بسم الله الرحمن الرحيم

 


نقد شبهة احمد القبانجي حول قصة اصحاب الفيل

 

نبيـل الكرخي

 

مسكين احمد القبانجي فهو يطلق العنان لأفكاره واوهامه في قضايا تاريخية دون ان يكلف نفسه مؤونة الرجوع للمصادر التاريخية !! وهذه مشكلة دائمية عنده وهي انه لا يرجع للمتخصصين في القضايا التخصصية !!؟
ففي كتابه (منهاج الرسل) يتحدث تحت عنوان: (اسطورة الفيل) عن فكرة كونها عن قصة اصحاب الفيل المشار اليها في القرآن الكريم ، فيورد جملة من الاعتراضات والتشكيكات نستعرض بعضها ونتدارسها بتأنٍ:
ـ يقول احمد القبانجي: (إنّ الفيل بطيء الحركة جدّاً ولا يعيش إلاّ في أفريقيا والهند حيث الغابات الاستوائية ووفرة المياه والأرض المستوية، واليمن أرض جبلية وعرة والطريق إلى مكة صحراوي، والفيل لا يستطيع قطع هذه المسافة الطويلة من اليمن إلى مكة، إلاّ لعدة أشهر، فالمسافة التي يمكن لجيش كبير أن يقطعها بالخيل والإبل في اسبوع واحد، تستغرق مع الفيل عدّة أشهر، وفي هذه المدّة الطويلة يحتاج الفيل لوحده إلى عدّة أطنان من العلف والماء، فإذا حسبنا ما يحتاجه جيش مكون من عشرة آلاف فارس من الغذاء والماء، فينبغي أن يحملوا معهم من الطعام والماء ما لا تحمله إلاّالمئات والآلاف من الإبل، وكل عاقل، فضلاً عن قائد عسكري محنك، لا يجد ضرورة في حمل كل هذه الأمكانات وانفاق كل هذه الأموال من أجل فيل واحد لا يؤثر شيئاً في حسابات المعركة، مضافاً إلى استنزاف طاقات جيشه في هذا المسير البعيد والبطيء حيث يجب على الفرسان أن يسيروا كالمشاة تماهياً مع الفيل) !!
فاحمد القبانجي يظن ان الجمل اسرع من الفيل بينما تذكر الدراسات ان سرعة الجمل هي 32كم/ساعة بينما يمكن ان تصل سرعة الفيل الى 40 كم/ساعة اي ان الفيل لا يسير ببطيء في تنقله. وبذلك ظهر خطا ظن احمد القبانجي بأن وجود الفيل يستدعي من الفرسان ان يسيروا كالمشاة تماهياً مع الفيل على حد تعبيره !
والفيلة نوعان الهندي والافريقي ويعيش الافريقي في جنوب الصحراء الكبرى ، وهو يمتاز بقدرته على مقاومة الاجواء الصحراوية ، فاذنه الكبيرة تمكنه من مقاومة حرارة الاجواء الصحراوية ، كما ان جلده لا يحتوي على غدد عرقية فلا يفقد الماء منها نتيجة تعرضه لدرجات الحرارة المعتدلة بخلاف الانسان وبعض الحيوانات الاخرى ، وبذلك يحافظ على المحتوى المائي في داخله لفترة اطول ، وهو حيوان يمتاز بصبره وبقدرته على التآلف مع الانسان ، كما انه يتغذى على الاعشاب ويستطيع تحمل الجوع والعطش عدة ايام ، ولذلك فان دعوى احمد القبانجي بان جيش ابرهة كان يحتاج لحمل معه عدة اطنان من العلف كطعام للفيل هي دعوى غير صائبة لقدرة الفيل على تحمل الظروف الصعبة وانعدام الطعام والماء لعدة ايام.
ويتسائل احمد القبانجي عن جدوى حمل فيل واحد لا يساوي شيئاً في حسابات المعركة ! وتساؤوله هذا في غير محله اذا عرفنا ان القادة العسكريين منذ قبل الميلاد وبعده ايضاً كانوا يستخدمون الفيلة في حروبهم وغزواتهم ، فهذا القائد القرطاجي الشهير هانيبال القرطاجي يستخدم الفيلة سنة 218 ق.م في حروبه ويعبر بها جبال الالب في فرنسا في طريقه لغزو روما. وقد سبقه الاسكندر المقدوني في استعمال الفيلة في الحروب ، كما استخدمها البطالمة سواء في مصر او بلاد الشام وفارس. كما ان وجود الفيلة تشكل جزءاً من هيبة الجيش في ذلك الزمن وما يمكن ان تضيفه من صدى في قلوب الاعداء والخصوم حينما ينطلق الجيش وهي في مقدمته. فوجود الفيل في مقدمة اي جيش هو جزء من هيبة الجيش وهيبة القائد الذي يقوده وعلو مكانته وسموه بالاضافة الى خدمات النقل التي يقدمها الفيل وقدرته على اختراق صفوف الاعداء واحداث الاضطراب فيها وقدرته على دك الحصون والقلاع بقوته الجسمية اذ يبلغ وزن الفيل الواحد حوالي 6 طن.
وبذلك نجد ان قوله عن عدم امكانية ان تعبر الفيلة بلاد اليمن الوعرة والجبلية هو كلام واهم بعد ان عرفنا ان هانيبال قد عبر بها الصحارى وجبال الالب حتى وصل قرب روما.
ومن خلال تحليل قصة ابرهة الحبشي وبناءه لكنيسته وهجومه بالفيل على مكة المكرمة لغرض هدم الكعبة نجد انه من المحتمل ان يكون اراد ان يهدم الكعبة وينقل احجارها الى كنيسته في اليمن ولذلك فقد كان جلبه للفيل مهماً من اجل تسهيل عملية نقل احجار الكعبة ! حيث يستعمل الفيل في نقل الاحمال الثقيلة ، بالاضافة الى استخدامه في عملية التهديم واعتماد الجيوش في تلك العصور على وجوده فيها.
ـ وذكرة فكرته الواهمة التي يقول فيها: (فالفيل ربّما ينفع الجيش في حال الدفاع لثقله وبطء حركته، لا في مقام الهجوم على بلاد بعيدة المسافة وصحراء قاحلة لا يجد فيها الجيش ما يحتاجه من ماء وكلاء) ! وقد بينا فساد هذا الرأي من حيث عدم بطيء حركة الفيل مقارنة مع الجمل ومن حيث صبره وقدرته على تحمل الجوع والعطش لأيام. كما بينا آنفاً ان الجيوش عبر التاريخ كانت تستخدم الفيلة كوسيلة هجومية ناجحة في معاركها وليس في حال الدفاع فقط ، وكانت الجيوش تعبر بالفيلة الصحارى والجبال والمناطق الوعرة.
ـ وقال: (أنّ المسيحية في الحبشة واليمن ومصر كانت على مذهب آريوس الاسكندراني الذي عاش في القرن الثالث للميلاد ورفض التثليث وقال بأنّ المسيح مخلوق، وانعقد مجلس نيقية لدحض بدعة آريوس (كما يعتقدون) وقرروا مبدأ التثليث (الأب والابن والروح القدس) فانشطرت المسيحية إلى شطرين، ذهبت الكنيسة الرومانية إلى التثليث وبقيت كنيسة الاسكندرية (والحبشة بعدها) على مذهب آريوس، ولهذا نرى أنّ النجاشي عندما استقبل جعفر الطيار والمهاجرين المسلمين الذين هاجروا من مكة إلى الحبشة فراراً من اضطهاد قريش لهم واستمع إلى آيات من سورة مريم تلاها عليه جعفر، انهملت من عينيه الدموع وقال: ما عدا عيسى ما قلت هذا». مضافاً إلى أنّ الحاضرين من القساوسة لم يعترضوا على هذا الكلام، أو على موقف النجاشي منه، وهذا يدل على أنّ الديانة المسيحية في تلك الاصقاع لم تتلوث بالانحراف الذي طرأ على المسيحية الرومانية، وبقيت على اصالتها وحقانيتها) !! وكلامه هذا غير صحيح من حيث ان المسيحية التي كانت منتشرة في مصر والحبشة منذ انعقاد مجمع خلقيدونية سنة 451م والذي حضره البابا ديسقوروس بابا الإسكندرية هي المسيحية الارثوذكسية غير الخلقيدونية ، وهي مسيحية قائمة على التثليث وهي نفس مذهب الاقباط الحالي. ولذلك فان المسيحية التي كانت منتشرة في الحبشة ومصر حين ظهور الاسلام حوالي سنة 610م هي المسيحية التثليثية وليست الآريوسية كما توهم احمد القبانجي ! اما الآريوسية فلم تصمد في مصر والحبشة لفترات طويلة امام المذاهب التثليثية.
ـ ومن النقطة السابقة يتضح خطأ قول احمد القبانجي: (إنّ المسيحية في ذلك الوقت كانت هي الديانة الإلهيّة للبشرية قبل مجيء الإسلام وكان أهالي مكة مشركين ويعبدون الأوثان ، والمفروض أن ينصر الله دينه على الشرك لا أن ينزل عليهم العذاب ولا سيما إذا علمنا أنّ المسيحية في الحبشة واليمن ومصر كانت على مذهب آريوس الاسكندراني الذي عاش في القرن الثالث للميلاد ورفض التثليث وقال بأنّ المسيح مخلوق) ! الى ان يقول: (على أية حال فالمفروض أن ابرهة وجيشه كانوا على دين الحق، وأهالي مكة كانوا على الشرك، ووفقاً للسنن الإلهيّة ينبغي أن ينصر الله دينه الحق على الشرك لا أن ينزل عليهم العذاب ويهلكهم) !! حيث اتضح آنفاً ان المسيحية في الحبشة كانت على مذهب التثليث وليس على مذهب آريوس في التوحيد. بينما كان بعض الاحناف في مكة رغم قلتهم وهم على دين ابراهيم الخليل (عليه السلام) وابرزهم عبد المطلب بن هاشم ، كما انه في مكة توجد الكعبة وهي اول بيت وضع للناس ورمز التوحيد ، ومن الواضح ان ذلك العصر الذي يشهد ولادة خاتم الانبياء والمرسلين محمد (صلى الله عليه وآله) الذي سوف يأتي للبشرية بالشريعة الخالدة ، وهو عصر انبثاق التوحيد الخالص ببعده العالمي مما يتطلب ذلك تأييداً الهياً يسلط الضوء على اهمية هذه المدينة المقدسة والكعبة المشرفة قِبلة الدين الجديد الخاتم لكي تتجه انظار البشرية كلها للنور القادم في تلك البقعة المباركة ويبرز اهميتها بين المدن وتفردها. فمن الطبيعي ان لا ينصر الله سبحانه الجيش الحبشي بعقيدته التثليثية على مركز التوحيد في عصر ولادة النبي الذي بشّر بظهوره آلاف الانبياء وكل المرسلين (صلوات الله عليهم اجمعين).
ـ يتضح مما سبق ان اعتراض احمد القبانجي بتسائله عن سبب عدم دفاع الله سبحانه عن الكعبة تجاه السيول التي اغرقتها والتي ادت الى اعادة بنائها وظهور مشكلة الحجر الاسود قبيل البعثة النبوية المباركة وكذلك ضرب الكعبة بالمنجنيق ايام عبد الملك بن مروان وتحصن عبد الله بن الزبير فيها ! هواعتراض من لم يتدبر مجريات الاحداث التاريخية والعقائدية. حيث ان هذه الحوادث لم تكن مبنية على تعمد الاساءة الى الكعبة او محاولة هدمها لغرض الانتقاص منها كما اراد ابرهة ان يفعل ، ولا هو عصر الظهور النبوي والانبثاق التوحيدي ، بل كان احدها فيضاناً والاخر نزاعاً حربياً لم يلتزموا فيه بحرمة المكان طلباً للسيطرة العسكرية والنصر وليس لغرض عدائي مخصوص تجاه الكعبة المشرفة.
بل لعل تهدم بعض جدران الكعبة نتيجة السيول واعادة بناءها باشراف النبي (صلى الله عليه وآله) ووجوده المبارك قبيل البعثة النبوية المباركة وظهور الاسلام فيه اشارات رمزية بأعادة تجديد دين ابراهيم (عليه السلام) الذي بنى جدرانها قبل مئات السنين ، التجديد المعنوي لبناء الكعبة المشرفة بتجديد الدين التوحيدي وظهور الاسلام العظيم.
ـ اما ما ذكره احمد القبانجي من ان تسمية الاحباش باصحاب الفيل ليس لوجود الفيل في الجيش الذي اراد هدم الكعبة المشرفة بل (لتوفر الفيلة في الحبشة أو لأنّ ابرهة كان يملك فيلاً في قصره في اليمن لمجرّد التنزه والفخر كما هو حال الملوك في ذلك الوقت فاطلق عليهم القرآن هذا اللقب كما أطلق على اليهود أصحاب العجل) على حد قوله ، فهو كلام قد تبين خطأه نتيجة وجود الفيل في مختلف الممالك وليس في الحبشة وحدها ولا عند ابرهة في قصره وحده.
فمن كل ما ذكرناه وجدنا انه ليس هناك مبرر فكري منطقي او دليل تاريخي يمكن ان يشكل دافعاً لأحمد القبانجي لكي يرفض قصة اصحاب الفيل الواردة في القرآن الكريم.


 

الصفحة الرئيسية