بسم الله الرحمن الرحيم

 

تهافـت مزاعم تاريخية القرآن

نبيـل الكرخي

يزعم بعض المستشرقين والحداثيين بان القرآن كتاب تاريخي ظهر في فترة تاريخية معينة واحكامه تصلح لفترة معينة لا تتعداها وهذا ما يسمونه بتاريخانية القرآن.
ان مقولة تاريخية القرآن لا يمكن ان تصمد امام النقد ، فقوله تعالى: ((اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً )) يخاطب فيه المسلمين بمختلف اجيالهم الحاضرة القادمة فمن المعلوم ان الاسلام وشريعته الخالدة لم يكن للجيل الاسلامي الاول حصراً بل هو لكل الاجيال اللاحقة ولا يوجد ادنى احتمال ان الاسلام كان لفترة محدودة ولو كان ذلك حقاً لأخبرنا الله سبحانه به اذ ان كل قانون في العالم حينما يشرع يبقى مستمراً الى ان يحل قانون آخر بدلاً عنه ، وعلى هذا بنيت سيرة البشر. فاذا لم يكن الاسلام لكل زمان فيجب ان يظهر اسلام جديد من عند الله سبحانه لزمان قادم آخر ولوجب ان يظهر قرآن آخر ونبي جديد كدليل على حاجة العصر الجديد الى دين جديد ، لأن نفس دوافع ومبررات ظهور الاسلام ستظهر من جديد لو لم يكن الاسلام هو خاتم الاديان. اذن لم يظهر دين سماوي جديد بعد الاسلام ، فلا نبي جديد ولا قرآن جديد ولا اسلام جديد انما هو اسلام واحد من عند الواحد اكمله واتمه وارتضاه لنا.
وورد عن الامام الباقر (عليه السلام) انه قال: (ولو ان الآية اذا انزلت في قوم ثم مات اولئك القوم ماتت الآية لما بقي من القرآن شيء ، ولكن القرآن يجري اوله على آخره ما دامت السماوات والارض) .
وفي حديث آخر مروي عن الامام الصادق (عليه السلام) انه قال: (حلال محمد حلال ابداً الى يوم القيامة وحرامه حرام ابداً الى يوم القيامة ، لا يكون غيره ولا يجيء غيره).
ومما يستند اليه البعض في القول بتاريخية القرآن الكريم قولهم ان هناك في القرآن الكريم آيات عديدة مرتبطة بحوادث حدثت في زمن النزول ، مثل معركة بدر وعداوة ابي لهب للاسلام والصراع بين الفرس والروم وسؤال بعض المسلمين عن قضايا معينة فتنزل آيات تبدأ بقوله تعالى: ((ويسألونك ...)) ، ويزعمون ـ كما في بسط التجربة النبوية لسروش – ان عمر النبي (صلى الله عليه وآله) لو امتد اكثر لوجدنا عندنا قرآنا ضعف هذا الحجم الموجود لدينا اليوم !! وزعمهم هذا مبني على ان القرآن الكريم هو من نتاج النبي محمد (صلى الله عليه وآله) وليس كلام الله سبحانه ، ولذلك فالنقاش معهم يجب ان ينطلق من بيان حقيقة ان محمداً (صلى الله عليه وآله) هو رسول الله وان القرآن الكريم هو كلام الله عزَّ وجل وهو الكتاب الذي ما يزال اعجازه يدل على صدق انتسابه لله جل وعلا الى يومنا هذا ، ورغم التطور العلمي وتوسع العلوم بمختلف صنوفها ولا سيما اللغوية والفلسفية والاجتماعية والقانونية نجد ان الجميع ما زالوا عاجزين عن معارضة القرآن الكريم والاتيان بما يبين انه يمكن ان يكون منتجاً بشرياً وليس الهياً.
يضاف لما سبق ان القرآن الكريم قد توقف نزوله فترة معتد بها قبل وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) لاسيما بعد نزول آية اكتمال الدين يوم الغدير ، فقول سروش انه لولا وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) لاستمر نزول القرآن ولتضاعف حجم القرآن هو قول بلا علم وبلا تدبر للتاريخ والتشريع الاسلامي.
ان مما فات القائلين بتاريخية القرآن الانتباه اليه ان الايات الكريمة التي نزلت لسبب محدد هي آيات قليلة العدد من جهة ومن جهة اخرى فان وجود سبب لنزولها لا تعني انها متعلقة بذلك السبب فحسب ، مثلا آية (( ويسالونك عن اليتامى )) تخص جميع اليتامى حتى اولئك الذين لم يكونوا سببا لنزول النص في ذلك الزمن وكذلك الازمان اللاحقة ، فعمومية لفظ الاية الكريمة تدل على شمولها للجميع بدون استثناء. وكذلك سبب نزول قوله تعالى: (( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها )) وقوله تعالى: (( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتاً )) هي لكل الاشخاص في ذلك الزمن وغيره ايضاً وليس لزمن محدد.
ومن جهة اخرى فهل من المعقول ان يكون القرآن من نتاج محمد (صلى الله عليه وآله) ثم يقول في سورة الحاقة: ((وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ ، لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوَتِينَ ، فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ )) !
وربما يقول قائل بان هناك تشريعات اسلامية سببها الظروف الاجتماعية لعصر النبوة مثل اقرار الرق وللذكر مثل حظ الانثيين ورجم الزاني وقتل المرتد ! فمثلا في عصرنا الحاضر نجد ان المراة اصبحت عاملة ومعيلة لاسرتها لاسيما بسبب الحروب والحوادث الارهابية وكثرة الاغتيالات للرجال وازدياد نسبة الارامل ، فلماذا ترث الارملة نصف ما يرثه اخوها ! لقد فات هؤلاء ان التشريع الاسلامي هو تشريع عام لكل زمان ومكان ، فوجود حالات خاصة تسترعي العطف والرعاية كوجود الارامل والايتام لا يعني ان يتم تغيير التشريع بحسب الحالات الخاصة ، بل نجد ان الاسلام راعى ايضاً تلك الحالات الخاصة وادارة شؤونها بطريق آخر غير طريق الارث فجعل من مسؤولية الدولة الاسلامية رعاية الايتام والارامل من بيت مال المسلمين ومن مال الزكاة والخمس والضرائب المقرة شرعياً ومن مواردها الاخرى. اذن الاسلام جاء بمنظومة كاملة تصلح لتطبيقها لكل حالات المجتمع ولكل زمان ومكان ، ولا يصلح ان نقول بان تطور الحياة وصعوبتها يجعل تطبيق المواريث الاسلامية غير منصف بل ان عدم الانصاف يأتي من عدم تطبيق مجمل الشريعة الاسلامية. فمن يرثى لحال الارامل والايتام عليه ان يطالب الدولة برعايتهم لا ان يلجأ الى المطالبة بتغيير شرع الله عز وجل بما لا يكون حلا حقيقياً للمشكلة فكم من ارملة لم ترث من ابيها شيئاً في نفس البلاد التي تجعلها ترث بقدر اخيها وفق القوانين الوضعية العلمانية ، فليس كل الاباء والامهات يتركون مالاً لبناتهم الارامل.
اما بخصوص احكام الرق فالجميع يعلم ان الاسلام لم يشرع الرق بل كان الرق موجوداً حين ظهور الاسلام ، فوضع الاسلام قنوات عديدة للحد من ظاهرة الرق عبر فتح منافذ اعتاقهم على مصراعيها ، ورب قائل يقول ان موضوع الرق موضوع قديم ونحن في زماننا هذا لم نعد نحتاجه فهو من التشريعات التاريخية التي لم نعد بحاجة لها الآن ! وهذا الاعتراض قد يتقدم به من لم يتدبر مجريات الحياة جيداً ، فالرق ما زال على نحو ضيق في بعض البلاد وبصورة خفية ، كما اننا لا نملك ضمانا لعدم ظهور ظروف عالمية جديدة تؤدي الى ظهور الرق من جديد لا سيما في حالة انهيار النظام العالمي والتوازانات الدولية الحالية وهو امر متوقع حدوثة في كل وقت ، فلا دوام لنظام عالمي كما توهم فوكوياما في كتابه الشهير نهاية التاريخ ! ومع ظهور الازمات الاقتصادية الحالية العالمية وعصفها باقتصاد كبريات الدول ومع ظهور دول جديدة عظمى كالصين وانهيار اخرى كالاتحاد السوفيتي وظهور آفاق ازمات سياسية واقصادية حادة على المستوى العالمي يجعل من احتمال تبدل الانظمة العالمية وظهور مشكلة الرق من جديد قائماً ولذلك من عدم الحكمة الغائها من قبل دين عظيم وحكيم كالدين الاسلامي الذي جعله الهد سبحانه للناس كافة. غاية ما في الامر ان الاسلام لم يحث على تشريع الرق بل عمل على تحريره بشتى الطرق وبما يراعي الحالة الانسانية للرقيق وضرورات توفير الطعام والملبس والمأوى لهم بصورة دائمية لانها الحد الادنى من ضرورات الحياة.
ان مقولة تاريخية القرآن لا يمكن ان تكون حلاً حقيقياً لمشاكل الناس لان غاية ما يريده اولئك المطالبون باشاعة القول بتاريخية القرآن هو ابطال احكام قتل المرتد فيسهل التبشير بالنصرانية في بلاد المسلمين ، وكذلك من نتاجها اشاعة الزنى واختلاط الانساب حيث لا عقوبة للزاني والزانية فيبدأ المجتمع بالتفكك والانحراف والتهاوي والسقوط الى احضان الرذيلة ، فلا برٌ لوالدين ولا صلةٌ للرحم ، فتسود الفرد والعائلة الضياع والتشتت ويتم فرض قيم الحياة الغربية على المجتمع الاسلامي المحافظ ، فالفاحشة في كل مكان والبنات والنساء وسائل رخيصة للدعاية لمنتجات الاغراء والمكياج وملابس الموضة ، وتنتعش تجارة الخمور في بلاد المسلمين على نحو اوسع واكثر خطراً وجدية في مقابل ارتفاع ارصدة الشركات المنتجة للخمور والمتاجرة بها ! وهدف كل ذلك جمع المزيد من الاموال لصالح تلك الشركات الغربية التي لا تجد لها سوقا رائجة في بلاد المسلمين الا بالعمل على تحطيم القيم الاخلاقية للمجتمعات المسلمة.
ومن نتائج مقولة تاريخية القرآن هو القبول بالربا والمصارف والشركات الربوية والقطاع الخاص الربوي ، فيسود التعامل به في بلاد المسلمين على نحو اوسع مما يجري الآن تحت ستار الاعمال المصرفية حصراً ! وهل ينتج الربا الا المزيد من الفقر للفقراء والمزيد من الغنى للاغنياء على المستوى الفردي ، فغني واحد يمكن ان يساهم بزيادة فقر عشرات الاشخاص وامتصاص دمائهم وقوتهم ! اما على المستوى العام فهو آفة تتهدد الاقتصاد العالمي ونحن قد رأينا مضار الربا في السنوات الاخيرة ولاسيما منذ سنة 2008م نتيجة الانهيار الاقتصادي والكساد الذي حدث في امريكا والذي ادى الى فوضى وكساد في الاقتصادي العالمي كله نتيجة التعاملات الربوية للمصارف في تجارة العقارات.
انهم يريدون ان يبطلوا العمل بالاحكام والقوانين الاسلامية لصالح القوانين الوضعية التي بدأت تقود عالمهم نحو التردي الاخلاقي والتفكك العائلي والاجتماعي والانهيار الاقتصادي !!


 

الصفحة الرئيسية