بسم الله الرحمن الرحيم

 

الرد على احمد القبانجي في محاضرته (نقد الاعجاز القرآني)

 

نبيـل الكرخي

 

يدعي احمد القبانجي ان الارهاب الذي يتعرض له المسيحيون اليوم انما سببه وجود آيات في القرآن الكريم تحرض على قتل اهل الكتاب واخذ الجزية منهم وان القاعدة لأنها تتمسك بآية اخذ الجزية من اهل الكتاب فهي تقتل المسيحيين لأنهم لا يدفعون الجزية ، ولكن احمد القبانجي يتناسى ان القاعدة هي اتجاه اسلامي منحرف وان المذاهب الاسلامية لا تقر القاعدة بفعلها هذا ، فلماذا يحمل احمد القبانجي الاسلام جريرة فعل جماعة ضالة خارجة عن شريعته ، الا يعلم احمد القبانجي ان سماحة السيد السيستاني (دامت بركاته) يفتي بان المسيحيين هم من اهل الذمة واموالهم ودمائهم مصانة ، فلماذا لم يقل ذلك ليبين للناس ان الخلل هو في إعراض القاعدة وعموم الفكر السني عن التمسك بالثقلين الذين قال عنهما رسول الله صلى الله عليه وآله ان من تمسك بهما لن يضل ابداً ، والثقلان هما القرآن الكريم والعترة الطاهرة اهل البيت عليهم السلام. فلماذا لا يكون احمد القبانجي صريحاً في قول الحقيقة ومجريات الامور ! لماذا يحاول استثمار الفعل السيء والاجرامي للقاعدة ليضرب به الاسلام بدلاً من الانصاف بالقول بان فكر القاعدة وحده هو الخاطيء والخارج عن الاسلام.
وينكر احمد القبانجي في هذه المحاضرة ضرورة من ضروريات الدين وهي ان القرآن الكريم هو كلام الله سبحانه مع ان الله عزَّ وجل نفسه يصفه بانه كلامه فهل يعني احمد القبانجي سوى تكذيب النبي صلى الله عليه وآله ، حيث ان القرآن الكريم الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله يصف نفسه بانه (كلام الله) بينما احمد القبانجي يقول لا هذا ليس كلام الله !!
الم يقرأ احمد القبانجي قوله تعالى: ((وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ <span>كَلامَ اللَّهِ </span>ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ)) وهو نص صريح في تسمية القرآن الكريم بكلام الله سبحانه.
ويقول احمد القبانجي : (وان من المستحيل عقلا ان ينزل الله احكام وحلول لمشاكل غير موجودة في ذلك المجتمع لمشاكل سوف تأتي بعد الف عام) ! فهل يعجز الله تعالى عن ذلك ، اليس الله سبحانه على كل شيءٍ قدير ، ام ان احمد القبانجي لا يعتقد بذلك فينسب العجز لله تعالى !! اليس هذا خروجاً عن العقيدة الاسلامية ؟!
بل ان احمد القبانجي في هذه المحاضرة ينكر رسالة النبي صلى الله عليه وآله وانه مرسل من قبل الله سبحانه حيث يقول: (وكما قلنا في حقيقة الوحي ان الوحي ليس معارف منزلة من الله ، هي المعارف والثقافة السائدة هي نفسها كانت لدى النبي ولكنت الدوافع هي دوافع انسانية ووجدانية والهية من جهة حب الخير للناس وحب تطويرهم ورفض البدع والظلم والجهل الذي كانوا يعيشونه اهل الجاهلية) ، فهو كلام صريح في انه لا يعتقد بأن النبي صلى الله عليه وآله مرسل من قبل الله سبحانه ليخرج الناس من الظلمات الى النور كما نص على ذلك القرآن الكريم بل نسب الوحي الى معارف انسانية كانت عند النبي صلى الله عليه وآله وان دوافعه الانسانية المبنية على حب الخير ورفع الظلم هي التي جعلته يقول الوحي !!



*****

 

ردد احمد القبانجي في محاضرته هذه نفس الافكار التي تضمنتها محاضرة له بأسم (حقيقة الوحي) ، وربما بعد عدد من الاسابيع سوف يذكر نفس محاضرته هذه تحت عنوان جديد ! والملفت للنظر ان محاضراته عبارة عن القاء شبهاته على الناس ثم يبني افكاره واستنتاجاته استناداً لتلك الشبهات ، فما اشد جهل من بنى عقيدته على الشبهات !!

في هذه المحاضرة وعموم محاضراته يسرد احمد القبانجي كلامه المليء بالمغالطات والكاشف عن مساحة كبيرة من نقص المعلومات المتسبب بتولد الشبهات في فكره فجعلها اساس عقيدته. نعم فعقيدة احمد القبانجي عموماً هي مبنية على شبهات وافتراضات مخالفة للعقل والمنطق السليم وليست مبنية على ادلة ، بل الادلة المعتبرة تفند شبهاته. وسوف نستعرض بعضاً من شبهات احمد القبانجي ونحاول تبيان مواطن الخلل والخطأ فيها بإذن الله ومشيئته سبحانه:

ـ نسب احمد القبانجي للسيد المرتضى والشيخ المفيد انهما لا يقولان بان في القرآن اعجاز بلاغي بل يقولان بالصرفة ظاناً انه بقوله هذا قد وجد شبهة قوية ضد القرآن الكريم ! ولا يدري هذا المسكين ان القول بالصرفة لا يمثل اي شبهة ضد القرآن الكريم ولو كانت تمثل شبهة ما لذكرها الملحدون والنصارى في مواقعهم التي تشتم الاسلام ليلاً ونهاراً ، ولكنهم لم يفعلوا ذلك لأن القول بالصرفة لا يمثل اي طعن بالقرآن الكريم ، وحاشا لعلماء الشيعة الامامية ان يطعنوا بالقرآن الكريم فهم اتباع آل البيت عليهم السلام وهم المتمسكون بالثقلين الكتاب والعترة الطاهرة.

ومعنى الصرفة الذي ذهب اليه السيد المرتضى ان العرب في زمان النبوة لم يتمكنوا من قبول التحدي بالاتيان بمثل القرآن الكريم او بمثل سورة واحدة منه لأن الله سبحانه صرفهم بصورة اعجازية عن الاتيان بالتحدي وليس بسبب الاعجاز البلاغي في القرآن الكريم. وكما ترون فالنتيجة واحدة وهي ان وراء القرآن الكريم قوة الهية منعت العرب من الاتيان بمثل القرآن الكريم سواء بسبب اعجازه البلاغي او بسبب اعجاز الصرفة فالنتيجة واحدة وهي ان القرآن المعجز اثبت صدق النبوة وانه كلام الله سبحانه واثبت صدق النبي صلى الله عليه وآله وصدق جبرائيل عليه السلام الذي بلغه بكل امانة للنبي صلى الله عليه وآله. وسواء كان القول بالصرفة هو الحق او عدم القول بالصرفة هو الحق فكلا الامرين لا ينفعان منهج احمد القبانجي ، ومن المستغرب ان يقوم بايرادهما اللهم الا لغرض التشويش على القرآن الكريم وعظمته ، فالقرآن معجزة سواء كان معجزة بلاغية او معجزة بالصرفة ، والاعجاز هذا كما ذكرنا آنفاً دليل على صدق نبوة رسول الله محمد صلى الله عليه وآله ، وهذا الاعجاز يدل على انه كلام الله سبحانه وليس من كلام الجن ولا من كلام الملائكة ولا من كلام جبريل عليه السلام لأن هؤلاء لا يتمكنون من الاتيان بالمعجزات.

ومن الجدير بالذكر ان معظم علماء الشيعة خالفوا السيد المرتضى رضوان الله عليه ولم يقولوا بالصرفة بل قالوا بالاعجاز البلاغي للقرآن الكريم. والنتيجة كما اسلفنا واحدة.

ومن المناسب ان ننبه الى بعض الامور منها ان الاعجاز القرآني غير محصور في الاعجاز البلاغي بل هناك اعجازات اخرى منها اعجازه في الاخبار بالغيبيات مثل انتصار الروم بعد هزيمتهم ومثل اخباره بموت ابي لهب وموت الوليد بن المغيرة كافرين. كما ان من معالم اعجاز القرآن الكريم المعارف الاجتماعية والاخلاقية التي اتى بها والتي تفتقر اليها الشرائع التي سبقته وكذلك تفتقر اليها بيئة شبه الجزيرة العربية.

ـ ويقول احمد القبانجي حول نسبة اليد والوجه لله سبحانه بأنها صفات غير معقولة ويجب ان يتعامل معها المسلمون على نحو المجاز وان المعتزلة هم اول من قال بالمجاز بخصوصها ، وزعم انه في القرن الاول للهجرة لم يتطرق اي عالم من علماء بالمسلمين لهذه القضية اي قضية المجاز. وكلامه هذا بعيد عن الحقيقة لأن معظم عقائد المسلمين تتعامل مع هذه الالفاظ على نحو المجاز لا الحقيقة واخص بها عقيدة مدرسة آل البيت عليهم السلام والعقيدة الاشعرية عند اهل السنة. فليس المعتزلة وحدهم من رفض الالتزام بظواهرها بل ان مذهب آل البيت عليهم السلام منذ القرن الاول الهجري هو تأويل الآيات القرآنية التي تحوي على نسبة اليد والوجه لله تعالى ورفض استخدامها كوصف حقيقي.

ـ يقول احمد القبانجي ان "علم الهرمنيوطيقا يختص بفهم النصوص وعلماء الاسلام غافلين عنه". والهرمنيوطيقا هي طريقة لفهم النصوص الدينية بصورة الحادية من خلال سلبها صفة القدسية واعتبارها منتج ثقافي فقط ! فهي (نظرية غربية مادية تنكر الخالق وتؤول الوحي الإلهي على أنه إفراز بيئوي أسطوري ناتج عن المعرفي التاريخي الغارق في الأسطورة ومصطلح الهرمنيوطيقا مصطلح قديم بدأ استعماله في دوائر الدراسات اللاهوتية ليشير إلى مجموعة القواعد والمعايير التي يجب أن يتبعها المفسر لفهم النص الديني « الكتاب المقدس » .. يشير المصطلح إلى « نظرية التفسير » ويعود قدم المصطلح للدلالة على هذا المعنى إلى عام 1654م وما زال مستمرًا حتى اليوم خاصة في الأوساط البروتستانتية، وقد اتسع مفهوم المصطلح في تطبيقاته الحديثة، وانتقل من مجال علم اللاهوت إلى دوائر أكثر اتسـاعًا تشمل كافة العلوم الإنسانية ؛ كالتاريخ وعلم الاجتماع والأنثروبولوجى وفلسفة الجمال والنقد الأدبي والفلوكلور). ويعتبر نصر حامد ابو زيد ابرز الذين نادوا بالاخذ بهذا الاتجاه الالحادي في فهم النصوص ويبدو ان احمد القبانجي يريد ان يقلده في هذه المسألة. وبلا شك فان المسلمين يرفضون هذا العلم الالحادي ولا يمكن ان ينخدعوا باقوال خصومهم وخصوم الاسلام العظيم لأن موضوع قدسية النصوص القرآنية هي مما لا شك فيه وقد دل على اصله الالهي عجز الانس والجن عن الاتيان بمثله.

ـ يقول احمد القبانجي: "كيف يمكن اثبات ان القرآن من الله ، حيث يمكن ان يكون من الجن ويمكن ان يكون من الملائكة فكيف السبيل لأثبات ان هذا القرآن من الله". وجواب كلامه هو ان القرآن وهو كتاب معجز سواء ببلاغته او بالصرفة فإنَّ اعجازه هذا يعني انه ليس من كلام الجن ولا الملائكة لأنها لا تتمكن من صنع المعجزات فليس لديها القدرة على هذا حتى تتمكن ان تفتري قرآناً بليغاً معجزاً وتنسبه زوراً الى الله سبحانه كما انها للا تتمكن ان تختلق قرآناً ثم تصرف العرب عن معارضته بحسب مفهوم الصرفة ، فالملائكة لا تتمكن من الصرفة الا بإذن الله سبحانه ، واذا فعلت ذلك بإذن الله عز وجل فهذا يعني انها مامورة منه تعالى بفعل ذلك فليس هناك اي اختلاق من قبل الملائكة ولا من قبل الجن بل هو قرآن كريم وما فيه هو كلام الله سبحانه. والقرآن الكريم المعجز سواء ببلاغته او بالصرفة يصف نفسه بانه كلام الله سبحانه في العديد من آياته الكريمة ، هذه قوله تعالى: ((وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ)).

ولو كانت للجن قدرة على ان يأتوا بمثل هذا القرآن لفعلوا ذلك منذ 1400 سنة بل لفعلوا ذلك مراراً عبر العصور لا سيما وان ابليس وجنوده قد تعهدوا بإضلال الناس ، فما هو سبب انهم لم يفعلوا ذلك سوى انهم لايتمكنون من ذلك اصلاً.

ـ يقول احمد القبانجي: يمكن ان يكون القرآن من جبرائيل وانه كذب وقال انه من الله سبحانه ، وكل العقلاء يقولون بجواز الكذب اذا كان به مصلحة ؟ ولا ندري من اين جاء احمد القبانجي بفرية اجازة العقلاء للكذب اذا كان فيه مصلحة ، فهل يجوز للتاجر ان يكذب اذا كان الكذب فيه مصلحة تجارية له ، وهل يجوز للمؤرخ الكذب اذا كان في كذبه مصلحة عامة يظنها ، وهل يجوز للسياسي ان يكذب اذا كان فيه مصلحة خاصة او عامة !! الا يرى احمد القبانجي ان في تاسيسه لثقافة جواز الكذب اذا كان فيه مصلحة فيه مضار ومساويء كبيرة للمجتمع. فما ادرانا والحال هذه ان احمد القبانجي لا يكذب تحت ذريعة ان هناك مصلحة في كذبه ، وبهذا تسقط كل اعتبارات الثقة بكلامه !!

ومن المعلوم انه في الشريعة الاسلامية يجوز الكذب في حالتين فقط هما دفع الضرر عن النفس او عن مؤمن والاصلاح بين المؤمنين ، فقط في هاتين الحالتين يجوز الكذب اذا لم يمكن التورية فيهما. فما يزعمه احمد القبانجي من جواز الكذب لجلب مصلحة فهو امر مخالف للشريعة الاسلامية وللعقل كما هو معلوم.

اما كلام احمد القبانجي حول مجهولية الواسطة بين النبي صلى الله عليه وآله وبين الله سبحانه وان الواسطة المجهولة قد تكون تكذب وتدعي انها جبريل عليه السلام او ان يكون جبريل نفسه يكذب وحاشاه فهو كلام ساقط من اساسه بدليل الاعجاز القرآني سواء الاعجاز البلاغي او الاعجاز بالصرفة ، فالقرآن المعجز يثبت ان الواسطة المجهولة هي واسطة امينة وانها كما ذكرها القرآن المعجز اسمها وهو الملاك جبرائيل عليه السلام. فدعوى اننا لا نعرف الواسطة بين الله عزَّ وجل وبين نبيه الكريم محمد صلى الله عليه وآله هي دعوى واضحة التهافت.

وكذلك مزاعم احتمال ان يكون جبرائيل كاذباً فيما نقله من وحي هي مزاعم ساقطة يفضحها اعجاز القرآن الكريم سواء كان اعجازه بالصرفة او اعجازه البلاغي.

ومن المفيد معرفة انَّ الشيطان لا يمكنه ان يتلبس بلباس الملائكة لأن اتصال الملائكة مع النبي انما يكون من خلال سموه الروحي ووصوله الى مقام الكمال بينما الشياطين تريد شخصاً قد انحطت نفسه لتصل به الى درجة الدنائة والخسة والوقوع في الظلمة فتتصل به وتلقي اليه الافكار المنحطة والتعاليم الفاسدة والمخادعة. فلا يمكن للشياطين ان تتصل بالنبي قطعاً ولا ان تظهر له بمظهر الملاك. وبمناسبة هذا القول يتضح لنا ان بولس حينما كان يهودياً ساعياً في اضطهاد المؤمنين اتباع المسيح عليه السلام وقد تلطخت يداه بدمائهم ويطاردهم من مدينة الى اخرى للبطش بهم والفتك بهم فضلاً عن انه كان معاصراً للمسيح عليه السلام ورفض الايمان به رغم ما عرفه من معجزاته ، فبولس هذا وقد وصلت نفسه الى درجة متسافلة من القذارة والانحطاط بولوغه بدماء المؤمنين وسفكه لها في تلك الحالة ظهر له شيطان بصورة نور وهو في طريقه الى دمشق وقال له "انا ربك يسوع الذي انت تضطهده" !! وكان سبباً في تركه دينه اليهودي واعتناقه عقيدة الربوبية في المسيح عليه السلام والتثليث بسبب اغواء الشيطان الذي ظهر له بمظهر النور. ولو كانت نفس بولس طيبة وصالحة لم يكن الشيطان يتمكن ان يظهر له او يتصل به بهذا النحو. مع ان يسوع نفسه ظهر لتلاميذه بعد حادثة الصلب من جديد ولم يكن هناكط نور ولا اي شي بل ظهر له بصورة طبيعية بدون مظاهر النور التي يخدع بها الشيطان اتباعه !

ومن جهة اخرى لو كانت الواسطة المجهولة التي ذكرها احمد القبانجي هي من الجن فهي حينئذٍ من الشياطين بسبب كذبها واغوائها للنبي صلى الله عليه وآله ، فإن كانت من الشياطين فكيف تاتي بكلام تقول عنه انه كلام الله ثم تملئه بآيات الهداية والارشاد والاصلاح والتقوى مع ان هدفها هو الافساد والضلال للبشر ، فهذا غير معقول وغير ممكن لأن الشيطان لا يهدم مملكته ، فلو كان القرآن ليس كلام الله سبحانه بل كلام شيطان لكان مليئاً بالحث على المعاصي والفجور من اجل تحقيق غايته لا ان يكون بالضد منها. ولذلك فإن كلام احمد القبانجي بعيد عن الواقع ومخالف للعقل والمنطق ولا يمكن قبوله.

ـ يقول احمد القبانجي: "جبرائيل قال عن نفسه انه صادق وهذا غير جائز لأنه يجب ان يثبت بدليل خارجي ان جبرائيل صادق". وجواب شبهته هذه من اوضح ما يكون لأن جبرائيل عليه السلام لو كان كاذباً لكان من جنود ابليس بسبب كذبه واغوائه للناس وحينئذٍ سوف يطرد من الملكوت ويعيش مع الشياطين ويتسافل معهم ـ وحاشاه – ولا يتمكن حينئذٍ من الاتصال بالنبي صلى الله عليه وآله للاسباب الآنفة الذكر نفسها. كما ان اعجاز الصرفة اثبت عناية الله سبحانه بالقرآن الكريم مما يعني ان جبريل عليه السلام كان صادقاً في نقل الوحي ولم يغير فيه شيء من تلقاء نفسه وان العناية الالهية شملت نفس القرآن الذي بلّغه جبرائيل عليه السلام.

ـ يقول احمد القبانجي: "القرآن نفسه يبطل الاعجاز البلاغي لانه يتحدى الجن والانس ، فهذا التحدي العام لا معنى له اذا كان الاعجاز بلاغي ، فاذا كان معجز بلاغيا فيجب ان يتحدى العرب فقط ، اما ان يقول للتركي والفارسي والانكليزي ان يتحدون بالاتيان بكلام عربي بليغ فهو تحدي يكون باطل". وفي الحقيقة فإن احمد القبانجي قد اخطأ هنا حيث انه يظن ان المسلمين يقولون ان الاعجاز في القرآن الكريم انما هو اعجاز بلاغي فقط بينما الصواب غير ذلك فالمسلمون يقولون ان الاعجاز في القرآن هو اعجاز بلاغي واعجاز بالاخبار عن الغيبيات واعجاز بالاتيان بالنظم الاجتماعية ومسببات الهدى والصلاح والرشاد مما لا يتمكن احد من الاتيان بها ، فالاية تتحدى الانس والجن ومن الانس العرب والعجم ، فما كان تحدياً بلاغيا فهو يخص العرب منهم وما كان تحدياً بنظمه واسلوبه ومعارفه فهو يخص العرب والعجم. وفي هذا الصدد يقول السيد محمد حسين الطباطبائي في تفسير الميزان ، ج1 ص59: (فجميع التحديات الواقعة في القرآن نحو استدلال على كون القرآن معجزة خارقة من عند الله ، والآيات المشتملة على التحدي مختلفة في العموم والخصوص ومن أعمها تحديا قوله تعالى : ( قل لئن إجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ) الاسراء - 88 ، والآية مكية وفيها من عموم التحدي ما لا يرتاب فيه ذو مسكة . فلو كان التحدي ببلاغة بيان القرآن وجزالة اسلوبه فقط لم يتعد التحدي قوما خاصا وهم العرب العرباء من الجاهليين والمخضرمين قبل اختلاط اللسان وفساده ، وقد قرع بالآية أسماع الانس والجن . وكذا غير البلاغة والجزالة من كل صفة خاصة إشتمل عليها القرآن كالمعارف الحقيقية والاخلاق الفاضلة والاحكام التشريعية والاخبار المغيبة ومعارف اخرى لم يكشف البشر حين النزول عن وجهها النقاب إلى غير ذلك ، كل واحد منها مما يعرفه بعض الثقلين دون جميعهم ، فإطلاق التحدي على الثقلين ليس إلا في جميع ما يمكن فيه التفاضل في الصفات . فالقرآن آية للبليغ في بلاغته وفصاحته ، وللحكيم في حكمته ، وللعالم في علمه وللاجتماعي في اجتماعه ، وللمقنين في تقنينهم وللسياسيين في سياستهم ، وللحكام في حكومتهم ، ولجميع العالمين فيما لا ينالونه جميعا كالغيب والاختلاف في الحكم والعلم والبيان . ومن هنا يظهر أن القرآن يدعي عموم إعجازه من جميع الجهات من حيث كونه اعجازا لكل فرد من الانس والجن من عامة أو خاصة أو عالم أو جاهل أو رجل أو امرأة أو فاضل بارع في فضله أو مفضول إذا كان ذا لب يشعر بالقول ، فان الانسان مفطور على الشعور بالفضيلة وإدراك الزيادة والنقيصة فيها ، فلكل إنسان أن يتأمل ما يعرفه من الفضيلة في نفسه أو في غيره من أهله ثم يقيس ما أدركه منها إلى ما يشتمل عليه القرآن فيقضي بالحق والنصفة ، فهل يتأتى القوة البشرية أن يختلق معارف إلهية مبرهنة تقابل ما أتى به القرآن وتماثله في الحقيقة ؟ وهل يمكنها أن تاتي بأخلاق مبنية على أساس الحقائق تعادل ما أتى به القرآن في الصفاء والفضيلة ؟ وهل يمكنها أن يشرع أحكاما تامة فقهية تحصي جميع أعمال البشر من غير اختلاف يؤدي إلى التناقض مع حفظ روح التوحيد وكلمة التقوى في كل حكم ونتيجته ، وسريان الطهارة في أصله وفرعه ؟ وهل يمكن أن يصدر هذا الاحصاء العجيب والاتقان الغريب من رجل امي لم يترب إلا في حجر قوم حظهم من الانسانية على مزاياها التي لا تحصى وكمالاتها التي لا تغيا أن يرتزقوا بالغارات الغزوات ونهب الاموال وأن يئدوا البنات ويقتلوا الاولاد خشية إملاق ويفتخروا بالآباء وينكحوا الامهات ويتباهوا بالفجور ويذموا العلم ويتظاهروا بالجهل وهم على أنفتهم وحميتهم الكاذبة اذلاء لكل مستذل وخطفة لكل خاطف فيوما لليمن ويوما للحبشة ويوما للروم ويوما للفرس ؟ فهذا حال عرب الحجاز في الجاهلية . وهل يجتري عاقل على أن يأتي بكتاب يدعيه هدى للعالمين ثم يودعه أخبارا في الغيب مما مضى ويستقبل وفيمن خلت من الامم وفيمن سيقدم منهم لا بالواحد والاثنين في أبواب مختلفة من القصص والملاحم والمغيبات المستقبلة ثم لا يتخلف شئ منها عن صراط الصدق ؟ . وهل يتمكن إنسان وهو أحد أجزاء نشأة الطبيعة المادية ، والدار دار التحول والتكامل ، أن يداخل في كل شأن من شئون العالم الانساني ويلقي إلى الدنيا معارف وعلوما وقوانين وحكما ومواعظ وأمثالا وقصصا في كل ما دق وجل ثم لا يختلف حاله في شئ منها في الكمال والنقص وهي متدرجة الوجود متفرقة الالقاء وفيها ما ظهر ثم تكرر وفيها فروع متفرعة على أصولها ؟ هذا مع ما نراه أن كل إنسان لا يبقى من حيث كمال العمل ونقصه على حال واحدة . فالانسان اللبيب القادر على تعقل هذه المعاني لا يشك في أن هذه المزايا الكلية وغيرها مما يشتمل عليه القرآن الشريف كلها فوق القوة البشرية ووراء الوسائل الطبيعية المادية وان لم يقدر على ذلك فلم يضل في انسانيته ولم ينس ما يحكم به وجدانه الفطري أن يراجع فيما لا يحسن إختباره ويجهل مأخذه إلى أهل الخبرة به).

ـ يقول احمد القبانجي: "ممكن ان يكون الجن قد قبلوا التحدي واتوا بمثل هذا القرآن ولكننا ليس لدينا اتصال مع الجن لنعرف ذلك. فكيف سنعرف ان الجن اتوا او لم ياتوا بمثله". فهنا يزعم احمد القبانجي انه لا اتصال بين الانس والجن وهي مزاعم بعيدة عن الصحة لأن الجن يتصل مع الانس من خلال الوسوسة وكذلك كان عندهم في الجاهلية الكهان الذين يتصلون بالجن والشياطين عبر طرقهم الخاصة. ولو كان الجن والشياطين قد تمكنوا من تحدي القرآن لوسوسوا به الى كفار قريش والى الكهان الذين بداوا يفقدون مكانتهم بسبب الاسلام فينشروه ضد الاسلام ويعارضوه ولكنهم لم يتمكنوا من ذلك.

ـ يقول احمد القبانجي: "الاعجاز البلاغي اعجاز فردي لا يمكن ان يتحدى الجميع ، فالتحدي يجب ان يكون لكل واحد على حدة لا ان يتحداهم جميعاً ، فالبلاغة عند الشعراء لكل واحد منهم رؤية خاصة ، لا يمكن للبلغاء ان يجتمعوا وياتوا بقصيدة لأن القريحة الشعرية لشاعر لا يمكن ان تختلط مع القريحة الشعرية لشاعر آخر". وهذا الكلام عجيب فاحمد القبانجي يخلط بين القريحة الشعرية وبين بلاغة القصيدة واستعمال الالفاظ الفخمة حيث ان الشاعر يمكنه ان يستعين بآخر من اجل تحسين قصيدته وتبديل بعض الفاظها وتحسين شاعريتها وبعض معانيها.

ـ يقول احمد القبانجي: "كلام للامام علي بن ابي طالب في نهج البلاغة ، جميع علماء الشيعة يقولون فوق كلام المخلوق. يعني الامام علي يمكن ان يتحدى جميع البلغاء العرب ولا يستطيعون الاتيان بمثله فهل يعني هذا ان كلام الامام علي معجزة بلاغية". ولكن احمد القبانجي لم يكمل المقال الذي نسبه لعلماء الشيعة بخصوص نهج البلاغة فهم يقولون انه فوق كلام المخلوق ولكنه دون كلام الخالق ، أي دون القرآن الكريم ، فلا احد من الشيعة يقول ان بلاغة نهج البلاغة يمكن ان تنافس بلاغة القرآن الكريم. ولو كانت بلاغة الامام علي بن ابي طالب عليه السلام يمكن ان تنافس القرآن الكريم لتذرع بذلك خصوم الاسلام بينما نجدهم وقد فشلوا في تحدي بلاغة القرآن الكريم طيلة القرون الماضية رغم انتشار كتاب نهج البلاغة عند جميع الناس ! والبلاغة كما يقول صاحب تفسير الميزان ثلاث طبقات اعلاها معجز وادناها واوسطها ممكن. ولذلك نجد ان بلاغة نهج البلاغة هي في الطبقة دون المعجز وفي قمة طبقة الممكن.

واخيراً فان مزاعم احمد القبانجي "بأن القرآن الكريم هو وحي ملقى الى النبي صلى الله عليه وآله وان النبي صلى الله عليه وآله قد ذكره بالفاظه لما يناسب ذلك الزمان فقط فيزعم انه كلام النبي وليس كلام الله سبحانه" ! فيدحضه بالاضافة الى ما قلناه آنفاً مسألة ان كلام النبي صلى الله عليه وآله في الاحاديث المروية عنه معروف وهو لا يرقى الى بلاغة القرآن الكريم ولو كان القرآن كلام النبي لوجدنا القرآن والاحاديث على مستوى واحد من البلاغة.

 

*****

 

في هذا الجزء الثالث من محاضرته المنشورة فديوياً تحت عنوان (نقد الاعجاز القرآني) يتضح جلياً ان احمد القبانجي يحاضر من احد المنطلقين التاليين: الاول انه لا يعلم ما يقول ، حيث يتضح هنا انه لا يعرف شيئاً عن البلاغة العربية عامة والبلاغة القرآنية خاصة ! فمثلاً هو يدعي ان نهج البلاغة هو اكثر بلاغة من القرآن الكريم ، وهي دعوى لم يكن ليتجرّأ عليها لولا "عدم معرفته" بأصول البلاغة وقواعدها ، لأن اولئك العلماء الذين يعرفون فنون البلاغة لا يقولون هذا الكلام البعيد عن الصواب ، وحتى علماء اللغة العربية من المسيحيين واليهود والصابئة عبر العصور لا يقولون ذلك ، ولو كانت هذه الدعوى صحيحة لأظهروها وانشدوها في كتبهم ودواوينهم ولكان ذلك ابرز ذريعة عندهم لمعارضة القرآن الكريم وابطاله ! ولكن احداً منهم لم يفعل ذلك ليس خوفاً من المسلمين وخوفاً من اضطهادهم كما قد يدعي البعض بل لأنهم يعلمون انهم انْ قالوا ذلك فقد كشفوا عن ضعف علمهم فضلاً ان هذا القول يحتاج لدليل ولا دليل عليه ، وحتى احمد القبانجي ذكر هذه الدعوى ولم ياتِ بنموذج من نهج البلاغة فيشرح معانيه وبيانه وبديعه بحيث تكون اكثر بلاغة من معاني وبيان وبديع القرآن الكريم !! ولو كانت ذريعة الخوف من المسلمين هي التي منعت علماء اهل الكتاب عن اعلانهم علو نهج البلاغة في بلاغته على القرآن الكريم كما زعم فما اسهلها عليهم ان يلجأوا الى اوربا المسيحية المتعصبة للمسيحية في القرون الوسطى وما بعدها ليعيشوا في هناء تحت حماية البابوات او بعض المراكز الدينية ويعلنوا ما وجدوه من مزاعم تنقض القرآن الكريم ، هذا الكتاب العظيم الذي لم تتمكن كل الحروب الصليبية من انتاج اي منتج ثقافي حقيقي ضده وضد الاسلام يقوي عزيمة ومعنويات الصليبيين في قتال المسلمين. ولو كانت هذه الدعوى صحيحة لأنتشرت انتشار النار في الهشيم.

والظاهر اننا نحتاج لبعض الشرح هنا لبيان معنى البلاغة وعلومها ، لكي لا ياتي شخص مثل احمد القبانجي فيحاول خداع الناس بهذا الكلام مستغلاً عدم معرفتهم بعلوم اللغة العربية وفنونها البلاغية. واستغلال عدم معرفة الناس بعلوم البلاغة وعلوم اللغة العربية هو المنطلق الثاني الذي احتملنا آنفاً أنَّ احمد القبانجي يعمل من خلاله.

يقول ابراهيم شمس الدين في مقدمة تحقيقه لكتاب (الايضاح في علوم البلاغة) للخطيب القزويني المتوفى سنة 739هـ ان البلاغة علم له قواعده وفن له اصوله وادواته كما لكل علم وفن ، وهو ينقسم الى ثلاثة اركان اساسية:

علم المعاني.
علم البيان.
علم البديع.

فاما علم المعاني فهو علم يُعرف به احوال اللفظ العربي التي بها يطابق مقتضى الحال مع وفائه بغرض بلاغي يُفهم ضمناص من السياق وما يحيط به من قرائن او عو علم يبحث في الجملة بحيث تاتي معبرة عن المعنى المقصود. واحوال اللفظ العربي التي بها يطابق مقتضى الحال هي: الحذف والذكر والتعريف والتنكير والتقديم والتاخير والفصل والوصل والمساواة والايجاز والاطناب ، وما الى ذلك. واحوال اللفظ العربي تارةً تكون احوالاً لمفرد وتارةً يكون احوالاً لجملة. وعلم المعاني يتألف من المباحث التالية:

أ‌. الخبر والانشاء.
ب‌. احوال الاسناد الخبري.
ت‌. احوال متعلقات الفعل.
ث‌. القصر.
ج‌. الفصل والوصل.
ح‌. المساواة والايجاز والاطناب.

وذلك لأن الكلام العربي نوعان: أما خبر أو انشاء ، ولابد له من اسناد ، مسند ومسند اليه. والمسند قد يكون له متعلقات اذا كان فعلاً او في معناه كأسم الفاعل وكل من التعلق والاسناد أما قصر او غير قصر. والجملة اذا قرنت بأخرى فالثانية إما معطوفة على الاولى او غير معطوفة وهما الفصل والوصل. ولفظ الكلام البليغ إما مساوٍ لأصل المراد وهو المساواة وإما ناقص عن المراد وهو الايجاز او زائد عن اصل المراد لفائدة وهو الاطناب.

واما علم البيان فهو علم يبحث في الطرق المختلفة للتعبير عن المعنى الواحد ، والبيان لغة هو الظهور والوضوح ، تقول بأن الشيء يبين اذا ظهر. وعلم البيان يتالف من المباحث التالية:

أ‌. التصريح والمداورة.
ب‌. التشبيه.
ت‌. المجاز والمجاز المرسل.
ث‌. الاستعارة.
ج‌. الكناية.

واما علم البديع فهو علم يبحث في طرق تحسين الكلام وتزيين الالفاظ والمعاني بالوان بديعة من الجمال اللفظي او المعنوي. ومن اهم اساليب علم البديع:

أ‌. الجناس.
ب‌. الطباق.
ت‌. السجع.
ث‌. المقابلة.
ج‌. التورية.

ونضيف بان كل مبحث من هذه المباحث فيه تفريعات ومباحث اخرى ، فهو علم ضخم وليس من الصحيح تسطيح تناوله بالطريقة التي عرضها احمد القبانجي مستخفاً بعقول سامعيه. والمكتبات العربية تحتوي على مئات الكتب والبحوث التي تم تأليفها حول البلاغة عامة وبلاغة القرآن الكريم خاصة.

ومن الملاحظ ان احمد القبانجي عمد لأسلوب مسرحي فانتخب نصاً من نهج البلاغة ومدحه ونصاً قرآنياً فذمه ، ليؤثر بأسلوب نفسي على المُشاهد بأن تمجيده لنص نهج البلاغة وذمه للنص القرآني هو نقد صحيح بينما الحق بخلاف ذلك ، ومن سوء حظه ان احمد القبانجي انتخب سورة الهمزة لذمها رغم ما فيها من شواهد بلاغية عديدة !

وسور الهمزة هي قوله تعالى:

((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ (1) الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ (2) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (3) كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الحُطَمَةِ (4) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الحُطَمَةُ (5) نَارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ (6) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ (7) إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ (8) فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ (9) ))
صدق الله العليِّ العظيم

فابتداءاً من استخدام الله سبحانه للفظ (همزة) في هذه السورة المباركة بينما استخدم لفظ (همّاز) في سورة اخرى ، وكِلا الاستخدامين بليغ لأنهما وردا في مناسبتين مختلفتين تبعاً للمراد منهما. والسورة تتحدث عن صنف من الكافرين الذين يدفعهم التكبر المستند الى الغنى وحب المال الشديد الى الانتقاص من الاخرين وذمهم والعيب عليهم وحبهم الجم للمال دفعهم للاسراف في عدّه ونسيان امر آخرتهم فادخلهم حب المال في التعالي والتوهم ان المال هو سبيلهم الى الخلود في الحياة فغاب عن ذهنه حقيقة الموت والفناء وتوهم انه خالد فيها ! كما هو اصناف اخرى من الكافرين والناس الذين ينسون امر آخرتهم فيسرفون بالمعاصي حتى لو تقدم بهم العمر. واحمد القبانجي ينكر ان هناك من يملك المال وينسى امر آخرته وهو انكار عجيب يكشف عن عدم معرفته بالناس وتفكيرهم ونفسياتهم والمجتمع واحواله ومجريات الحياة.


وتتحدث سورة الهمزة ايضاً عن عقوبة اولئك الكفار المتكبرين فتكشف ان مكانهم في جهنم اسمه الحطمة وما ادراك ما الحطمة ، هي نار مغلقة مؤصدة لا مخرج للكافر منها ، وحيث ان عقوبة المفسد في الارض هو السجن وهو ما كان ذلك الصنف من الكافرين يقوم به من خلال الهمز واللمز والاستكبار ونسيان الاخرة فكذلك تكون عقوبتهم في الآخرة هو مثال السجن في جهنم اسمه الحطمة ، وهي النار المؤصدة ، بينما نجد ان احمد القبانجي يعترض على تسميتها بالحطمة ويقول انها مجرد نار كباقي جهنم !! رغم انه يقرأ انها نار موقدة تطلع على الافئدة وهي على الكافرين مؤصدة في عمد ممددة. ولكن احمد القبانجي لم يفهم معنى وسبب كونها مؤصدة ولم يعرف لماذا هي مؤصدة حيث يقول مستهزءاً انهم في جهنم فما فائدة كونها مؤصدة ام لا !! يا للعجب ، فهو لا يتمكن من استيعاب الصورة الذهنية التي ترسمها هذه الآية المباركة حيث يكون اولئك الكافرون المستكبرون في غرفة مغلقة في جهنم تكون نارها في عمد ممددة ، وقد تعددت تفاسير قوله تعالى: (في عمد ممددة) ، فقيل ان المقصود بها كما في تفسير (كنز الدقائق وبحر الغرائب) للشيخ محمد بن محمد رضا القمي المشهدي (من مشاهير القرن 12هـ) قال: (في عمد ممددة ، أي موثقين في اعمدة ممدودة مثل المقاطر التي تقطر فيها اللصوص).

وفي تفسير (مقتنيات الدرر وملتقطات الثمر) لمير سيد علي الحائري الطهراني (المتوفى 1340هـ): ((في عمد ممددة) اي حال كونهم موثقين في اعمدة ممدودة مثل المقاطر التي تقطر بها اللصوص واوتاد لشدهم بها تفتح عليهم باب ولا يدخل لهم روح قال الكلبي: في عمد مثل السواري ممدودة مطولة مربوطين بها كالشطار خشبة فيها خروق يدخل فيها ارجل المحابيس).

وفي التفسير الامثل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي قوله: (و«مؤصدة» من الإيصاد، بمعنى الأحكام في غلق الباب. ولذلك تسمى الغرف الكائنة في داخل الجبال المخصصة لجمع الأموال «الوصيد». هؤلاء في الحقيقة يقبعون في غرف تعذيب مغلقة الأبواب لا طريق للخلاص منها، كما كانوا يجمعون أموالهم في الخزانات المغلقة الموصدة. و«العمد» جمع عمود و«ممددة» تعني طويلة. جمع من المفسّرين قال إنّها الأوتاد الحديدية العظيمة التي تغلق بها أبواب جهنّم حتى لم يعد هناك طريق للخروج منها أبداً، وهي بذلك تأكيد على الآية السابقة التي تقول: (إنّها عليهم مؤصدة). وقيل إنّها إشارة إلى نوع من وسائل التعذيب والجزاء تشبه تلك التي يُغَلّ بها الشخص في رجله فيفقد قدرة الحركة وهذا جزاء ما كانوا يمارسونه من تعذيب للناس الأبرياء في هذه الدنيا).

وتفسير مجمع البيان - الشيخ الطبرسي ج 01 ص 440 : ( في عمد ممددة ) وهي جمع عمود . وقال أبو عبيدة : كلاهما جمع عماد . قال : وهي أوتاد الأطباق التي تطبق على أهل النار . وقال مقاتل : أطبقت الأبواب عليهم ، ثم شدت بأوتاد من حديد من نار ، حتى يرجع إليهم غمها وحرها ، فلا يفتح عليهم باب ، ولا يدخل عليهم روح . وقال الحسن : يعني عمد السرادق في قوله : ( وأحاط بهم سرادقها ) فإذا مدت تلك العمد ، أطبقت جهنم على أهلها ، نعوذ بالله منها . وقال الكلبي : في عمد مثل السواري ، ممددة مطولة ، تمد عليهم . وقال ابن عباس : هم في عمد أي في أغلال في أعناقهم ، يعذبون بها).

فهي تفاسير متعددة وقد تكون جميعها صحيحة لوجود جميع عناصرها في واقع جهنم نستجير بالله العظيم منها. اذن اولئك الصنف من الكفار يعذبون في غرف مغلقة محكمة الاغلاق عليهم وقد يكونون مقيدين هم ايضاً داخلها كما هو مذكور في هذه التفاسير.

واذا كانت هناك آيات قرآنية مباركة اخرى تتحدث عن ارادة الخروج من جهنم لصنف آخر من الكافرين واعادتهم اليها كما في قوله تعالى: ((وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ)) بينما في سورة الهمزة لا يكون هناك اي محاولة في هذا السجن المخصص لصنف آخر من الكافرين حيث تكون النار مؤصدة عليهم. فما اقسى الصورة الذهنية التي ترسمها سورة الهمزة حول مصير هذا الصنف من الكافرين.

انها تعابير بلاغية عديدة تناولها علماء اللغة بالشرح والتفصيل كاشفين عن الاعجاز البلاغي الموجود في هذه السورة المباركة ، ويمكن لمن يريد الاطلاع على تلك التعابير البلاغية مراجعة مختلف كتب البلاغة ومنتدياتها.

ثم يطلع علينا احمد القبانجي ليستهزأ عن جهل بسورة الهمزة ويتهمها بانعدام البلاغة ويستخف بها !! بل ويفضل نصاً بشرياً عليها هو نص من كتاب نهج البلاغة لأمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام ! وبدون ان يقدم احمد القبانجي اي شرح بلاغي لذلك النص من نهج البلاغة !!

ولكي نكون منصفين سوف نذكر نصوصاً من نهج البلاغة تحتوي على آيات قرآنية لكي يطلع القاريء الكريم بوضوح على الفرق المتميز للآيات القرآنية على كلام البشر حتى ان لم يكن القاريء الكريم على ثقافة جيدة بعلوم اللغة العربية. انها عظمة القرآن الكريم كلام الله سبحانه.

قال امير المؤمنين عليه السلام في صفة خلق آدم(عليه السلام): {ثُمَّ جَمَعَ سُبْحَانَهُ مِنْ حَزْنِ الاْرْضِ وَسَهْلِهَا، وَعَذْبِهَا وَسَبَخِهَا ، تُرْبَةً سَنَّهَا بالمَاءِ حَتَّى خَلَصَتْ، وَلاَطَهَا بِالبَلَّةِ حَتَّى لَزَبَتْ ، فَجَبَلَ مِنْها صُورَةً ذَاتَ أَحْنَاء وَوُصُول، وَأَعْضَاء وَفُصُول: أَجْمَدَهَا حَتَّى اسْتَمْسَكَتْ، وَأَصْلَدَهَا حَتَّى صَلْصَلَتْ ، لِوَقْت مَعْدُود، وَأجَل مَعْلُوم، ثُمَّ نَفَخَ فِيها مِنْ رُوحِهِ فَمَثُلَتْ إِنْساناً ذَا أَذْهَان يُجيلُهَا، وَفِكَر يَتَصَرَّفُ بِهَا، وَجَوَارِحَ يَخْتَدِمُهَا ، وَأَدَوَات يُقَلِّبُهَا، وَمَعْرِفَة يَفْرُقُ بِهَا بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ، والاَذْوَاقِ والَمشَامِّ، وَالاْلوَانِ وَالاْجْنَاس، مَعْجُوناً بطِينَةِ الاْلوَانِ الُمخْتَلِفَةِ، وَالاَشْبَاهِ المُؤْتَلِفَةِ، وَالاْضْدَادِ المُتَعَادِيَةِ، والاْخْلاطِ المُتَبَايِنَةِ، مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ، وَالبَلَّةِ وَالْجُمُودِ، وَالْمَساءَةِ وَالسُّرُورِ، وَاسْتَأْدَى اللهُ سُبْحَانَهُ المَلائكَةَ وَدِيعَتَهُ لَدَيْهِمْ، وَعَهْدَ وَصِيَّتِهِ إِلَيْهمْ، في الاْذْعَانِ بالسُّجُودِ لَهُ، وَالخُنُوعِ لِتَكْرِمَتِهِ، فَقَالَ عزَّمِن قائِل: ((اسْجُدُوا لاِدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ)) وَقَبِيلَهُ، اعْتَرَتْهُمُ الحَمِيَّةُ، وَغَلَبَتْ عَلَيْهِمُ الشِّقْوَةُ، وَتَعَزَّزُوا بِخِلْقَةِ النَّارِ، وَاسْتَوْهَنُوا خَلْقَ الصَّلْصَالِ، فَأَعْطَاهُ اللهُ تَعالَى النَّظِرَةَ اسْتِحْقَاقاً لِلسُّخْطَةِ، وَاسْتِتْماماً لِلْبَلِيَّةِ، وَإِنْجَازاً لِلْعِدَةِ، فَقَالَ: ((إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ)) }.

وقال عليه السلام: {وَفَرَضَ عَلَيْكُمْ حَجَّ بَيْتِهِ الحَرَامِ، الَّذِي جَعَلَهُ قِبْلَةً لِلاْنَامِ، يَرِدُونَهُ وُرُودَ الاَنْعَامِ، وَيأْلَهُونَ إِلَيْهِ وُلُوهَ الحَمَامِ. جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ عَلاَمَةً لِتَوَاضُعِهمْ لِعَظَمَتِهِ، وَإِذْعَانِهِمْ لِعِزَّتِهِ، وَاخْتَارَ مِنْ خَلْقِهِ سُمَّاعاً أَجَابُوا إِلَيْهِ دَعْوَتَهُ، وَصَدَّقُوا كَلِمَتِهُ، وَوَقَفُوا مَوَاقِفَ أَنْبِيَائِهِ، وَتَشَبَّهُوا بمَلاَئِكَتِهِ المُطِيفِينَ بِعَرْشِهِ، يُحْرِزُونَ الاْرْبَاحَ فِي مَتْجَرِ عِبَادَتِهِ، وَيَتَبَادَرُونَ عِنْدَهُ مَوْعِدَ مَغْفِرَتِهِ. جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ لِلاِسْلامِ عَلَماً، وَلِلْعَائِذِينَ حَرَماً، فَرَضَ حَجَّهُ، وَأَوْجَبَ حَقَّهُ، وَكَتَبَ عَلَيْكُمْ وِفَادَتَهُ ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ((وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمينَ)) }.

وقال عليه السلام: { فَإِسْلاَمُنَا مَا قَدْ سُمِعَ، وَجَاهِلِيَّتُنَا لاَ تُدْفَعُ ، وَكِتَابُ اللهِ يَجْمَعُ لَنَا مَا شَذَّ عَنَّا، وَهُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ((وَأُولُو الاْرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض فِي كِتَابِ اللهِ)) ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ((إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤمِنِينَ)) ، فَنَحْنُ مَرَّةً أوْلَى بِالْقَرَابَةِ، وَتَارَةً أَوْلَى بِالطَّاعَةِ }.

وقال عليه السلام: { لاَ تَأْمَنَنَّ عَلَى خَيْرِ هذِهِ الاْمَّةِ عَذَابَ اللهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالى: ((فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ)) وَلاَ تَيْأَسَنَّ لِشَرِّ هذِهِ الاْمَّةِ مِنْ رَوْحِ اللهِ ، لِقَوْلِهِ سبحانه وتَعَالَى: ((إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافرُونَ)) }.

وقال له بعض اليهود: ما دَفَنْتُم نَبِيَّكُم حتّى اختلفتم فيه ! فقال(عليه السلام) له: { إِنَّمَا اخْتَلَفْنَا عَنْهُ لاَ فِيهِ، وَلكِنَّكُمْ مَا جَفَّتْ أَرْجُلُكُمْ مِنَ الْبَحْرِ حَتَّى قُلْتُمْ لِنَبِيِّكُمْ: ((اجْعَلْ لَنَا إلهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ)) }.

وهذه النصوص التي ذكرناها من نهج البلاغة تغنينا عن اي شرح وبيان فهي تثبت نفسها بنفسها وتشهد لكتاب الله سبحانه بعلو البيان والبلاغة بما لا قياس معه.

ونسب احمد القبانجي الى سوروش ان المسلمين يقدسون القرآن الكريم من باب التعويد حيث انهم وهم اطفال يرون اهلهم يقدسون القرآن الكريم فيقبلونه ويضعونه على رؤوسهم ولذلك لا يجرؤون على التفكير في حقيقة قدسيته ، وهو كلام متهافت فلماذا لم يقدس هو نفسه القرآن الكريم وبدأ بالطعن فيه ، ألم يرَ احمد القبانجي اهله وهم يقدسونه ويقبلونه فلماذا شطح عنهم وبدأ يتناول القرآن الكريم بالشطط من القول !؟ ولماذا لم يتمكن عموم المستشرقين من الطعن بالقرآن الكريم او الطعن ببلاغته او تفضيل بلاغة نهج البلاغة عليه مع انهم لم يولدوا في عوائل مسلمة ولم يروا اهلهم وهم يقدسون القرآن الكريم !!

فلنقرأ ماذا يقول احد المستشرقين المنصفين وهو موريس بوكاي في كتابه (دراسة الكتب المقدسة) ، يقول في صفحة 145: (لو كان كاتب القرآن انساناً كيف استطاع في القرن السابع من العصر المسيحي ان يكتب ما اتضح انه يتفق اليوم مع المعارف العلمية الحديثة ؟ ). وفي ص277 يقول: (وهكذا يتقرر لدينا من جديد ان حقائق القرآن العلمية كما شرحناها في محلها سابقاً ، تدل جميعها على ان نصوص القرآن نصوص لا دخل ليد البشر فيها ، وانها وحي لا شك فيه).

ويقول في ص285: (ان القرآن ، وقد استانف التنزيلين الذين سبقاه لا يخلو فقط من متناقضات الرواية وهي السمة البارزة في مختلف صياغات الاناجيل بل هو يظهر ايضاً – لكل من يشرع في دراسته بموضوعية وعلى ضوء العلوم – طابعه الخاص وهو التوافق التام مع المعطيات العلمية الحديثة. بل اكثر من ذلك ، وكما اثبتنا ، يكتشف القاريء فيه مقولات ذات طابع علمي من المستحيل تصور ان انساناً في عصر محمد (صلى الله عليه وآله) قد استطاع ان يؤلفها ، وعلى ذلك فالمعارف العلمية الحديثة تسمح بفهم بعض الآيات القرآنية التي كانت بلا تفسير صحيح حتى الان).

موريس بوكاي الذي كتب كلامه هذا لم يولد في عائلة مسلمة ولم يرَ والديه وهما يقبلان القرآن الكريم ويقدسانه ولم يتعلم ذلك منهما بل قاده البحث العلمي الرصين والانصاف الى ان يكتب الحق الذي قرأناه آنفاً. وبذلك تسقط نظرية سوروش وكلام احمد القبانجي عن الاعتبار.

*****

بدأ الجزء التالي من المحاضرة بدعوى سخيفة بقوله: (التهافت البلاغي موجود في القرآن وغير موجود في نهج البلاغة) ، واحمد القبانجي يستند في دعواه هذه الى افتقاره لفهم النصوص القرآنية بالادعاء انها غير بليغة !! وسنرى في ردنا الرابع هذا انه يتهم آيات قرآنية معينة بعدم البلاغة نتيجة عدم فهمه الشخصي لها فالامر لا علاقة بالبلاغة العربية وفنونها. ولو اتعب احمد القبانجي نفسه قليلاً في دراسة البلاغة واستيعاب مطالبها ومراجعة تفاسير المسلمين المتضلعين بالبلاغة وعلوم اللغة العربية لما ركبه التوهم في آيات القرآن الكريم.
ان نهج البلاغة هو ثمرة من ثمرات الاسلام ، فلولا الاسلام والنبوة لم يكن نهج البلاغة ليظهر الى الوجود ، ولا يخفى ان تفضيل بلاغة نهج البلاغة على بلاغة القرآن الكريم هي قضية تتضمن جانبين الاول الجهل بالبلاغة العربية بمختلف فنونها والجانب الثاني ان هذا القول هو علامة للغلو والمغالين ويبدو ان احمد القبانجي بدأ بسلوك هذا المضمار حتى انتهى به المطاف الى انكار الاسلام كلياً !! فاما موضوع الجهل بالبلاغة العربية فهي سمة واضحة عند احمد القبانجي سنطلع عليها بصورة واضحة في هذه الحلقة الرابعة.
القرآن الكريم هو كتاب هداية للناس وفيه اسس الحكمة ، وكما في الحديث الشريف: (رأس الحكمة مخافة الله) ومخافة الله سبحانه هي التي نتعلمها من القرآن الكريم ، فنهج البلاغة هو ثمرة من ثمرات القرآن الكريم. وفي القرآن الكريم من الحكم والمواعظ ما لا توجد في كتاب آخر الا على سبيل الاقتباس منه والاستناد اليه.
فمن الحكم والمواعظ التي وردت في القرآن الكريم قوله تعالى: ((أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ)).
وقوله تعالى: ((وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ)).
وقوله تعالى: ((وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ)).
وقوله تعالى: ((وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ)).
وقوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)).
وقوله تعالى: ((وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)).
وقوله تعالى: ((وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)).
وقوله تعالى: ((وَأَوْفُوا الكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ)).
وقوله تعالى: ((وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)).
وقوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)).
وقوله تعالى: ((وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً)).
وقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)).
وقوله تعالى: ((لاَ يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً)).
فهذه نماذج من الحكم والمواعظ والسنن التاريخية التي اشتمل عليها القرآن الكريم والتي تبني المجتمعات الانسانية وتقدم الانسانية خطوات عظيمة لو عملت بها. ومن الواضح ان السنن التاريخية الموجودة في القرآن الكريم هي من الحكم العالية والفريدة التي امتاز بها القرآن الكريم والتي لم تصدر عن مصدر حكيم آخر.
انظر لقول نهج البلاغة الذي جعله احمد القبانجي دليلاً على البلاغة وهو: (ولا تقل ما لا تعلم وان قل ما تعلم) ، وقارنه مع قوله تعالى: ((وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً)) ، ستجد البلاغة والمعاني القرآنية العميقة التي لا ترقى اليها بلاغة ومعاني نهج البلاغة.
وانظر الى المفردات القرآنية التي وردت في كلام الامام عليه السلام في نهج البلاغة مثل (الحميم والجحيم والسعير والزفير) ومثالها قوله في الخطبة المعروفة بالغراء: (واعظم ما هنالك بلية نزول الحميم وتصلية الجحيم وفورات السعير وسورات الزفير). فنهج البلاغة استعار من القرآن العديد من مفرداته.
ومن نماذج مواكبة نهج البلاغة لما ورد في القرآن الكريم قول الامام عليه السلام: (واعلموا عباد الله انه لم يخلقكم عبثاً) وهو ماخوذ من قوله تعالى: ((أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ)) ومن الواضح ان البلاغة القرآنية اعلى واتم.
وقوله عليه السلام في نهج البلاغة: ((اوصيكم عباد الله بتقوى الله فإنها الزمام والقوام) وهي من قوله تعالى: ((وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)).
ثم يوجه احمد القبانجي سهامه للقرآن الكريم ولسورة الايلاف مرتكزاً على جهله ببلاغة هذه السورة الكريمة ودلالاتها العميقة ، فيتهم السورة بالافتقار الى البلاغة وهو لا يفقه معانيها ودلالاتها ولا يفقه كيف انها بكلمات قليلة اختصرت تاريخ اكثر من 200 سنة تقريباً واختصرت بكلماتها القليلة اسلوباً دعوياً مختصاً بقريش هذه القبيلة التي كانت الركن الاساسي في مقاومة الاسلام في بدايته وحاربته ورصدت ضده الاموال والطاقات للقضاء عليه دون جدوى.
سورة الايلاف تتحدث عن السلالة الهاشمية ودورها في استقرار قريش في مكة ، مكة هذا الوادي في عمق الصحراء العربية وادٍ غير ذي زرع ليس فيه من مغريات الحياة شيء فلا هو سوق تجاري ولا هو مثل يثرب او الطائف بساتين وعيون ، ولا مناخها في الصيف مثل بلاد الشام المعتدلة في حرارتها ولا في الشتاء مثل اليمن المعتدل في برودته ، مكة التي تفتقر الى الكثير من مقومات السكن والمدنية التي ترغب اليها الانفس ، هذه المدينة المباركة كل مقوماتها انها تحتوي على الكعبة المشرفة التي بناها آدم عليه السلام ورفع قواعدها ابراهيم الخليل عليه السلام ، فهي الكعبة المقدسة التي يحج اليها العرب الاحناف والمشركون. وكانت قريش في الجاهلية بطون متوزعة بين القبائل العربية او تعيش في جبال مكة وضواحيها حينما كانت قبيلة خزاعة تعيش في مكة وبيدها سدانة الكعبة. ثم ظهر قصي بن كلاب (400-480)م واستطاع ان يطرد خزاعة من مكة لتحل محلها قبيلته قريش وتصبح سدانه الكعبة بيده وبيد اولاده من بعده. واصبحت قريش تعيش في مكة وتعاني من ضيق العيش نتيجة انعدام الزراعة والتجارة فيها حتى ظهر هاشم بن عبد عبد مناف بن قصي بن كلاب فأسس لقريش نظاماً تجارياً وعقد معاهدات تجارية مع الامبراطوريات المجاورة وهي الرومانية والحبشية ، وأسس لقريش رحلتين تجارية لقوافلها الاولى في الصيف الى بلاد الشام والثانية في الشتاء الى بلاد اليمن. وهاتان الرحلتان كان لهما اثر كبير في رفع المستوى المعاشي العام لقريش وظهرت فيها طبقة غنية وتطور المستوى المعاشي العام لأفرادها بعدما كانت تعانيه سابقاً من جوع ونقص في الثمرات وشحة في السلع الغذائية. فكان تحقق الامن الغذائي لقريش بجهود هاشم بن عبد مناف.
ثم ظهر عبد المطلب بن هاشم والذي تمكن بتوفيق الهي من اعادة حفر بئر زمزم والذي يشكل مورداً مائياً مهماً لقريش ، وارتفعت مكانة عبد المطلب بن هاشم بين قريش خاصة والعرب عامة بما عرف عنه من كياسة وحنكة وبركة.
وفي سنة 570م ايام عبد المطلب بن هاشم تقدم ابرهة الحبشي بجيشه لهدم الكعبة وهذا يعني تهديد امن قريش بالاعتداء على اقدس مقدساتها أي الكعبة المشرفة التي تعطي لقريش مكانتها المتميزة بين العرب والتي من خلال سدانتها لها ولشعائرها تبرز بين العرب الذين يحجون اليها ويشترون من البضاعة التي تجلبها قريش لهم برحلتي الايلاف في الشتاء والصيف من بلاد اليمن وبلاد الشام. فكان النصر الالهي بالطير الابابيل على جيش ابرهة الحبشي وتعززت مكانة قريش وزاد شعورها بالامن في زمن عبد المطلب ، كيف لا والاله الذي بعبدونه قد انقذ كعبتهم من يد اعدائها.
فالعائلة الهاشمية كان لها دور كبير ومهم في تاريخ قبيلة قريش ، وقريش كلها تشعر بالامتنان والخضوع لها في الجاهلية وعلى اقل تقدير تشعر بدورها المهم وعزها الذي لا يمكن ان تناله في المدى المنظور. ومن عمق هذا التاريخ المشرف للعائلة الهاشمية ظهر رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) ودعا قريش للايمان بالله سبحانه وعبادته وحده ونبذ عبادة الاصنام فجائهم بالشريعة الصافية السمحة التي لا تمتلكها امة اخرى في العالم كله في ذلك اليوم ، ورغم ان قريش تعرف انه لم يصدر من هذه العائلة الهاشمية الا الخير والبركة لقريش الا انها عموماً بدأت تعارض الدعوة الجديدة وتسعى في خذلانها ودحرها ، فأنزل الله سبحانه سورة الايلاف بكلماتها القليلة وبلاغتها العظيمة التي تذكر قريش بهذه الحقائق فذكرهم بالايلاف وهي رحلتي الشتاء والصيف التي حققت لهم الامن الغذائي ، وذكرهم كيف تصدى لجيش ابرهة وحقق لهم الامن السياسي وابعد عنهم الخوف من ضياع مكانتهم المتميزة بين القبائل العربية وما تحقق كل ذلك الا في ظل العائلة الهاشمية التي ظهر منها النبي محمد (صلى الله عليه وآله) والذي دعاهم الى التوحيد الخالص والاسلام لله عزَّ وجل. فما جاء لقريش من العائلة الهاشمية الا الخير والبركة ، والسورة الكريمة تذكر قريش بالبركة التي حلت عليهم من الله سبحانه من خلال هذه العائلة الهاشمية والنبي الصادق الامين الذي ظهر فيها والذي يدعوهم لعبادة الله سبحانه.
فهل هناك بلاغة اعظم من بلاغة سورة الايلاف التي اختصرت كل هذه الافكار والمعاني والابعاد الدعوية بكلماتها قليلة.
ثم ينتقل احمد القبانجي ليتهم سورة الرحمن بالافتقار الى البلاغة مع انها كسابقتيها سورتي الهمزة والايلاف في بلاغتها العظيمة وكلماتها القليلة المعبرة عن الافكار الكبيرة.
يبدأ احمد القبانجي اعتراضه وطعنه في بلاغتها بسبب تسرعه وعدم تدقيقه في معانيها وعدم تدبره لمقاصدها فيقول: "لماذا ابتدأت السورة بذكر (علم القرآن) قبل (خلق الانسان) والمفروض ان يذكر خلق الانسان قبل تعليم القرآن لأن القرآن لمن علمه؟ هل علمه للجن اليس علمه للانسان فكان يتوجب ان يذكر خلق الانسان قبل تعليم القرآن" ! واعتراضه هذا قد يصح لو ان الآية الكريمة تتحدث عن مراحل وتسلسل الخلق للكون ولكنها لا تتحدث عن هذه الناحية ليكون التسلسل مطلوباً بل ان سورة الرحمن تتحدث بشكل اساسي عن نعم الله سبحانه على خلقه ووجوب عبادتهم له عزَّ وجل ، ولذلك ابتدأت بأسم (الرحمن) والذي هو من الاسماء الحسنى المختصة بالله سبحانه فلا يقال لأحد او يوصف احد بأنه رحمان سوى الله عزَّ وجل بخلاف كلمة (الرحيم) التي يمكن ان يوصف بها بعض الاشخاص ، وذلك لأن اسم (الرحمن) كما يقول السيد الطباطبائي في تفسير الميزان هي (صيغة مبالغة تدل على كثرة الرحمة ببذل النعم ولذلك ناسب ان يعم ما يناله المؤمن والكافر من نعم الدنيا وما يناله المؤمن من نعم الآخرة ، ولعمومه ناسب ان يصدر به الكلام لاشتمال الكلام في السورة على انواع النعم الدنيوية والاخروية التي ينتظم بها عالم الثقلين الانس والجن). فابتدات السورة المباركة بأسم (الرحمن) ثم ذكر الله سبحانه النعم الالهية التي انعم بها على الانسان فابتدأها بذكر تعليمه للقرآن الكريم والسبب في ذلك كما يقول الزمخشري (عدد الله عز وعلا آلاءه فأراد ان يقدم اول شيء ما هو أسبق قدما من ضروب آلاءه واصناف نعمائه وهي نعمة الدين فقدم من نعمة الدين ما هو في اعلى مراتبها واقصى مراقيها وهو إنعامه بالقرآن وتنزيله وتعليمه لأنه اعظم وحي الله رتبة واعلاه منزلة واحسنه في ابواب الدين اثراً وهو سنام الكتب السماوية ومصداقها والعيار عليها ، واخر ذكر خلق الانسان عن ذكره ثم اتبعه اياه ليعلم أنه انما خلقه للدين وليحيط علماً بوحيه وكتبه وما خلق الانسان من اجله ، وكأن الغرض في انشائه كان مقدماً عليه وسابقاً له)) ، ومصداق قول الزمخشري هذا هو قوله تعالى في سورة الذاريات: ((وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ، مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ)) ، فانظر الى هذه الآيات المباركة التي تنص على ان خلق الانس والجن لغرض العبادة فكان تقديم ذكر تعليم القرآن الكريم على خلق الانسان في سورة الرحمن هو لهذا الغرض. وانظر الى قوله تعالى في سورة الذاريات ((إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ)) ، فربط فيها بين عبادة الله سبحانه وبين رزقه لعباده كما في سورة الرحمن حيث ربط بين عبادة الله سبحانه وبين نعمه سبحانه التي رزقها لعباده. وانظر الى هذه الآية المباركة كيف اشارت الى الانس والجن في موضوع العبادة وموضوع نعم الله سبحانه وما يرزقه لعباده وقارنه مع سورة الرحمن التي ذكرت نفس العناصر اي خطابها للانس والجن وتاكيدها على اهمية العبادة ووتذكيرها بنعم الله سبحانه عليهم. انها البلاغة القرآنية العظيمة في سورة الرحمن وسورة الذاريات وكل سور القرآن الكريم والتي تتناول نفس الافكار والاسس والاهداف بأساليب بلاغية متنوعة واعجازية في نفس الوقت ، ولكن احمد القبانجي وامثاله من الذين وصفهم الله سبحانه بمرضى القلوب ... ((وَإِذْ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً)) ، هؤلاء لا يمكن ان يعرفوا هذه النقاط البلاغية العظيمة في القرآن الكريم وهذا الترابط بين آياته وصدق الله العليّ العظيم القائل ((أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً)).
واعتراض آخر يعترضه احمد القبانجي وهو ايضاً اعتراض عن قلة تدبر وعدم معرفة حيث قال: "لماذا ذكر الله ((والنجم والشجر)) والنجم هو النبات الصغير فلماذا ذكر النبات الصغير والشجر بينما الكون كله يسجد لله سبحانه" ! ويظن احمد القبانجي ان سجود النباتات هو كسجود بقية مخلوقات الكون متناسياً ان النبات هو كائن حي يولد وينمو ويموت وليس كبقية الجوامد التي تسجد ايضاً لله سبحانه ولكن بطريقة مختلفة ، فمعنى السجود المذكور كما قال الزمخشري في الكشاف: (وسجودهما : انقيادهما للّه فيما خلقا له ، وأنهما لا يمتنعان ، تشبيها بالساجد من المكلفين في انقياده) ، وسبب اختصاص هذه السورة المباركة بذكر النباتات هو ان النباتات تشكل الاساس لغذاء الانسان بصورة مباشرة او غير مباشرة ، فالانسان يتغذى عليها كما يتغذى على الحيوانات التي تتغذى عليها ايضاً. ونحن نعلم ان ازمة الغذاء العالمية اليوم لا ترتبط بنقص اللحوم الحمراء او البيضاء بل ترتبط بنقص الحبوب المختلفة كالحنطة والشعير والرز ، ولذلك فإن اهمية ذكر النباتات كغذاء للانسان وتركيز القرآن الكريم عليه يؤكد ان هذا الكلام هو صادر عن الله سبحانه العليم بكل شيء ، والا فإن مكة ليست بلداً زراعياً لكي يركز النبي صلى الله عليه وآله على الزراعة بطبيعة الحال بل هي بلد تجاري في عمق الصحراء العربية. فناسب ذكر النباتات ضمن النعم الالهية اكثر من غيرها في هذه السورة المباركة التي تركز على ذكر النعم الالهية على الانسان. وحيث ذكر الله سبحانه ان الشمس والقمر بحسبان فناسب بعدها ان يذكر سجود النباتات والمزروعات وسجودها هو هو انقيادها لله سبحانه بالنمو والاثمار ولا يحدث ذلك الا في مواسم محددة لكل نوع من الزروع والنباتات ، انه التناغم في السجود لله سبحانه وطاعته ، فالشمس والقمر في طاعة الله سبحانه بدورانها في افلاكها فلا يمكنها ان تخالفه منتجة حسبان الشهور والمواسم التي تقوم بها النباتات بالسجود لله عزَّ وجل وطاعته من خلال نموها واثمارها. فهل هناك بلاغة اعظم من هذه ، بكلمات قليلة يصف القرآن الكريم اعاظم نعم الله سبحانه على البشر ((الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ، وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ)) انه الارتباط وتنظيم الكون وتنظيم الحياة ، فالشمس والقمر تحسبان المواسم والنباتات تنمو وتثمر فكل له دوره وحركته التي تصب كلها في مصلحة الانسان. ولكن الانسان ماذا يفعل ازاء هذه النعم العظيمة ؟ انه يطغى في الميزان فجاء النهي ((أَلاَّ تَطْغَوْا فِي المِيزَانِ)) ، يطغى في الميزان بإفساده في الارض ، رغم ان الله سبحانه خلق الكون بنظام موزون فقال تعالى: ((وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ المِيزَانَ)) ، ووضع الميزان يعني ان السماء والكون كله مخلوق بنظام دقيق ويدل عليه قوله تعالى في سورة الحجر: ((وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ)) وقوله تعالى في نفس الموضع: ((وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ)) ، ومع ذلك يعترض احمد القبانجي على تعبير رفع السماء وينكره دون سبب وجيه !!! فلا هو عنده علم يستند اليه في رفضه لخلق السماء ورفعها ولا هو سكت عما يجهله ليقي نفسه السقوط في التهلكة.
عموماً فسورة الرحمن تبين لنا بكلام بليغ نعم الله سبحانه والنظام الكوني الذي وضعه للانسان وفي خدمة الانسان ثم تذكر السورة المباركة بعد نهيها الانسان عن الطغيان في الميزان تذكر وجوب اقامة الوزن بالقسط فقال تعالى: ((وَأَقِيمُوا الوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُوا المِيزَانَ)) ، يقول الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تفسيره (الامثل) : (ويؤكّد مرّة اُخرى على مسألة العدالة والوزن حيث يقول سبحانه: (وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان) ). ويضيف: (والنقطة الجديرة بالذكر هنا أنّ كلمة «الميزان» ذكرت ثلاث مرّات في هذه الآيات، وكان بالإمكان الإستفادة من الضمير في المرحلة الثانية والثالثة، وهذا ما يدلّل على أنّ كلمة (الميزان) هنا قد جاءت بمعان متعدّدة في الآيات الثلاث السابقة، لذا فإنّ الإستفادة من الضمير لا تفي بالغرض المطلوب، وضرورة التناسب للآيات يوجب تكرار كلمة «الميزان» ثلاث مرّات، لأنّ الحديث في المرحلة الاُولى، كان عن الموازين والمعايير والقوانين التي وضعها الله تعالى لكلّ عالم الوجود. وفي المرحلة الثانية يتحدّث سبحانه عن ضرورة عدم طغيان البشر في كلّ موازين الحياة، سواء كانت الفردية أو الإجتماعية. وفي المرحلة الثالثة يؤكّد على مسألة الوزن بمعناها الخاصّ، ويأمر البشر أن يدقّقوا في قياس ووزن الأشياء في التعامل، وهذه أضيق الدوائر. وبهذا الترتيب نلاحظ الروعة العظيمة للإنسجام في الآيات المباركة، حيث تسلسل المراتب وحسب الأهمية في مسألة الميزان والمقياس، والإنتقال بها من الدائرة الأوسع إلى الأقل فالأقل. إنّ أهميّة الميزان في أي معنى كان عظيمة في حياة الإنسان بحيث إنّنا إذا حذفنا حتّى مصداق الميزان المحدود والصغير والذي يعني (المقياس) فإنّ الفوضى والإرتباك سوف تسود المجتمع البشري، فكيف بنا إذا ألغينا المفهوم الأوسع لهذه الكلمة، حيث ممّا لا شكّ فيه أنّ الإضطراب والفوضى ستكون بصورة أوسع وأشمل). وبذلك لا يبقى لاعتراض احمد القبانجي معنى حينما اعترض على سبب ذكر النهي عن الطغيان في الميزان وبعدها الامر باقامة الوزن بالقسط.
ويعترض احمد القبانجي على قوله تعالى: ((مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ، بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ)) ، فيقول القبانجي: " وبينهما برزخ لا يبغيان لحد الان محد يعرف وين والعلم تطور والاقمار الصناعية ولحد الان مشافوا بحر مالح وبحر عذب واذا اكو فعلا فاين هي النعمة بالموضوع ولحد الان محد يعرف اين صايرة " !! بهذا الكلام الساذج يتحدى البلاغة القرآنية العظيمة !!؟ الامر يا احمد القبانجي لا يحتاج لأقمار صناعية لكي تعثر على البرزخ بين البحرين احدهما عذب والاخر مالح ، فالامر منتشر في العديد من دول العالم ويكمن في مصبات الانهار في البحار فماء النهر يكون اكثر عذوبة واقل ملوحة من ماء البحر الاكثر ملوحة والاقل عذوبة ، ومنطقة مصب النهر في البحر هي احد مصاديق الآية الكريمة ، فلا ماء البحر يطغى على ماء النهر ولا ماء النهر يطغى على ماء البحر ، واما تساؤله عن النعمة من ذلك فهو تنوع الكائنات الحية التي تعيش في البحار والكائنات الحية التي تعيش في الانهار ، الا تنظر الى وجود اسماك نهرية لا تخرج الى البحار ولا تتمكن من العيش فيها كما ان هناك اسماك بحرية لا تنتقل من البحر الى النهر بل تبقى كل الكائنات الحية في محيطها الذي نشأت فيه. فالتنوع في الكائنات البحرية بين المياه المالحة والمياه العذبة هو نعمة اخرى من نعم الله سبحانه. وهذه نعمة لم تكن ملحوظة من قبل شخص يعيش في اعماق صحراء الجزيرة العربية وهذه المعارف هي من الدلائل الواضحة على صدق النبوة.
واعترض احمد القبانجي على استعمال مفردتي الصلصال والفخار في قوله تعالى: ((خَلَقَ الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ)) فقال: "ان الصلصال هو نفس الفخار" !! وهذا من جهله بلغة العرب ، فـالصالصال هو (الطين اليابس الذي يتردد منه الصوت إذا وطئ ، والفخار الخزف). وشتان بين الطين اليابس والخزف ، ام ترى احمد القبانجي لا يميز بينهما !!
ويعترض احمد القبانجي على ورود تعبير ((رب المشرقين ورب المغربين)) ويقول لماذا هنا رب المشرقين وفي مورد آخر استخدم رب المشارق ! وسؤاله هذا يدل جزماً بعدم معرفته بفنون البلاغة العربية التي تقتضي التفنن في التعبير تبعاً للمعنى والغاية.
يقول السيد الخوئي في كتابه البيان في تفسير القرآن: (ومن الاسرار التي كشف عنها القرآن قبل أربعة عشر قرنا : وجود قارة اخرى . فقد قال سبحانه وتعالى : " رب المشرقين ورب المغربين 55 : 17 " . وهذه الاية الكريمة قد شغلت أذهان المفسرين قرونا عديدة ، وذهبوا في تفسيرها مذاهب شتى . فقال بعضهم : المراد مشرق الشمس ومشرق القمر ومغرباهما ، وحمله بعضهم على مشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما . ولكن الظاهر أن المراد بها الاشارة إلى وجود قارة اخرى تكون على السطح الاخر للارض يلازم شروق الشمس عليها غروبها عنا . وذلك بدليل قوله تعالى : " يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين 43 : 38 " . فإن الظاهر من هذه الاية أن البعد بين المشرقين هو أطول مسافة محسوسة فلا يمكن حملها على مشرقي الشمس والقمر ولا على مشرقي الصيف والشتاء ، لان المسافة بين ذلك ليست أطول مسافة محسوسة فلا بد من أن يراد بها المسافة التي ما بين المشرق والمغرب . ومعنى ذلك أن يكون المغرب مشرقا لجزء آخر من الكرة الارضية ليصح هذا التعبير ، فالاية تدل على وجود هذا الجزء الذي لم يكتشف إلا بعد مئات من السنين من نزول القرآن . فالايات التي ذكرت المشرق والمغرب بلفظ المفرد يراد منها النوع كقوله تعالى : " ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله 2 : 115 " . والايات التي ذكرت ذلك بلفظ التثنية يراد منها الاشارة إلى القارة الموجودة على السطح الاخر من الارض . والايات التي ذكرت ذلك بلفط الجمع يراد منها المشارق والمغارب باعتبار أجزاء الكرة الارضية كما نشير إليه . ومن الاسرار التي أشار إليها القرآن الكريم كروية الارض فقال تعالى : " وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الارض ومغاربها 7 : 137 . رب السماوات والارض وما بينهما ورب المشارق 37 : 5 . فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون 70 : 40 " . ففي هذه الايات الكريمة دلالة على تعدد مطالع الشمس ومغاربها ، وفيها إشارة إلى كروية الارض ، فإن طلوع الشمس على أي جزء من أجزاء الكرة الارضية يلازم غروبها عن جزء آخر ، فيكون تعدد المشارق والمغارب واضحا لا تكلف فيه ولا تعسف . وقد حمل القرطبي وغيره المشارق والمغارب على مطالع الشمس ومغاربها باختلاف أيام السنة ، لكنه تكلف لا ينبغي أن يصار إليه ، لان الشمس لم تكن لها مطالع معينة ليقع الحلف بها ، بل تختلف تلك باختلاف الاراضي . فلا بد من أن يراد بها المشارق والمغارب التي تتجدد شيئا فشيئا باعتبار كروية الارض وحركتها).
فما اشد بلاغة القرآن الكريم وما اشد بلاغة سورة الرحمن.
فالقاريء الكريم يرى بوضوح ان اعتراضات احمد القبانجي على بلاغة القرآن الكريم ناتجة جميعها من جهله بالبلاغة العربية وفنونها ! وليته حينما جهل سكت بدلاً من الخوض بمواضيع لا يحسن علمها او تعلمها !!

*****

يعترض احمد القبانجي على قوله تعالى: ((يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)) ، ويقول ان اللؤلؤ والمرجان "مال ملوك والعرب الجاهليين اصلا ما شايفين لؤلؤ ، اللؤلؤ والمرجان بس للملوك ، انت خاطب الملوك" بحسب تعبيره ، وهذا وهم منه لأن تجارة اللؤلؤ والمرجان كانت منتشرة في السواحل العربية والعرب كانوا يعرفونه ، نعم قد يكون ضئيل الاقتناء من قبل العرب بسبب حالة الفقر العامة ولكن هذا لا يعني ان من لا يقتني شيء لا يعرفه !! ومن المعلوم ان اشهر مناطق استخراج اللؤلؤ والمرجان في العالم هي منطقتا الخليج قرب البحرين والبحر الاحمر. وهي سواحل عربية كما هو معلوم.
ويعترض احمد القبانجي على مخاطبة القرآن الكريم للجن بنعمة اللؤلؤ والمرجان فيقول: " والجن ممعلوم انهم يلبسون اللؤلؤ والمرجان ، هذه اشياء مادية" ، وقد فات احمد القبانجي بأنَّ الجن مخلوقين من مادة حيث ان الله سبحانه يخبرنا بأنهم مخلوقين من مارج من نار ، فإخبار الله عزَّ وجل بان اللؤلؤ والمرجان هو من النعم الالهية على الجن يحسم كونهم فعلاً يستفيدون منهما وانهما نعمة عليهما اذ لا مانع عقلي يحول دون القول بانهما نعمة عليهم.
ولنفترض ان الجن لا يستفيدون من اللؤلؤ والمرجان ، فمن المعلوم ان مجمل النظام الكوني هو نعمة الهية على الانس والجن معاً وانه لولا الحياة البشرية على الارض لما بقي الجن فيها ولحدث الفناء لأن وجودهم مرتبط بوجود البشر فيها فكل نعمة على البشر هي نعمة عليهم بصورة غير مباشرة.
ويعترض احمد القبانجي على قوله تعالى: ((سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)) ، ويقول: " يهدد سنفرغ لكم ايها الثقلان ، ومع ذلك يقول فبأي آلاء ربكما تكذبان" ! عجباً لأحمد القبانجي اًليس التهديد لمن يخالف القانون هو اسلوب صحيح لردع المخالفة والخروج على القوانين ولذلك وضعت العقوبات في القوانين ، وهكذا فان الله سبحانه يهدد ويتوعد خلقه بالعذاب اذا خالفوا اوامره وفي ذلك اصلاح لهم وردع لهم عن الافساد في الارض ، وهي نعمة الهية عظيمة اي نعمة وضع القوانين ونعمة العقاب للمفسدين.
ويقول احمد القبانجي عن قوله تعالى: ((يَا مَعْشَرَ الجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ، يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)) ، يقول ان المسلمين يقولون بان لالآية تدل على الاعجاز العلمي حيث تخبر ان الانس والجن لا يتمكنون من يسافروا في السماء الا بسلطان اي بالطائرات والصواريخ ثم يزعم ان المسلمين لم يلتفتوا الى الاية التي تليها وهي ((يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ)) فيقول:" الآية تقول مستحيل توصلون للقمر والجماعة وصلوا وتحدوا رب القرآن ورجعوا سالمين " ! وهذا فهمه فيه اخطاء كثيرة ، فمن جهة فهو يؤكد ان البشر وصلوا للقمر بسلطان كما ذكرت الآية الكريمة. ولكنه فاته ان ارسال الشواظ من نار ونحاس انما يكون في حال العقوبة الالهية ومن سافر في الفضاء الى القمر لم يقترف ما يوجب العقوبة الالهية بل إنَّ كل ما وصل اليه الانسان في الفضاء انما كان بإذن الله سبحانه. فلا معنى لقول احمد القبانجي ان رواد الفضاء وصلوا الى القمر وتحدوا رب العزة لأن ذلك لم يحدث حقيقة اي ان رواد الفضاء لم يتحدوا الله سبحانه فلماذا يفتري عليهم. هو يظن انه بمجرد ان يخرج الانسان من جو الارض الى الفضاء يكون محكوماً بإرسال الشواظ عليه وهذا الامر لم تدل الآية الكريمة عليه بل هو محض افتراء وهراء.
ان هذه الآية الكريمة المتضمنة ارسال شواظ من نار ونحاس تدل على ان الانس والجن مهما تقدم بهم العلم ومهما حصلوا عليه من سلطان فإنهم لا مهرب لهم من يد العدالة الالهية ان تنكروا لنعم الله سبحانه وافسدوا في الارض. فلا فرار من قدرة الله سبحانه ولا مهرب من حكومة العدل الالهي العظيمة.
وينتقل احمد القبانجي في سلسلة شبهاته لقوله تعالى: ((فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)) ، ويبدا بالتطاول على بلاغة القرآن فيزعم ان التشبيه المذكور في الآية القرآنية غير معقول ويتمادى فيزعم ان امثال القرآن الكريم غير معقولة !! وينتقل للتطاول على آية اخرى هي المذكورة في سورة النور قوله تعالى: ((اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)). فيحاول احمد القبانجي التهوين من الوصف العظيم للآية الكريمة ويدعي ان هذا المثل ليس ابلغ من الممثل له والمفروض ان يكون المثل ابلغ من الممثل له ويقصد ان معنى قوله تعالى ((اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)) اكثر فهماً من الممثل له وهو المصباح والزجاجة والمشكاة ،. والمشكلة ليست في المثل بل في فهم احمد القبانجي ، فالصورة الذهنية التي ترسمها الاية الكريمة لنور الله سبحانه هي صورة عظيمة وملخصها ان نور الله وهدايته للسماوات والارض هي مثل نور مصباح ذو زجاجة درية متقدة بزيت صافي موضوعة في مشكاة بيت من بيوت الله سبحانه حيث تنير للمؤمنين رؤيتهم وطريقهم. وهذه البساطة في فهم الآية القرآنية عرفها العرب ولم يعترض عليها احد لنه مثال واضح وبليغ ولكن احمد القبانجي يعتم على دلالات هذا المثل القرآني بإسلوب الاشاعة ضده ، فهو اما لم يفهمه فعلاً او انه يتظاهر بإشاعة عدم فهمه ! والنتيجة هي انه يستند الى الجهل في تأسيس حججه. وفيما يلي بعض التفصيل لهذا المثل القرآني العظيم:
فقوله تعالى: ((اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)) يعني انه هو سبحانه منورهما وخالق اسباب الهداية فيهما فهو تعالى نور السماوات والارض ولكن ليس هذا النور المادي الذي نراه ، والا فهل يظن احمد القبانجي ان الله سبحانه له نور مادي ـ وحاشاه تعالى ـ حتى يتصور ان معنى ((نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)) اوضح من مثل المشكاة !!؟
وتستمر الآية الكريمة بقوله تعالى: ((مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ)) ، والمشكاة هي الكوة غير النافذة في الجدار. اي ان نور الله سبحانه وهدايته هي كالمصباح الذي توقده في الظلام الدامس ، اليس كل من يجد نفسه في مكان مظلم يشعل شمعة او مصباحاً ليهتدي به ، فهداية الله سبحانه هي كذلك بالنسبة للانسان الذي يعيش في عالم الكفر المظلم. فهل هذا المثل صعب على احمد القبانجي استيعابه ؟!!
ثم تنتقل الآية الكريمة لبيان المصباح فتقول: ((المِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ)) ، فالمصباح يحتاج الزجاجة لتحميه من الرياح ومن حركة الهواء لئلا ينطفيء ، وهذه الزجاجة كأنها كوكب دري (أي : تلك الزجاجة مثل الكوكب العظيم المضئ الذي يشبه الدر في صفائه ونوره ونقائه) على حد تعبير الشيخ الطوسي في تفسيره. والزجاجة كما هو معلوم تزيد من تلألوء الضوء ولها دور مهم في ذلك فإذا كانت درية كالكوكب الدري فهذا يعني ان ضوئها سيكون فريداً في اشراقه ونصاعته.
فما هو حال الكوكب الدري ، يخبرنا الله سبحانه: ((يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ)). فوقود هذا الكوكب الدري المشرق المضيء والمنير هو زيت الزيتون وهو انقى انواع الوقود المستعمل للاضاءة. هذه الشجرة لا شرقية ولا غربية بل هي شجرة ترمز لبعدها عن كل الانحرافات الفكرية التي قد توجد في الحياة ولذلك فنورها مرتبط بالهداية الحقيقية. كما انها لو كانت شرقية لقال جماعة من الناس انها لو كانت غربية لكان زيتها افضل ولو كانت غربية لقال الاخرون ان الشرقية زيتها افضل ، فيسود النزاع ويزداد الطعن والاختلاف في نوعيته وفي صفاء النور المنبعث منه ولذلك كان النص بأنها لا شرقية ولا غربية بل جامعة للصفات المثلى جميعها وزيتها ونوره ايضاً كذلك.
وقوله تعالى: ((يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ)) ، اذن زيت الزيتون الذي يضيء هذا المصباح هو نفسه يكاد يضيء فضلا عن ايقاده وانارته للزجاجة ، فنور زيت الزينون ونور الايقاد والزجاجة درية كلها ادت الى ان يكون النور الصادر عن المصباح والزجاجة الدرية نور مضاعف ليس له مثيل ، وهذا النور موجود في بيوت خاصة ، هي البيوت المذكورة في الآية التي تتلوها وهي قوله تعالى: ((فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ ، رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ)). وهذا معناه ان هذا النور يهدي ويفيد المؤمنين مثلما ان الله سبحانه نور السموات والارض بمعنى انه مصدر النور والهدايو كما اسلفنا ، وكما ان نور الله سبحانه لا يهتدي به الا المؤمنون بالله عز وجل فكذلك نور المصباح الموضوع في المشكاة لا ينتفع به ولا يهتدي به الا المؤمنون الداخلون في حوزة الله سبحانه في بيوته التي وضعت لعبادته.
اذن المثل المذكور في القرآن الكريم بسيط وواضح جداً كما اسلفنا وهو ان الله سبحانه منور السماوات والارض بالهداية كما المصباح ينور المساجد التي يقصدها المؤمنين. فهل هو مثال صعب لا يمكن لأحمد القبانجي ان يعرفه ويستوعبه ؟!
نعود الى الآية الكريمة التي طعن بها احمد القبانجي وهي قوله تعالى: ((فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)) ، فيعترض على وصف انشقاق السماء ووصفها بانها تصبح وردة كالدهان فيقول: " انشقت السماء كالوردة وين التشبيه ، تشبيه السماء وانشقت السماء صارت كالوردة ، هل هذا تشبيه معقول هل هذا تشبيه بلاغي ، هذا وردة تشبه السموات المنشقة ، اي مثال بلاغي لا يستطيع البشر ان يأتوا بمثله شوف هاي المصيبة" ! بل المصيبة في الجهل المركب الذي يكتنف احمد القبانجي ، فعلماء البلاغة العربية يعرفون هذه التشبيهات البلاغية الواردة في هذه الآية الكريمة ويستشهدون عليها بكلام العرب بينما احمد القبانجي يفضح نفسه بأنه لا يعرف لغة العرب وبلاغتهم ولا يعرف اسلوبهم ولا فصاحتهم فكيف سمح لنفسه ان ينتقد آيات كريمة هي بلسان عربي مبين ثم يتطاول عليها ويصفها بالتهافت البلاغي ظلماً وعدواناً !! ما لا يعلمه احمد القبانجي ان العرب في الجاهلية كانت تصف لون السماء في مناسبات عدة ، وهذا عبد الله بن الحسين بن ناقيا (المتوفى سنة 485هـ) يقول في كتابه (الجمان في تشبيهات القرآن) ما نصّه: (تشبيه آخر من هذه السورة: ((فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ)) الانشقاق انفكاك ما كان على شدة الالتئام فالسماء تنشق وتصير حمراء كالوردة ثم تجري كالدهان وقيل قوله: ((فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ)) أي كلون فرس ورد ، والكميت الورد يتلون فيكون لونه في الشتاء خلاف لونه في الصيف والدهان جمع دهن كقرط وقراط أي يتلون من الفزع الاكبر كما تتلون الدهان المختلفة ودليل قوله تعالى: ((يوم تكون السماء كالمهل)) أي كالزيت الذي قد أغلي وهم يذكرون تغير السماء في شدة الامر صعوبته وما يعهدونه من أحوالهم مثل الجدب والحرب ونحو ذلك مثله قال الشاعر:
ومحمرّة الاعطاف مغبرّة الحشا خفاف رواياها بطاء عهودها
يعني سنة مجدبة اقطار السماء بها محمرة والارض مغبرة ورواياها يعني سحابها والعهود أول المطر قال بعض العرب أيضاً يذكر سنة مجدبة:
وجاءتك يا لهف لا أرى فيه وقد سود الشمس فيه القمر
كأنَّ النجوم عيون الكلاب تنهض في الافق او تنحدر
أي قد حال الغبار دونها وكملت الوانها كما قال ذو الرمة:
وحيران ملتهج كأنَّ نجومه وراء القتام الاغبر الاعين الخُزرُ
تعسفتهُ بالركب حتى تكشفت عن الصهب والفتيان أوراقها الخضرُ
واما التقرير بالنعمة في قوله تعالى: ((فبأي آلاء ببكما تكذبان)) وليس في انشقاق السماء نعمة يقع التقرير بها وإنما التقرير وقع من جهة الزجر والتخويف بإنشقاق السماء فوق بالسبب وإنما يجب الزجر بالضرر المحض لا بما يقع فيه النفع ولكن بسبب النفع الذي هو الزجر به في دار الدنيا).
وقال بن منظور في (لسان العرب) ج31 ص162 : (وقال الفراء في قوله تعالى : فكانت وردة كالدهان ، قال : شبهها في اختلاف ألوانها بالدهن واختلاف ألوانه ، قال : ويقال الدهان الأديم الأحمر أي صارت حمراء كالأديم ، من قولهم فرس ورد ، والأنثى وردة ، قال رؤبة يصف شبابه وحمرة لونه فيما مضى من عمره : كغصن بان عوده سرعرع ، كأن وردا من دهان يمرع لوني ، ولو هبت عقيم تسفع . أي يكثر دهنه ، يقول : كأن لونه يعلى بالدهن لصفائه ، قال الأعشى : وأجرد من فحول الخيل طرف ، كأن على شواكله دهانا . وقال لبيد : وكل مدماة كميت ، كأنها سليم دهان في طراف مطنب . غيره : الدهان في القرآن الأديم الأحمر الصرف . وقال أبو إسحق في قوله تعالى : فكانت وردة كالدهان ، تتلون من الفزع الأكبر كما تتلون الدهان المختلفة ، ودليل ذلك قوله عز وجل : يوم تكون السماء كالمهل ، أي كالزيت الذي قد أغلي).
اذن هذا التعبير (وردة كالدهان) هو تعبير بليغ ومعروف معناه ومستعمل في لغة العرب في الجاهلية واعتراض احمد القبانجي عليه نابع من عدم معرفة بكلام العرب وجهل بفنون البلاغة.
ويقول الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تفسيره الامثل: (وعلى كلّ حال فإنّ هذه التشبيهات تجسّد لنا صورة من مشهد ذلك اليوم العظيم. حيث أنّ حقيقة الحوادث في ذلك اليوم ليس لها شبيه مع أيّة حوادث اُخرى من حوادث عالمنا هذا. فهذه المشاهد لا نستطيع إدراكها إلاّ إذا رأيناها. ولأنّ الإخبار بوقوع هذه الحوادث المرعبة في يوم القيامة ـ أو قبلها ـ تنبيه وإنذار للمؤمنين والمجرمين على السواء، ولطف من ألطاف الله سبحانه، يتكرّر هذا السؤال: ((فبأيّ آلاء ربّكما تكذّبان)) ).
ويعترض احمد القبانجي على قوله تعالى: ((يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)) ، فيقول: " يعرف المجرمون بسيماهم فياخذ ... هذا تهديد بالعذاب بعد ليش تقول فبأي آلاء ربكما تكذبان" ! واشرنا قبل قليل الى ان (التذكير بيوم القيامة هو لطف منه تعالى) كما في التفسير الامثل ، لأن التنبيه والانذار بوقوع هذه الحوادث وتذكير الانسان بها ليتجنبها هي من نعم الله سبحانه ولذلك قال تعالى بعد ذكرها: ((فبأيّ آلاء ربّكما تكذّبان)).
ونفس الامر ينطبق على اعتراض احمد القبانجي على ذكر نعيم الجنة والحور العين حيث قال: "ان الانسان لم يحصل على هذه النعم الى الان فكيف يمن بها عليه ويقول فبأي آلاء ربكما تكذبان" ! واعتراضه هذا مردود لما اسلفناه من ان التذكير بهذه النعم الالهية هو بحد ذاته نعمة ليرغب اليه الانسان ويترك معصية رب العزة تعالى عما يصفون.
ويعترض احمد القبانجي على قوله تعالى: ((حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الخِيَامِ ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)) ، ويقول: " حور مقصورات في الخيام ، الان منو يتمنى عندة مرة بالخيمة ، اكو الفيلات اكو القصور ، جاي تمن عليه بالجنة اكو خيام" ! وهو من جهله بلغة العرب ظن ان مفردة الخيمة العامية التي نستعملها اليوم هي نفس المفردة القرآنية بينما القرآن الكريم نزل بلسان عربي فصيح. فالخيمة هي بيت مصنوع من الاشجار وليس من القماش كما توهم.
ـ قال الجوهري في الصحاح ج5 ص1916: (الخيمة : بيت تبنيه العرب من عيدان الشجر ، والجمع خيمات).
ـ وقال ابن منظور في لسان العرب ج21 ص193: (الخيمة : بيت من بيوت الأعراب مستدير يبنيه الأعراب من عيدان الشجر ، قال الشاعر : أو مرخة خيمت (قوله أو مرخة خيمت كذا بالأصل ، والشطرة موجودة بتمامها في التهذيب وهي : أو مرخة خيمت في أصلها البقر ) . وقيل : وهي ثلاثة أعواد أو أربعة يلقى عليها الثمام ويستظل بها في الحر ، والجمع خيمات وخيام وخيم وخيم ، وقيل : الخيم أعواد تنصب في القيظ ، وتجعل لها عوارض ، وتظلل بالشجر فتكون أبرد من الأخبية... وقيل : الخيم ما يبنى من الشجر والسعف ، يستظل به الرجل إذا أورد إبله الماء . وخيمه أي جعله كالخيمة . والخيمة عند العرب : البيت والمنزل ، وسميت خيمة لأن صاحبها يتخذها كالمنزل الأصلي . ابن الأعرابي : الخيمة لا تكون إلا من أربعة أعواد ثم تسقف بالثمام ولا تكون من ثياب ، قال : وأما المظلة فمن الثياب وغيرها ، ويقال : مظلة . قال ابن بري : الذي حكاه الجوهري من أن الخيمة بيت تبنيه الأعراب من عيدان الشجر هو قول الأصمعي ، وهو أنه كان يذهب إلى أن الخيمة إنما تكون من شجر ، فإن كانت من غير شجر فهي بيت ، وغيره يذهب إلى أن الخيمة تكون من الخرق المعمولة بالأطناب) ، والثمام هو الشجر ، والاطناب هو عروق الشجر.
ـ وقال محمد بن عبد القادر الرازي في مختار الصحاح: (ي م الخيمة بيت تبنيه الاعراب من عيدان الشجر والجمع خيمات وخيم).
ـ وقال الفيروز آبادي في القاموس المحيط ج4 ص110: (الخيمة : أكمة فوق أبانين وكل بيت مستدير أو ثلاثة أعواد أو أربعة يلقى عليها الثمام ويستظل بها في الحر أو كل بيت يبنى من عيدان الشجر).
ـ وقال الشيخ الطريحي في مجمع البحرين: ج1 ص722: (والخيم بحذف الهاء لغة . والجمع خيام كسهم وسهام . قال ابن الاعرابي - نقلا عنه - : لا تكون الخيمة عند العرب من ثياب بل من أربعة أعواد ثم تسقف).
بينما مصطلح (الخيمة) العامي يسمى في الفصيح (الخباء) ، قال ابن الاثير في (النهاية في غريب الحديث) ج2 ص9: (الخباء : أحد بيوت العرب من وبر أو صوف ، ولا يكون من شعر . ويكون على عمودين أو ثلاثة . والجمع أخبية). وقال ابن منظور في لسان العرب ج41 ص223: (خبا : الخباء من الأبنية : واحد الأخبية ، وهو ما كان من وبر أو صوف ولا يكون من شعر ، وهو على عمودين أو ثلاثة ، وما فوق ذلك فهو بيت . وقال ابن الأعرابي : الخباء من شعر أو صوف ، وهو دون المظلة).
اذن قوله تعالى: ((حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الخِيَامِ)) ، يعني حور في الخيام وهي بيوت واماكن مصنوعة من الشجر ، ويمكن تقريبها بأنها كالخيام المصنوعة من الشجر والنباتات في الاماكن السياحية في مختلف دول العالم. ولا يخفى ان خيام الجنة ليست كخيام الارض. فما ا روعها من صورة ذهنية شاعرية بليغة هذه الموصوفة في هذه الآية الكريمة.

ويعترض احمد القبانجي على قوله تعالى: ((لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَانٌّ)) ، فيقول: " باكرات لم يطمثهن انس افتهمنة ، الجن شلون ، هو صايرة بالدنيا رجال من الجن يواقعون نساء الانس. ما عدنة رجال جن يواقعوهن ، مسوي منية في الجنة ان رجال الجن لم يطمثوهن خو الان في الدنيا ايضا لا يقربوهن " ! وما لم يلتفت اليه احمد القبانجي ان الجن هم مخلوقات مادية لأنهم مخلوقين من مارج من نار فهم ليسوا كالملائكة ، فلا مانع من ان يتمكن الجن من مواقعة الانسيات والجنيات من مواقعة الرجال في الدنيا ولا يمكن لأحمد القبانجي ان ينكر شيء لمجرد انه لا يعرفه. غاية ما في الامر انه امر غير شائع بين الناس وهناك حوادث فردية هنا او هناك لا ترقى لمرتبة الدليل ولا يمكن الاستشهاد اليها كأمر يقيني ، ولكن اليقين ان القرآن الكريم يخبرنا ان الحور لم يطمثهن الجان مما يعني انهم يمكن ان يطمثوا غيرهن.
وعالم الجن وعلاقتهم بالانس هو من الامور التي يكتنفها الكثير من الغموض ، وبخصوص علاقة اناث الجن برجال الجن والعكس هناك قصص وتجارب يرويها بعض من خبروا هذا الامر وخاضوا تجارب معهم يمكن تلخيصه في اطارين:
ـ يمكن للجن ان يواقع المراة الانسية من خلال التلبس بجسد الرجل الانسي الذي يواقعها.
ـ يمكن للجن ان ياتي المراة في المنام فتحلم المراة برجل يواقعها وفي الحقيقة يكون الجن هو الذي يفعل ذلك وهي لا تعلم.
وهذه الحالات كلها وغيرها ان وجدت لا تتعرض لها الحور في الجنة ، ولذلك اخبر الله سبحانه بان الحور العين ((لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَانٌّ)).

 

*****

 يوجه احمد القبانجي سهام الطعن والحقد على القرآن الكريم وبالتحديد على قوله تعالى في سورة الاحزاب: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أَجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً)).
وملخص طعنه ان النبي يعرف ان ازواجه حلال عليه فكيف يخبر بذلك القرآن الكريم ، كما ان اي انسان بالاضافة الى النبي يعرف ان بنات عمه وبنات عماته وبنات خاله وبنات خالاته هن حلال عليه ويجوز له الزواج منهن ، فكيف يذكر القرآن هذه الامور الواضحة ويزعم المسلمون ان القرآن بليغ وان لا احد يمكنه الاتيان بمثله ! هذا هو ملخص طعنه !!
ومن الواضح أنَّ احمد القبانجي يستخف بذهنية المتلقي لمحاضراته اذ انه يلقي شبهات في امور هي من الواضحات ، فهذه الآية المباركة تبين سبعة اصناف من النساء اللواتي يجوز للنبي صلى الله عليه وآله الزواج منهن ، قال السيد الطباطبائي في الميزان: (قوله تعالى : ( يا أيها النبي انا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن ) إلى آخر الاية ، يذكر سبحانه لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم بالاحلال سبعة أصناف من النساء).
وقوله تعالى: ((وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ)) ، والذي استخف به احمد القبانجي بقوله ان كل مسلم يعرف ان بنات عمه وعماته وخاله وخالاته حلال فلا فائدة من ذكرها ولا بلاغة فيها بحسب زعمه !! وهو اذ يذكر هذه الشبهة فانما استند فيها الى بتر النص حيث انه لم يذكر النص كاملاً وهو قوله تعالى: ((وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ)) حيث بيَّن الله سبحانه ان ذكر بنات العم والعمة والخال والخالة هو بقصرهم على شرط الهجرة اي ان يكن مهاجرات فيصبحن مؤهلات ليكن زوجات للنبي صلى الله عليه وآله ، اما غير المهاجرات من بنات عمه وعماته فلا يحق له الزواج بهن وان كان هذا الامر حلالاً لبقية المسلمين.
واستهزا احمد القبانجي بقوله تعالى: ((قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ)) نتيجة جهله بمعنى هذه الآية المباركة ومقاصدها وما تضمنته من بلاغة ، فيقول ان اي انسان يعلم ما يفرض فأين البلاغة ! فهو يجهل ان معنى الاية الكريمة هو ان الله سبحانه عندما احل الاصناف السبعة المذكورة للنبي صلى الله عليه وآله واباح له نكاح نسائه وقد بلغن تسعة نساء في رواية فإنَّ الله سبحانه يؤكد انه يعلم انه فرض خلاف هذا على بقية المسلمين اي حصر عدد زوجاتهم الدائميات على اربع فقط. وتعبير(قد علمنا) هو تعبير شائع في لغة العرب ويستعملونه في لغتهم ولكن احمد القبانجي اما انه لا يعلم ذلك او انه لا يريد ان يعلمه فهو انما يفسر القرآن برأيه فهلك واهلك من يتبعونه في افكاره الضالة.
قال السيد الطباطبائي في تفسير الميزان: (قوله بعده : ( قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم ) تقرير لحكم الاختصاص . وقوله : ( لكيلا يكون عليك حرج ) تعليل لقوله في صدر الاية : ( انا أحللنا لك ) أو لما في ذيلها من حكم الاختصاص والاول أظهر وقد ختمت الاية بالمغفرة والرحمة).
وقال ابن جرير الطبري في جامع البيان: (قوله : قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم يقول تعالى ذكره : قد علمنا ما فرضنا على المؤمنين في أزواجهم إذا أرادوا نكاحهن مما لم نفرضه عليك ، وما خصصناهم به من الحكم في ذلك دونك).
وقال النحاس في معاني القرآن: (وقوله جل وعز قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم أي قد علمنا ما في ذلك من الصلاح وهذه كلمة مستعملة يقال أنا أعلم مالك في ذا وروى زياد بن عبد الله عن أبي بن كعب في قوله تعالى قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم قال مثنى وثلاث ورباع).
وعمد احمد القبانجي الى ممارسة دور محامي الشيطان حينما انبرى فجأة ليدافع عن مسيلمة الكذاب ومن المعلوم ان المسلمين يروون ان مسيلمة جاء بكلام متهافت ليعارض به القرآن الكريم مثل قوله: (الفيل ما الفيل له ذنب طويل) الخ !! فانبرى احمد القبانجي ليدافع عن مسيلمة وينكر ان مسيلمة قال كلاماً متهافتاً وأن الكلام المنسوب اليه انما نسبه المسلمون له ولم يقله !! ولم يذكر احمد القبانجي اي دليل يسند كلامه انما هي رغبات شيطانية في تشويه تاريخ االقرآن الكريم والتاريخ الاسلامي عموماً والحقائق المتعلقة به.

وانتقل احمد القبانجي الى مهاجمة آية قرآنية كريمة اخرى هي قوله تعالى في سورة النور: ((لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المَرِيضِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تعْقِلُونَ)).
واهم اعتراضات احمد القبانجي عليها يتلخص في التكرار لذكر الاقارب (اخوانكم واخواتكم واعمامكم وعماتكم) الخ وقال لماذا لم يذكر كلمة اقربائكم بدلاً من هذا التعداد !! كما اعترض على ان ليس كل من يعطي مفتاحه لشخص آخر يرتضي ان ياكل من بيته !! واعترض على ان يقوم الله سبحانه بتحية الانسان فقال بلهجته العامية: (هسة آني دا اسلم عليكم ، جا الله شو دخله ، الله همات يشاركك بالسلام والتحية) ، وكما يرى القاريء فإنَّ عموم اعتراضات وانتقادات احمد القبانجي لآيات القرآن الكريم هي اعتراضات وانتقادات غير مؤدبة وغير علمية ، واستغرب ان البعض ينخدع بكلامه ممن يحسبون انفسهم مثقفين ، ينخدعون بهذا الاسلوب المتهافت والضحل.
افلا يعقل احمد القبانجي ان كلمة الاقارب اذا ذكرت مجردة قد تشمل جميع الارحام ولا يقتصر امرها على العم والخال والعمة والخالة بل يمتد الى اولاد العم واولادهم والى اولاد الخال واولادهم واولاد العمة واولادهم واولاد الخالة واولادهم وارحام آخرين وهم خارج مطلب الآية الكريمة ومقاصدها. كما ان السيد الطباطبائي يقول ان معنى كلمة مفاتحه اي مخازنه فيكون مقصد الاية الكريمة هو اعطاء مفتاح مخزن الطعام.
ومن اجل معرفة تفسير الاية الكريمة نورد ما جاء بصددها في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي رضوان الله عليه حيث قال: (قوله تعالى : " ليس على الاعمى حرج ولا على الاعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم - إلى قوله - أو صديقكم " ظاهر الآية أن فيها جعل حق للمؤمنين أن يأكلوا من بيوت قراباتهم أو التي ائتمنوا عليها أو بيوت أصدقائهم فهم مأذونون في أن يأكلوا منها بمقدار حاجتهم من غير إسراف وإفساد . فقوله : " ليس على الاعمى حرج - إلى قوله - ولا على أنفسكم " في عطف " على أنفسكم " على ما تقدمه دلالة على أن عد المذكورين ليس لاختصاص الحق بهم بل لكونهم أرباب عاهات يشكل عليهم أن يكتسبوا الرزق بعمل أنفسهم أحيانا وإلا فلا فرق بين الاعمى والاعرج والمريض وغيرهم في ذلك . وقوله : " من بيوتكم أو بيوت آبائكم " الخ ، في عد " بيوتكم " مع بيوت الاقرباء وغيرهم إشارة إلى نفي الفرق في هذا الدين المبني على كون المؤمنين بعضهم أولياء بعض بين بيوتهم أنفسهم وبيوت أقربائهم وما ملكوا مفاتحه وبيوت أصدقائهم . على أن " بيوتكم " يشمل بيت الابن والزوج كما وردت به الرواية ، وقوله : " أو ما ملكتم مفاتحه " المفاتح جمع مفتح وهو المخزن ، والمعنى : أو البيت الذي ملكتم أي تسلطتم على مخازنه التي فيها الرزق كما يكون الرجل قيما على بيت أو وكيلا أو سلم إليه مفتاحه . وقوله : " أو صديقكم " معطوف على ما تقدمه بتقدير بيت على ما يعلم من سياقه ، والتقدير أو بيت صديقكم . قوله تعالى : " ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا " الاشتات جمع شت وهو مصدر بمعنى التفرق استعمل بمعنى المتفرق مبالغة ثم جمع أو صفة بمعنى المتفرق كالحق ، والمعنى : لا إثم عليكم إن تأكلوا مجتمعين وبعضكم مع بعض أو متفرقين ، والآية عامة وإن كان نزولها لسبب خاص كما روي . وللمفسرين في هذا الفصل من الآية وفي الفصل الذي قبلها اختلافات شديدة رأينا الصفح عن إيرادها والغور في البحث عنها أولى ، وما أوردناه من المعنى في الفصلين هو الذي يعطيه سياقهما . قوله تعالى : " فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة " الخ ، لما تقدم ذكر البيوت فرع عليه ذكر أدب الدخول فيها فقال : " فإذا دخلتم بيوتا " . فقوله : " فسلموا على أنفسكم " المراد فسلموا على من كان فيها من أهلها وقد بدل من قوله : " على أنفسكم " للدلالة على أن بعضهم من بعض فإن الجميع إنسان وقد خلقهم الله من ذكر وأنثى على أنهم مؤمنون والايمان يجمعهم ويوحدهم أقوى من الرحم وأي شئ آخر . وليس ببعيد أن يكون المراد بقوله : " فسلموا على أنفسكم " أن يسلم الداخل على أهل البيت ويرد السلام عليه . وقوله : " تحية من عند الله مباركة طيبة " أي حال كون السلام تحية من عند الله شرعها الله وأنزل حكمها ليحيي بها المسلمون وهو مبارك ذو خير كثير باق وطيب يلائم النفس فإن حقيقة هذه التحية بسط الامن والسلامة على المسلم عليه وهو أطيب أمر يشترك فيه المجتمعان . ثم ختم سبحانه الآية بقوله : " كذلك يبين الله لكم الآيات " وقد مر تفسيره " لعلكم تعقلون " أي تعلموا معالم دينكم فتعملوا بها كما قيل).
وكما يظهر من تفسير هذه الآية القرآنية فان احمد القبانجي نتيجة ضعف لغته وعلميته ببلاغة العرب حاول ان يفتري على الآية الكريمة وينسب لها معاني غير موجودة فيها.

ثم ينتقل احمد القبانجي للمزيد من شططه فيقول انه يثبت للقرآن معجزة ولكن ليست هذه المعجزات التي يقولها المسلمون كالمعجزة البلاغية والعلمية والتشريعية والاخبار بالمغيبات فهو ينكر ذلك ويقول ان للقرآن معجزة وجدانية ومعنى قوله بالمعجزة الوجدانية ان وجدان النبي صلى الله عليه وآله هو الذي ابتدع القرآن وانه لا علاقة للقرآن بالوحي ولا هو كلام الله سبحانه ، وان المعجزة في القرآن تكمن في كيفية ترقي وجدان النبي ليختلق مثل هذا الكلام المعجز ، فالمعجزة الوجدانية في حقيقتها طعن في النبوة واتهام للنبي صلى الله عليه وآله بانه افترى القرآن الكريم ونسبه لله سبحانه !! واحمد القبانجي يحاول تغليف هذا المعنى وتزويقه لكي لا يثير مشاعر الناس بحديثه المباشر ضد نبيهم بهذه الصراحة الشديدة ، ولذلك عمد الى اختلاق فكرة ان الوجدان هو اله صغير وانه مرتبط بالله سبحانه كما ترتبط اشعة الشمس بالشمس ورغم ما في هذا التعبير من تهافت وقياس باطل فهو يبرر وجود اله صغير متأنسن ـ على حد تعبيره ـ بانه ليس اله في عرض الله بل في طوله !!! ناسياً ان المشركين ايضاً كانوا يعبدون الاصنام لتكون الهةً في طول الله تعالى وليس في عرضه فقالوا كما وصفهم بذلك الله سبحانه في القرآن الكريم في سورة الزمر: ((أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ)).
والوجدان الذي ينادي احمد القبانجي به ويعتبره الهاً في داخل كل انسان لم يبين معناه حيث لم يرد في لغة العرب مصطلح اسمه الوجدان والعرب لا يعرفون الوجدان الا كمصدر للفعل وجد ، واما استعماله الاصطلاحي لوصف شيءٍ ما داخل الانسان فلم يرد في لغة العرب وكلامهم ابداً والظاهر انه كلمة عامية وجدت طريقها الى ذهن احمد القبانجي ليستعملها ويخترع منها الهاً دون ان ينتبه الى عاميتها !!
وحينما طالبنا احمد القبانجي ان يثبت وجود الوجدان المزعوم الهه الذي يعبده وهو الذي يبشر بان القرآن هو كلام الوجدان وليس كلام الله سبحانه !!! هو نفسه لم يتمكن ان يثبته واكتفى بالقول: (من لا يوجد في قلبه وجدان فمن المحال ان نثبت له وجود الوجدان). عجيب امره فهو يعجز ان يعرّفنا معنى الوجدان الذي يقصده ويعجز عن اثبات وجود الوجدان بالمعنى الذي يقصده ثم يطلب من الناس الايمان الاعمى بالوجدان ، يطلب الايمان بالمجهول !! يطلب من الناس الايمان بشيء لا يعرفونه ولسان حاله: من لا يؤمن بهذا المجهول فلا يمكن ان نثبته له !! اذن ما هو دور العقل في كل هذا ، كيف اصبح العقل جامداً فجأة عند احمد القبانجي وليس له دور في اثبات الوجدان الهه الصغير الذي يعبده !؟
وإضافة الى ضحالة فكرة "الوجدان - الاله" التي لا تصمد امام النقد نجد ان احمد القبانجي بدا متناقضاً في عرضه لها ، ففي بداية عرضه لفكرته هذه في ما اسماه الاعجاز الوجداني قال بأن نهج البلاغة وان كان ابلغ من القرآن الا ان من يقرأه يجد انه كلام الامام علي وليس كالقرآن الذي يتسم بان صفة الخطاب فيه هي صفة العلو لأنها نابعة من الاله الصغير في داخل الانسان والذي يسمى الوجدان !!؟ بينما نهج البلاغة هو كلام انسان !!
فلماذا لم ينطق وجدان الامام علي بنهج البلاغة كما نطق وجدان النبي بالقرآن رغم انه يزعم ان لكل انسان اله صغير في داخله هو الوجدان !! لماذ نطق وجدان النبي وحده بالقرآن من دون العالمين !!؟ ولماذا يعجز وجدان البشرية كلها متفرقة او مجتمعة على ان ينطقوا بمثل القرآن الذي نطق به وجدان النبي محمد صلى الله عليه وآله !!؟ اليس يكشف هذا كله عن ضحالة فكرة الوجدان وضحالة فكرة أنَّ القرآن هو من وحي الوجدان ؟!
ومن جهة اخرى فإنَّ كلام احمد القبانجي هذا صريح في انه ينكر ان يكون القرآن وحياً من الله سبحانه وانه ليس كلام الله سبحانه ! اذن حينما تقول آيات القرآن الكريم انه كلام الله فمعنى ذلك ان احمد القبانجي يكذب النبي وحاشاه من الكذب ، لأن الله سبحانه يقول في القرآن الكريم انه هو الذي يوحي للنبي صلى الله عليه وآله كما في قوله تعالى في سورة الشورى: ((كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ)). الله العزيز الحكيم هو الذي اوحى للنبي صلى الله عليه وآله القرآن الكريم فيما احمد القبانجي يرفض هذا ويقول ان القرآن هو كلام الوجدان المزعوم !!؟
وهكذا يتبين لنا ان الوجدان هو شيء مجهول لا يمكن تعريفه ولا يمكن اثبات وجوده لا بالدليل العقلي ولا بالدليل النقلي. الوجدان مجرد وهم وسراب يلهث وراءه من فقد طريق الحق والصواب.

*****

يستمر احمد القبانجي في سلسلة طعنه في آيات القرآن الكريم بلا علم ، فينتقد قوله تعالى: ((ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا العِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ)) ، فيقول ان الآية الكريمة ليس فيها اعجاز علمي لأن النساء عندما يصبن بإسقاط الجنين يتبين شكل الجنين في المراحل المختلفة التي ذكرها القرآن وهي العلقة والمضغة والعظام ، وزعم ان قوله تعالى ((فَكَسَوْنَا العِظَامَ لَحْماً)) ليس فيه اعجاز بل هو امر خاطيء لأن اللحم ينبت قبل العظام !!!
فأما قوله بأن النساء كن في الجاهلية يسمين السقط بأسماء متعددة تبعاً لحاله وشكله فيسمين العلقة والمضغة فهو كلام يفتقر للدليل حيث لم يرد الينا اي نص جاهلي يدل على ان النساء كن يعرفن هذه التسميات ، وهذه المصطلحات (العلقة والمضغة) التي اطلقها القرآن الكريم فيما يبدو ولم يكن لاهل الجاهلية معرفة بهذه المعلومات العلمية ومراحل تطور الجنين التي ذكرها في آياته الشريفة. بل وحتى في زماننا هذا والازمنة المتصلة قبله لم يعرف الموروث الثقافي والاجتماعي ان تطلق النساء اسماء العلقة والمضغة على الجنين السقط.
واما ما زعمه احمد القبانجي بان الايات الكريمة تبين خطا القرآن وانها ضد القول بانه معجزة علمية لأن اللحم يكون قبل العظام وليس بعده بخلاف ما مذكور في القرآن ، فهو يبين شدة جهله بعلم الاجنة وعدم اطلاعه على مراحل تكوين الجنين. وننصح احمد القبانجي بان يرجع للمصادر الطبية التي تجمع بان العظام تنبت قبل اللحم والعضلات ، وهذا موريس بوكاي الطبيب الفرنسي الذي اعلن اسلامه بعد تعمق ودراسة لهذا الدين العظيم يقر في كتابه (دراسة الكتب المقدسة) بإعجاز هذه الاية القرآنية الكريمة.
وقد أُلقِيَت هذه الآيات العظيمة في مؤتمر الإعجاز الطبي السابع للقرآن الكريم عام 1982 وكانت سبباً في اعلان العالم التايلاندي (تاجاس) المتخصص بعلم الأجنة اسلامه ، كما حضر المؤتمر البروفيسور الشهير ( كيث مور) و هو أستاذ كبير في الجامعات الأميركية و الكندية ومؤلف كتاب (أطوار خلق الإنسان The Developing Human) ، وقال في ذلك المؤتمر: (لقد اسعدني جدا ان اشارك في توضيح هذه الايات والاحاديث التي تتحدث عن الخلق في القرآن الكريم والحديث الشريف ، ويتضح لي ان هذه الادلة حتماً جاءت لمحمد بن عبد الله من عند الله لأن كل هذه المعلومات لم تكتشف الا حديثاً وبعد قرون عدة وهذا يثبت لي ان محمداً رسول الله).

فاحمد القبانجي الذي يستهزيء بهذه الايات العظيمة لجهله المفرط بحقائق تكوين الجنين اثبت جلياً قيمة الاختصاص في الحياة لأن الانسان المختص بمجال معين يدرك ويحيط عادة بمجال اختصاصه ولذلك يكون مفيداً للآخرين الذين يقصدونه للعون والمعرفة في مجال اختصاصه ، بينما نجد أن احمد القبانجي قد اخفق اخفاقاً فاحشاً في تقييم هذه الآيات الكريمة واستهزأ بها لأنها ليست من اخصاصه وايضاً هو لم يرجع لذوي الاختصاص ليسألهم ويستشيرهم ، بينما نجد انَّ ذوي الاختصاص انبهروا بها وآمنوا بها لأنهم يعلمون صدقها وصدق من جاء بها قبل اكثر من 1400 سنة في عصر جاهلي مليء بالجهل والتخلف والانغلاق.

ومن نفس المنطلق نقول إنَّ الفقه هو مجال علمي تخصصي لا يحسن اي انسان ان يخوض فيه وان من يخوض فيه بغير علم ودراسة وتخصص سوف يسيء اليه ويسيء فيه. وهكذا يتضح خطأ اولئك الذين يستهزؤون بقيمة رجل الدين ويحرضون الناس على عدم الرجوع للعلماء وعدم اخذ الفقه والاحكام الشرعية منهم.

*****

يتحدث احمد القبانجي عن التخصص وصف نفسه بأنه متخصص ، يقول: (انا رجل دين مهمتي اطرح الدين بشكل معقول ومفيد) ، ويضيف: (الان الفكر الديني مضر وغير عقلاني) ! ومعنى اعترافه بالتخصص يقود الى الاعتراف بحاجة الناس الى الفقهاء باعتبار الفقه علم تخصصي لا يصح ان يتدخل به اي انسان الا من تخصص في دراسة العلوم الفقهية. ورغم انه يعترف بالتخصص الا انه يناقض كلامه هذا عملياً لأنه يتكلم بالبلاغة العربية وهو غير متخصص بالعلوم البلاغية كما انه يتحدث في التفسير وهو غير متخصص بالتفسير ! وحتى الهرمنيوطيقا التي يمكن ان تستعمل لفهم النصوص غير الالهية فهي تخصص لا يتمكن كل انسان من فهمها وفهم متطلباتها لغرض اعمالها في النصوص الشعرية والنثرية لأن ما تنتجه من فهم يختلف من شخص لآخر وفقاً لذهنية الشخص.
ومن الجدير بالذكر ان زعم احمد القبانجي ان الفكر الديني غير مفيد انما يعكس محاولته تجيير بعض السلوكيات العنفية المرفوضة التي تقوم بها بعض الفرق كالوهابية وتنظيم القاعدة لمصلحة تشويه الاسلام بقوله ان الاسلام هو هذا الارهاب وان الاسلام هو رفض الاخر وان الاسلام بصيغته هذه لا يصلح لزماننا ، وهو بذلك يخلط بين العقيدة والسلوك فيحاول ضرب العقيدة من خلال السلوك الخاطيء لبعض المنتسبين للاسلام وهو اسلوب غير منصف كما انه بذلك يهمل اهمية الدين في تنظيم العلاقات الاجتماعية والبناء الروحي والاخلاقي للانسان وهي اهمية كبرى لا يصح غض النظر عنها من قبل اي انسان منصف.
وبعد ان وجد احمد القبانجي نفسه محاصراً بقضية مجهولية الوجدان وسرابيته وانه يروّج لتعبير غارق في الوهم ، حاول ان يجد تطبيقاً يستدل به على صحة وجود الوجدان الالهي بعد ان عجز عن الاتيان بدليل يثبت به وجوده بعد ان زعم انه داخل كل انسان وان لكل انسان وجدانه فيكون عالمنا مليء بالالهة التي يتحتم على كل انسان ان يطيع من يخصه منها (وجدانه الاله !) راسماً بذلك اجواء قريبة من اجواء الاساطير اليونانية في محاولة منه لاخراج مفهوم الوجدان الالهي مما يحيطه من وهم حاول ان يأتي بمثال ليستدل من خلاله على تثبيت فكرة الوجدان الالهي دون جدوى ! فقال ان اعلان حقوق الانسان هو نموذج لنتاجات الوجدان الالهي وهي نتاجات مقبولة من جميع الناس والشعوب رغم انها لم تنطلق من الاديان بل من الوجدان ، وهنا يقع احمد القبانجي في اخطاء عديدة ، وتناقضات كبيرة ، فما هو سبب تخلف الوجدان كل تلك القرون الكثيرة من المسيرة البشرية دون ان يتوصل الى اقناع البشر باعلان حقوق الانسان الا بعد آلاف السنين !! كما انه على احمد القبانجي ان يفسر للناس كيف قبل الوجدان الامريكي ان يضرب قنبلتين نوويتين ويبيد آلاف البشر ويشوه آلاف اخرى في نفس فترة اعلان حقوق الانسان !! وعلى احمد القبانجي ان يوضح للناس كيف قبل الوجدان الامريكي ان يسلب ارض ووطن شعب (فلسطين) ويعطيهما لشعب آخر في نفس وقت اصدار اعلان حقوق الانسان !! اي وجدان هذا الذي يتحدث عنه في ظل غياب الضمير العالمي المتفرج على الظلم احياناً والداعم له احياناً اخرى !! ولماذا لا يُخضِع احمد القبانجي الاعلانَ العالمي لحقوق الانسان لقواعد الهرمنيوطيقا لكي يتمكن من فهمه بصورة معاصرة بعيداً عن تعقيدات الماضي وظروف صدوره !
ومن الجدير بالذكر ان طريقة كتابة الاعلان العالمي لحقوق الانسان واللجنة التي انبثقت بعد مقترح الرئيس البنمي ريكاردو الفارو صاحب تقديم مقترح ايجاد لائحة حقوق الانسان والذي قدمه الى الامم المتحدة سنة 1945م وانبثقت عنه لجنة متخصصة لدراسته وكتابته ، توضح ان الاساس في كتابته هو اساس فلسفي وليس اساس "وجداني الهي" موهوم كما ظن احمد القبانجي ، حيث انقسمت الآراء حينئذٍ في كتابة الاعلان بين مؤيد لكتابته وفق فلسفة الحقوق الطبيعية وبين مؤيد لكتابته وفق المبادئ الكونفوشية. ومن جهة اخرى نجد ان الاعلان العالمي لحقوق الانسان غفل عن قضايا كثيرة مما جعل الامم المتحدة تلجأ بعد سنوات كثيرة الى ابرام وثائق حقوقية اخرى مكملة له وهذا يعني انه لو كان اعلان حقوق الانسان مستند الى ركيزة "وجدانية الهية" كما يدعي احمد القبانجي فهو يكشف عن ان "الوجدان الالهي" لا يصلح لأن يكون المستند القانوني لتشريع القوانين بسبب عدم قدرته على ابرام القوانين التامة والكاملة والشاملة مما يضطر الناس لتشريع المزيد من القوانين بعد تفاقم المشكلات نتيجة ضعف الوجدان في تغطية كل احتياجات البشر !!! وايضا هو يكشف عن ان "الوجدان الالهي" المزعوم لا يصلح لأن يكون معيارا للبشر في جميع الازمنة اذ ان لكل زمان "وجدانه الالهي" المزعوم والذي سيتغير بعد فترة من الزمن نتيجة التطور الحاصل ! وبالتالي فما هي الفائدة من الارتكاز الى "الوجدان الالهي" وهو لا يحل المشاكل الانسانية بل يزيدها نتيجة الصراع الذي سيظهر بين القوانين الوجدانية القديمة والحديثة وبين انصار كل فريق منها !! وظهور الحاجة الى قراءة القوانين الوجدانية قراءة وفق علم الهرمنيوطيقا !!
ثم ما هو الحد في التمييز بين القوانين التي توضع بدافع "وجداني الهي" وتلك التي توضع بدافع انتفاعي لصالح ثلة من الناس اذ ان الجميع يمكن ان يزعم وجدانية قوانينه !! وحيث ان احمد القبانجي عجز عن وضع ضابط لتمييز نتاج "الوجدان الالهي" المزعوم عن نتاج هوى النفس ورغباتها فحينئذٍ سوف ينقلب الامر الى صراع ليس له ضابط يحكمه فتسود الفوضى في كافة مفاصل الحياة !
وحينما يزعم احمد القبانجي ان "الوجدان الالهي" مختلف بين الناس قوة وضعفاً فمعنى ذلك انه حينما تكون المباديء العامة لأعلان حقوق الانسان مقبولة بصورة عامة من البشر جميعهم فهو مؤشر على ان مقبوليته تعود لمرتكزات اخرى غير "الوجدان الاله" المزعوم !!
كما ان احمد القبانجي يقول بأن كل انسان يجب ان يعمل بوجدان نفسه وعليه فلا سلطة لوجدان على آخر وسيؤدي سيادة الفكر الوجداني الى انتشار الفوضى بين الناس بسبب غياب مفهوم الوجدان واختلاف الناس فيه واختلاف الناس في مستواهم الوجداني وعدم تمييزهم بين الوجدان ورغبات النفس والاهواء والشهوات ويستند كل ذلك الى غياب مرجعية وجدانية يعود الناس اليها في اختلافاتهم وسينقلب الامر الى فوضى وجدانية يترتب عليها احداث فوضى اخلاقية عارمة !! وهذا يدل على ان الفكر الوجداني هو فكر فوضوي منقلب على الحياة والمدنية.
ويقول احمد القبانجي ان اليابانيين اصبحوا افضل منا لأنهم اعتمدوا على وجدانهم الالهي بينما الوجدان عند المسلمين ضعيف وربما ميت بسبب الشريعة ! وهذا الكلام فيه مغالطات عديدة لأن نظرته الى الواقع انتقائية ومشوشة ، فبماذا اصبح اليابانيون افضل ؟! هل يقصد تقدمهم العلمي فهذا ليس مقياس المفاضلة بين الامم ، وان كان بالتقدم المدني فهو ليس مقياس لصحة العقيدة ، وقد كان زمان فيه الحضارة الاسلامية متقدمة على اوربا وعلى غيرها من الحضارات ، فهل يمكن ان يخبرنا احمد القبانجي اين كان وجدان اليابانيين مختفياً حينذاك ام اين كان مختفياً قبل هزيمتهم في الحرب العالمية الثانية حيث لم يكونوا معروفين لا بتقدم علمي ولا بتقدم مدني وعمراني ! واين كان مختفياً ايام غزوهم للصين واقترافهم الجرائم التي يندى لها جبين الانسانية من مذابح وقتل جماعي لآلاف الصينيين المدنيين وشنهم الهجمات الجرثومية ضد المدنيين الصينيين المسالمين !!
ونتيجة لتهافت بدعة "الوجدان الاله" وعدم وجود اي ملامح حقيقية ملموسة لها ولا اي دليل او برهان على وجوده بالمفهوم الذي ابتدعه احمد القبانجي نجد انه اخذ يستعير بعض القضايا العقلية وينسبها للوجدان للتغطية على الضعف في فكرة "الوجدان الاله" الخاوية ، فنسب ان قبح الظلم وحسن العدل وقبح الخيانة هي قضايا وجدانية بينما هي في حقيقتها احكام عقلية وقد اخذت هذه القضايا مساحة واسعة في الفكر العقائدي عند المسلمين عبر التاريخ ولحد الآن.
وتحدث احمد القبانجي عن المخيلة وقال انها ليست امراً سيئا او مرفوضاً انما هناك قضايا مخيلة مضرة بحسب تعبيره ذكر منها الارهاب وبناء المساجد والحسينيات ويفترض ان الافضل بناء المدارس والمستشفيات !! وكلامه هذا عجيب يكشف عن انتقائية عقيمة حيث ان بناء المساجد والحسينيات يتم عادةً من قبل اشخاص متبرعين باموالهم الخاصة فهي قضية تدخل ضمن الحريات الشخصية ورغم ان احمد القبانجي يزعم انه ليبرالي وان الفكر الليبرالي يدافع عن الحريات الشخصية نجده هنا يتدخل في احد امور القضايا الشخصية وهي حرية تصرف الانسان بماله الخاص فيحاول منع الناس من بناء المساجد والحسينيات باموالهم الخاصة وهذا تناقض خطير. فليس من حق احمد القبانجي ولا غيره ان يحاسب الناس على بناء المساجد والحسينيات. كما ان ذريعة صرف الاموال على الفقراء والمدارس والمستشفيات ليست مبرراً كافياً للحد من حرية الناس في التصرف بأموالهم مع العلم ان مساعدة الفقراء وبناء المستشفيات هي مسؤولية الدولة بالدرجة الاولى ولا يمكن اجبار شخص على بناء مستشفى مجانية او مساعدة الفقراء !! ومن الملاحظ انه لم يعترض على بناء الكنائس وانما اقتصر فقط على بناء المساجد والحسينيات ! وكلامه هذا يكشف عن نوايا فرض دكتاتورية ليبرالية من نوع جديد !؟
وحاول احمد القبانجي ان يذكر فكرة ظن انها تدعم موقفه العدائي ضد الاسلام فقال انه يطرح نظرية وعلماء الاسلام يطرحون نظرية فاي النظريتين هي التي تحل اكثر اشكالات هي التي ستكون النظرية المقبولة !! وذكر مثالاً لذلك ان انيشتاين جاء بنظرية حلت الكثير من الاشكالات التي لم تجد قوانين نيوتن لها حلاً !! ومثاله هذا هو ضمن سلسة اخطاء التي يرتكبها نتيجة تدخله في قضايا ليست من اختصاصه وعزوفه عن الرجوع لأهل الاختصاص ليبينوا له حقيقة وقواعد الامور التي يريد تناولها ، وهو يرتكب هذا الخطأ في غالبية القضايا التي يتناولها في التفسير والبلاغة وغيرها ، حيث لا يرجع لفنون التفسير ولا الى المفسرين المختصين بالتفسير ولا الى المختصين بالبلاغة العربية بل يصدر احكاماً من عند نفسه بدون الاستناد الى اسس صحيحة فيرتكب المزيد من الاخطاء بصورة مستمرة.
وفي الحقيقة فان النظريتين النسبيتين الخاصة والعامة لأينشتاين تتناول مواضيع تختلف عن المواضيع التي تناولتها قوانين نيوتن الثلاثة ، ولا يصح القول ان اينشتاين نقض قوانين نيوتن او انه جاء بحلول لقضايا لم تحلها قوانين نيوتن بل علمياً نجد ان نيوتن جاء بقوانين علمية معترف بها لا تقبل الخطأ ولذلك اطلقوا عليها اسم (قانون) بينما اينشتاين جاء بـ (نظرية) صحت جوانب منها وما زالت بعض جوانبها تحت اطار البحث العلمي والاخذ والرد ، ولذلك لم يقل احد من العلماء ان اينشتاين جاء بقوانين.
ومن جهة اخرى فإن اينشتانين ونظريتيه لم تاتيان من فراغ بل هما امتداد لبحوث علمية ونظريات سبقته ، والعلوم تتطور وتنمو بصورة عامودية وليست افقية اي ان كل عالم ياتي بنظرية مستند الى نظريات اخرى سبقتها او قوانين رياضية اكتشفها ووضعها علماء آخرون ، وهكذا تتطور العلوم ونظريتا اينشتاين هما في نفس هذا السياق ولذلك يقول علماء الفيزياء ان اينشتاين استند في نظريتيه النسبيتين الى معادلات لورنتز وهو من علماء الفيزياء المعاصرين له والمتوفى سنة 1928م ، (توفي اينشتاين سنة 1955م).
نعم ان قوانين نيوتن جاءت بامور محددة ولذلك فهي لم تستطع ان تفسر حركة الاجسام التي تسير بسرع كبيرة لأن هذا ليس المجال الذي تناولته. واينشتاين نفسه لم يقل اني جئتكم بتفسير لكل قوانين الفيزياء ولم يقل انه نقض قوانين نيوتن او وجد حلولاً لمشاكل اوجدتها قوانين نيوتن ! فهو لا يقول مثل هذا الكلام الساذج وغير العلمي ! اذن لقوانين نيوتن مساحتها التي تصلح لها ، ولنظريتا اينشتاين مساحتاهما اللتان تصلحان لها.
اما احمد القبانجي فيزعم نتيجة نظرته المشار المنوه عنها آنفاً غير التخصصية لقضايا الحياة انه جاء بحلول لمشاكل نتجت بسبب الدين الاسلامي الخاتم ! وهو من خلال نظره القاصر يزعم ان ما جاء به من نظرية فوضوية فانه بذلك يقدم حلولاً لمشاكل الحياة اكثر مما يقدمه الاسلام العظيم !! وزعم ان العلم بين ان الجبال ليست اوتاد !! ولا ندري اي علم هذا الذي يتحدث عنه ؟! ما لا يعرفه احمد القبانجي ان العلم الحديث وفي القرن العشرين الميلادي اكتشف ان الجبال لها امتدادات داخل الارض بحوالي 5و4 اضعاف طولها فوق سطح الارض ، فهي فعلاً كالاوتاد التي تغرز غالبيتها تحت سطح الارض. ولكن كما هو معتاد نجد ان احمد القبانجي لم يرجع للمصادر العلمية وانما اراد معارضة القرآن الكريم باسلوب الانكار فقط وهو اسلوب غير علمي حيث لا يقيم دليلاً على كلامه انما مجرد الانكار فهو لم يأتِ بدليل على ان العلم توصل الى ان الجبال ليست اوتاد بل فقط انكر ذلك !! وبكل تاكيد هو لا يتمكن من الاتيان بدليل علمي على ادعائاته لأن العلم يناقض افكاره ويتفق مع القرآن الكريم.
ايضاً هو انكر ان تكون هناك سبع سموات متجاهلاً ان العلم الحديث بكل تطوره لم يأتِ باي شيء يمكن ان يعارض فكرة وجود سبع سموات ، كما ان العلوم ما زالت في طور التطور والاكتشاف ولا يمكن الجزم بانه لن يظهر اكتشاف يؤيد وجود سبع سموات. اذن من المجازفة انكار وجود سبع سموات بدون دليل لأن هذا الاسلوب يكشف عن ذهنية مرتبكة وبعيدة عن الاستدلالات المنطقية والعقلية والعلمية.
وتطرق احمد القبانجي لعذاب قوم النبي صالح (عليه السلام) بعدما عقروا الناقة وقال انه من الظلم ابادة النساء والاطفال بهذه الطريقة !! ويبدو ان احمد القبانجي لم يكون فكرة صحيحة عن هذه الحادثة ومجرياتها ! حيث قال تعالى في سورة الاسراء: (( وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً )) ، حيث ارسل الله سبحانه نبيه صالح (عليه السلام) الى قبيلته ثمود لينذرهم فكذّبَ قومُه وطلبوا منه آية ، قال تعالى في سورة الشعراء: ((مَا أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ، قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ، وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ ، فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ )). فخلق الله سبحانه الناقة بصورة اعجازية اذعن لها قوم صالح كلهم ، وفرض الله سبحانه عليهم ان لها يوم ولهم يوم في الحصول على الماء من مصدره ، وامرهم ان يتركوها تاكل من البراري وان لا يمسوها بسوء ، قال تعالى في سورة الاعراف: ((وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) ، فأبلغهم الله سبحانه من خلال نبيه الكريم (عليه السلام) بأن مس الناقة بسوء سيجلب عليهم العذاب الاليم ، ورغم الاعجاز في خلق الناقة ويقينهم انها آية من آيات الله عزَّ وجل ومع ذلك فقد تجرأوا على الله سبحانه فأنكروا نعمته وعقروا الناقة ، فجحدوا نعمة الله سبحانه التي انعمها عليهم والتي بينها بقوله تعالى في سورة الشعراء: ((أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ ، فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ، وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ ، وَتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ )) ، ومع ذلك لم يكن كل قوم النبي صالح (عليه السلام) كافرين وجاحدين بل كان منهم المؤمنين ، يتبين ذلك من قوله تعالى في سورة الاعراف : ((قَالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ ، قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنتُم بِهِ كَافِرُونَ )) ، وقوله تعالى في سورة هود: ((فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ القَوِيُّ العَزِيزُ ، وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ )) ، فالآيات الكريمة تبين وجود مؤمنين مع النبي صالح (عليه السلام) لم يمسهم العذاب ، بل ان الآية الكريمة المذكورة في سورة هود تؤكد ان العذاب مس الذين ظلموا ولم تذكر انه عذاب جماعي لجميع قوم النبي صالح (عليه السلام) فقال تعالى: ((وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ)).
اذن يتبيـن من كـل ما سبـق الملحوظـات التاليـة بخصـوص قصـة النبـي صالـح عليـه السـلام:
ـ القرآن الكريم يبين ان العذاب نال الظالمين من قوم النبي صالح عليه السلام
ـ لو فرضنا ان العذاب نال الظالمين وعوائلهم من اطفال ونساء فذلك نظير ان يقبض الله سبحانه ارواح الناس ، فالله سبحانه لم يعطِ ضماناً لأحد انه لن يميته طفلاً او لن يميت النساء بل كل من عليها فان فالانسان يمكن ان يموت في اي لحظة سواء الرجل او المراة او الشيخ او الطفل ، الكل خاضع لقانون واحد ، ولا فرق في ذلك بين ان يكون موتهم فردياً او جماعياً ، بسبب جسدي كالمرض او حواث او نتيجة كوارث طبيعية او عذاب الهي. فلا يوجد مانع عقلي من ان يموت مجموعة من الاطفال بصورة جماعية او اطفال ونساء مجتمعين ، فما وجه الغرابة في ذلك والحوادث تحصل في اغلب الايام بذلك وفيها حوادث موت جماعي. فإنْ قال قائل وما ذنبهم وهم لم يرتكبوا جريرة فنقول لهم ان الموضوع ليس موضوع ذنب او جريرة بل هم في حالتهم هذه خاضعون لسنة كونية وهي الموت فجأة لأي سبب خارجي ، لأن نفس السؤال يتوجه لحوادث الموت الجماعي مثل حوادث السيارات او القطارات او الزلازل والبراكين. فلا ظلم في ذلك لأن الله سبحانه لم يعد احد من البشر ضامناً له ان ابنه لن يموت الا بعد عمر معين.
وبما ان احمد القبانجي يزعم انه ياتي بنظرية في مقابل النظرية الاسلامية ، وان الناس سيرون اي النظريتين تحل مشاكل اكثر نظريته ام النظرية الاسلامية ، نجد ان النظرية الاسلامية معروفة في مبانيها ومعطياتها ، فعقائد الاسلام مبنية على الادلة العقلية والنقلية الصحيحة ، والفقه الاسلامي ينظر الى كل جوانب الحياة وينظمها ، والاخلاق الاسلامية تبني الفرد والمجتمع وتنظم العلاقة بين الانسان واخيه الانسان وبين الانسان ومجتمعه كما انها تنمي العلاقة بين الانسان وخالقه على نحو صحيح ، فالاخلاق الاسلامية تنشر الفضيلة والحب بين الناس ، فالاسلام دين لكل الحياة فهو يبنيها على اساس توحيدي صحيح.
اما االافكار التي جاء بها احمد القبانجي فابرز سماتها:
1. أنها أفكارغير واضحة المفاهيم ، فهو اتى بمفهوم غريب للـ "وجدان الاله" لم يعرفه المسلمون ، وجعله معصوماً ومنتجاً للقرآن وله قدرة على الايحاء للانسان ولا يمكن للانسان ان يفهمه بصورة تامة دائماً !! فلم يوضح فائدة وجود "الوجدان الاله" المنقطع عن الاتصال بالانسان !!
2. أنها أفكار بعيدة عن البديهية ومخالفة له ، حيث انه يزعم بديهية معرفة الناس للـ "وجدان الاله" !؟
3. أنها أفكار لا تجد لها قبول من الناحية العلمية.
4. أنها أفكار لا تجد لها قبول من الناحية المنطقية.
5. أنها أفكار خالية من اي اسس عقائدية او عبادية.
6. أنها أفكار خالية من الاسس الاخلاقية.
7. أنها أفكار تعتمد الفوضوية بين الناس فعلى كل انسان ان يعمل بوجدانه الشخصي. ونحن نعرف ان ضمائر الناس مختلفة كما بينا آنفاً مما يعني ان اسس حياتهم ستعمها الفوضى.
8. أنها أفكار تهيء لدكتاتورية "العرفانيين الجدد" ن حيث يسمي نفسه بانه يؤسس لعرفانية جديدة ، ويزعم ان يسمع صوت الله في داخله افضل من الاخرين ، وبالتالي سيفرض على الناس وجدانه اذا سادت الناس فوضى العمل بالوجدانات الشخصية. وقد برز ذلك جلياً حينما ذكر منعه للناس من بناء المساجد والحسينيات والتي ذكرناها آنفاً ، فهو يحاول فرض رؤيته ووجدانه المزعوم على الناس لدرجة ان يسلبهم حرياتهم الشخصية التي تتشدق الليبرالية بالمحافظة عليها ! ونموذج آخر من نماذج تدخله بالحريات الشخصية هو منعه وجود المدارس غير المختلطة فهو يريد ان يتربى الاناث والذكور سوية في المدارس بمختلف فئاتهم العمرية !! وايضاً هو يمنع تدريس الدين في المدارس ، مع ان منع الاختلاط في المدارس بين الاناث والذكور هو بالاضافة الى ايجابياته التي اثبتت الدراسات الاجتماعية والنفسية الحديثة صحتها فهو قضية شخصية تتعلق بولي الامر ، وحتى قوانين حقوق الانسان العالمية اعطت للاب الحق في تربية ابنه في المدرسة التي يرى انها تلبي التربية الدينية وفقاً لقناعة آبائهم حيث تنص المادة (13-3) من (العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية) لذي تم توقيعه سنة 1966م على التالي: (تتعهد الدول الأطراف في هذا العهد باحترام حرية الأباء أو الأوصياء عند وجودهم، في اختيار مدارس لأولادهم غير المدارس الحكومية شريطة تقيد المدارس المختارة بمعايير التعليم الدنيا التي قد تفرضها أو تقرها الدولة وبتامين تربية أولئك الأولاد دينيا وخلقيا وفقا لقناعاتهم الخاصة). والمادة (5- 1 – ب) من (الاتفاقية الخاصة بمكافحة التمييز في مجال التعليم) والمعتمدة سنة 1960م تنص على : (من الضروري احترام حرية آباء التلاميذ أو أولياء أمورهم الشرعيين، أولا، في أن يختاروا لأبنائهم أية مؤسسات تعليمية غير تلك التي تقيمها السلطات العامة بشرط أن تفي تلك المؤسسات بالحد الأدنى من المستويات التعليمية التي تقررها أو تقرها السلطات المختصة، وثانيا في أن يكفلوا لأبنائهم، بطريقة تتفق والإجراءات المتبعة في الدولة لتطبيق تشريعاتها، التعليم الديني والأخلاقي وفقا لمعتقداتهم الخاصة. ولا يجوز إجبار أي شخص أو مجموعة من الأشخاص علي تلقي تعليم ديني لا يتفق ومعتقداتهم). بينما احمد القبانجي الذي يزعم ان قوانين حقوق الانسان هي قوانين وجدانية الا انه يخالفها كما بينا آنفاً رغم انه يزعم رفع شعار الوجدان !! وهذا ليس تناقضه الوحيد.
9. أنه يؤسس لنقض مفهوم خاتمية النبوة والرسالة ، وبالتالي يمكن ان يظهر انبياء ورسل كذابون كثيرون كل يدعي انه يعمل بوجدانه الالهي ويؤسس له الاتباع وينشر الفوضى والاختلاف والبلبلة والفتنة بين الناس.
10. تقول مجمل فكرة "الوجدان الاله" ان الله سبحانه خلق الخلق ثم تركهم عبثا بدون ان يرسل لهم الانبياء ، بل هم يتصلون بالله تعالى عن طريق "الوجدان الاله" الموجود داخلهم رغم انهم لا يفهمونه بصورة صحيحة دائماً !!
11. إنَّ أفكاره تنكر المعاد والحساب في اليوم الاخر وعلى ذلك فهي تشجع على الجريمة لأن الانسان الذي يقترف جريمة ويتمكن من الافلات من عقوبة القوانين الدنيوية فلن يحاسبه احد وسيفلت بفعلته تلك. فهي تشجع على الجريمة المبنية القائمة على الامل في الافلات من العقاب وهو حال جميع المجرمين عادةً !!وليست تغري على الجريمة فحسب بل تغري على الفساد الاخلاقي وشرب الخمر والزنى وادمان المخدرات والانتحار وامتهان الدعارة وزنى المحارم والسكن بلا زواج والشذوذ والتفكك العائلي والاجتماعي والتجارة بالرقيق الابيض ، فحيث لا حساب اخروي يصبح كل شيء مباحاً وممكناً !!!
12. إنَّ أفكاره تتضمن التمييز ضد فئة من المجتمع مع ان التمييز مرفوض وفق قوانين حقوق الانسان العالمية التي يزعم "وجدانيتها الالهية" ويزعم انه ينطلق من منطلقات "وجدانية الهية" ! فهو يستعمل التمييز ضد رجال الدين ويطالب بمنعهم من الدخول في البرلمانات والمؤسسات الحكومية والتنفيذية والقضائية ، مع انهم وفق ابسط وصف مواطنون لهم حق المساواة مع بقية المواطنين بالترشيح والانتخاب ! ونستغرب ان يروج احمد القبانجي لمنع رجال الدين من دخول البرلمان والترشح له رغم العلاقة الوثيقة التي تربطه بالسياسي العراقي اياد جمال الدين وهو مثله يرتدي زي رجال الدين وكانت له علاقات سابقة بالحوزات الدينية في النجف الاشرف وقم المقدسة !! وهما يعملان سوية على تأسيس تيار ليبرالي في العراق على حساب القيم والاخلاق الاصيلة المحافظة ! ومع ذلك نجد احمد القبانجي يحاول منع رجال الدين من الترشيح للبرلمان وانتخابه من قبل الناس وهو ما يفشل كل مساعي ومخططات زميله اياد جمال الدين !!
الم نقل انه فكر مضطرب ومتناقض في العديد من مفاصل اطروحته وافكاره الموهومة !؟

*****

اخيراً يعترف احمد القبانجي صراحةً وعلى الملأ انه ليس هناك اثبات منطقي لنظريته !! حيث قال ان نظريته وبقية النظريات لا يمكن اثباتها بالدليل المنطقي !! اذن هو يعترف ان نظريته لا يمكن اثباتها بالمنطق وهذا يفسر لماذا كان يتهرب دائما حينما نطلب منه ان يبين لنا دليله على وجود الوجدان ودليله على ارتباطه بالله سبحانه ودليله على ان الوجدان هو اله داخل الانسان ، كان يتهرب من كل ذلك وقد اتضح الان باعترافه ان نظريته الوجدانية لا يمكن اثباتها بالمنطق وهذا يعني انها نظرية غير عقلائية ، ومع ذلك يروج لنظريته غير المنطقية ويطلب من الناس الايمان بها !! فما اشد ما يذكرني موقفه هذا بموقف ابليس يوم القيامة الذي يحكيه لنا القرآن الكريم بقوله تعالى: ((وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) ، نعم احمد القبانجي ليس له سلطان ولا دليل وهو نفسه يعترف الان في الدنيا بان نظريته ليس لها اثبات منطقي فما حاله يوم القيامة الا ما يماثل ما ذكرناه في الآية المباركة !
وفي معرض مداخلة من احد الحضور حول الاعجاز الغيبي للقرآن الكريم ذكر ذلك الشخص ان من وجوه الاعجاز الغيبي للقرآن الكريم هو سورة المسد حينما اخبرت هذه السورة المباركة ان ابا لهب سيموت كافراً وسيعذب في جهنم في وقت كان يمكن بكل سهولة لأبي لهب ان يتظاهر بالاسلام ليبطل القرآن ويحاول زعزعة عقيدة المسلمين فيقول لهم هذا القرآن قال اني اموت كافراً وقد اسلمت... ، ولكن هذا لم يحصل لأن ما يقوله القرآن حق ويقيني التحقق وهو وجه من وجوه الاعجاز الغيبي له ، ولأن احمد القبانجي ينكر ويجحد اي وجه اعجازي للقرآن الكريم ، يجحده تعنتاً وبلا دليل فقد رد على هذه الحقيقة فانكر ان تكون سورة المسد نزلت في حياة ابي لهب وقال ان كلام المفسرين ليس بحجة لأنهم كتبوا تفاسيرهم بعد قرن او قرنين من نزول القرآن !! وهذا المسكين لا يعلم ان المسلمين متفقون على ان سورة المسد مكية لأنهم يعرفون انها نزلت في مكة قبل الهجرة وتوارثوا هذه المعلومات جيلا بعد آخر منذ بداية الاسلام وحتى الان ، عرفوا هذه الحقيقة ورووها قبل ان يكتب المفسرون تفاسيرهم ، توارثوها لأنها حقيقة ، اي انها فعلاً نزلت في مكة المكرمة قبل الهجرة وهم يعرفون ذلك جيداً.
حسنا لو افترضنا جدلاً ، وجدلاً فقط ، ان سورة المسد مدنية ، فهلا اخبرنا احمد القبانجي لماذا تتحدث السورة عن ابي لهب مع ان دوره قد ضعف في معارضة الاسلام بعد الهجرة المباركة ، وهو حتى لم يشارك في معركة بدر بل توفي بعدها. ولماذا لم تنزل السورة في مكة ايام ذروة عداء ومقاومة ابي لهب للاسلام ! لماذا تاخر نزولها كل تلك السنين لتنزل في وقت لم يكن لأبي لهب شأن يذكر سواء تبت يداه ام لم تتب !!؟ ألا تثير نظرية احمد القبانجي هذه اشكالات عديدة تخلو منها النظرية الاسلامية التي تثبت حقيقة نزولها قبل الهجرة.
بل لو كانت سورة المسد مدنية لظهرت اشكالات غير موجودة حالياً مثل التساؤل حول سبب النزول المفترض لهذه السورة في المدينة بعد ان ضعف دور ابي لهب في معاداة الاسلام ولم تنزل ايام قوة الدور المذكور في مكة وما هي فائدة ان تنزل سورة لتقول ان ابا لهب الكافر في النار لأننا نعرف ان جميع الكفار في النار ! اذن كل هذه الاشكالات بعيدة عن الواقع لأن سورة المسد مكية وفيها دليل اكيد على وجود الاعجاز الغيبي في القرآن الكريم.
اذن وبحسب مبدأ احمد القبانجي الذي ذكره في هذه المحاضرة وغيرها بقوله ان الناس سيختارون الاخذ بالنظرية التي تمتلك اقل اشكالات واكثر حلولاً ، اذن الناس يجب ان ياخذوا هنا بالنظرية الاسلامية لانها لا تثير اشكالات بخلاف نظرية احمد القبانجي التي تثير اشكالات ومواقف بعيدة عن المنطق !؟
وحاول احمد القبانجي ان يجد مبرراً لفكرة تنبوء القرآن بمصير ابي لهب وموته كافراً بعد ان رأى ان القول بمدنية سورة المسد لا يمكن قبوله تأريخياً ، فقال: (والانسان يعلم ان هتلر وصدام وستالين في جهنم لأنهم تمحضوا في الشر فنحن نفهم ذلك فكيف النبي لا يفهم ان هذا الانسان تمحض في الشر وانطفا نور الوجدان في قلبه فلا يهتدي ابداً) ، وكلامه هذا بعيد عن الصواب من جهتين ، الاولى ان احمد القبانجي يتصور انه لمجرد تمحض ابا لهب بالشر فهذا يعني امكانية ان نجزم بموته كافراً متناسياً انه في ذلك العصر وجدنا العديد من المتمحضين في الشر قد اسلموا ونزعوا قيود الشر من اعناقهم وتغيرت حياتهم سواء كان تغيرهم ظاهرياً كابي سفيان او حقيقياً كغيره من بعض الصحابة ، فذاك هو زمان النبوة ومعجزاته الخالدة التي اذعنت لها عقول الناس وغيرت حياة العديد من الاشرار ، فهذا عبد الله بن الزبعري الشاعر الذي كان يهجو النبي (صلى الله عليه وآله) اشد الهجو وقد تمحض في الشر هو الاخر حتى انه وصف شره وضراوة مخاصمته للاسلام بقوله مخاطباً النبي (صلى الله عليه وآله) – كما في سبل الهدى والرشاد للصالح الشامي ص251- : (لقد عاديتك واجلبت عليك وركبت الفرس والبعير ومشيت على قدمي في عداوتك ، ثم هربت منك الى نجران وانا اريد ان لا أقر بالاسلام أبداً ، ثم ازادني الله منه بخير والقاه في قلبي وحببه الي).
وبمراجعة قصة اسلام عمر بن الخطاب وما يروى من ان النبي (صلى الله عليه وآله) دعا الله سبحانه ان يهدي احد العمرين اما عمر بن الخطاب او عمرو بن هشام (ابو جهل) نستدل على انه في ذلك العصر كان من المعتاد ان يسلم العديد من المتمحضين بالشر ولذلك نجد ان ابا جهل كان يمكن ان يكون مسلماً ولا يمكن ان يقول احد حينذاك ان فلاناً قد تمحض في الشر فلا نرجو اسلامه بدليل ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يرجو اسلام عتاة المشركين ويدعوهم للاسلام ودعوته التي شملت ابي جهل مثال واضح على ذلك. فتسقط نظرية التمحض في الشر التي ذكرها احمد القبانجي والتي مثل لها بهتلر وستالين وصدام. فليس زمانهم مثل زمان النبوة ونورها ومعجزاتها الظاهرة.
والجهة الثانية نجد ان موقف ابي لهب يختلف عن موقف هتلر وستالين وصدام اللعين ، ولو تعرض هؤلاء لمواقف يجدون فيها مصلحتهم في اظهار غير ما يضمرون من شر مطبق في داخل نفوسهم لفعلوا ذلك بلا تردد ، فلسنا نتحدث عن تمحض بالشر بل نتحدث عن خداع جبابرة الكفار للآخرين والتظاهر لهم بمظهر يختلف عن حقيقته مثل امكانية ان يتظاهر ابي لهب بالاسلام لضرب القرآن والعقيدة الاسلامية مع استمرار محض الشر في داخله بل ان تمحض الشر هو من يدفعه لأعتناق الاسلام ، وهذا ما حدث مع ابي سفيان الذي تمحض في الشر هو الاخر ولكنه اعلن اسلامه مخادعة ، وكذلك نجد ان طاغية العراق قد تلبس بالدين واطلق ما اسماه بالحملة الايمانية في التسعينيات الماضية حينما وجد ان مصلحته ومصلحة بقاء واستمرار نظامه هو في التظاهر بالتدين ، مع استمراره في نفس نهجه الدموي وتمحضه في الشر.
اذن لم يكن موت ابي لهب على الكفر يقينياً لولا ان القرآن الكريم قد اخبر به. ومعلوم ان سورة المسد لم تتحدث عن ابي لهب وحده بل تحدثت عنه وعن زوجته ام جميل حمالة الحطب وقد مات كلاهما كافران فعلاً.
وليست قصة موتهما (ابي لهب وزوجته حمالة الحطب) كافرين هو الاعجاز الغيبي الوحيد في القرآن الكريم والمتحقق واقعاً في الدنيا ، بل إنَّ هناك معجزات غيبية عديدة مثل اخباره عن انتصار الروم على الفرس في بضع سنين اي بين الثلاث والتسع. والمعجزة القرآنية العظيمة التي أكدت على ان القرآن الكريم لن يقع فيه تحريف او تغيير وانه كتاب محفوظ. ورغم محاولات اعداء الاسلام محو القرآن وطمسه او طمس معالم بعض آياته الكريمة او تبديلها فان محاولاتهم جميعاً باءت بالفشل.
فالقرآن الكريم هو الكتاب الوحيد في العالم الذي تحدى الجميع بأن يأتوا بمثله ولم يتمكنوا من ذلك ، وهو الكتاب الوحيد الذي قال عن نفسه انه من عند الله سبحانه وان الله يحفظه من التبديل والتغيير ، وقد حدث ذلك فعلاً منذ 1400 سنة ولحد الان فهو محفوظ من التغيير والتبديل والضياع ، والذي لم يتمكن احد من فعله طيلة تلك القرون ولحد الان لن يتمكنوا من فعله الى الابد.
ثم عاد احمد القبانجي للتحدث عن مقارنة نظريته مع الـ "نظرية الاسلامية" على حد تعبيره وقال ان نظريته تتجاوز نظريات علماء الاسلام التي تقول ان الله عنده عرش ويد وعذب الرجال والنساء !! وقد تطرقنا في الحلقة السابقة الى اشكالية الموت الجماعي للنساء والاطفال والتي يسميها احمد القبانجي خطأً بالتعذيب ! وبينا انه امر مقبول من الناحية العقلية. ومن خلال مراجعة احصائيات الوفيات العالمية وجدنا انه خلال ثلاثة اشهر فقط ماضية من هذا العام (2011م) كان عدد الوفيات اكثر من خمسة عشر مليون انسان باسباب متعددة (صحية وحوادث) ، وأيضاً وجدنا ان اكثر من مليون انسان ماتوا خلال الشهور الثلاثة الماضية ـ منذ بداية السنة ـ بسبب الامراض المنتقلة من خلال الماء على سبيل المثال ! تصوروا هذا العدد الكبير من البشر يموتون بصورة طبيعية كأن تكون ازمات صحية او حوادث وغيرها. وسواء كان هذا العدد متفرقاً في جميع بقاع الارض كما هي حقيقته او في مكان واحد كالاوبئة مثلاً كما يمكن ان نفترض في حالات مشابهة لحالات الابادة الجماعية التي تكون انتقاماً من الله سبحانه للظالمين ، فالنتيجة واحدة وهي ان الوفيات الجماعية لا تتعارض مع مفهوم عدالة الله سبحانه.
اما اعتراض احمد القبانجي على وجود العرش فمبني على رفضه للتاويل حيث ذكر علماء المسلمين ومفسروهم استناداً الى ادلة معتبرة عندهم للعرش معاني عديدة كالعلم وغيرها ، لكن احمد القبانجي يرفض التاويل ويريد ان يفهم آيات القرآن وفق نظرية غربية اسمها (الهرمنيوطيقا) وهي نظرية لعلها تصلح لفهم بعض النصوص البشرية اما النصوص الالهية فلا تصلح للتطبيق عليها ، وهذه النظرية في فهم النصوص مبنية على الفهم المجرد للفظ بدون تاويله ووفقاً لفهم وذوق وثقافة من يقوم بعملية الفهم ، وهو امر متفاوت من شخص الى آخر ! وبالتالي سيظهر لنا لكل نص عدة تفسيرات هرمنيوطيقية تبعاً لتعدد ذهنيات واذواق وثقافة من يقومون بعملية الفهم المذكورة. علماً ان هذه النظرية لا تصلح لفهم آيات القرآن الكريم ، فالتاويل حقيقة اكيدة في القرآن الكريم ، وبعض آيات القرآن الكريم لا يمكن فهمها بدون تأويل اللفظ واعطائه معنى آخر غير ما يحمله من لفظ ، فمثلاً قوله تعالى في سورة الاسراء الآية 67: ((وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى البَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنسَانُ كَفُوراً إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى البَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنسَانُ كَفُوراًإِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى البَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنسَانُ كَفُوراًَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى البَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنسَانُ كَفُوراً)) ، هذه الآية المباركة لا يمكن تفسيرها وفهمها بدون تاويل لفظ ضلّ الى معنى التغييب والاخفاء ، ولا يمكن فهمها وفق منهج الهرمنيوطيقا !؟ وليست هي الآية الوحيدة التي لا يمكن فهمها بدون تاويلها. اذن وجود العرش وتاويل معناه هو امر مقبول في الفكر الاسلامي وفي الفكر الانساني.
ايضاً نجد ان الهرمنيوطيقا لا تصلح لفهم بعض النصوص البشرية ايضاً مثل قول الشاعر:
عيون المها بين الرصافة والجسر ... جلبن الهوى من حيث ادري ولا ادري
لأنه حسب هذه النظرية فان فهم احمد القبانجي لهذا الشعر سيحتم عليه ان يقول ان الشاعر يتغزل ببقرة كانت تعبر جسراً في بغداد !! لأنه يرفض التأويل ويريد الفهم وفق معنى اللفظ فقط !!
واضاف احمد القبانجي ان "الاله المطلق" غير متكلم اساساً !؟ واما صفات السميع والبصير كما في القرآن الكريم فيعترض احمد القبانجي عليها ويقول انها صفات انسانية وليست صفات الله !! فمن المؤكد ان الله سبحانه ليس بمتكلم اذا كان يقصد بالتكلم وجود اداة او آلة للتكلم كما في الانسان ، بل إنَّ عقيدتنا تقول ان الله سبحانه يخلق الكلام فهو متكلم بمعنى قدرته على ايجاد الكلام ، وهو متكلم بذاته وليس بامر خارج عنها.
اما بقية الصفات كالسميع والبصير التي زعم انها صفات انسانية فليس الامر كما توهم انما هي صفات يعرفها الانسان ويفهمها ويعرف معانيها ولكي يعرف الله سبحانه فلا بد ان يصفه بصفات يعرفها الذهن البشري وهذه القضية طبيعية ، ولكن المسلم حينما يستعمل صفة ما لوصف الله سبحانه فإنه يعطيها ابعاداً جديدة وهذا ما لم يلتفت اليه احمد القبانجي ، فحينما نقول ان الله سبحانه سميع فانما نقول انه سميع بذاته وليس بامر خارج عنها كما انه سميع منذ الازل بدون حاجة لوجود مخلوقات فهو سميع قبل الخلق وبعده. وكذلك فهو عليم بذاته وهو عليم قبل وجود الموجودات وليس كالانسان الذي لا يعلم الشيء الا بعد وجوده. كما ان الانسان لا يبصر الشيء الا بعد انعكاس الضوء عليه بينما الله سبحانه بصير منذ الازل وقبل ان يخلق الكون وقبل ان يخلق اي شيء. فلو كان القرآن صادراً عن ضمير الانسان او عن افكار انسانية لأعطى للصفات التي يصف بها الله سبحانه ابعاداً انسانية ولكن هذا لم يحصل بل ما حصل ان صفات الله سبحانه ذات ابعاد إلاهية رغم اشتراكها اللفظي مع صفات يوصف بها الانسان احياناً.
ومن المعلوم أنَّ هناك صفات لا يصح وصف احد بها الا الله سبحانه ، مثل صفة الرحمن ، فلا يقال لشخص مثلاً كن رحمن او انت رحمن بل يقال كن رحيم او انت رحيم ، لأن صفة (الرحمن) مختصة به سبحانه وهي بمعنى انه لا تنفك عنه الرحمة.
اذن لا بد للانسان من ان يستعمل كلمات مفهومة لذهنه لكي يتمكن من تداول المعارف !! وفي هذا الصدد يقول السيد عبد الله شبّر في كتابه (حق اليقين) في الفصل الثالث عن بيانه للصفات الثبوتية نقلا عن الشهيد الثاني (رحمه الله): (وعلى هذا فيمكن ان يقال يكفي في معرفة الله تعالى اعتقاد وجوب وجوده وقدرته وعلمه ، بل اعتقاد وجوب وجوده وبالجملة فالحق ان صفاته تعالى اعتبارات نحدثها عند عقولنا عند مقايسة ذاته تعالى الى غيرها ، ونظراً الى آثاره الصادرة عنه تعالى انه لما اوجد مقدوراً صادراً عنه تعالى اعتبر له قدرة كما في الشاهد ، وهكذا حيث وجد هناك معلوماً اعتبر له علم إلى غير ذلك وإلا فذاته المقدسة لا صفة لها زائدة عليها وإلا لزم كونها محلاً لغيره إنْ قامت به ، وقيام صفته بغيره إن لم تقم به ، وكلاهما بديهي البطلان وعدم قيامها بشيء بل بنفسها أظهر بطلاناً ، فالكل راجع الى كمال الذات المقدسة وغنائها ، لكن لما كانت عقول الخلق متفاوتة في الاستعداد حتى إنه تدرك كثرة عصمة من اطلعت على كثرة صفاته الجميلة كما هو الواقع في الشاهد لوحظت هذه الصفات والاعتبارات ليتوصل بها الخلق الى معرفة خالقهم على حسب استعدادهم ، ثم إنه قد ينكشف عليهم بسببها أنوار كبريائه عند الاحاطة بحقائقها وأنها ليست إلا اعتبارات فلا يجدون في الوجود إلا ذاتاً واحدة واجبة مقدسة كما اشار اليه امير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: (وتمام توحيده نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة انها غير الموصوف وبشهادة كل موصوف انه غير الصفة) وحينئذٍ فلا حرج في اختلاف العبارات في تعداد هذه الصفات فإن الغرض منها تقريب معرفة الواحد إلى افهام التوحيد).
اذن هي صفات ذات ابعاد الاهية تليق بكمال الله وجلاله وتفرده ، وقد تعارف الحكماء والفلاسفة والعقلاء على وصف الله تعالى بصفات تليق بمجده وعظمته. بينما نجد ان احمد القبانجي يخالفهم ولكنه نفسه قال في كلام له ان العرفان يسمون "الله المطلق" على حد تعبيره بأسم "هو" مع اننا نعلم ان (هو) ضمير يعود على العاقل ويستعمله البشر للاشلرة لبعضهم البعض على نحو التحدث عن الغائب ، بينما الله سبحانه حاضر في كل مكان !! اذن العرفاء عندما استعملوا هذا الضمير فقد العطوه ابعاداً جديدة غير بشرية.
اما احمد القبانجي فماذا فعل حينما اراد ان يصف الله سبحانه ؟! لقد تناقض في وصفه مع اعتراضه فاستعمل تعبير "الله المطلق" لوصف الله عزَّ وجل ، وهذا التعبير غامض ولا يلبي الحاجة لمعرفة الله تعالى بصورة مباشرة ، لأننا سنتسائل ما معنى كونه "مطلق" ؟ مطلق باي شيء ؟ فلن تكون امامه اجابة سوى انه مطلق في قدرته وعلمه ومغفرته وحلمه ورحمته ! اذن عاد احمد القبانجي الى استعمال الصفات البشرية التي اعترض عليها فوصف الله سبحانه بصورة غير مباشرة بانه قدير وعليم وغفور وحليم !!


ان محاضرة (نقد الاعجاز القرآني) تكشف بوضوح تهافت افكار احمد القبانجي وضعفها وانها لا تصمد امام النقد. واعجب ما في المحاضرة ما ذكرناه ان احمد القبانجي نفسه يقول ان نظريته التي يروّج لها لا يمكن اثباتها بصورة منطقية !!
 

 

 

الصفحة الرئيسية