بسم الله الرحمن الرحيم

 

من إشكاليات دعوى المثقف المستقل

 

نبيـل الكرخي

 

حينما يحاول الحداثيون ايجاد مفهوم للمثقف فان مدار ما يذكرونه يتمحور حول استقلاليته الفكرية وان لا يكون تابعاً لآيديولوجيةٍ ما ! غير ان مفهومهم هذا له جانبان سلبيان فمن جهة نجد أنّه مفهوم غير واقعي ومن جهة اخرى وجدنا ان له افرازات خطيرة تهدد وعي المثقف وادراكاته الفكرية.
فمن افرازات مفهوم "المثقف المستقل" هو أن يقوم بتفسير الدين لطلب معرفة الاحكام الشرعية وفق رؤيته الخاصة ومعارفه غير المتخصصة بينما معرفة الاحكام الشرعية تتطلب تخصصاً دقيقاً يقوم به الفقهاء عادةً وهو تخصص مبني على عدد من العلوم ابرزها علم الفقه وعلم أصول الفقه وعلم الحديث والنظريات الرجالية المعتبرة ويسبقها اتقان مجموعة من العلوم النحوية والبلاغية والمنطقية عبر مراحل دراسية متعاقبة ... ولا ننسى ان دور الفقهاء التخصصي قد اقره القرآن الكريم بقوله تعالى في سورة التوبة:
((وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)).
ولكم ان تتصوروا كمية ونوعية الاخطاء التي سيقع فيها "المثقف المستقل" نتيجة إِعمال رأيه في آيات الاحكام والاحاديث الشريفة دون الرجوع للمتخصصين من الفقهاء.
ومن افرازات مفهوم "المثقف المستقل" تبني بعض المثقفين لأفكار يخالفون بها المألوف والمعروف من المعلومات التاريخية أو التقييمية أو الوصفية أو الادائية ، مثلا يقول احدهم ان ابن رشد لم يكن فيلسوفاً ويقول الآخر ان عبد الباسط عبد الصمد لم يكن في قمة اداء القراءة القرآنية من حيث المقامات وفنون التجويد أو على الاقل احد قمم هذا الفن ، وإنَّ علي الوردي لم يكن ذو منهج علمي في كتاباته عن علم الاجتماع وانما استفاد من لغته الشعبية في الانتشار بين الناس ! وان كتاب فلسفتنا الشهير هو نتاج مرحلته ولم يعد يصلح كواجهة فلسفية اسلامية !! الى غيرها من الدعوات الاعتباطية المماثلة ...
ان دعوى كون البعض من اولئك العمالقة في فنونهم لم يكونوا يستحقون تلك المنزلة التي تبؤوها وانما استفادوا من ظروف معينة او ارهاصات معينة دفعتهم الى تلك المكانة المتقدمة في مجالهم هي دعوى جريئة وقد تكون وقحة ، ورغم اني لا اتفق مع علي الوردي في كتاباته ولا اجدها متميزة سوى في سرد وتوثيق القضايا الاجتماعية وليس في قضاياه التحليلية فمن المستبعد ان يمكن وصف منهجه بأنه مخالف للبحث العلمي ، واما ابن رشد فلا ادري كيف يتجرّأ شخص ويسلب عنه كونه فيلسوفاً بل احد اشهر الفلاسفة المسلمين الاوائل الى جانب الفارابي وابن سينا بدون ان يكون متأثراً باطلاقات خصوم ابن رشد من انصار تهافت الفلاسفة والسلفية العمياء ...
إن اي فكرة معتبرة يتبناها المثقف يكون لها بحسب طبيعتها مرتكزان هما الأدلة العقلية والمنطقية وما يتفرع عنها من دلائل وحجج ، و الرجوع الى الخبراء في فنونهم والمتخصصين في تخصصهم لينهل من معينهم. أما "المثقف المستقل" فيتبنى هذه الاطلاقات الحادة والغريبة ويسعى للتفرد في تبني نمط فكري اعتباطي غير محكم لدرجة ان الاعتباطية والتشتت تصبح جزءاً من شخصيته الثقافية في محاولة منه لأثبات استقلاليته الفكرية ! نعم المثقف يجب ان يكون مستقلاً في ثقافته ورؤاه بمعنى ان تكوينه لرؤاه ومتبنياته الخاصة وفق تفكيره ورؤيته الشخصية القائمة على العقل والمنطق والتخصص لا ان يبنيها على خيارات اعتباطية بعيداً عن المنطق والحجة والدليل والتخصص ! فهل ان رجوعه لأهل التخصص سيسلبه الشعور بالاستقلالية مع ان رجوعه هذا سيزيده ثقة بصحة النتائج التي يتوصل اليها ! اليس تفرد "المثقف المستقل" بقراراته الفكرية الطائشة من حيث عدم استنادها الى المنطق والدليل والحجة سيؤثر على عموم منهجه ومعارفه التي يكتسبها !


والاشكال الاخر الذي تثيره دعوى "المثقف المستقل" هي انها دعوى ليس لها واقع عملي فلا يمكن سلب الانسان عن ان يكون صاحب موقفٍ معين من الحياة وفي الحياة ، والاستقلالية يعني بها اهل الحداثة منعه من تبني عقيدة وآيديولوجية حتى لو كان مقتنعـاً بهـا من خـلال رؤيتـه الشخصيـة وافكاره وادلتـه العقليـة والمنطقيـة المعتـبرة !
فهل يمكن ان نتخيل انساناً لا يكون له موقف محدد تجاه اي شيء وتجاه كل شيء ؟! فهناك الانسان صاحب الآيديولوجية الدينية وهناك صاحب الآيديولوجية اليسارية وهناك صاحب الآيديولوجية الحداثية وهناك من تكون له آيديولوجية سياسية معينة كالعلمانية او الثورة الاسلامية او البروليتارية ... فليس هناك انسان ليست لديه موقف أو عقيدة (آيديولوجية) او طريقة محددة او منهجاً فكرياً عاماً في الحياة ، وحتى الناس ابناء القبائل والعشائر فآيديولوجيتهم قبلية وعشائرية ولهم مفاهيمهم المحددة ونمط التفكير والقيم الخاصة بهم. اذن يتساوى جميع الناس بسطائهم ومثقفيهم وعلمائهم في العيش وفق قواعد فكرية واجتماعية معينة وخيارات محددة فلماذا يستكثرون على المثقف ان يكون كذلك !!؟
إنَّ مفهوم "استقلالية المثقف" هو الحصان الذي يمتطيه الحداثيون لاقتحام عقل المثقف وسلبه خياراته العقائدية ومنعه من تكوين رؤاه استناداً الى خياراته الدينية ، فنراهم لا يعترضون على وجود مثقفين ماركسيين او ليبراليين ويعترضون فقط حينما يكون هناك مثقفون اسلاميون فهم يعتبرون الاسلام آيديولوجية لا يصح ان يتصف بها المثقف فلماذا لا تثير الماركسية والليبرالية والعلمانية مكامن الفزع عند الحداثيين ولا يُستثارون الا حينما يبني المثقف افكاره وفقاً لرؤاه وعقيدته الدينية. السبب واضح هو ان خصومتهم هي مع الدين حصراً !
هل قلت آنفاً ان الحداثيين يستخدمون مفهوم "استقلالية المثقف" كحصان طروادة لاقتحام عقل المثقف ؟ نعم ذكرت ذلك ولكني لم اذكر طروادة بل ألمحت لها ... نعم طروادة وحصانها الشهير الذي فتك بها كما يفتك بعقل المثقف تبنيه للموقف المستقل. فهل يسمح لنا الحداثيون استيحاء فكرة من التاريخ واسقاط ظلالها على الحاضر كفكرة حصان طروادة ام اننا يجب ان نقطع كل اواصرنا بتاريخنا وتراثنا وديننا ! هل يجب ان ننظر للتاريخ باعتباره حدث في زمانه لا يصح ان نستفيد من آثاره في واقعنا المعاصر ؟! ام يجب ان نحول التاريخ الى تراث يقبع في المتحف نتفرّج عليه كلما اردنا النزهة او يتفرج عليه السائحون الباحثون عن الرفاهية والمتعة ! فهل اصبح تاريخنا فقط محط رفاهية ومتعة لنا وللآخرين ؟! وماذا عن الحوادث السوداوية والدموية في تاريخنا هل هي ايضاً يمكن ان تجلب الرفاهية ودافعاً للنزهة والمتعة عبر زيارة المتاحف !!
وهل يمكن ان نحول الدين الى تراث فكري هو ايضاً ونلحقه بالسلسلة التي تبدأ كما يتوهمون من الطواطم ولا تنتهي الا في المتحف ! هل يمكن ان يتحول القرآن الكريم الى نص تراثي كملحمة گلگامش تثير التعجب والدهشة لقدرة الانسان على انتاجها في زمانها ! هذه هي دعوى الحداثة .. فالمثقف المستقل يمكنه بكل سهولة ان يقول ان القرآن كملحمة گلگامش عبارة عن نص غير مقدس بنفس طريقة قوله ان ابن رشد ليس فيلسوفاً وان علي الوردي ليس علمياً في علم الاجتماع وان سمفونيات بيتهوفن ليست معزوفات رصينة !! نعم يمكن للمثقف المستقل ان يقول اي شيء عن كل شيء ولكن حينما يتحول النزاع الى الحجة والدليل لن يكون المثقف المستقل إلا عاجزاً أمام غيره من المثقفين المستندين في فكرهم وخياراتهم العقل والمنطق والتخصص. نعم لنا استقلاليتنا الفكرية بتبني خياراتنا الفكرية والعقائدية ولكن ان تكون مستندة الى دليل معتبر لا الى دليل اعتباطي او منهج التقاطي وعشوائي بدعوى اننا مستقلون ولا نخضع لفكر آخر ! كما اننا مؤهلون لأن نكون نحن المثقفون من اهل الاختصاص ولكن ينبغي ان نكون هذا فعلاً عن دراسة وجد ومثابرة لا على سبيل الجدال والدعوى الزائفة غير الواقعية.


إنَّ اهل الحداثة ينشرون مفهوم "المثقف المستقل" في المجتمعات الاسلامية من اجل انتزاع المثقفين عن دينهم وعن التعلق الفكري به وايجاد جو ثقافي يرفض أن تكون هناك امتدادات فكرية عقائدية في المجتمع عبر المثقفين الذين يشكلون حلقة الوصل بين علماء الدين والناس ، وهذه الحلقة هي التي تقلقهم فيعملون على فصمها.
اذن من المهم أن يكون المثقف على حذر من معايير الحداثيين المزدوجة حينما يسمحون للآخرين بتبني مواقف آيديولوجية ماركسية او ليبرالية ويتخلى هو عن تبني مواقف آيديولوجية اسلامية لعدم سماحهم له بذلك.


 

الصفحة الرئيسية