بسم الله الرحمن الرحيم

 


نقد شبهة احمد القبانجي حول إقدام النبي ابراهيم الخليل (عليه السلام) على ذبح أبنه

 

نبيـل الكرخي

 

بث احمد القبانجي شبهاته حول قصة اقدام النبي ابراهيم الخليل (عليه السلام) على ذبح ابنه النبي اسماعيل (عليه السلام) امتثالاً لأمر الله سبحانه. فوقع احمد القبانجي في هفوات فكرية خطيرة في اتجاهين ، الاول انه يريد من البشر ان يقيّموا تصرفات الاله وفق رؤيتهم وافكارهم البشرية ! فما لا يتوافق مع تفكيرهم البشري المحدود يعتبرونه خطأ او لم يصدر عن الذات المقدسة !! والثاني ان احمد القبانجي اقترف نفس ما اتهم المسلمين به - وان كان اتهامه باطلاً - فوقع في تناقض واضح ، فهو في محاضرات سابقة يتهم المسلمين بانهم يرون الاله من خلال رؤيتهم البشرية فيضفون عليه صفات انسانية كالسميع والبصير وغيرها من الصفات ، فيما نجده هنا ايضا يقيم اوامر الاله من منطلق بشري فيقول هذا لا يجوز وذاك يجوز من منطلق فكره البشري المحدود !!
فنجد احمد القبانجي هنا لا يفرق بين الاوامر الحقيقية والاوامر الامتحانية والتي يصدر جميعها عن رب العزة تعالى عما يصفون ، فيظن ان الامر الامتحاني بذبح الصغير ـ احمد القبانجي يسميه طفل خطأ فيما كان اسماعيل عليه السلام في مرحلة الفتوة تقريبا حيث تصفه الاية الكريمة بانه بلغ السعي ، قال تعالى: ((فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ)) ـ ظن احمد القبانجي ان الامر الامتحاني بذبحه غير جائز لانه يتعارض مع العدل الالهي ، وهذا وهم وعدم تدبر منه ، ولم ينتبه الى ان الله سبحانه منع وقوع الذبح المذكور بعد اتضاح الخضوع الدائم للنبي ابراهيم الخليل (عليه السلام) وتسليمه التام لله عز وجل. ويحاول احمد القبانجي التقليل من اهمية كون الامر الالهي امتحاني وليس حقيقي بزعمه ان ابراهيم الخليل (عليه السلام) لم يكن يعلم ان الامر امتحاني وكان يظنه حقيقياً ! وقد فاته ان النبي ابراهيم الخليل (عليه السلام) كان يعلم ان جميع الاوامر الالهية سواء كانت حقيقية ام امتحانية هي اوامر حكيمة وعادلة وبالتالي لا يفرق له طبيعة الامر الالهي ما دام يعرف ان تكليفه هو الامثال له باي حال من الاحوال. ان من اصدر امر الذبح هو الله العظيم خالق الكون ولا اله سواه ، الاله العادل الحكيم ، وحقيقة هذه الالوهية الحكيمة والعادلة منكشفة تماماً امام انظار النبي ابراهيم (عليه السلام).
اما احمد القبانجي فينظر للامور من مقاييس بشرية صرفة فيظن ان الاله امر بقتل بريء ولا يجوز ذلك متناولا الموضوع بطريقة سطحية وساذجة لا يجرؤ على الانحدار اليها لتهافتها حتى خصوم الاسلام من بقية الاديان والملحدين. وكأن احمد القبانجي ينظر للاله ويتصوره كالالهة اليونانية التي كانت بحسب معتقداتهم تخطيء وتتزوج وتتجسد .... الخ !!
ومن جديد نجد احمد القبانجي يمارس المغالطات والتمويه ويقحم الالسنيات والهيرمنيوطيقا في الموضوع ويزعم انها تدل على ان اسطورة الذبيح مجرد اسطورة ادخلها الاسلام في ادبياته للعبرة وانها ليست واقعة تاريخية ! مع ان زعمه هذا لا علاقة له بالالسنيات والهيرمنيوطيقا وليت احمد القبانجي يحاول خداعنا مرة اخرى ليبين لنا كيف وظّف الالسنيات والهيرمنيوطيقا في مزاعمه هذه !!!

ويتمادى احمد القبانجي في تفسيراته فيروج الى ان الامر بذبح اسماعيل عليه السلام مجرد نوازع نفسية رآها ابراهيم عليه السلام في منام واراد ان يطبقها حقيقة !!!! تصوروا ان احمد القبانجي يتهم النبي العظيم ابراهيم الخليل (عليه السلام) بانه يريد ذبح ابنه لمجرد منام ليس لها تفسير حقيقي اي ما يسمى (اضغاث احلام) !! ثم بعد ذلك واثناء توجهه لمكان الذبح رأى شياه فجائته فكرة استبدال ابنه بشاة !!! فيرسم احمد القبانجي صورة وهمية ولكنها خالية من وجود الله سبحانه !! نعم احمد القبانجي يفرغ قصته الموهومة من وجود الله عز وجل لأنه لا يؤمن بتواصل الانبياء (عليهم السلام) مع البشر ! فهو يزعم بان الله سبحانه خلق الناس وتركهم بدون هداية وارشاد فلا شرائع إلاهية ولا كتب سماوية ولا انبياء مرسلين من قبله تعالى ، ولذلك تعمد ان تكون قصته التعليلية للذبح خالية من وجود الله عز وجل !!

فاحمد القبانجي يتناول هذه الحادثة بصورة انتقائية وبطريقة استقطاعية ، فهو يستقطع هذه القصة عن مجمل السيرة النبوية للنبي ابراهيم عليه السلام ويحاول تناولها بصورة معزولة عن بقية الحوادث النبوية في حياة النبي ابراهيم الخليل (عليه السلام) ، هذا النبي العظيم الذي افحم قومه بعمل بسيط وواعٍ بتكسيره الاصنام منبهاً قومه الى انها اصنام غير عاقلة. وافحم النمرود بقوله ربي الذي يحيي ويميت وربي الذي يأتي بالشمس من المشرق فات بها من المغرب في اشارة واضحة الى ان الاحياء والاماتة والاتيان بالشمس من المشرق لا يمكن ان يكون قد حدث بصورة عفوية او عن طريق المصادفة كما يحاول الملحدون ان يدعون ، بل هو نظام كوني دقيق وحكيم ولا يمكن ان يصدر الا عن قوة عاقلة وحكيمة وقادرة. هذا النبي العظيم الذي مرَّ بتجربة القاءه في النار المستعرة التي جعلها الله سبحانه برداً وسلاماً ، وهي واحدة من اعظم المعجزات الالهية. وهو نفسه رأى احياء الموتى بعد ان سأل الله عز وجل ذلك طلباً للاطمئنان القلبي. وهو نفسه الذي عاصر عقوبة الله جلَّ وعلا لقوم النبي لوط (عليه السلام) وكيف نزل بهم العذاب الالهي. وهو نفسه الذي علم بتفجر ماء زمزم في الصحراء القاحلة من اجل ان يشرب منها ابنه وزوجته ، بل هو نفسه قد مرّ بمعجزة اخرى عندما رزقه الله سبحانه ولداً بعد ان تقدم به العمر هو وزوجته ، ((قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ)) . فهذا النبي العظيم الذي كانت المعجزات الالهية تحيط به وتتآلف معه في مختلف ادوار حياته لا يمكن ان يقال عنه انه اراد ذبح ابنه لمجرد "اضغاث احلام" رآها كما اوهم بذلك احمد القبانجي.

واسخف ما في استنتاجات احمد القبانجي هو ربطه القسري بين قصة الذبيح وبين ارهاب التكفيريين وهو ربط ليس له قواعد منطقية بل مبني على المغالطات وسوء النية المسبقة. فقد كان الابن - النبي اسماعيل (عليه السلام) - مخيراً بين الذبح وعدمه ، قال تعال على لسان النبي ابراهيم (عليه السلام مخاطباً ابنه: (( يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى) فأجابه ابنه اسماعيل (عليه السلام) بكل وضوح وثقة بالله عزَّ وجل: (يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) ، فليس هناك اجبار او اخضاع بل كان ابراهيم (عليه السلام) وابنه مستسلمين للامر الالهي لا يحيدان عن طاعة الله سبحانه ابداً.
ان حادثة اقدام النبي ابراهيم الخليل (عليه السلام) على ذبح ابنه تبين لنا بوضوح كيف يجب على المسلمين التعامل مع الاوامر الالهية بالخضوع والطاعة والاذعان ، فيطبقون شريعة الله سبحانه حتى لو لم يعلموا الحكمة منها ويكفيهم انها شريعة صادرة عن اله حكيم وعادل.

 

الصفحة الرئيسية