بسم الله الرحمن الرحيم

 

الغنوصية ترتدي الحداثة

 

نبيـل الكرخي

 

الغنوصية ومعناها (المعرفة) هي طريقة نفسية يتوهم اصحابها انهم من خلالها يحصلون على المعرفة ، والغنوصيون بصورة عامة يؤمنون بانه يمكنهم الحصول على الوحي من خلال جهدهم النفسي الذاتي ، فالوحي عندهم ليس منحة إلهية بل مكتسب نفسي داخلي متعلق بذات الانسان ! وهذا يعني انهم يظنون انه بالامكان تكرار تجربة النبوة من قبل اي انسان من خلال جهد نفسي داخلي متناسين ان النبوة الحقيقية تكون مؤيدة بالمعجزات التي تبطل فكرتهم برمتها ولذلك تراهم ينكرون المعجزات او يحاولون ايجاد تفسير طبيعي لحدوثها !
ويُعرف الغنوصيون في الاسلام بأسم العرفاء او المتصوفة ، وقد تمكن بعض العرفانيين المسلمين من تحويل الغنوصية الى عدة انماط بخصائص اسلامية بعضها مقبول وبعضها مرفوض.
يقول كمال الحيدري إنَّ العرفان أو "المعرفة بالله" ترادفها في اللغة اليونانية كلمة Gnosis التي معناها العلم بلا واسطة الناشيء عن الكشف والشهود .
ورغم ان الافكار الغنوصية سبقت المسيحية في الظهور وكان لها في المسيحية موطيء قدم كبير ومؤثر لمئات من السنين ثم تعرضت للابادة من قبل الكنائس والسلطات المسيحية بدءاً من القرن السادس الميلادي الا ان الافكار الغنوصية تمكنت من التسلسل عبر القرون لتبدأ بالظهور والانتشار من جديد بدءاً من القرن السابع عشر الميلادي على يد الالماني جاكوب بوهمة (نحو 1600م) الذي اسس التيار الغنوصي في الفكر الاوربي الحديث لتتخذ تلك الافكار شيئاً فشيئاً صفة الحداثة واسمها ، لنجد ان ابرز سمات الغنوصية الحداثية هي:
• إعتبار الاديان منتج بشري نتيجة تجربة نفسية داخلية ولذلك فالتشريعات الدينية تكون قابلة للتغيير والتبديل لتكون ملائمة للزمن الذي نعيشه في عصر الحداثة الحالي !
• رفض وحدانية إله الاديان السماوية واستبدال فكرة وجوده بفكرة وجود إله ثاني بصفات يفرضونها على الوهيته المقدسة او يزعمون وجود إله ثاني الى جانبه !
• يرفضون وجود الانبياء بإعتبارهم مبعوثين من قبل الله سبحانه ويقبلون فكرة وجودهم باعتبارهم اشخاص تمكنوا من خلال تصفية النفس وتجريدها من الوصول الى حالة الكشف والاتصال بالاله والحصول على المعرفة الدينية من خلال ذلك. ولذلك فهم يتقبلون فكرة ان اي انسان يمكنه من خلال المجاهدة الذاتية والكشف من ان يصبح نبياً ومصلحاً إنسانياً !
لقد كانت اسباب تسلل الفكر الغنوصي الى الفكر الحديث هي نفس اسباب ظهور العلمانية هناك وهو رغبة الاوربيين بالانعتاق من سلطة الكنيسة التي بدأت تشكل كابوساً فكرياً يتعارض مع التقدم العلمي ومع تطور الحياة ، فاتجه الاوربيين عدة اتجاهات من اجل هذا الغرض ، فكانت العلمانية للتخلص من سلطة الكنيسة وكان الاتجاه نحو الغنوصية للتخلص من سلطة العهد القديم والكتاب المقدس كله.
ولسنا في هذا البحث نريد اثبات خطأ الافكار الغنوصية لأن ميدان ذلك هو البحوث الدينية الرصينة لعلماء المسلمين ، وانما نريد بصورة رئيسية ان نبين مصدر الافكار التي بدأ نفر ضال يبثونها في بلاد المسلمين تحت عنوان الحداثة وردائها من امثال عبد الكريم سروش ومجتهد شبستري ومترجم افكارهما احمد القبانجي وغيرهم.

مفهوم الغنوصية وابعادها:
الغنوصية هي فعالية روحانية تقود الى معرفة الاسرار الالهية من خلال تجربة باطنية تقود الى الكشف والاستنارة ، ففي مقابل التزام اليهود بالشريعة وأدائه للطقوس ، وفي مقابل إيمان المسيحي بيسوع المخلص ، فإنَّ الغنوصي ينكفيء على ذاته في خبرة عرفانية تقوده الى معرفة الله الحي ذوقاً وكشفاً وإلهاماً . وهي تيار ومذهب فكري مُعقّد ذو فلسفات باطنية بذل جهده لاكتساب المعارف الفلسفية الوثنية مُهملاً فكرة الوحي الإلهي كأساس لكل معرفة لاهوتية) . فالمتصوفة والعرفانيون والغنوصيون (ثلاث تسميات لمسمى واحد) يحاولون عن طريق ما يسمونه بالكشف المتأتي عن الرياضات الروحية والمجاهادت النفسية وترويض النفس وتنقية القلب الحصول على حقائق الوجود فيما يخص الخالق جلّ شأنه والانسان والطبيعة.
تقول آنا ماري شيمل: إن التصوف يوصف بأنه اكبر تيار روحي يسري في الاديان جميعها ، وبمعنى أشمل يمكن تعريف التصوف بأنه إدراك الحقيقة المطلقة سواء سميت هذه الحقيقة "حكمـة" أو "نـور " أو "عشـق" أو "عـدم". إن هــذه التسميـــات تظـل فـي احســن حالاتهــا مجرد معالم في الطريق لأن "الغاية" عند المتصوفة حقيقة لا يمكن وصفها ، ويمتنـع إدراكهـا او التعبير عنها بالمدارك والاساليب العادية ، فلا الفلسفة قادرة على أن تحيط بمفاهيمهـا ولا العقل ، بل بصيرة القلب "الغنوصية" هي التي تجليها ، إنَّ الامر يتطلب تجربة روحانية ، لا صلة لها بالمناهج الفكرية أو العقلية ، وهي تجربة إن سلكها المريد في بحثه عن الحقيقة المذكـورة يهتـدي بنور داخلـي ، يـزداد كلمـا تحرر من تعلقـه بهـذا العالـم وكلما صقـل مرآة قلبـه ، كما يقول بذلك المتصوفون. ولا يمكن ان يصل المريـد الى درجـة الكشـف المطلـق via illuminative التي يوهب فيها الحب والمعرفة الباطنية إلا بعد وقت طويل من التطهر – المعروف بـ via purgative في التصوف المسيحي ، وربما يصل بعد ذلك الى اسمى المطالب الصوفية على الاطلاق ألا وهو التوحد مع الذات الالهية unio mystica ذلك التوحد يمكن اكتسابه ويُعرف باتحاد الحب أو بأنه مشاهدة الذات الالهية visio beatifica عندما تبصر الروح كل ما في الوجود مدعومة بنور الله السرمدي ن ويمكن وصفه أيضاً بأنه "كشف حجاب الجهالة" ذلك الحجاب الذي يعوق توحد الذات والمخلوق .
فاهل العرفان أو الغنوصيون يظنون ان الغنوصية وسيلة معرفية وطريقة للحصول على المزيد من المعارف الدينية بصورة منفصلة عن الوحي. أي بصورة منفصلة عن الاديان السماوية ، ومثالها في الاسلام ان تكون المعرفة الدينية منفصلة عن الكتاب والسنّة ، وفي اليهودية ان تكون المعرفة منفصلة عن العهد القديم (التوراة واسفار الانبياء).
ويقول مؤلف مخطوط (بيان الحقيقة) الغنوصي ؛ (ان طاعة رجال الدين تسلم المؤمنين الى قيادة عمياء تستمد سلطتها من إله العهد القديم ، لا من الله الحق ، وتربطهم الى ايديولوجيا سقيمة وطقوس ساذجة ، مثل طقس المناولة ذي الطابع السحري ، وطقس العماد الذي يدعي ضمان الخلاص لهم. ولكن للخلاص طريق أكثر مشقة من ذلك ، وهو يقوم على معرفة النفس ومعرفة الله في الداخل). لاحظ قول النص: معرفة الله في الداخل) وهو الوجدان الذي اتخذه احمد القبانجي شعاراً له .
ويقول المعلم مونويموس الغنوصي: (اترك التفتيش عن الله والبحث في مسائل الخلق والتكوين وما غليها ، لمعرفة الله ابدأ بنفسك ، واهتد الى مَنْ في داخلك ! يقول: إلهي وعقلي وأفكاري وروحي وجسدي. اهتد الى مصدر الاحزان والغبطة والحب والكراهية .. فإذا استقصيت هذه الامور فإنّك واجده (الله) في ذاتك) .
وفي مقدمة كتابه (ايريناوس اسقف مدينة ليون) يقول الأب جورج رحمة: "حاولت الغنوصية أن تخلق تيّارا مسيحيا جديدا ، موافقا للعصر كما يدَّعي أتباعها , هو مزيج من أساطير الشرق الدينية ومن المبادئ الخلقيّة للفلسفة اليونانية. وبالطبع ، في تيّار كهذا ، لم يبقى دور للوحي ألالهي في المعرفة اللأهوتية ، وحتى في ألايمان بأنجيل المسيح ، والكمال ، الذي كان غاية الغنوصيين ألأساسية ، لا يمكن التوصل اليه في نظرهم الاّ بالمعرفة العقلية كطريق اخير الى معرفة الله ، الأمر الذي دفع بالكثيرين منهم الى تشويه حقيقة الوحي بالذات ومحاربة الكنيسة من خلال محاربة تعاليمها المبنية على هذا الوحي" .
ويقول فراس سواح وهو يتحدث عن الغنوصية ان فريقاً من الغنوصيين كانوا يرون ان اولئك الاساقفة والقساوسة والشمامسة الذين يدّعون تلقي سلطتهم من الله ليسوا الا جداول ماء جافة وهم يتفاخرون بإمتلاكهم وحدهم اسرار الحقيقة على الرغم من انهم لا يفقهون الاسرار . ويبين ان الغنوصية تركز (على حرية الفرد في سلوك طريقه مسترشداً بخبرة المعلمين الغنوصيين دون تقليدها بشكل اعمى حتى اذا وصل الى مرحلة النضج الروحي استغنى عن اي مرشد ودليل) .


الغنوصية في الامم القديمة:
ذكر كثير من كبار العلماء وخصوصاً في بريطانيا تأثير الافلاطونية المحدثة في التصوف ، ولا ينكر احد ان الافلاطونية المحدثة انتشرت في بلاد الشرق انتشاراً واسعاً ، فقد ترجم كتاب "لاهوت ارسطو طاليس" الى العربية في عام 840م ، (وما هو في الواقع إلا شرح بروفيريوس لأفلوطين ، المسمى بالتاسوعات) ، وقد انتشرت الافلاطونية المحدثة انتشاراً فعلياً ، وقد مال بعض العلماء الى الاعتقاد بوجود تأثيرات هندوسية على بدايات التصوف ، وقد كان فون كريمر (1868م) ودوزي (1869م) اول من قال بهذه النظرية ثم اتبعهما في ذلك هورتين في القرن العشرين ، غير ان ابحاثه على كثرتها لم تثبت بالدليل القطعي إمكانية وجود مثل تلك التأثيرات في بدايات التصوف الاسلامي كتلك التي نراها في اطواره اللاحقة. وتعتبر التأثيرات التركستانية وبالاخص البوذية كما اوضح هارتمان أكثر اهمية من التأثيرات الهندوسية بالنسبة لبدايات التصوف الاسلامي وقد سبقه اغناتس غولدتسيهر بالاشارة الى التشابه بين القصص الاسلامي الصوفي والقصص البوذي ، ولكنه من الممكن إرجاع هذا التشابه الى المصادر الرئيسية ، اي الى كتب الاساطير الهندية الهيتوباديشا والبانتشاتنترا ، والتي ترجمت الى لغات شرقية مختلفة قبل الاسلام وبعده ، وقد كان عمر فروخ اول من اراد ان يثبت الآثار الطاوية ، كما تكلم العالم الياباني إزوتسو عن تشابهات بين البناء الفكري للعقيدة الطاوية وبين نظام ابن عربي . وقالت آنا ماري شيمل في معرض حديثها عن صعوبة ترجمة كتب ابن عربي الى لغات اخرى: (ثم إن تأثير الغنوصية والهريسية والافلاطونية المحدثة على اعمال ابن عربي تجعلها تبدو معقدة وتضع في طريق المترجم عقبات لا محيد عنها)
وحيث ان الاسلام نفسه قد نشأ في منطقة سادت فيها المعتقدات الشرقية القديمة والمعتقدات المسيحية والافلاطونية الجديدة ، فربما يكون قد خضع في طوره الاول لبعض التأثيرات الثانوية ، وقد حاول بعض الباحثين الكشف عن علاقات النساك المسلمين الاوائل بالرهبان والنساك من المستوطنين النصارى السيريانيين . حيث سبق للغنوصية ان اخترقت العقائد والاتجاهات المسيحية المتعددة سواء الوحدانية منها المتمثلة في اتباع تلاميذ المسيح (عليه السلام) او تلك الاتجاهات التي تؤله المسيح (عليه السلام) وتؤمن بالثالوث ، فنجد للغنوصية ظهوراً في افكار اتباع آريوس واسقف بصرى وبولس السميصاتي والابيونيين والدوكيتية وغيرهم.
وكتب فراس سوّاح: (خلال الفترة المبكرة لانتشار المسيحية في مصر وبلدان الهلال الخصيب، تحولت جماعات غنوصية عديدة إلى المسيحية، ونتج عن ذلك تيار غنوصي مسيحي عبَّر عن عقيدته من خلال أدبيات غنوصية غزيرة، بينها أناجيل صُنِّفت بعد ذلك بين الأناجيل المنحولة. ولقد نافست هذه الغنوصية المسيحية في كل مكان المسيحية التقليدية، وشكلت تهديداً للكنيسة الناشئة، قبل أن تتلاشى إثر حملة قمع شاملة قادتها الكنيسة منذ القرن الرابع الميلادي، أدت إلى إتلاف معظم المخطوطات الغنوصية، وأما ما تبقى منها فقد ضاع أثره تدريجياً بعد فترة لابأس بها من التداول السري) .
ويقول جميل صليبا: ويطلق اسم العرفانية أو الغنوصية (Gnosticisme) على المذهب الذي انتشر في القرنين الثاني والثالث للميلاد ، وامتد بطريق الافلاطونية الحديثة (الذين اخذوا بنظرية التوفيق بين العقائد المختلفة) الى فلاسفة الاسلام ، وخلاصته ان العقل البشري قادر على معرفة الحقائق الالهية ، وان الحقيقة واحدة وان اختلف تعليمها ، وان الموجودات فاضت عن الواحد ولها مراتب مختلفة اعلاها مرتبة العقول المفارقة وادناها مرتبة المادة التي هي مقر الشر والعدم ، أما النفس التي هبطت الى هذا العالم فانه لا خلاص لها الا بالمعرفة ، بل الخلاص بالمعرفة افضل من الخلاص بالايمان والاعمال الصالحة .
"ونجد في المأثور العرفاني عدداً من النصوص التي تجيب عن ظاهرة التشابه بين التصوف أو العرفان عند بعض المسلمين مع الفكر الغنوصي عند غير المسلمين ، فعلى سبيل المثال تنقل آنا ماري شيمل مقولة ابن عربي: (نحن انفسنا الصفات التي نصف بها الله ، وجودنا هو عين وجوده ، إن الله لازم لوجودنا ، بينما نحن لازم له حتى ينجلي هو لنفسه) وتقول عنها: (وتلك الجملة الاخيرة تذكرنا بأبيات أنغيلوس سيليسيوس Angelius Silesius الشاعر الصوفي الالماني في عصر الباروك (عصر المحسنات البديعية في الشعر الالماني) في القرن السابع عشر ، أو تذكرنا ببعض اسطر في كتاب "الاوقات" لريلكه Rilke .
وما نريد توضيحه هنا ليس العلاقة بين العرفان والتصوف الاسلامي مع العرفان والغنوصية في الامم الاخرى بل ما نريد التركيز عليه هو وجود الافكار الغنوصية في الامم الاخرى قبل الاسلام وما الدراسات التي تتحدث عن كيفية انتقال الافكار الغنوصية الى الاسلام الا دليل على وجود تلك الافكار في الامم الاخرى.

الغنوصية عند المسلمين:
يقول الشهيد مرتضى مطهري: "إن العرفان من العلوم التي ولدت وترعرعت وتكاملت في مهد الثقافة الاسلامية" ... وبيّن ان للعرفان ناحيتين ناحية اجتماعية هي التصوف كونه طريقة سلكتها فرقة اجتماعية. وناحية ثقافية بإعتباره واحداً من العلوم الاسلامية ، وهو بهذا الوصف يقسم الى قسمين العرفان النظري والعرفان العملي. فالناحية النظرية منه تختص "بدراسة الوجود والتعرف على الله والكون والانسان ، ومن هذه الناحية يكون العرفان مشابهاً للفلسفة إذ يحاول تفسير الوجود" . اما الناحية العملية للعرفان "فهي عبارة عن علاقة الانسان وواجباته تجاه نفسه والكون وخالقه ... وهذا القسم من العرفان يسمى بـ (علم السير والسلوك) الذي يتعرض الى بيان البداية التي ينبغي على السالك أن يخطوها للوصول الى (التوحيد) الذي هو قمّة الانسانية المنيعة ، والمنازل والمراحل التي يجتازها في طريقه والحالات التي تعرض له في هذه المراحل) .
"وقد عُرِفَ مشايخ العرفان بوصفهم طبقة علمية بـ (العرفاء) وبوصفهم شريحة اجتماعية بـ (المتصوفة) . وأداة العرفاء هي القلب وتهذيب النفس وتصفيتها بخلاف الفلاسفة الذين يستخدمون العقل والاستدلال والبرهان .
ويقول الشهيد مطهري: "العرفان المصطلح عبارة عن صرف الذهن عما سوى الله والتوجه الكامل لذات الحق والتعرض لنوره" . وابرز ما يميز العرفان أنه يحدث للصوفي بطريق مباشر ، وهو اشبه شيء بالومضة فهو من قبيل الادراك المباشر الوجداني في مقابل الادراك الحسي المباشر والادراك العقلي المباشر أو الحدس .
اذن العرفان ادراك وجداني مباشر ... طبعاً هذا الادراك هو تجربة شخصية للعارف ، ونحن لا يمكننا ان نعرف شيئاً عن جودة تلك التجربة ودقتها وصوابها ونسبة الخطـأ والاشتبـاه فيهـا.

الحداثة ترتدي الغنوصية:
نتيجة لتسلل الافكار الغنوصية في الفكر الاوربي في محاولتهم للتخلص من سيطرة الكنيسة على الحياة السياسية والاجتماعية ، وضمن إطار الدعوة الى الحداثة هناك ، وحيث ان للافكار الغنوصية موطيء قدم في البلاد الاسلامية ايضاً بعناوين التصوف والعرفان ، فقد عمد البعض الى المزاوجة بين الغنوصية القادمة من اوربا مع الغنوصية المتغلغلة عند المسلمين في بلادهم لتحقيق نفس هدف التخلص من سيطرة الدين على الحياة الاجتماعية في البلاد الاسلامية. فظهرت افكار سروش وشبستري التي تجعل من التصوف تجربة شخصية مماثلة للتجربة النبوية ! وان النبوة ما هي الا تجربة صوفية غنوصية !! وانه يمكن استبدال الشريعة الاسلامية بشريعة وجدانية تنبع من داخل الانسان بتجربة غنوصية حداثية!!
ويحدثنا فراس السوّاح عن تأثير الفكر الغنوصي في الفكر الحديث فيقول: (كان للفكر الغنوصي عامة تأثير على بعض المفكرين الغربيين في العصور الحديثة وذلك من خلال الصوفي والمفكر الالماني جاكوب بوهمة (نحو 1600م) الذي اسس التيار الغنوصي في الثقافة الاوربية الحديثة. وكان من اكثر المتأثرين بجاكوب بوهمة الفنان والشاعر الانكليزي وليم بليك (1757- 1827) الذي تشف رسوماته وأشعاره عن مؤثرات غنوصية عميقة. وضمن هذا التيار الذي خلقه بوهمة ابتدأت في المانيا بشكل خاص الدراسة الاكاديمية الجدية للغنوصية ، وذلك منذ ظهور كتاب غوتفريد أرنولد: "التاريخ الامبراطوري للكنائس والهرطقات" في عام 1699 ، الذي عرض فيه المؤلف الهرطقات الغنوصية باعتبارها تيارات مسيحية اصيلة. وقد قرأ الكاتب والمفكر الالماني غوتة في شبابه كتاب أرنولد هذا وتأثر به جداً ، وكتب في مذكراته أنه قد رسم في ذلك الحين بتاثير ارنولد الخطوط العامة لنظامه الغنوصي الخاص. وقد استعاد غوتة شغفه الاول ذاك عندما كتب خاتمة مؤلفه الشهير (فاوست) التي يصور فيها تجلي "الانوثة الخالدة" وكانها نسخة عن "صوفيا الغنوصية" التجلي الاكمل للالوهة) . ويستطرد السوّاح في ابراز تأثير الغنوصية في الفكر الحديث فيذكر تاثير الغنوصية على عدد كبير من شعراء الحركة الرومانسية في القرن التاسع عشر الميلادي الذين اخذوا بإعادة ابتكار اساطير غنوصية للتعبير عن موقف من العالم وصل الى شفا هاوية من العدمية ، من هؤلاء: شيلي واللورد بايرون والفونسو دي لا مارتن وفكتور هيجو وميهيل امينيسكو ، ويقول انه فيما عدى ليوباردي الذي كان على معرفة واسعة بالغنوصية القديمة ومتاثراً بها بشكل مباشر فإن البقية قد ابتكروا ميثولوجيا تطابقت احياناً في تفاصيلها مع الميثولوجيا الغنوصية القديمة ، وكان هدفهم من ذلك التحرر من تركة العهد القديم في المسيحية ، حتى وصل بهم نقدهم لمفهوم الالوهة التوراتي الى الموقف المارقيوني (نسبة الى المسيحي المنشق مارقيون من القرن الثاني الميلادي) الذي يرى في إله العهد القديم صانع هذا العالم المادي تجسيداً للشر ويجب مقاومته والتحرر من سلطانه .
كما الهمت الغنوصية عدداً من الكتاب المحدثين مثل: اناتول فرانس (1844-1924) واليكساندر بلوك (1880-1921) والبرت فيروي (1865- 1937) وهيرمان هيسة (1877- 1962) والروسي ميخائيل بولجاكوف ، وفي مجال الفلسفة فقد نشر الالماني فرديناند كريستيان بوير في عام 1935 كتابه المميز في الغنوصية المسيحية والذي دافع فيه عن الغنوصية باعتبارها فلسفة دينية يقابلها في العصر الحديث المثالية الالمانية ممثلة بشيلينغ وهيغل وغيرهم ممن تاثر برؤى بوهمة .
وفي مجال علم النفس الحديث تاثر كارل غوستاف يونغ مؤسس مدرسة علم النفس التحليلي وسيكولوجيا الاعماق ، بالرؤى والصور الغنوصية حتى انه كتب مؤلفاً غنوصياً فيه الكثير من تأملات الغنوصي القديم باسيليد. وبتأثير يونغ قام عدد من علماء النفس بينهم هنري جارلس (Henri Charles) وبيوك (Puech) وكارل كيرني (Karl Kerenye) بتفسير الرموز الغنوصية باعتبارها اسقاطات ميثولوجية للتجربة الذاتية .

ويمكن ملاحظة امتداد الفكرة الغنوصية بوجود إلهين اثنين الى الافكار الحداثية ، فقد استفادت الغنوصية من الفلسفة الافلاطونية الوسيطة التي ميزت بين ما يسمى "التفكير العقلي الخطي" و"الخبرة الداخلية الحدسية" التي تقود الى معرفة الله سبحانه وتكشف للروح الانسانية صلتها بعالم الالوهية ، كما قالت هذه الفلسفة الافلاطونية بوجود ما يسمى "ديميرج" يتوسط بين الملأ الاعلى والعالم المادي ودعته بالاله الثاني" ! وهذا الـ "ديميرج" ممزق بين تأمل الملكوت المثالي الاعلى وبين توجيه عنايته نحو الادنى بإتجاه العلم الحسي .
وفكرة الاله الثاني بدت مترسخة في الغنوصية الى ان ظهرت من جديد عند احمد القبانجي نفسه حينما قال ضمن نطاق افكاره الحداثية بوجود إلهٍ ثانٍ في داخل الانسان وهو "الاله الوجدان" واسماه ايضاً "الاله الشخصي" ! وهو اله مرتبط بالانسان من جهة ومرتبط بـ "الله المطلق" على حد تعبيره ، من جهة اخرى.
قال تعالى: ((وَقَالَ اللَّهُ لاَ تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ )) .
فلو كان القرآن الكريم نتيجة تجربة غنوصية داخلية على حد زعمهم فكيف ينهى عن اتخاذ إلهين اثنين وهي فكرة غنوصية يزعمون ايضاً صحتها وانها نابعة من نفس التجربة الداخلية الغنوصية !! ... ((وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ)) .


الغنوصية في افكار عبد الكريم سروش:
نجد من خلال تتبع افكار عبد الكريم سروش في مؤلفاته انَّ الفكر الغنوصي واضح فيها. يقول محمد جعفري وهو يناقش موقف سروش من العقل والايمان: (يبدو انه في نظريته هذه يحيل الدين والايمان بالتمام الى العرفان ! ) .
وقال عبد الكريم سروش نفسه في كتابه (الصراطات المستقيمة) وهو يتحدث عن الدين باعتباره تجربة صوفية غنوصية ! قال: (التجربة الدينية عبارة عن مواجهة الامر المطلق والمتعالي وهذه المواجهة تتجلّى باشكال عديدة وصور مختلفة...
فتارة بصورة رؤيا ...
واخرى بسماع صوت معين ...
وثالثة برؤية ملامح والوان ...
ورابعة على شكل احساس باتصال النفس بعظمة عالم الوجود ...
واحياناً تشعر النفس بانقباض وظلمة واحياناً اخرى بانبساط ونورانية ...
احياناً يعيش العشق لمعشوق غير مرئي واخرى يشعر بحضور شخص روحاني ...
احياناً الاتحاد مع شخص او شيء ، واخرى الانفصال عن الذات والبقاء معلقاً في فراغ ...
احياناً إدراك سرّ معين والكشف عن مجهول واخرى الشعور بالملل من التعلق بالامور الفانية والرغبة في الخلود والبقاء ...
احياناً يعيش الانسان حالة الانجذاب والعطش والفراغ والجمال والبهجة ... فكل هذه الحالات الروحية والمتغيرات النفسية يمكنها ان تكون مصاديق التجربة الدينية مع ما بينها من تفاوت في الابعاد) .

هذا هو الدين في نظر سروش عبارة عن تجربة غنوصية داخلية ... فلا معجزات ولا كتاب سماوي ولا ادلة عقلية ...
ويضيف سروش: (ويذكر المتصوفة في تحليلهم لأسباب هذه التجارب الروحية ان السالك عندما يشرع في المجاهدة ورياضة النفس وتصفية القلب فإنّ ذلك من شأنه ان يعبر به على الملك والملكوت ويكشف له في كل مقام عن وقائع وامور تتناسب مع حاله فأحياناً يتمثل له هذا المقام بصورة رؤيا صالحة واخرى يتجلى له بشكل واقعة غيبية. على اية حال فإن هذه الحقيقة وهي ان التجربة الروحية المتولدة من عبور السالك على الملك والملكوت بنفسها نوع من التفسير لهذه التجارب. يقال عن "ياكوب بوهمه" الذي يعد من اعاظم عرفاء أهل الكشف الالمان انه لم يكن سوى اسكافياً وفجأة وجد نفسه في احد الايام وقد غمرته حالة من الاشراق فرأى جميع الاشياء نورانية تزهر بالنور المتلأليء وشاهد كنه الاشياء وحقيقتها ، ومنذ ذلك الوقت اخذ يتحدث بلطائف واشارات عرفانية دقيقة. وكذلك العارف الايراني "علاء الدولة السمناني" الذي عاش في القرن السابع والثامن للهجرة وكان من جنود المغول ويقاتل في صفوفهم ، وفي احد الايام وبينما كان راكباً على جواده وهو يخوض المعركة بين الجنود شعر فجاة بأنّ حجاباً قد زال عن عينيه فشاهد بنور غير مألوف عالم ما بعد الطبيعة والحياة بعد الموت ، وعندما انتهت المعركة بقي راكباً على جواده مبهوتاً ومذهولاً مدّة يومين ، ومنذ ذلك الوقت ترك عمله في الجيش وزال بريق الدنيا من قلبه وانخرط في مسلك العرفاء والمتصوفة) !
فهذه هي التجارب الغنوصية التي يتكيء سروش عليها لأثبات ان الدين عبارة عن تجربة ! غنوصي الماني هو ياكوب بوهمة وجندي مغولي تحول فجأة الى التصوف والغنوصية ، هذه دلائله على ان الدين عبارة عن تجربة ذاتية داخلية !! انها حالات نفسية يمر بها بعض الاشخاص ويتخيلون انهم اصبحوا من اهل الكشف والاسرار !؟ فأين هذا من الوحي الالهي الذي يناله الانبياء من قبل الله سبحانه وتعالى وهو وحي مؤيد بالمعجزات الواضحة الباهرة وكتب سماوية فيها الهدى والنور والحكمة والعدالة والخير للبشرية.
ويتحدث سروش بصراحة اكبر فيقول: (اجل فإنّ المتصوفة يرون التجربة القلبية التي يعيشها الانسان هي عين الوحي الالهي ولا تقل شاناً عن الوحي ، واطلقوا عليها عبارة (وحي القلب) من اجل تحاشي العوام ، وإلا فكل التجارب عبارة عن الوحي ، غاية الامر أن الوحي ذو مراتب: فهناك مرتبة دانية ومرتبة عالية ، واحياناً يقترن مع العصمة واخرى لا يقترن معها ، وهناك ما يختص بالنحل وما يختص بالانسان من العرفاء والانبياء والشعراء. فكلها تمثل تجارب دينية وباطنية وكلها تحتاج كما اسلفنا الى تفسير وفي الحقيقة أنه لا توجد لدينا تجربة خام أو تجربة محضة ، ويرى الفيلسوف البريطاني "استيس" انَّ البوذائيين رغم كونهم يفتقدون نظريات في دائرة الالوهية ولا يعبدون الله ظاهراً بل يعبدون الاوثان إلا انهم يعيشون التجربة الالهية في قلوبهم ، أي ليس لهم نظرية عن الله إلا انهم يمتلكون تجربة عن الله وهذه نقطة مهمة جداً ولا بد من الالتفات إليها في اجواء التجربة الدينية ، ففي كثير من الاحيان يعيش الانسان حالة من الكشف ولكنه لا يعلم حقيقة ما وجده) !!
وفي هذا النص تتجلى الغنوصية في افكار سروش بأقصى ابعادها ، فهو لا يؤمن بالنبوة ولا بأن القرآن الكريم كتاب سماوي بل يظن ان الوحي الالهي هو مماثل للتجارب الغنوصية الداخلية !!
هل يا ترى تصلح الافكار الغنوصية التي هي تجارب شخصية ذاتية لأشخاص صلاحهم متفاوت واستعداداتهم النفسية متفاوتة وتجاربهم الذاتية مختلفة ضعفاً وقوة ان تنتج للبشرية منهجاً حياتياً سليماً وعادلاً وسعيداً ؟!
وكيف يمكن للعارف الغنوصي ان يثبت لنا صحة تجربته الغنوصية وفائدتها ! هل يريد ان تجرِّب الانسانية كل يوم تجربة غنوصية مختلفة ؟! وما هي ميزة اي عارف غنوصي على الاخرين لتتبع الانسانية منهج احدهم دون الغنوصيين الاخرين ؟!
ام يريدون ان تعاني الانسانية كل يوم مرارة تجربة غنوصية فاشلة وخاطئة وتقدم التضحيات الجسيمة المتتالية دون ان يكون هناك وضوح بالوصول الى منهج غنوصي مفيد ؟!
اليست كثرة التجارب الغنوصية التي يمكن ان ترتدي رداء الحداثة هي بعدد الناس ، اذ لكل انسان تجربته الغنوصية ، فهل سيكون تعدد التجارب الغنوصية مفيداً للانسانية ام سيقودها الى فوضى التجارب الغنوصية حيث يريد كل انسان ان يسير بخطى تجربته الغنوصية هو ، لا وفق تجارب الاخرين الغنوصية ؟ّ!
واخيراً هل تصلح التجارب الغنوصية النابعة من نفوس اشخاص صلاحهم متفاوت ان تكون بديلاً صالحاً عن الاسلام العظيم الذي اكمله الله سبحانه وارتضاه للانسانية جميعها ؟!!

 

 

 

الصفحة الرئيسية