بسم الله الرحمن الرحيم

 

اصالـة القـرآن الالهيـة

 

نبيـل الكرخي

قال تعالى: ((وَمَا كَانَ هَذَا القُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ العَالَمِينَ)). صدق الله العليُّ العظيم.
مقولة قديمة رددها قدامى المستشرقين والمبشرين النصارى في اطار سعيهم للتصدي للاسلام ومحاولة طمس وتشويه ملامحه ! تلك هي مقولة ان القرآن الكريم هو من نتاج محمد (صلى الله عليه وآله) وانه ليس كلام الله سبحانه وقد سعوا بشتى الوسائل والافكار والمعاني لنشر هذه الفكرة غير ان مساعيهم جميعاً تميزت بانها كانت مفتقرة للدليل ومصطدمة دائماً بديمومة القرآن الكريم الاعجازية وحيويته وقدرته على مواكبة جميع العصور وتطور العلوم. وما زال بعض المستشرقين واذنابهم من بعض الذين كانوا منتسبين الى الاسلام يرددون هذه المزاعم والشبهات ، منهم جوستاف لوبون (1841 – 1931)م ، واليهودي جولد تسيهر(1850 - 1921)م ، وديڤيد صمويل مرجليوث (1858-1940)م ، وإميل درمنغم (1892 – 1971) ، وهاملتون جب (1895-1971)م  ، ووليام مونتغمري واط (1909 – 2006)م ، واليهودي جويتاين (1900- )م ، وعبد الكريم سروش وغيرهم.
وتعددت نعوتهم لمصدرية القرآن الكريم المحمدية بزعمهم بين الوحي النفسي والخواطر والهالة النبوية والوجدان وغرضهم منها واحد كما بيناه آنفاً. وهم في خضم هذا كله تائهون ليس لهم قرار او دليل صحيح او قرينة معتبرة !
وفي نفس الاطار قال عبد الكريم سروش في مقابلة معه مع مجلة " زمزم " الهولندية المتخصصة بقضايا العالم الإسلامي ، عام 2007: (النبي يشعر، مثله في ذلك مثل الشاعر، أنه يُمسـَك به من قبل قوة خارجية عنه. ولكن في الواقع - أو بالأحرى في الوقت نفسه – يكون هو الخالق والمنتج. أما السؤال عما إذا كان الإلهام يأتي من الداخل أو من الخارج فهذا لا يهم في الواقع ، لأنه على مستوى الوحي ليس هناك فرق بين الداخل والخارج . الإلهام يأتي من ذات النبي . وذات كل فرد هي ذات إلهية . ما يميز النبي عن غيره من الناس هو أنه يدرك هذه الألوهية. فذاته أصبحت تشكل مع الله شيئا واحداً) !! حسناً يا سروش انت ايضاً يمكن ان تدرك ان ذاتك الهية كما تزعم فهلا اتيتنا بمثل القرآن في نظمه وبلاغته وحكمته وتشريعاته الصالحة. لماذا تعجز ذاتك يا سروش وذوات جميع البشر عن الاتيان بمثل هذا القرآن العظيم رغم مزاعمكم بانه بشري المصدر !؟ الا يكشف لكم ذلك عن صدق انتساب القرآن الى الله سبحانه باعتباره كلامه المنزل كما يكشف لكم عن تهافتكم وهزيمتكم امام التحدي القرآني العظيم بالاتيان بمثله.
هؤلاء المساكين يتصورون ان اي انسان يدخل في خلوة او اعتكاف او تفكر في الوجود او انقطاع للعبادة بعيداً عن الناس يمكنه ان ياتي بمثل هذا القرآن العظيم كما حدث لرسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) ايام تعبده في غار حراء ، ولكن الملفت للنظر ان احداً قبل رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يتمكن ان يفعل ذلك كما لم يتمكنه احد بعده. فقط انبياء الله عزَّ وجل هم القادرون بمشيئة الله تعالى على الاتيان بالمعجزات الظاهرة والباهرة والاتيان بالشريعة التي تجلب السعادة والصلاح للمجتمع.
نعم هناك البعض ممن كانوا يميلون الى العزلة والتفكر في الوجود والحياة واصلها والدوافع الانسانية والكون ومسيرة الانسان وغاياته وماهيته ... الخ ، لكن هؤلاء لم يكونوا في يوم من الايام انبياء ، ولم يدَّعِ احد منهم النبوة بل كانوا بفكرهم ونتاجهم الانساني فلاسفة ساروا في طريق التفلسف ولم يكونوا شيء آخر ابداً. ولو كان رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) من هؤلاء طلاب العزلة والتفكر في الوجود والكون والانسان لوجدناه يسلك سلوك الفلاسفة في نتاجه الفكري وتحركه الاجتماعي ولكنه لم يكن كذلك مما يدل وفق السياقات البشرية على انه لم يكن ياتي بشيء من تلقاء نفسه او من وجدانه او من ذاته او من كلامه النفسي كما زعموا بل كان واسطة الرحمة الالهية للبشر ورسول الله وخاتم الانبياء وصاحب الشريعة السماوية الخالدة. فكل ما جاء به انما هو من الله سبحانه.
وقد كتب الدكتور حسام الالوسي في كتابه (الفلسفة والانسان) في معرض حديثه عن سبب ظاهرة التفلسف عند الفلاسفة ، ما نصّه: (يذكر وليم جيمس في كتابه "بعض مشكلات الفلسفة" ان شوبنهاور يرجع اصل التفلسف الى تأمل الانسان لوجوده وللعالم ، وعلى حد تعبير شوبنهاور في كتابه "العالم كارادة وتصور" انه بصرف النظر عن الانسان – ليس ثمة موجود يتساءل عن وجوده. وحين يغدو الانسان واعياً لاول مرة يسلم بوجود ذاته تسليمه بشيء لا يحتاج تفسير. ولا يستمر الامر على ذلك طويلاً ذلك لأنه مع نشأة التأمل يبدأ التساؤل والتساؤل ام الميتافيزيقا ، وهو الذي جعل ارسطو يقول: ان الناس – الآن ودائماً – يسعون الى التفلسف بسبب الدهشة. وكلما كان الانسان ادنى في مرتبة التفكير كان تساؤله اقل عن لغز الوجود .. ولكن كلما زاد وعي الانسان اتضاحاً بدت له المشكلة اعظم ما تكون) الى ان يقول: (ويعلق وليم جيمس: "لا يتطلب الامر من الانسان اكثر من ان يغلق نفسه في صومعته ويشرع في التأمل في واقع وجوده وفي شكل جسمه ..) . 
اما الفلاسفة وتاملاتهم ونتاجهم الفكري فقد نحى منحى بعيداً عما جاء به الاسلام ، فالاسلام جاء بكم هائل من ضخ القوة الروحية في الانسان كما جاء في الوقت نفسه بانظمة اجتماعية واقتصادية وسياسية وقضائية رصينة ، وجاء بكتاب معجز هو كلام الله سبحانه وهو كتاب متلائم مع جميع العصور. ومن سمات تلائم القرآن الكريم مع جميع العصور انه بتطور النظريات الاجتماعية والعلمية نجد انها لا تتقاطع مع القرآن الكريم بل على العكس يمكن الاستشهاد بآيات قرآنية لتبيان ملائمته للمكتشفات العلمية الحديثة ، ونجد ذلك واضحاً في تطور علوم الجيويلوجيا والفضاء وتشريح جسم الانسان والطب. فالقرآن الكريم ليس مصدراً علمياً حتى نأخذ منه الكيمياء والفيزياء وبقية العلوم بل هو كتاب هداية للبشر فيما يتعلق بامر دنياهم وآخرتهم معاً. ومع ذلك فتطور العلوم يواكب القرآن ولا يتعارض معه بخلاف ما كان يحدث من اصطدام بين الكنيسة والمكتشفات العلمية في القرون الوسطى في اوربا.
نعود في حديثنا الى نتاج الفلاسفة حيث نجد ان ديكارت على سبيل المثال قد اطلق الشك في كل شيء الا في انه يفكر ، فشك في حواسه وفي العالم كله من حوله ولم يثق الا في كونه يفكر واستدل بتفكيره على وجوده حتى لو كان تفكيره منحصراً بشكه في كل شيء ! فكانت عبارته الشهيرة (انا افكر اذن انا موجود) ، لكنه لم يتمكن ان يخبرنا فائدة وجوده وهو محاط بكل تلك الشكوك ، واي فائدة ستجنيها البشرية من شكه هذا وضعف الثقة الذي يصبه في اذهان مستمعيه وقارئيه !
اما سارتر اشهر فلاسفة الوجودية في عصرنا الحاضر فزعم استناداً الى نظرته الالحادية ان وجود الانسان سبق ماهيته ! وحتى اذا اردنا مناقشة فكرته هذه من زاويته الالحادية – على سبيل الاحتجاج – نجد انه على اقل تقدير فان وجود الانسان مترافق مع ماهيته وليس سابق لها فلا يتخلف احدهما عن الاخر. والعلم الحديث يبين فساد رأي سارتر وخطأه لاسيما في الخمسين سنة الاخيرة حيث تطور علم الجينات الوراثية (الـ DNA) والذي يبين بوضوح ان لحظة ولادة الانسان ترافقها وجود لتركيبته الوراثية التي تحدد ماهيته ، فماهيته ووجوده لا يفترقان. فلم يعد بإمكان الوجوديين ترديد كلمات سارتر الغبية بان وجود الانسان يسبق ماهيته. طبعاً كما اسلفنا هذا بفرض نظرتهم الالحادية وهي نظرة متهرئة يثبت بطلانها بديهيات الحياة والكون ونظامه العجيب بالاضافة الى المعجزات والرسالات الالهية المؤكدة. نعم ان وجود الله سبحانه هو امر بديهي.
ولسنا هنا بصدد تقييم فلسفي لتلك الفلسفات المذكورة اذ ان للفلسفة روادها وخبرائها انما ما اردنا بيانه هو ان حياة النبي (صلى الله عليه وآله) ونهجه في اعتكافه التعبدي وتأمله وتفكره في الوجود والحياة وما تلاه من حمل الرسالة الالهية وتبليغها للبشرية انما هو منهج بعيد عن اسلوب الناس المتأملين للحياة والوجود والذين ينتهي بهم المطاف الى عالم الفلسفة والتفلسف ، ولو لم يكن محمد (صلى الله عليه وآله) نبياً حقاً لربما سار على نفس نهج الفلاسفة المذكورين.
اما القرآن الكريم ، هذا الكتاب الالهي العظيم فهو كتاب كل العصور ، فالاعجاز الذي تضمنه يثبت اصالته. ولا نقصد الاعجاز البلاغي فقط فصنوف الاعجاز في القرآن الكريم عديدة ، وربما نتمكن ان نذكر منها ان القرآن العظيم جاء بأسس اخلاقية واجتماعية صنعت امة متحضرة كانت غارقة في الجهل والتخلف والتناحر. وما زال القرآن الكريم قادراً على اعادة صنع الامة بنفس المواصفات الاخلاقية العظيمة اذا عادت الامة اليه والى العمل به وفق المنهج الاسلامي الصحيح ، منهج الثقلين: الكتاب والعترة الطاهرة.
واما المعجزة البلاغية في القرآن الكريم فقد اذعن لها العرب الفصحاء ايام مجد فصاحتهم وقوة بيانهم ، اذعن الجميع بدون استثناء الى ان بلاغة القرآن الكريم لا يمكن ان يصل اليها احد منهم. وحتى علماء المسيحية من العرب لم يكونوا خارج دائرة الاذعان ، فلم يصدر عن اي منهم ولا سيما القدماء المتضلعين في اللغة العربية انهم تمكنوا من معارضة القرآن او الاتيان بآيات مثله. لقد تحدى القرآن العظيم الجميع وفشل الجميع في قبول تحديه.
وقد يثير البعض شبهة ان القرآن الكريم هو بلغة العرب فمن غير المعقول تحدي بقية الاقوام الذين لا يحسنون اللغة العربية بالاتيان بمثل بلاغته ! وشبهتهم هذه متهافتة لأن القرآن الكريم لم يقصر تحديه على الجانب اللغوي والبلاغي فقد كان التحدي عاماً لجميع جوانبه اللغوية والتشريعية والاخلاقية والاجتماعية فالقرآن الكريم فيه اعجاز بلاغي واعجاز غيبي (بالاخبار عن قضايا غيبية تحققت فعلاً في عالم الواقع) واعجاز بالاتيان بالنظم الاجتماعية ومسببات الهدى والصلاح والرشاد مما لا يتمكن احد من الاتيان بها ، فما كان تحدياً بلاغياً فهو يخص العرب منهم وما كان تحدياً بمعارفه فهو يخص العرب والعجم. وفي هذا الصدد يقول السيد محمد حسين الطباطبائي في تفسير الميزان ، ج1 ص59: (فجميع التحديات الواقعة في القرآن نحو استدلال على كون القرآن معجزة خارقة من عند الله ، والآيات المشتملة على التحدي مختلفة في العموم والخصوص ومن أعمها تحديا قوله تعالى : ( قل لئن إجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ) الاسراء - 88 ، والآية مكية وفيها من عموم التحدي ما لا يرتاب فيه ذو مسكة . فلو كان التحدي ببلاغة بيان القرآن وجزالة اسلوبه فقط لم يتعد التحدي قوما خاصا وهم العرب العرباء من الجاهليين والمخضرمين قبل اختلاط اللسان وفساده ، وقد قرع بالآية أسماع الانس والجن . وكذا غير البلاغة والجزالة من كل صفة خاصة إشتمل عليها القرآن كالمعارف الحقيقية والاخلاق الفاضلة والاحكام التشريعية والاخبار المغيبة ومعارف اخرى لم يكشف البشر حين النزول عن وجهها النقاب إلى غير ذلك ، كل واحد منها مما يعرفه بعض الثقلين دون جميعهم ، فإطلاق التحدي على الثقلين ليس إلا في جميع ما يمكن فيه التفاضل في الصفات . فالقرآن آية للبليغ في بلاغته وفصاحته ، وللحكيم في حكمته ، وللعالم في علمه وللاجتماعي في اجتماعه ، وللمقنين في تقنينهم وللسياسيين في سياستهم ، وللحكام في حكومتهم ، ولجميع العالمين فيما لا ينالونه جميعا كالغيب والاختلاف في الحكم والعلم والبيان . ومن هنا يظهر أن القرآن يدعي عموم إعجازه من جميع الجهات من حيث كونه اعجازا لكل فرد من الانس والجن من عامة أو خاصة أو عالم أو جاهل أو رجل أو امرأة أو فاضل بارع في فضله أو مفضول إذا كان ذا لب يشعر بالقول ، فان الانسان مفطور على الشعور بالفضيلة وإدراك الزيادة والنقيصة فيها ، فلكل إنسان أن يتأمل ما يعرفه من الفضيلة في نفسه أو في غيره من أهله ثم يقيس ما أدركه منها إلى ما يشتمل عليه القرآن فيقضي بالحق والنصفة ، فهل يتأتى القوة البشرية أن يختلق معارف إلهية مبرهنة تقابل ما أتى به القرآن وتماثله في الحقيقة ؟ وهل يمكنها أن تاتي بأخلاق مبنية على أساس الحقائق تعادل ما أتى به القرآن في الصفاء والفضيلة ؟ وهل يمكنها أن يشرع أحكاما تامة فقهية تحصي جميع أعمال البشر من غير اختلاف يؤدي إلى التناقض مع حفظ روح التوحيد وكلمة التقوى في كل حكم ونتيجته ، وسريان الطهارة في أصله وفرعه ؟ وهل يمكن أن يصدر هذا الاحصاء العجيب والاتقان الغريب من رجل امي لم يترب إلا في حجر قوم حظهم من الانسانية على مزاياها التي لا تحصى وكمالاتها التي لا تغيا أن يرتزقوا بالغارات الغزوات ونهب الاموال وأن يئدوا البنات ويقتلوا الاولاد خشية إملاق ويفتخروا بالآباء وينكحوا الامهات ويتباهوا بالفجور ويذموا العلم ويتظاهروا بالجهل وهم على أنفتهم وحميتهم الكاذبة اذلاء لكل مستذل وخطفة لكل خاطف فيوما لليمن ويوما للحبشة ويوما للروم ويوما للفرس ؟ فهذا حال عرب الحجاز في الجاهلية . وهل يجتري عاقل على أن يأتي بكتاب يدعيه هدى للعالمين ثم يودعه أخبارا في الغيب مما مضى ويستقبل وفيمن خلت من الامم وفيمن سيقدم منهم لا بالواحد والاثنين في أبواب مختلفة من القصص والملاحم والمغيبات المستقبلة ثم لا يتخلف شئ منها عن صراط الصدق ؟ . وهل يتمكن إنسان وهو أحد أجزاء نشأة الطبيعة المادية ، والدار دار التحول والتكامل ، أن يداخل في كل شأن من شئون العالم الانساني ويلقي إلى الدنيا معارف وعلوما وقوانين وحكما ومواعظ وأمثالا وقصصا في كل ما دق وجل ثم لا يختلف حاله في شئ منها في الكمال والنقص وهي متدرجة الوجود متفرقة الالقاء وفيها ما ظهر ثم تكرر وفيها فروع متفرعة على أصولها ؟ هذا مع ما نراه أن كل إنسان لا يبقى من حيث كمال العمل ونقصه على حال واحدة . فالانسان اللبيب القادر على تعقل هذه المعاني لا يشك في أن هذه المزايا الكلية وغيرها مما يشتمل عليه القرآن الشريف كلها فوق القوة البشرية ووراء الوسائل الطبيعية المادية وان لم يقدر على ذلك فلم يضل في انسانيته ولم ينس ما يحكم به وجدانه الفطري أن يراجع فيما لا يحسن إختباره ويجهل مأخذه إلى أهل الخبرة به).
ويضاف لذلك حقيقة ان الاساليب البلاغية الموجودة في اللغة العربية لها نظيراتها في اللغات الاخرى ، فوجود بعض الجوانب البلاغية كالتشبيه والاستعارة والمحسنات وغيرها هو وجود معروف في لغات اخرى كالانكليزية والفرنسية وغيرهما ، فمن يزعم ان القرآن الكريم بعظمته البلاغية هو من نتاج محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله) فعليه ان يعلل عجز بقية العرب عن الاتيان بقرآن آخر له نفس مستوى بلاغته كما ان على من يزعم ذلك ان يعلل عجز بقية الاقوام عن الاتيان بكتاب مقدس بلغاتهم تلك فيها اساليب بلاغية اعجازية بنفس مستوى اعجاز القرآن الكريم ولكن في لغاتهم مقارنة مع النتاجات البشرية في نفس تلك اللغات. بل حتى الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد ليس فيه اساليب بلاغية رصينة اعجازية يمكن الاعتماد عليها باعتبارها دليل على انها سماوية المصدر وانها تحاجج بقية النصوص في نفس تلك اللغات التي كتب بها وتتفوق عليها. اذن البلاغة القرآنية فريدة على مستوى اللسان العربي وكذلك على مستوى بقية الالسن التي عجزت عن الاتيان بكتاب مقدس يتفوق على بقية نتاجاتها الثقافية من الناحية البلاغية فبقيت الاساليب البلاغية في تلك النصوص مشتتة البلاغة.
فمن نماذج وجود الاساليب البلاغية في اللغات الاخرى هي الدراسات النقدية البلاغية ككتاب: « في الاستعارات» (Des tropes) المنشور سنة 1730 لمؤلفه دومارسي (Dumarsais)، وكتاب «أساليب الخطاب» (Les figures du discours) المنشور سنة 1830 لمؤلفـه بييـر فونطانيي (P. Fontainier) (2). وكتاب (البلاغة: المدخل لدراسة الصور البيانية) لفرانسوا مورو الاستاذ بجامعة تولوز وهو يتحدث عن بعض الجوانب البلاغية في اللغة الفرنسية.
اما بخصوص الادب الانكليزي فنقرأ في ويكيبيدا الموسوعة الحرة: (يرقى الأدب الإنكليزي إلى القرنين الخامس والسادس للميلاد. وأقدم ما وصل إلينا منه ملحمة بَيْوُولف Beowulf. ومن هنا نستطيع القول إن الشعر عند الإنكليز، شأنَهُ عند الأمم الأخرى، كان أسبقَ إلى الظهور من النثر. وفي القرن الرابع عشر ظهر تشوسر Chaucer الذي يُعتبر أبا اللغة الإنكليزية الحديثة) .
ونموذج آخر هو الشاعر والاديب الروسي الكبير الكسندر بوشكين الذي كان يبدي اعجاباً شديداً بالقرآن الكريم ، وهو قد قرأ القرآن الكريم من خلال (ترجمة فيريوفكين 1790 الذي قام بترجمته من اللغة الفرنسية. وكان قد نقله إلى الفرنسية ديوريه. وبصدد ترجمة فيريوفكين، يقول كراتشوفسكي: "تعتبر ترجمة فيريوفكين للقرآن أفضل ترجمة، إذ تتمتع بلغة أدبية رفيعة" {كراتشوفسكي، مؤلفات مختارة، موسكو ـ ليننغراد 1955 المجلد 1 ـ ص 180}. والذي يهمنا هنا ، أن بوشكين استخدم هذه الترجمة أساساً لقصيدته) . ومن خلال اطلاعه على هذه الترجمة للقرآن الكريم كتب بوشكين قصيدته (محاكاة القرآن) والتي اراد منها كما يقول بعض النقاد ان يقلد ظاهر القرآن الكريم - شكل القرآن وإيقاعاته وموسيقاه بحسب تعبيرهم - ولكن مع ذلك كان الفرق كبير بين محاكاة بوشكين وبين القرآن الكريم. وحتى بوشكين هذا لم يتمكن ان يأتي بكتاب يدعي فيه انه القمة في البلاغة في اللغة الروسية بحيث يكون ما عداه اقل بلاغة منه ولا يمكن ان يرقى اليه.
ومن جانب آخر فهناك دراسات جادة حول ترجمة الجوانب البلاغية في القرآن الكريم الى لغات اخرى احداها رسالة جامعية معنونة (قابلية التعابير البلاغية والثقافية للترجمة في ضوء دراسة تراجم معاني القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية) ، للباحث الدكتور أحمد عبد العزيز مهيوب العباسي ، "تبحث هذه الدراسة موضوع إمكانية ترجمة التعابير البلاغية والثقافية في القرآن الكريم وبالتحديد في سورة البقرة، و اعتمد الباحث على دراسة أربع تراجم مشهورة لمعاني القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية وهي ترجمة كل من عبد الله يوسف علي, بيكثول, ايرفنج وترجمة خان والهلالي حيث تم مقارنة هذه التراجم بما ورد في تقسيري القرطبي والزمخشري. وتهدف الدراسة إلى البحث عن كيفية تعامل التراجم الأربع قيد الدراسة مع التعابير البلاغية والثقافية حيث يرى الباحث أنه وعلى الرغم من أهمية  التعابير البلاغية والثقافية كونها تمثل جزءا اساسيا من المحتوى المعرفي للقرآن الكريم, فإنها لم تتلق الإهتمام الكافي واللائق من قبل مترجمي معاني القرأن الكريم إلى الإنجليزية. ويتلخص الهدف الرئيسي للدراسة في تسليط الضوء على وجود الحاجة الماسة  لترجمة متميزة لمعاني الفرآن الكريم تتسم بالفاعلية والدقة والموسوعية والقدرة التعبيرية المؤثرة حيث يجب ان تشتمل هذه الترجمة على كل الجوانب المعرفية للقرآن بما فيها التعابير البلاغية والثقافية" . وهذه الدراسة تبين بوضوح ان جميع اللغات لها مشتركات بلاغية متقاربة بحيث يتمكن من ترجمة الجوانب البلاغية في اللغة العربية الى لغات اخرى كاللغة الانكليزية وغيرها.
ومن جانب آخر ، تبقى الدعوات الى نبذ العمل بالقرآن العظيم عاجزة عن تقديم بديل واقعي وحقيقي فكل الانظمة الاجتماعية والاقتصادية التي يقدمها الغرب ما زالت عاجزة عن ايجاد حلول حقيقية لمشاكل الناس ومازالت تلك الانظمة تكشف عن ضعفها وافتقارها الى الاستقرار والديمومة. لقد تهاوت النظرية الشيوعية واسقطت معها اكبر دولة عظمى قامت على اساسها الا وهي دولة الاتحاد السوفيتي. وعجز النظام الرأسمالي عن تقديم العدالة والقضاء على الفقر بين الناس بل ازدادت الفوارق الطبقية في ظله حتى بدانا اليوم نشهد آلاف المظاهرات الاحتجاجية ضده في مختلف عواصم العالم وقد بدأت اول امرها في الولايات المتحدة الامريكية يوم 17 ايلول/ سبتمبر 2011م بمظاهرات اطلقت على نفسها اسم (حركة احتلوا وول ستريت) في اشارة الى المركز المالي الحيوي هناك ثم توسعت لتصبح حركة عالمية شملت اكثر من 100 مدينة في العالم يوم 15 تشرين الاول/ اكتوبر من السنة نفسها واصبحت تعرف بـ (احتجاجات إحتلوا Occupy protests أو احتجاجات الغضبانين Indignants protests).
خلاصة القول ان القرآن العظيم هو كلام الله سبحانه وهو الوحي الدائم الوجود بين الناس وما على الناس للخلاص من واقعهم الفاسد ومن مشاكلهم الفردية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية الا الرجوع اليه والتمسك به والعمل باحكامه العادلة من خلال الوصية النبوية الخالدة التي بينت للناس بأنَّ الامن من الضلال انما يكون بالتمسك بالقرآن الكريم والعترة الطاهرة.
قال تعالى: ((إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً)). صدق الله العليُّ العظيم.

 

 

الصفحة الرئيسية