بسم الله الرحمن الرحيم

 

ملاحظات نقدية حول "دين الوجدان" المُبتَدَعْ
من قبل احمد القبانجي

 

 

نبيـل الكرخي

بدأ احمد القبانجي منذ 29 نيسان/ ابريل 2012م الماضي – على حد اطلاعي – استخدام كلمة (دين) لمنهجه الفكري السفسطائي الذي يسميه الوجدان ، فذكر صراحة في صفحته في الفيسبوك "دين الوجدان" وان له مميزات خمسة اصلية يتفرع منها خمس ميزات ثانوية على حد تعبيره !

صفحة موقع احمد القبانجي في الفيسبوك وفيها يشرح بدعة "دين الوجدان" وسماته المزعومة !

 

 


1. يقول ان "دين الوجدان" يمثل عصارة جميع الاديان المقبولة في العالم فكلها تدعو الى بناء الانسان الطيب والصالح.
نجد هنا انَّ احمد القبانجي يضع ضابطة للاديان فيتحدث عن "الاديان المقبولة" ! اي ان هناك اديان غير مقبولة وفي مقدمتها الاسلام الذي يهاجمه بكثرة في محاضراته ، وكذلك المسيحية التي هاجمها في كتابه " النفس في دائرة الفكر الإسلامي". فما هي الاديان المقبولة عنده ؟ ربما كانت اليهودية من الاديان المقبولة عنده فعلى حد اطلاعي لم اسمعه يوماً ينتقدها ! وربما كانت الاديان غير السماوية هي ايضاً عنده من "الاديان المقبولة" عنده ! ولكن هذه الاديان هي مقبولة من قبل مَنْ ؟ هي مقبولة عنده لأنها على حد تعبير الحداثيين معقولة بمعنى انها تستند الى الحس (حواس الانسان) فقط وليس فيها قضايا غيبية كالمعاد ووجود الروح عند الانسان ووجود الملائكة ووجود الله سبحانه ! فكل دين يخلو من هذه القضايا الغيبية "الميتافيزيقية" – كما عبر احمد القبانجي عنها في الميزة التالية كما سنرى ـ فهو دين معقول ومقبول عنده ! وهنا تبرز اولى تناقضات "دين الوجدان" الذي يبشِّر به ، ففي الميزة الرابعة له – كما سنرى بعد قليل – يقول ان "دين الوجدان" يقبل الناس من جميع الاديان ويسمح لهم ان يبقوا على دينهم فالمسلم يمكن ان يعتنق "دين الوجدان" ويبقى مسلماً وكذلك المسيحي ! فاذا كانت الامور الغيبية وهم وخرافة فكيف يقر "دين الوجدان" وجودها ولا يرفضها بحيث يبقى معتنقه على دينه الاصلي دون ان يمس ذلك اي تعارض بينهما رغم ان احدى ميزاته رفض الامور الغيبية ؟!
ثم ما هو مفهوم "الدين" عند احمد القبانجي لكي يمتنع التعارض بين "دين الوجدان" وبين اي دين آخر فيمكن اعتناقهما معاً كما يزعم !
التناقض الآخر هو ان "دين الوجدان" على حد تعبيره هو عصارة الاديان المقبولة فكيف يسمح هذا الدين ان ينضوي تحته شخص يعتنق ديناً غير مقبول (كالاسلام كما يراه احمد القبانجي) ولا تكون في ذلك مشكلة !!

2. يقول ان "دين الوجدان" خفيف على العقل والمعدة أي ليس فيه شريعة ثقيلة ولا يعتمد على غيبيات وميتافيزيقيا غير معقولة.
ان وصف احمد القبانجي لدين الوجدان بأنه خفيف على العقل والمعدة هو وصف ساذجٍ فالدين الخفيف على العقل يعني انه لا يدعو الانسان لاعمال عقله ولا يدعو الانسان للتفكير ، فهو كالمخدر للعقول الساذجة التي تعتنقه اذ لا يطلب منها الا ان تغفل عقلها من التفكير والتدبر في هذا الدين الوضعي – نحن نطلق عليه لفظ الدين مجازاً لا حقيقة اذ انه لا يحمل ايٍ من مقومات الدين – فدين الوجدان هو دين الاستخفاف بالعقل وتسطيحه ولذلك يكون خفيفاً عليه !
اما وصفه الساذج بأن "دين الوجدان" خفيف على المعدة فاما ان يكون قصده مجرد لغو لا معنى له او ان تكون من مستلزماته ان يكون في دين الوجدان ما يمنع تناول الاطعمة الدسمة على سبيل المثال ! واذا كان فيه ما يمنع ذلك فمعناه ان له شريعة ايضاً ، والاقرب انه كلام سخيف كتبه في حين غفلة من عقله اذ ان الاديان الاخرى لم تثقل المعدة بإيجاب تناول الاطعمة الدسمة حتى يأتي دين الوجدان ليخفف عنها هذا الكاهل. انها مجرد سفسطة يتداولها احمد القبانجي مع اتباعه.
اما موضوع انكار احمد القبانجي للغيبيات كالروح والمعاد والملائكة فقد ناقشنا جانباً منها في النقطة السابقة.

3. يقول عن "دين الوجدان" انه دين نافع في الدنيا للانسان والمجتمع ولا يحيل الامور الى سعادة في الاخرة.
فأي نفع يكمن في دين الوجدان وهو يسطح العقل ويستخف به كما رأينا آنفاً ! نعم يمكن لـ "دين الوجدان" ان يحفز الانسان لاطلاق شهواته وغرائزه بأبعاد متعددة ، فاذا كان احمد القبانجي يسمي اطلاق الشهوات والغرائز ومنع وضع حدود عقلائية لها يسميه نفعاً فحينئذٍ يكون دين الوجدان مصدراً لنفع الانسان ولكن ليس الانسان الانساني بل الانسان الغرائزي الشهواني الحيواني. أما الاسلام العظيم فقد وضع قواعد رصينة لبناء الحياة والحضارة والتقدم وفق ما يرتضيه خالقنا بعيداً عن اطلاق الشهوة والانفعالات الحيوانية ، فماذا يقدم "دين الوجدان" بالضد منه ؟ الاسلام يمنع الزنى بينما دين الوجدان لا يعارض الزنى باعتباره من الحريات الشخصية ، الاسلام يمنع الربا لأنه يحطم الاقتصاد الوطني ويفتك بالضعفاء من الناس بينما دين الوجدان لا يعارض الربا لأنه من الحريات الاقتصادية في النظام الرأسمالي. الاسلام يمنع تشريع قوانين تخالفه لأنها قوانين تهدم الحياة الكريمة التي يريدنا الله سبحانه وتعالى ان نعيشها بينما "دين الوجدان" يسمح بتلك القوانين لأنها من الحريات السياسية !

4. ويقول احمد القبانجي عن "دين الوجدان" انه يقبل جميع الافراد من شتى الاديان والمذاهب حتى الملحدين واللادينيين مع بقاء كل شخص على دينه السابق ولا يدعو لتغيير الانتماء فيبقى المسلم على اسلامه والمسيحي على مسيحيته والماركسي على ماركسيته ولكن ان يتحرك في حياته من دوافع الوجدان.
وقد ناقشنا هذه الميزة السفسطائية والمخادعة آنفاً وبيّنا كيف انها لا يمكن ان يكون لها وجود واقعي لأن من يعتنق "دين الوجدان" يعني انه يتخلى عن جوانب مهمة في عقيدته الدينية بحيث لا يمكن ان يكون منتمياً انتماءاً حقيقياً وكاملاً للدين الذي انسلخ عنه لصالح "دين الوجدان" !

5. لم يصرح بالميزة الخامسة وقال انه يترك ذكرها لاتباعه من خلال مشاركاتهم ! ولكنه بعد ذلك كتب تاييداً لاحدى المشاركات فقال ما يمكن ان نعتبره بما الميزة الخامسة من وجهة نظره وهي قوله: ان "دين الوجدان" هو الدين الذي يرضاه لعباده ويرفض دين المشايخ الذي يكرس في الناس الكراهية والفرقة والبغضاء لانه دين الشيطان الذي(يريد الشيطان ان يوقع بينكم العداوة والبغضاء) كما يقول القران واشد العداوة بين المسلمين هي بسبب المذاهب وفتاوى رجال الدين.

يقول ان "دين الوجدان هو الدين" الذي يرضاه لعباده لكنه لم يبين من هو الذي يرضاه ! هل الله هو الذي يرضى "دين الوجدان" لعباده ؟!! الم يسبق لاحمد القبانجي ان قال ان الله تعالى خلق الناس ولم ينزل لهم ديناً ولم يرسل رسلاً ولا انبياء ولم يتصل بهم ! فكيف يتراجع هنا ويقول ان دين الوجدان مرضي من قبل الله تعالى !! وان زعم ان الوجدان هو الذي دلَه على هذا الدين فما ادراه انه فهم وجدانه بصورة صحيحة ، وما ادرانا ان احمد القبانجي قد فهم وجدانه بصورة صحيحة ؟! الم يسبق لاحمد القبانجي ان قال ان النبي محمد (صلى الله عليه وآله) اخطأ في فهم وجدانه !! فهو يخطيء النبي في فهم وجدانه ولكنه يصحح فهمه هو لوجدانه !!! مع انه لم يبين لحد الآن ما هو الوجدان وما هي ادلة وجوده !

والتناقض الجسيم الاخر الذي وقع فيه احمد القبانجي انه تحدث عن الشيطان بينما هو ينكر الغيبيات !! فما هذه الازدواجية والخطاب غير المتزن يا احمد القبانجي !!؟

واما الصفات اخرى المتفرعة عن تلك الصفات الاصلية وهي:

    1 ـ يقول ان "دين الوجدان" ليس له نصوص مقدسة وكل انسان يرجع لعقله ووجدانه وبالتالي تنكسر قيود التقليد للاخرين.

سبق لاحمد القبانجي ان قال ان الوجدان معصوم وان اقدس ما في الانسان هو وجدانه وقال ايضاً ان الانسان قد يخطيء في فهم وجدانه ! فما هي فائدة قدسية الوجدان اذا لم تصدر عنه نصوص مقدسة ، وكيف يكون الوجدان مقدساً وما يصدر عنه غير مقدس !! وما هي فائدة وجود وجدان مقدس بلا نتاج مقدس وبلا فهم صحيح له من قبل الانسان !!!

 

 

 

 

2 ـ  قال احمد القبانجي انه ليس في "دين الوجدان" طبقة من رجال الدين تتولى تفسير النصوص واستخراج الاحكام مما يمنع اي محاولة لاستغلال الناس باسم الدين.
وهذا قلة معرفة من جهة اولى ووهم من جهة ثانية وخداع من جهة ثالثة ، فأما قلة معرفته فتطفو واضحة لعدم معرفته بأن القرآن الكريم هو الذي وضع اساس وجود العلماء في الامة لينذروها ويبينوا لها احكامها ، قال تعالى في سورة التوبة: ((وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)).
 
واما وهمه فهو زعمه استغلال رجال الدين للدين لكسب منافع شخصية ، متجاهلاً ان من اهم ميزات رجال الدين هي ميزة العدالة وان المسلم يراقب رجل الدين مراقبة اجتماعية صارمة لكي يتأكد من استمرار صفة العدالة التي يتمتع بها والتي تؤهله لاستمرار اتباع الناس له. واما خداع احمد القبانجي فيكمن في انه هو نفسه قد نصب نفسه منظّراً لفكرة الوجدان والمسؤول عن شرحها وتوضيحها فهو يمارس نفس الدور فكيف اذن يمارس هو نفسه ما ينتقد الاخرين على ممارستهم له في نطاق ما يؤمنون به !؟ فعلى سبيل المثال نجد احمد القبانجي في احدى كتاباته في صفحته على الفيسبوك يقول: { تحياتي للاخوة الوجدانيين:بعد نشري لعدد من المنشورات في هذا البيت الموقر ارى حدوث التباس في اذهان البعض عن حسن او سوء نية فقد قلت بصراحة ان دين الوجدان ليس دينا جديدا بقدر ما هو قراءة جديدة للدين فانا مسلم ولكن اسلام وجداني وشيعي وجداني ويمكن ان يكون الشخص سنيا وجدانيا او مسيحيا وجدانيا اي لا يحتاج ليغير دينه ومذهبه بل ياخذ منه ماوافق عقله ووجدانه ويترك الباقي مما لا يتوافق مع العقل والوجدان وحقوق الانسان وهذا هو جوهر الاديان كما قلت في المنشور وفي محاضرات سابقة وسميته ايضا دين الاحرار في مقابل دين العبيد ولكن بما ان المفاهيم كثيرة ومتناثرة في محاضراتي فاردت تلخيصها في عدة نقاط واضحة ومحددة لغرض ان لا يعيش الاخوة الوجدانيون حالات التشويش الذهني والعقائدي بسبب تلك المحاضرات النقدية التي اثارت الكثير من الاسئلة وعلامات الاستفهام وشكرا }!
 
 


ونفس العبارات كررها في صفحته الاخرى ايضاً:

 


 

    3ـ قال احمد القبانجي ان "دين الوجدان" يهتم بباطن الانسان واصلاحة من الداخل اما الفقه في الاسلام فيهتم بالطقوس والشعائر البدنية والخارجية فيمكن ان يبقى الانسان منافقاً وانتهازياً وحاقداً في باطنه.

لقد فات احمد القبانجي ان الاسلام ليس فقهاً فحسب بل هو عقيدة واخلاق الى جانب الفقه ، فمقارنته بين قضايا اخلاقية نسبها الى "دين الوجدان" وبين قضايا فقهية موجودة في الاسلام ليست مقارنة منصفة وكان عليه ان يقارنها مع الاخلاق الاسلامية السامية والعظيمة ، وكل قضية خير ومحبة وعطاء يقحمها في "دين الوجدان" انما اقتبسها من الاسلام العظيم. ونحن نعلم كما بيّنا آنفاً ان "دين الوجدان" مبني على الوهم والتناقض وعلى مهاجمة الاسلام بصورة خاصة (والمسيحية بحدود معينة ايضاً كما في كتاب احمد القبانجي "النفس في دائرة الفكر الإسلامي"[1]). ان كل ما يمكن ان ينسبه احمد القبانجي لـ "دين الوجدان" من محبة وخير انما اقتطعها من الاسلام.

 

4- 4ـ وقال احمد القبانجي عن "دين الوجدان" انه لا يستنزف طاقات الانسان وامواله وعمره في امور عبثية ولا فائدة فيها .

ربما يسمي احمد القبانجي الصدقة امراً عبثياً وربما يسمي الصلاة والحج الزكاة والخمس اموراً لا فائدة فيها فكم هو - والحال هذه - على خطأ جسيم ! اليست من الانسانية ان يبذل المسلم بعض ماله من اجل اخيه الفقير والمسكين ! ... اين هي اذن انسانية الوجدان المزعومة ؟!

 

5- 5. واهمل احمد القبانجي الميزة الفرعية الخامسة لاتباعه لتقديرها ، هذا على فرض وجود خمس سمات فعلاً وليس مجرد لغو من قبله !

 

هذه التناقضات الكثيرة التي تبرز في "دين الوجدان" تقر الحقيقة القرآنية الخالدة بقوله تعالى: (( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً)) فهذا الاختلاف وهذه التناقضات الفاحشة في "دين الوجدان" المُبتدع قد برزت لأنه ليس من عند الله سبحانه ، ولو كان من عند الله جل شأنه لما برزت فيه هذه التناقضات الكبيرة والعميقة. وهذا يعني ان ما يزعمه احمد القبانجي من ان الوجدان[2] مرتبط بالله تعالى هو مجرد وهم لأن وجدانه قد اتى بـ "دين" متناقض وما يكون متناقضاً لا يكون من قبل الله تعالى.

 

 


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ومما جاء فيه قول احمد القبانجي: (المدرسة المسيحية بدورها لها موقف سلبي من العقل وتلغي دوره في العقائد، خاصة في مسألة التوحيد، ومحاربتها للعلم والعلماء). وقوله ايضاً: (وقد يكون لديهم بعض الحق بالنسبة للديانة المسيحية التي وقف رجالها من العلم والعلماء تلك المواقف المزرية وحولت الانسان المسيحي الى انسان يتحرك في جو التعنّت والتعصب ويتجهد في عملية تقديس للاخطاء الموروثة والعقائد البالية التي لا تتواكب مع الواقع.). وقال ايضاً: (فما في الديانة المسيحية من ضرورة محبة الجميع نوع من الهراء والمثالية الموهومة لا أكثر، فمن أحبّ شيئاً كره فقده، وكره ما يوجب بعده عنه، فالعاشق يكره موت حبيبه ومرضه وبعده عنه، وإلاّ فليس بعاشق، ومن أحب الثراء كره الفقر، ومن أحب الصحة كره المرض، وهكذا).

[2] احمد القبانجي لم يبين ما هو الوجدان الذي يزعم انه انتج القرآن الكريم والذي يسميه ايضاً بـ "الاله الشخصي" فهل هو موجود مادي حسي داخل الانسان فليدلنا عليه ، ام هو امر عقلي فيكون خاضعاً لقواعد العقل من منطق وبرهان وهو ما يرفضه احمد القبانجي بخصوص الوجدان ! ام هو امر شعوري ذوقي فكيف يكون حجة على الناس وينتج القرآن الكريم وحاله هذه !



 

الصفحة الرئيسية