الغنوصيين دون تقليدها بشكل اعمى حتى اذا وصل الى مرحلة النضج الروحي استغنى عن اي مرشد ودليل)[14].

·        يقول مؤلف نص مخطوط (بيان الحقيقة) الغنوصي ؛ (ان طاعة رجال الدين تسلم المؤمنين الى قيادة عمياء تستمد سلطتها من إله العهد القديم ، لا من الله الحق ، وتربطهم الى ايديولوجيا سقيمة وطقوس ساذجة ، مثل طقس المناولة ذي الطابع السحري ، وطقس العماد الذي يدعي ضمان الخلاص لهم. ولكن للخلاص طريق أكثر مشقة من ذلك ، وهو يقوم على معرفة النفس ومعرفة الله في الداخل). لاحظ قول النص: معرفة الله في الداخل) وهو الوجدان الذي اتخذه احمد القبانجي شعاراً له[15].

·        يقول المعلم مونويموس الغنوصي: (اترك التفتيش عن الله والبحث في مسائل الخلق والتكوين وما غليها ، لمعرفة الله ابدأ بنفسك ، واهتد الى مَنْ في داخلك ! يقول: إلهي وعقلي وأفكاري وروحي وجسدي. اهتد الى مصدر الاحزان والغبطة والحب والكراهية .. فإذا استقصيت هذه الامور فإنّك واجده (الله) في ذاتك)[16].

 

خدعة ارتباط الوجدان بالله كاشعة الشمس بالشمس:

انكر احمد القبانجي كل صنوف الاعجاز في القرآن الكريم سواء البلاغي او الغيبي او التاريخي او العددي انكرها كلها قاطبة وقال ان فيه اعجازاً وحيداً اطلق عليه اسم "الاعجاز الوجداني" ويقصد فيه ان اعجاز القرآن من جهة نظمه التي تشعر المتلقي بان جهة عليا تخاطب البشر وحيث انه يتصور ان مصدر القرآن هو داخلي اي داخل النبي ومن وجدانه الامر الذي لم يمكن آخرين من نظم خطاب مثله !!!!! المهم ان احمد القبانجي وهو ينكر وجود كافة صنوف الاعجاز الموجودة في القرآن الكريم والتي يعرفها المسلمون فهو قد وقع في تناقض عجيب لأنه نفسه يقول ان الوجدان يرتبط بالله كارتباط اشعة الشمس بالشمس !! اذن ان وجدان النبي الذي انتج القرآن بحسب قوله هو وجدان مرتبط بالله سبحانه وما يصدر عنه هو من الله والا فما هي فائدة الارتباط المذكور !! اذن كيف يقبل احمد القبانجي ان يقول ان الوجدان مرتبط بالله وان الوجدان انتج القرآن ويرفض ان يكون القرآن فيه اعجاز !! فهل يعجز الله عن ان يأتي باعجاز علمي في القرآن ؟!! اذن هذه القضية تكشف بوضوح تام ان قصد احمد القبانجي بقوله ان القرآن هو نتاج وجدان النبي يعني ان مصدر القرآن منقطع عن الله وغير مرتبط بالله وليس لله دور في انتاجه بخلاف الشمس التي لها دور في انتاج اشعتها !!

اكرر ان اطروحة احمد القبانجي تؤدي الى القول بانه ليس لله دور في انتاج القرآن بخلاف الشمس التي لها دور في انتاج اشعتها !! بل لله دور في انتاج الوجدان والذي قد يفهم بصورة خاطئة من قبل الانسان !!؟ اذن ما فائدة وجود هذا الوجدان غير المفهوم بصورة تامة من قبل الانسان ؟!!

ويكشف بوضوح ان مزاعم ارتباط الوجدان بالله هي خدعة لغرض التمويه على الناس لأن قوله بإرتباط الوجدان بالله كإرتباط اشعة الشمس بالشمس لا تفيـد شيئاً وليـس لهـا قيمـة ولم تنتـج القرآن !!

ومن جهة اخرى فإنَّ احمد القبانجييقول بأنَّ كل وجدان معصوم ، ولكنه ايضاً في محاضراته يقول ان الوجدان يختلف بين شخص وآخر قوة وضعفاً ، فكيف يكون ضعيفاً وهو معصوم ؟ ثم هو لم يبين لنا اصلا ما هو مفهومه للوجدان وما هو الدليل على وجوده ، وما هو الدليل على عصمة الوجدان؟ وما هي فائدة عصمته ؟

ولماذا لم يظهر وجدان لشخص آخر ياتي بقرآن آخر حيث زعم ان القرآن هو نتاج وجدان النبي صلى الله عليه وآله ؟

وهل الوجدان يعلم الغيب والا فكيف علم ان القرآن سيبقى محفوظاً من التغييـر والضيـاع والتحريـف ؟

فهلا ذكر لنا احمد القبانجي ما هي فائدة ارتباط الوجدان بالله وما هي فائدة عصمة الوجدان ما دام لا يتمكن من الاتيان بقرآن معجز ؟! وما دام الانسان لا يتمكن من فهم وجدانه بصورة صحيحة دائماً حيث قد يخطيء في فهمه له !!

 

اسلوب احمد القبانجي في معارضة الاسلام:

حاول احمد القبانجي لغرض بث شبهاته ضد الاسلام عامة والقرآن الكريم خاصة حاول ان يوفق بين ادعائه ان مصدر القرآن هو النبي ودواخله الوجدانية وليس مصدراً خارجياً مرتبطاً بالله سبحانه هو الوحي ! وبين ان يكون لهذا القرآن اعجاز فريد خارج حدود وامكانيات البشر ، فكيف يكون القرآن من داخل النبي ووجدانه وكيف تمكن هذا الوجدان من ان ياتي بمعجزة القرآن وهو ما لم يتمكنه كل الانس والجن مجتمعين ، هذا القرآن العظيم الذي تحدى بتحدٍ فريد من نوعه لم يكن مثله لا قبل القرآن ولا بعده ولم يصدر عن انسان مثله حيث لم يتجرّأ احد من البشر بالقول ان نتاجه الادبي لا يمكن للانس والجن ان يأتوا بمثله ثم لا يتمكنون ذلك فعلاً !

فكانت محاولته المذكورة هي عبر استخدام اسلوب يمكن ان نطلق عليه اسم "اسلوب التنكير والاعراض" ،  ومقصودنا بهذا الاسلوب انه يستغل جهل الناس وعدم معرفتهم ببعض معاني آيات القرآن الكريم نتيجة الفارق اللغوي الحالي بين ما يستخدمه الناس من لغة معاصرة غالبيتها عامي المصدر وبين الفصحى التي نزل بها القرآن الكريم فينكر فهم بعض الآيات القرآنية وينكر بلاغتها اللغوية تبعاً لأنكار فهمها !! وكذلك فهو يعرض عن اللجوء للتفاسير المتخصصة للقرآن الكريم لمعرفة المعاني التي جهلها او انكرها !! مستخدماً عوضاً عن ذلك التفسير بالرأي فيفسر الآيات الكريمة برأيه الشخصي بدون اي اداة تفسيرية مقبولة. مع العلم ان التفسير هو علم مستند الى مجموعة كبيرة من العلوم اللغوية والمعرفية ولا يصح ان يقوم شخص بتفسير آية وهو غير مؤهل لذلك لأنه في هذه الحالة سيدلوا بغير دلوه !! ولذلك ورد النهي في الاحاديث الشريفة عن تفسير القرآن الكريم بالرأي ، والمسلمون بمذاهبهم الشائعة كافة مجمعون على منع التفسير بالرأي ليس احتكاراً لتفسير القرآن الكريم وانما اعمالاً للاختصاص العلمي للوصول الى نتيجة صحيحة.

فسلك احمد القبانجي اسلوبه المذكور بإنكار الاعجاز البلاغي لبعض آيات القرآن الكريم استناداً لمنهجه الذي بيناه ! فمثلاً تجده يطعن في علمية آية خلق الانسان فكذب وقال ان اللحم يخلق قبل العظام وليس كما مذكور في القرآن مع ان العلم يشهد بصحة القرآن والعديد من العلماء المختصون بالطب اسلموا واعلنوا صحة هذه الاية الكريمة واعجازها كونها صدرت قبل أربعة عشر قرناً وسط عالم مغمور بالجهل آنذاك ، وابرزهم هو الفرنسي موريس بوكاي.

كما انكر احمد القبانجي الاعجاز الغيبي للقرآن الكريم متخذا مثالاً واحداً هو سورة اللهب فزعم انه لا يعرف تأريخياً ان سورة اللهب نزلت في حياة ابي لهب !! مخالفاً كل الروايات الاسلامية المعتبرة التي تنص على ذلك وتنص على انها سورة مكية وان وفاة ابي لهب كان بعيد معركة بدر في السنة الثانية للهجرة. فالاعجاز الغيبي لهذه السورة انها اخبرت ان ابا لهب سيموت كافراً قبل سنوات من موته فعلاً ، وكان يمكن لأبي لهب بكل سهولة ان يسخر من القرآن ومن النبي ومن المسلمين بان يعلن اسلامه ظاهرياً ليكذب القرآن وليقول للمسلمين كيف يقول قرآنكم اني اموت كافراً وقد اعلنت اسلامي ، ولكن هذا لم يحصل وصدق القرآن الكريم واثبت اعجازه في الاخبار عن الغيبيات. هذا الامر انكره احمد القبانجي بنفس اسلوبه المشار اليه آنفاً وهو "التنكير والاعراض" فمن جهة انكر ان تكون سورة اللهب قد نزلت في حياة ابي لهب ومن جهة اخرى اعرض عن الرجوع للروايات التاريخية ليعرف منها حقيقة تسلسل الاحداث.

وقد فات احمد القبانجي ان في القرآن اعجازاً غيبياً لا يملك ان ينكره ولا احد من العالمين الا تعنتاً وهو اعجاز اخبار القرآن الكريم بحفظه من التبديل والتغيير والضياع بقوله تعالى: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)). هذه الآية العظيمة وكل آيات القرآن عظيمة ، تؤكد منذ اكثر من اربعة عشر قرناً ان القرآن الكريم لن يضيع ولن يتغير ولن يتبدل ولن يزيد فيه ولن ينقص منه ، وهي تكشف بوضوح عن ان الاعجاز الغيبي موجود لا محالة في القرآن الكريم وان اي وجدان في العالم لا يمكنه ان يعلم الغيب ويجزم بمثل ما جزم به القرآن الكريم العظيم.

وحاول احمد القبانجي ان يلتف على الاعجاز التشريعي العظيم للقرآن الكريم فضرب مثلاً بتشريع الديات والتعويض عن الاضرار فقال ان هذه التشريعات الاسلامية لم تعد نافعة في زماننا هذا لوجود شركات التامين !! مع ان الديات والتعويض عن الاضرار هي مسألة شخصية تشمل كافة شؤون الحياة والتي لا تصل يد التأمين اليها. كما ان التأمين يتكفل للمتضرر بالتعويض ولكنه اذا كان بمعنى اعفاء المذنب من تحمل مسؤولية عمده او تقصيره والذي تسبب في ايقاع الضرر وهو المعنى الذي يقصده احمد القبانجي ، فهذا امر غير صالح للحياة لأنه بخلاف مبدأ ردع الاساءة بالعقوبة والتي تقوم عليها القوانين المدنية الحديثة والتي تتفق مع الاسلام بقوله تعالى: ((وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)).

اذن الاعجاز القرآني بوجوهه المتعددة تكشف عن ضحالة فكرة ان يكون منتجاً وجدانياً ، لأننا رأينا المنتجات الوجدانية للبشر من نثر وخطابة وشعر رغم روعة ومتانة بعضها وفي قمتها نصوص نهج البلاغة لأمير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) الا انها لا ترقى الى مستوى بلاغة القرآن الكريم ولا صنوف الاعجاز التي فيه.

 

تهافت فكرة ان الوجدان هو مصدر القرآن الكريم:

قال أحمد بن أحمد بن عجيبة الحسني المتوفى سنة 1224 هـ في كتابه (الفتوحات الإلهية في شرح المباحث الأصلية) ما نصّه: (الحقيقة شهود القدس وإنما لم يحيلوه على الحقيقة, أي لم يطلعوه عليها قبل استيفاء الطريقة, لأن الحقيقة أمرها هائل لا ينالها إلا الشجاع الصائل, وفي ذلك يقول الشيخ الجيلاني (كذا في عينته): وإياك جزعا لا يهولك أمرها *** فما نالها إلا الشجاع المقارع... فلا تطاق إلا بعد موت النفوس وحط الرؤوس وتصفية البواطن من الأغيار وتحليتها بالأنوار, فمن أطلع عليها قبل ذلك خيف عليه التزندق, لأن الحقيقة لا تدرك بالعلم, وإنما هي أذواق ووجدان, نعم: قد تكون علما, ثم تصير ذوقا, لمن راض نفسه بالشريعة, وعظم صدقه, فإنه يأخذها علما وتصير ذوقا).

ويمكن ان نعرف مفهوم الوجدان في الفكر الصوفي بانه (أمر  يبعث  على تنمية  المشاعر  وتحصيل مكارم الأخلاق)[17] ، فهو حالة شعورية للانسان وهذا المفهوم الصوفي للوجدان لا يساعد احمد القبانجي في ادعائه المذكور حول مصدرية الوجدان للقرآن لأن مجرد تنمية مشاعر الانسان لا يعني انه يتمكن من ان يتحول الى منتج للقرآن العظيم.

واحمد القبانجي وهو يطلق على نفسه ومنهجه اسم (العرفانيون الجدد) يحاول ان يصبغ نفسه بصبغة صوفية لكنه شط بالقول عنهم فذهب الى أنَّ القرآن هو نتاج وجدان محمد ، ويعني رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وهو كلام بعيد عن المنطق لأن الوجدان الشعوري لا يمكنه ان يتحول الى وجدان الهي منتج للوجدان ويرتبط بالله مباشرة ويصبح اله صغير داخل الانسان على حد تعبير احمد القبانجي ! لأن مجرد تنمية مشاعر الانسان لا يعني انه يتمكن من ان يتحول الى منتج للقرآن كما اسلفنا.

فاذا كان وجدان النبي هو المنتج للقرآن فلماذا عجز وجدان مليارات البشر من ايجاد قرآن مماثل ، رغم ان آلاف البشر قد ساروا في درب العرفان والتصوف ودخلوا الخلوات وعملوا على تنمية حالتهم الشعورية وتحصيل مكارم الاخلاق والتسامي بوجدانهم ولكن من دون ان يتمكنوا ان ينتجوا القرآن الكريم او مثله.

فالوجدان وفقاً لمفهوم احمد القبانجي ليس له سمة محددة ولا ابعاد معروفة ولا كينونة واضحة اذ انه ليس مجرد مشاعر نامية متسامية !! ولذلك فقد عمد احمد القبانجي الى فكرة تفيد بأن الوجدان هو اله داخل الانسان وانه مرتبط بالله كارتباط اشعة الشمس بالشمس ، ولكن نفس الوجدان المذكور غيرمرتبط بالانسان رغم انه يقبع داخل الانسان !! حيث يمكن ان يخطيء الانسان في فهم وجدانه وبذلك يحصل الانقطاع بين الوجدان والانسان اي اي بين الله والانسان بطريق اولى !!

إنَّ دعوى صدور القرآن عن وجدان النبي (صلى الله عليه وآله) سبق احمد القبانجي للقول بها الاب روبير كاسبار المبشر النصراني المعروف حيث نسب الوحي القرآني الى ما اطلق عليه اسم "الهالة النبوية" ! يقول الدكتور عبد الراضي محمد عبد المحسن : (كما أن الأب روبير كاسبار المستشرق والمنصِّر واللاهوتي المعروف، وأستاذ الدراسات الإسلامية والمستشار البابوي لشؤون غير المسيحيين والذي كان مسؤولا عن إعداد مسودة الفقرات الخاصة بالإسلام لعرضها على المؤتمرين في المجمع الفاتيكاني، قد بيّن في لحظة مصارحة مع النفس أن تطبيق معايير الوحي الإلهي على الوحي القرآني تثبت أنه في الجملة وحي إلهي صحيح تلقاه محمد من خلال الهالة النبوية) . مخالفاً بذلك بقية المستشرقين القائلين بان الوحي هو كلام محمد (صلى الله عليه وآله) الذي انتجه من معارف مجتمعه وعصره !! وما يقصده الاب كاسبار بالهالة النبوية هو تعبير غير واضح المعالم وربما اراد ان يقول ان الهالة النبوية هي استعداد النبي الروحي للسمو الى درجة النبوة لا النبوة الفعلية !! اي استعداد النبي الداخلي ـ او اي شخص آخر ! - لبلوغ درجة النبوة لا انه فعلاً نبي ، وينمو ذلك الاستعداد من خلال تعبده ، فيكون مقصد كاسبار ان الوحي القرآني هو نتيجة ذلك الاستعداد النبوي الداخلي والهالة التي تحيط بالنبي والتي هي داخلية المصدر !! وهو نفس مقصود احمد القبانجي الذي استبدل مصدر الوحي الداخلي الذي تشكل الهالة مظهراً له بتعبير الوجدان فهو اختلاف لفظي فقط والنتيجة واحدة هي انهما متفقان على انه ليس هناك وحي من الله سبحانه وان النبي ليس رسول الله ولا القرآن كلام الله سبحانه بل ان القرآن قد صدر من الاستعداد الداخلي الروحي للنبي وصفاءه وهو ما يسميه المبشر كاسبار بالهالة النبوية وما يسميه احمد القبانجي بالوجدان !!

 

وهناك قضية غاية في الخطورة ينبغي التنبيه عليها وهي ان احمد القبانجي في محاضرته (نقد الاعجاز البلاغي في القرآن) قال ان العقلاء يحكمون بجواز الكذب لجلب مصلحة ما !! فالظاهر انه يتبنى هذا المنهج توسلاً للطعن في الاسلام العظيم عامة والقرآن الكريم خاصة وهذا المنهج يعني اننا لا يمكن ان نثق بأي كلام يصدر عن هذا الشخص لأنه قد يكون استعمل منهج جواز الكذب في نشر افكاره كما بينا آنفاً في قضية كذبه بأن قال ان اللحم يخلق قبل العظام بخلاف الحقيقة التي يجمع عليها العلماء والاطباء كافة بأن الهيكل العظمي هو الذي يتكون اولاً.

هذه خلاصة بيانية لمنهجه واسلوبه في معارضة الاسلام والطعن فيه وهو قد يظن انه بذلك يحسن صنعاً ، كما في قوله تعالى: ((قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً ، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً)) صدق الله العليُّ العظيم.


 

[1] العرفان – الشهيد مرتضى المطهري – دار الولاء ، بيروت – الطبعة الثانية 2011م – ص11.

[2] العرفان – الشهيد مرتضى المطهري – دار الولاء ، بيروت – الطبعة الثانية 2011م – ص15.

[3] العرفان – الشهيد مرتضى المطهري – دار الولاء ، بيروت – الطبعة الثانية 2011م – ص12 و13.

[4] العرفان – الشهيد مرتضى المطهري – دار الولاء ، بيروت – الطبعة الثانية 2011م – ص11.

[5] العرفان – الشهيد مرتضى المطهري – دار الولاء ، بيروت – الطبعة الثانية 2011م – ص76.

[6] العرفان – الشهيد مرتضى المطهري – دار الولاء ، بيروت – الطبعة الثانية 2011م – ص75.

[7] العرفان الشيعي – الشيخ خليل رزق – مؤسسة الامام الجواد (عليه السلام) للفكر والثقافة – ص15.

[8] يؤمن اتباع الافلاطونية (بقدرة العقل على الوصول إلى الحقيقة المطلقة). واما الافلاطونية الحديثة (Neo-Platonism) فـهو مذهب (اساسه القول بالواحد الذي صدر عنه الكثرة وفيه نزعة صوفية تمزج الفلسفة بالدين) وقال بالمذهب مدرسة الاسكندرية من القرن الثالث الى السادس الميلادي ، ويمتاز بنزعته التوفيقية بين الآراء الفلسفية المختلفة مع الاعتداد بأفلاطون خاصة). انظر: المعجم الفلسفي الصادر عن مجمع اللغة العربية في جمهورية مصر العربية وبتصدير الدكتور ابراهيم مدكور ص17.

[9] المعجم الفلسفي – جميل صليبا – دار الكتاب اللبناني 1982م – ج2 ص72.

[10] العرفان الشيعي – الشيخ خليل رزق – مؤسسة الامام الجواد (عليه السلام) للفكر والثقافة – ص16.

[11] المعرفة وفقاً للمنهج العرفاني عند الامام الخميني ، حسن علي المحمود ، مؤسسة تنظيم ونشر تراث الامام الخميني (قدّس سره) ، الطبعة الاولى ، 2000م – ص15.

[12] من كتاب (البدع والهرطقات في القرون الاولى المسيحية) ج4، منشور في موقع عنكاوا في شبكة الانترنيت العالمية ، من خلال الرابط:      http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=539716.0

[13] الوجه الاخر للمسيح – فراس السوّاح – دار علاء الدين ، دمشق – ص63.

[14] الوجه الاخر للمسيح – فراس السوّاح – دار علاء الدين ، دمشق – ص64.

[15] الوجه الاخر للمسيح – فراس السوّاح – دار علاء الدين ، دمشق – ص65.

[16] الوجه الاخر للمسيح – فراس السوّاح – دار علاء الدين ، دمشق – ص67.

[17] المعجم الصوفي للدكتور محمود عبد الرزاق ، ج3 ص138.



 

الصفحة الرئيسية