بسم الله الرحمن الرحيم

 

آفـاق الحريـة الشخصيـة

 

نبيـل الكرخي

 

جدال الحريات الشخصية مستمر منذ عقود كثيرة ، فبين داعية لاطلاق الحريات الشخصية بلا حد وان للانسان الحق في اي تصرف لا يتعارض مع حرية الآخرين مهما كان تصرفاً شاذاً او غير اخلاقي ! وبين من يدعو لاخضاع الحريات الشخصية للضوابط الاخلاقية العامة التي مصدرها الاديان في غالب الامر.
انصار الحريات الفردية يقولون بأن لكل انسان الحق في ان يتصرف بما يشاء ما دامت حريته لا تتعارض مع حرية الاخرين ولكنهم مع ذلك يخالفون انفسهم حيث نجدهم يضعون العديد من القوانين التي تحجر على الحريات الفردية بطريقةٍ ما ! مثلاً في العالم الغربي (امريكا واوربا) هناك عقوبات على تعدد الزوجات رغم ان الزنى مباح عندهم ! ورغم ان تعدد الزوجات نفسه هو من الحريات الفردية والزواج عندهم مدني غير مرتبط بالكنيسة فلا معنى للوقوف بالضد من حرية الانسان في الزواج من اكثر من امرأة برغبتها.
ومثال آخر: نجد انه في الغرب هناك عقوبات بالسجن على من يقترف زنى المحارم ، نعم العقاب مطلوب لهذه الجريمة بلا شك ولكنها تخالف مبانيهم التي يدّعونها حيث ان هذا الزنى عندهم هو من الحريات الشخصية بحسب دعواهم ومبانيهم الفكرية !
ومثال ثالث ، حيث نجد ان حرية التعبير مكفولة عندهم في الغرب ولكن من يتطرق الى موضوع المحرقة اليهودية ويعبر عن رأيه فيها بالرفض او التشكيك يعرض نفسه لعقوبة السجن والفصل من الوظيفة ! ونفس الامر بالنسبة للافكار العنصرية كالنازية والفاشية وغيرها نجد ان حرية التعبير في الغرب لا تشملها فلا يجوز لأحد ان يعبر عن رأي مؤيد او متعاطف معها ! مع ان ذلك كله ـ اي حرية اعتناق الافكار والعقائد ـ من الحريات الشخصية !؟
وهناك امثلة عديدة اخرى تدل على ان دعوى الحريات الفردية التي يروّج لها خصوم الاسلام في العالم الاسلامي لا يوجد لها في الغرب تطبيق شامل بعيد عن الانتقائية !؟
ان دعاة الحرية يقولون بان كل انسان مسؤول عن تصرفاته وانه حر في اي قول او فعل يصدر عنه يعبر به عن حريته المطلقة ما دامت لا تتعارض مع حرية الاخرين ، فحرية الاخرين عندهم خط احمر لا يجوز التقاطع معها. ولكن المشكلة الحقيقية ليست في الحرية الفردية نفسها بل في معطياتها وافرازاتها ، فنحن نؤمن بأن الحرية الفردية هي حرية اساسية في حياة الانسان ومجتمعه ما دامت في ظل الضوابط الشرعية. وخلافنا مع خصوم الاسلام هو حول الحريات الفردية التي تتعارض مع الاحكام الشرعية والتي يتطلب اقترافها النهي عنها باعتبارها امراً منكراً وفق المنطلقات الدينية مثل تناول المخدرات والخمور والدعارة والزنى ونشر الاغاني في الاماكن العامة والارتداد عن الدين وغيرها من القضايا الشائعة التي تدخل ضمن هذا الاطار. فالحرية الفردية مدار البحث والاختلاف هي ما يمكن ان نسميه (الحرية الفردية المُنكَرة).
ومشكلتنا الاساسية في "الحرية الفردية المنكرة" ان وجودها في المجتمع بحد ذاته هو وجود تخريبي ومفسد فلا يمكن ان يزعم شخص ان شرب الانسان للخمر هو موضوع حرية شخصية بدعوى ان من يشرب الخمر انما يضر نفسه فقط ومن يقترف الزنى انما يؤثر على نفسه واخلاقياته وحده ، فحقيقة الامر ان من يشرب الخمر انما يريد بشربه هذا لجميع الناس ان يشربوا الخمر مثله ومن يزني ايضا يريد لكل الناس ان يقترفوا الزنى مثله وهكذا ، وهذه القضية يعترف بها حتى اشد المدافعين عن قضية الحريات الشخصية وهو جان بول سارتر اشهر فلاسفة الوجودية في عصرنا هذا ، حيث يقول كما في كتاب (الوجودية مذهب انساني) الطبعة الاولى 1964 ، ص16 ما نصه: ( ان اختيارنا لنمط معين من انماط الوجود هو تأكيد لقيمة ما نختار واعلاء لشانه وكأننا نقول لكل الناس: اختاروا مثلما اخترنا ، فنحن لا يمكن ان نختار الشر لانفسنا ، وما نختاره دائماً خير لنا ومن ثم فهو خير لكل الناس). ونجده في صفحة 18 يقول: (لنأخذ حالة من الحالات الشخصية ولنفترض اني قررت ان اتزوج وانجب اولاداً فإن قراري هذا ولو انه نابع من موقفي او من عاطفتي او رغبتي فأنني الزم به نفسي وألزم به الانسانية جمعاء: أن تأخذ بفكرة الزواج وتمارسها ، فأنا مسؤول إذن عن نفسي وعن كل الناس ، وانا اخلق صورة معينة لما يجب ان يكون عليه الانسان ، اختار الانسان وأبدع الصورة التي يجب ان يكون عليها). فهو يؤكد ان كل ما يختاره الانسان لنفسه هو خير للانسان مهما كان لأن الانسان هو الذي يصنع ماهيته ـ حيث ان سارتر كان ملحداً منكراً لوجود الخالق جلَّ وعلا ـ اذن كل خيارات الانسان من وجهة نظر سارتر هي خير له مهما كانت ! ومن جهة اخرى يؤكد سارتر ان الانسان باختياره ما يحلو له ضمن اطار الحرية الشخصية المطلقة فهو بذلك يختار لنفسه وللآخرين وللمجتمع كله.
اذن نجد ان التشخيص الاسلامي لطبيعة الانسان ومجتمعه وحدود حريته هو تشخيص صحيح ونافع ولا يتعارض حتى مع تشخيص الفلسفة الوجودية الحديثة التي يستند اليها دعاة اباحة واطلاق الحريات الشخصية بلا قيود ، وان ما اكدت عليه الشريعة الاسلامية من ان حدود الحرية الشخصية تتوقف عند تعارضها معها يحصن المجتمع ويحافظ على اخلاقياته. فمن يشرب الخمر ومن يتناول المخدرات ومن يمارس الدعارة ومن يرتد عن الدين انما يريد من الانسانية كلها ان تشرب وتتناول وتمارس ما يفعله ! ومن هذا ظهرت الحاجة الحقيقية لوجود تشريعات قانونية دقيقة تبيح الحريات الشخصية وتمنع ما يتعارض منها مع الاسلام لكي لا تكون (الحريات الشخصية المنكرة) شائعة في المجتمع وعاملة على افساده ونشر قيم الرذيلة والانحطاط فيه. وبذلك نبقى محافظين على مجتمعنا سليماً معافى بسيادة الاخلاق والقيم الاصيلة المحافظة فيه.
 


 

الصفحة الرئيسية