بسم الله الرحمن الرحيم

 

نقد محاضرات احمد القبانجي

حول الهيرمنيوطيقا والالسنيات والتفسير الوجداني

 

نبيـل الكرخي

 قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ((قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى قَالُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ. قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ. وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ)). صدق الله العلي العظيم.
ثلاث محاضرات استهدف احمد القبانجي فيها اثارة التشكيكات في العقيدة الاسلامية عامة وفي التفاسير الاسلاميـة للقرآن الكريم خاصة وحاول عاجزاً ايجاد بديل للتفسيـر الاسلامـي للقرآن الكريم دون جدوى بل نجده قد وقع في المزيد من التناقضات.
ثلاث محاضرات حول الهيرمنيوطيقا والالسنيات والتفسير الوجداني عجز فيهن جميعاً ان يقدم بديلاً مقبولاً للتفسير المذكور ! بل لم يقدم فهماً صحيحاً لبعض هذه المصطلحات نفسها !! فوقع في تناقضات واخطاء عديدة ونسب لهذه العلوم ما ليس منها !!
 

معنى الهيرمنيوطيقا:
تعني كلمة الهرمينوطيقا l'herméneutiqe علم او فن التاويل واذا اردنا ان نستخدم عبارة ادق استناداً الى شلايرماخر Schleiermacher نجد انها تعني "فن امتلاك كل الشروط الضرورية للفهم" ويقول غادامير: (يعترف شلايرماخر بالهيرمينوطيقا على انها فن تفادي عدم الفهم. طبعاً لا يتعلق هنا الامر بوصف خاطيء تماماً للنشاط التأويلي: عزل او استبعاد ـ وفق تفكير منهجي ومحكم ـ ما هو غريب ويؤدي الى عدم الفهم والقادم من تخوم الزمن وتبدلات العادات الالسنية وتحول دلالة العبارات وانماط التفكير) .
ويعود استخدام هذا المصطلح للدلالة على هذا المعنى الى سنة 1654م . وهناك من يترجمها "علم التأويل" و"نظرية التاويل" و"التاويلية" و"نظرية التفسير" واخيراً تعريب نصر حامد ابو زيد الهيرمنيوطيقا . ويقول محمد شوقي الزين: (أننا ترجمنا كلمة (Herméneutique) بـ فن التأويل تمييزاً لها عن التأويل بمعنى (interprétation) والعلة في ذلك سنذكرها في معرض تحليلنا لهذه الكلمة. الملاحظ أن البعض يفضل تعريبها بـ علم التأويل ويفضل البعض الآخر تعريبها بـ هيرمينوطيقا لأنها أقرب إلى روح الكلمة نفسها مثلما نقول ميتافيزيقا وفينومينولوجيا وبيولوجيا…) .


معنى التأويل في الفكر الاسلامي:
اختلـف المفسرون المسلمون في معنـى التأويـل على اربعة معاني:
الاول: (فسر قوم من المفسرين التأويل بالتفسير وهو المراد من الكلام وإذ كان المراد من بعض الآيات معلوما بالضرورة كان المراد بالتأويل على هذا من قوله تعالى " وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله الآية هو المعنى المراد بالآية المتشابهة فلا طريق إلى العلم بالآيات المتشابهات على هذا القول لغير الله سبحانه أو لغيره وغير الراسخين في العلم) .
الثاني: (وقالت طائفة اخرى أن المراد بالتأويل هو المعنى المخالف لظاهر اللفظ وقد شاع هذا المعنى بحيث عاد اللفظ حقيقه ثانية فيه بعد ما كان بحسب اللفظ لمعنى مطلق الارجاع أو المرجع . وكيف كان فهذا المعنى هو الشائع عند المتأخرين كما أن المعنى الاول هو الذي كان شائعا بين قدماء المفسرين سواء فيه من كان يقول إن التأويل لا يعلمه إلا الله ومن كان يقول إن الراسخين في العلم أيضا يعلمونه كما نقل عن ابن عباس أنه كان يقول : أنا من الراسخين في العلم وأنا أعلم تأويله) .
الثالث: (وذهب طائفة اخرى إلى أن التأويل معنى من معاني الآية لا يعلمه إلا الله تعالى أو لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم مع عدم كونه خلاف ظاهر اللفظ فيرجع الامر إلى أن للآية المتشابهة معاني متعددة بعضها تحت بعض منها ما هو تحت اللفظ يناله جميع الافهام ومنها ما هو أبعد منه لا يناله إلا الله سبحانه أو هو تعالى والراسخون في العلم . وقد اختلفت أنظارهم في كيفية ارتباط هذه المعاني باللفظ فإن من المتيقن أنها من حيث كونها مرادة من اللفظ ليست في عرض واحد وإلا لزم استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد وهو غير جائز على ما بين في محله فهي لا محالة معان مترتبة في الطول فقيل إنها لوازم معنى اللفظ إلا أنها لوازم مترتبة بحيث يكون للفظ معني مطابقي وله لازم وللازمه لازم وهكذا وقيل إنها معان مترتبة بعضها على بعض ترتب الباطن على ظاهره فإرادة المعنى المعهود المألوف إرادة لمعنى اللفظ وإرادة لباطنه بعين إرادته نفسه كما أنك إذا قلت اسقني فلا تطلب بذاك إلا السقي وهو بعينه طلب للارواء وطلب لرفع الحاجة الوجودية وطلب للكمال الوجودي وليس هناك أربعة أوامر ومطالب بل الطلب الواحد المتعلق بالسقي متعلق بعينه بهذه الامور التى بعضها في باطن بعض والسقي مرتبط بها ومعتمد عليها) .
الرابع: (وهو أن التأويل ليس من قبيل المعاني المرادة باللفظ بل هو الامر العيني الذي يعتمد عليه الكلام فإن كان الكلام حكما إنشائيا كالامر والنهي فتأويله المصلحة التي توجب إنشاء الحكم وجعله وتشريعه فتأويل قوله أقيموا الصلاة مثلا هو الحالة النورانية الخارجية التي تقوم بنفس المصلي في الخارج فتنهاه عن الفحشاء والمنكر وإن كان الكلام خبريا فإن كان إخبارا عن الحوادث الماضية كان تأويله نفس الحادثة الواقعة في ظرف الماضي كالآيات المشتملة على أخبار الانبياء والامم الماضية فتأويلها نفس القضايا الواقعة في الماضي وإن كان إخبارا عن الحوادث والامور الحالية والمستقبلة فهو على قسمين فإما أن يكون المخبر به من الامور التي تناله الحواس أو تدركه العقول كان أيضا تأويله ما هو في الخارج من القضية الواقعة كقوله تعالى وفيكم سماعون لهم " التوبة - 47 وقوله تعالى " غلبت الروم في أدنى الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين " الروم - 4 وإن كان من الامور المستقبلة الغيبية التي لا تناله حواسنا الدنيوية ولا يدرك حقيقتها عقولنا كالامور المربوطة بيوم القيامة ووقت الساعة وحشر الاموات والجمع والسؤال والحساب وتطائر الكتب أو كان مما هو خارج من سنخ الزمان وإدراك العقول كحقيقة صفاته وأفعاله تعالى فتأويلها أيضا نفس حقائقها الخارجية . والفرق بين هذا القسم أعنى الآيات المبينة لحال صفات الله تعالى وأفعاله وما يلحق بها من أحوال يوم القيامة ونحوها وبين الاقسام الاخر أن الاقسام الاخر يمكن حصول العلم بتأويلها بخلاف هذا القسم فإنه لا يعلم حقيقة تأويله إلا الله تعالى نعم يمكن ان يناله الراسخون في العلم بتعليم الله تعالى بعض النيل على قدر ما تسعه عقولهم وأما حقيقة الامر الذي هو حق التأويل فهو مما استأثر الله سبحانه بعلمه . فهذا هو الذي يتحصل من مذاهبهم في معنى التأويل وهي أربعة) .
غير ان السيد الطباطبائي ذكر معنى آخر للتأويل فقال: (أن الحق في تفسير التأويل أنه الحقيقة الواقعية التي تستند إليها البيانات القرآنية من حكم أو موعظة أو حكمة وأنه موجود لجميع الآيات القرآنية محكمها ومتشابهها وأنه ليس من قبيل المفاهيم المدلول عليها بالالفاظ بل هي من الامور العينية المتعالية من أن يحيط بها شبكات الالفاظ وإنما قيدها الله سبحانه بقيد الالفاظ لتقريبها من أذهاننا بعض التقريب فهى كالامثال تضرب ليقرب بها المقاصد وتوضح بحسب ما يناسب فهم السامع كما قال تعالى " والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وإنه في ام الكتاب لدينا لعلى حكيم " الزخرف - 4 وفي القرآن تصريحات وتلويحات بهذا المعنى. على أنك قد عرفت فيما مر من البيان أن القرآن لم يستعمل لفظ التأويل في الموارد التي استعملها وهي ستة عشر موردا على ما عدت إلا في المعنى الذي ذكرناه) .
خطأ احمد القبانجي في رفض التأويل:
يتعلق علم الهيرمنيوطيقا بفهم النصوص البشرية الادبية وغيرها ، ورغم ان القرآن الكريم هو ليس نصاً بشرياً بل هو كلام الله سبحانه الا ان احمد القبانجي جحد ذلك وروّج لفهم آيات القرآن الكريم من خلال الهرمينوطيقا واعلن رفضه لكل تأويل مطلوب لفهم حقيقي للقرآن الكريم ! وقد سبق ان بيّنا ان التاويل الذي يقصده احمد القبانجي هو (المعنى المخالف لظاهر اللفظ). فهل الهيرمنيوطيقا غبية لكي ترفض أي تأويل !! فعلى سبيل المثال نقرأ قول الشاعر:
عيون المها بين الرصافة والجسر جلبن الهوى من حيث ادري ولا ادري
فهل يريد احمد القبانجي ان يلوي عنق الهيرمنيوطيقا لتفهم هذا البيت الشعري بأنه غزل بظبي او بقرة !!
ومثال آخر هو قوله تعالى: ((وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى البَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنسَانُ كَفُوراً)) فهذه الآية الكريمة لا يمكن فهمها الا اذا قلنا بان كلمة (ضل) تعني غاب وليس بمعنى الضلال ، وهذا ما يرفضه منهج احمد القبانجي !!
وفي الحقيقة فان الهيرمنيوطيقا لا تمنع التأويل كما يروّج احمد القبانجي لها بسبب فهمه الخاطيء لها ! فهذا غادامير يقول في كتابه (فلسفة التأويل): (نتحدث عن التأويل عندما لا يمكن فهم دلالة النص فوراً فالتأويل في هذه الحالة ضروري) . ويقول ايضاً: (التأويل كما نفهمه اليوم ينطبق ليس فقط على النصوص أو التراث الشفهي وإنما أيضاً على كل ما وصل الينا عبر التاريخ: لنتكلم مثلا عن تأويل حدث تاريخي او ايضاً عن تاويل العبارات الروحانية ، عبارات الهيئة ، تأويل سلوك معين ، الخ) . اذن هناك سوء فهم من قبل احمد القبانجي للهيرمنيوطيقا وان ما تحدث عنها في محاضرته هو فهم خاطيء لها يقود الى اشكالات حقيقية قد بيّنا بعضها بالامثلة آنفاً.
 

 

خطأ تفسير كلام الله سبحانه بالهيرمنيوطيقا:
قال السيد محمد حسين الطباطبائي في تفسير الميزان: (وبالجملة فالمتحصل من الروايات والآيات التي تؤيدها كقوله تعالى أ فلا يتدبرون القرآن الآية وقوله تعالى " الذين جعلوا القرآن عضين " الحجر - 91 وقوله تعالى " إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة" الآية ، حم السجدة - 40 وقوله تعالى " يحرفون الكلم عن مواضعه " النساء - 46 وقوله تعالى " ولا تقف ما ليس لك به علم " أسرى - 36 إلى غير ذلك أن النهى في الروايات إنما هو متوجه إلى الطريق وهو أن يسلك في تفسير كلامه تعالى الطريق المسلوك في تفسير كلام غيره من المخلوقين . وليس اختلاف كلامه تعالى مع كلام غيره في نحو استعمال الالفاظ وسرد الجمل وإعمال الصناعات اللفظية فإنما هو كلام عربي روعي فيه جميع ما يراعى في كلام عربي وقد قال تعالى " وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم " إبراهيم - 4 وقال تعالى " وهذا لسان عربي مبين " النحل - 103 وقال تعالى " إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون " الزخرف - 3 . وإنما الاختلاف من جهة المراد والمصداق الذي ينطبق عليه مفهوم الكلام .
توضيح ذلك : أنا من جهة تعلق وجودنا بالطبيعة الجسمانية وقطوننا المعجل في الدنيا المادية ألفنا من كل معنى مصداقه المادي واعتدنا بالاجسام والجسمانيات فإذا سمعنا كلام واحد من الناس الذين هم أمثالنا يحكي عن حال أمر من الامور وفهمنا منه معناه حملناه على ما هو المعهود عندنا من المصداق والنظام الحاكم فيه لعلمنا بأنه لا يعني إلا ذلك لكونه مثلنا لا يشعر إلا بذلك وعند ذلك يعود النظام الحاكم في المصداق يحكم في المفهوم فربما خصص به العام أو عمم به الخاص أو تصرف في المفهوم بأي تصرف آخر وهو الذي نسميه بتصرف القرائن العقلية غير اللفظية . مثال ذلك أنا إذا سمعنا عزيزا من أعزتنا ذا سؤدد وثروة يقول وإن من شئ إلا عندنا خزائنه وتعقلنا مفهوم الكلام ومعاني مفرداته حكمنا في مرحلة التطبيق على المصداق أن له أبنية محصورة حصينة تسع شيئا كثيرا من المظروفات فان الخزانة هكذا تتخذ إذا اتخذت وأن له فيها مقدارا وفرا من الذهب والفضة والورق والاثاث والزينه والسلاح فإن هذه الامور هي التى يمكن أن تخزن عندنا وتحفظ حفظا وأما الارض والسماء والبر والبحر والكوكب والانسان فهي وإن كانت أشياء لكنها لا تخزن ولا تتراكم ولذلك نحكم بأن المراد من الشئ بعض من أفراده غير المحصورة وكذا من الخزائن قليل من كثير فقد عاد النظام الموجود في المصداق وهو أن كثيرا من الاشياء لا يخزن وأن ما يختزن منها إنما يختزن في بناء حصين مأمون عن الغيلة والغارة أوجب تقييدا عجيبا في إطلاق مفهوم الشئ والخزائن . ثم إذا سمعنا الله تعالى ينزل على رسوله قوله " وإن من شئ إلا عندنا خزائنه " الحجر - 21 فإن لم يرق أذهاننا عن مستواها الساذج الاولي فسرنا كلامه بعين ما فسرنا به كلام الواحد من الناس مع أنه لا دليل لنا على ذلك البتة فهو تفسير بما نراه من غير علم . وإن رقت أذهاننا عن ذلك قليلا وأذعنا بأنه تعالى لا يخزن المال وخاصة إذا سمعناه تعالى يقول في ذيل الآية : وما ننزله إلا بقدر معلوم ويقول أيضا : " وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الارض بعد موتها " الجاثية - 5 ، حكمنا بأن المراد بالشئ الرزق من الخبز والماء وأن المراد بنزوله نزول المطر لانا لا نشعر بشئ ينزل من السماء غير المطر فاختزان كل شئ عند الله ثم نزوله بالقدر كناية عن اختزان المطر ونزوله لتهيئة المواد الغذائية وهذا أيضا تفسير بما نراه من غير علم إذ لا مستند له إلا أنا لا نعلم شيئا ينزل من السماء غير المطر والذي بأيدينا هيهنا عدم العلم دون العلم بالعدم . وإن تعالينا عن هذا المستوى أيضا واجتنبنا ما فيه من القول في القرآن بغير علم وأبقينا الكلام على إطلاقه التام وحكمنا أن قوله " وإن من شئ إلا عندنا خزائنه " يبين أمر الخلقة غير أنا لما كنا لا نشك في أن ما نجده من الاشياء المتجددة بالخلقة كالانسان والحيوان والنبات وغيرها لا تنزل من السماء وإنما تحدث حدوثا في الارض حكمنا بأن قوله : وإن من شئ إلا عندنا خزائنه ، كناية عن مطاوعة الاشياء في وجودها لارادة الله تعالى وأن الارادة بمنزلة مخزن يختزن فيه جميع الاشياء المخلوقة وإنما يخرج منه وينزل من عنده تعالى ما يتعلق به مشيته تعالى وهذا أيضا كما ترى تفسير للآية بما نراه من غير علم إذا لا مستند لنا فيه سوى أنا نجد الاشياء غير نازلة من عند الله بالمعنى الذي نعهده من النزول ولا علم لنا بغيره . وإذا تأملت ما وصفه الله تعالى في كتابه من أسماء ذاته وصفاته وأفعاله وملائكته وكتبه ورسله والقيامة وما يتعلق بها وحكم أحكامه وملاكاتها وتأملت ما نرومه في تفسيرها من إعمال القرائن العقلية وجدت أن ذلك كله من قبيل التفسير بالرأي من غير علم وتحريف لكلمه عن مواضعها ، وقد تقدم في الفصل الخامس من البحث في المحكم والمتشابه أن البيانات القرآنية بالنسبة إلى المعارف الالهية كالامثال أو هي أمثال بالنسبة إلى ممثلاتها وقد فرقت في الآيات المتفرقة وبينت ببيانات مختلفة ليتبين ببعض الآيات ما يمكن أن يختفي معناه في بعض ولذلك كان بعضها شاهدا على البعض والآية مفسره للآية ولولا ذلك لاختل أمر المعارف الالهية في حقائقها ولم يمكن التخلص في تفسير الآية من القول بغير علم على ما تقدم بيانه . ومن هنا يظهر أن التفسير بالرأي كما بيناه لا يخلو عن القول بغير علم كما يشير الحديث النبوي السابق : من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار) .
فيتبين لنا بوضوح ان كلام الله سبحانه في القرآن الكريم ليس ككلام البشر فلا يمكن تفسيره وفق قواعد الهيرمنيوطيقا ، وا ذا تمكن البعض من اعمال قواعد الهيرمنيوطيقا في الكتب المقدسة في الديانات الاخرى فذلك لا يعني ان ذلك يصلح ايضاً في القرآن الكريم لأن طبيعة تلك الكتب وكيفية كتابتها تختلف عن القرآن الكريم حيث لا يخفى علينا ان علماء اليهودية والمسيحية يقولون ان اسفار الكتب المقدسة انما كتبت من قبل اشخاص اقصى ما وصفوهم به هو انهم كتبوها بإلهام وذلك الالهام لا يعني ان يصبح ما كتبوه هو كلام الله تعالى بل يمكن ان يقال ان المعنى إلهي ـ بحسب عقيدتهم ـ ولكن اللفظ والسياق وتركيب الجمل وكيفية الوصول للمعنى كله بشري ، وهم يعترفون بأن لكل سفر اسلوبه في الكتابة من حيث الانشاء والبناء النثري المرتبط بالفترة التاريخية التي كتب بها والمجتمع الذي كان يعيشه الكاتب ، اما القرآن الكريم الذي نزل بفترة زمنية قصيرة وفي مجتمع واحد هو مجتمع شبه الجزيرة العربية فهو ليس من تأليف البشر بل هو كلام الله سبحانه الذي خلقه وانزله بواسطة جبريل الامين (عليه السلام) على رسوله الامين محمد (صلى الله عليه وآله) والذي بدوره اوصله وبلغه للبشر بدون اي تغيير فلم يكن يحق لرسول الله (صلى الله عليه وآله) اي اضافة او تغيير فيما يبلّغه من آيات القرآن ، وفي هذا الصدد يخبرنا الله سبحانه في القرآن الكريم قوله تعالى: ((وَلَوْ تَقَوّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقَاوِيلِ لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنكُمْ مّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ وَإِنّهُ لَتَذْكِرَةٌ لّلْمُتّقِينَ)) ، صدق الله العلي العظيم.
فلا يمكن ان يفسر القرآن الكريم وفق قواعد الهيرمنيوطيقا لمجرد ان ذلك امكن في الاسفار اليهودية او المسيحية. وما نقلناه عن السيد الطباطبائي (رضوان الله عليه) آنفاً لهو خير بيان في أمتناع التفسير الهيرمنيوطيقي للقرآن الكريم.

 

هل القرآن مجرّد حبر على ورق !؟
صرّح احمد القبانجي في محاضرته حول الهيرمنيوطيقا (الهيرمنيوتيكا) بفكرة خاطئة مفادها "ان القرآن اليوم فقط حبر وورق وان (القرآن صامت وبدون الانسان لا يساوي شيئاً)" !
ان ابرز ما يلفت النظر في كلامه هذا انه يسخف فكرة الكتابة ويستغني عن كل قيمتها العلمية والحضارية بخلاف علم الالسنيات الذي يعترف بأهمية الكتابة كما سنبينه بعد قليل ان شاء الله سبحانه والذي يعطي جانباً من الاهتمام والقيمة للكتابة باعتبارها الوسيلة التي تحفظ الالفاظ والمعاني.
ومن الناحية الحضارية نعرف جميعنا اهمية الكتابة في التطور الحضاري منذ ان ظهرت بصورة صورية تكتب على الواح الطين والى ان تطورت الى صورتها الرمزية واستخدام البردي والورق. وكيف ساهمت الكتابة في تطور الحضارة وتقدم الانسانية. فالكتابة ليست مجرد حبر على ورق كما توهم احمد القبانجي.

لقد غاب عن ذهن احمد القبانجي ان القرآن الكريم متواتر عند المسلمين في كل جيل منذ الجيل الاسلامي الاول والى يومنا هذا ، وذلك معناه ان المسلمين تداولوا القرآن الكريم بصورة واسعة ، حفظاً وتلاوة ، فالقرآن لم يكن في يوم من الايام فقط حبراً على ورق بل كان كلاماً متداولاً بين المسلمين بصورة متواترة حفظاً وكتابةً وتلاوةً ، آناء الليل واطراف النهار ، وعندما كانت آيات القرآن الكريم تكتب في الجيل الاول بدون نقاط كانت الآيات القرآنية تقرأ بنفس الصيغة التي تقرأ فيها بعد تنقيط الكلمات ، واستمرت تقرأ بنفس الطريقة بعد ان تم تشكيل الكلمات ووضع الحركات لها واستمرت تقرأ بنفس الطريقة حينما كان القرآن يكتب باليد وبنفس الطريقة حينما كتب بواسطة المطابع واستمر بنفس الطريقة في عصر الكمبيوتر. اذن القرآن ليس فقط حبر على ورق ينتظر من يقراه ليحييه كما يتوهم احمد القبانجي بل هو كلام الله سبحانه المقروء على ظهر الغيب وفي الصحف عبر الاجيال بلا توقف وبلا انقطاع لجيل او حتى لعقد من السنين او اقل من ذلك ولا ليوم واحد ايضاً بل هو تواتر مستمر في القراءة والكتابة عبر العصور.
ان فكرة ان يفقد الكلام قيمته بعد تدوينه تلك التي ذكرها احمد القبانجي لهي فكرة مثيرة للغثيان لأن تحول القرآن من آيات تقرأ شفاهاً الى آيات مكتوبة يجعلها فقط حبر على ورق عند احمد القبانجي وفي ذلك انتقاص لجميع الموروثات الادبية والتاريخية والعلمية لأن جميع ما يتم تدوينه من احداث وشعر ونثر وعلوم طبيعية وفلسفية وغيرها سيصبح فقط حبر على ورق ويفقد قيمته الحقيية بحسب تصور احمد القبانجي !!؟
وحول اهمية الكتابة في حفظ الالفاظ والمعاني يقول الشيخ محمد رضا المظفر (رحمه الله): (أن الألفاظ وحدها لا تكفي للقيام بحاجات الإنسان كلها، لأنها تختص بالمشافهين. أما الغائبون والذين سيوجدون، فلابد لهم من وسيلة أخرى لتفهيمهم، فالتجأ الإنسان أن يصنع النقوش الخطية لإحضار ألفاظه الدالة على المعاني، بدلاً من النطق بها، فكان الخط وجوداً للفظ. وقد سبق أن قلنا: أن اللفظ وجود للمعنى، فلذا نقول: «إن وجود الخط وجود للفظ ووجود للمعنى تبعاً». ولكنه وجود كتبي للفظ والمعنى، أي أن الموجود حقيقة هو الكتابة لا غير، وينسب الوجود إلى اللفظ والمعنى مجازاً بسبب الوضع، كما ينسب وجود اللفظ إلى المعنى مجازاً بسبب الوضع. إذن الكتابة تحضر الألفاظ، والألفاظ تحضر المعاني في الذهن، والمعاني الذهنية تدل على الموجودات الخارجية) . اذن الكتابة ليست حبراً على ورق بل هي رموز تحفظ الالفاظ والتي بدورها تحفظ المعاني ، ولذلك فالقرآن الكريم ليس حبراً على ورق حتى وإن لم يقرأه احد بل هو خزين لكلمات الله سبحانه ومعانيها.


اهمية الكتابة في علم الالسنيات:
يقول الدكتور مصطفى غلفان: (مرحلة الكتابة الصوتية وهي الكتابة التي نتعامل بها اليوم في جُل اللغات العالمية والتي تم فيها التحرر من النوعين السالفين من الكتابة.وتتميز الكتابة الصوتية باقتصادها في عدد الوحدات الصوتية والصرفية والاىستقلالية في الوظيفة التركيبية والدلالية عكس ما كان متداولاً في الكتابة التركيبية والكتابة التحليلية. وتُعَدّ الكتابة الصوتية مرحلة حاسمة في تطور الفكر البشري نظراً الى ما كان لها من اثر ايجابي في نقل التراث الانساني من المحلية الى الانسانية كما يشهد على ذلك انتقال التراث الهندي واليوناني والعربي الاسلامي خارج حدود المناطق التي ظهر فيها هذا التراث. وقد كان للكتابة اثر ايجابي في الدرس اللغوي وهو ما اشار اليه اللساني الفرنسي انطوان مييه Antoine Meillet قائلاً ان اولئك الذين اوجدوا الكتابة واتقنوها كانوا من فحول اللغويين وهم الذين ابدعوا علم اللغة. ذلك ان تاريخ الكتابة ودراسة الطرق المتبعة في الكتابة ذو صلة وثيقة بالبحث في طبيعة اللغة وبنيتها. فاختراع الكتابة ادى بالبداهة الى التفكير في اللغة لأن هذه التقنية ابرزت عناصر اللغة الشفهية ثم فصّلت عباراتها على الاقل ان لم نقل مفرداتها) .

اذن الكتابة ليست فقط حبراً على ورق كما توهم احمد القبانجي بل ان لها مديات علمية وحضارية واسعة.


هل النبي مفسر للوحي!
ردد احمد القبانجي في محاضرته حول الهيرمنيوطيقا فكرة مفادها ان النبي (صلى الله عليه وآله) هو اول مفسر للقرآن الكريم وانه يمثل رؤية النبي للحياة والكون والتي قالها بشكل قرآن !! أي انه نسب القرآن الكريم بانه من كلام النبي وليس وحياً الهياً انزله الله عزَّ وجل ، فهو الفاظ النبي بحسب فهمه للوحي الذي جرى بوجدانه بحسب مزاعم احمد القبانجي ! وبذلك يزعم ان النبي هو اول مفسر للوحي الوجداني ـ وليس متلقياً للوحي الالهي بدقة كما هي العقيدة الاسلامية ـ ثم سار خطوة اخرى في محاضرة اخرى فقال ان النبي قد يخطيء في فهم وجدانه اي في فهم الوحي الوجداني وبذلك تكون آيات القرآن هي الفاظ النبي وفيها اخطاء !! فالوجدان معصوم ولكن فهم النبي لوجدانه غير تام كما يزعم احمد القبانجي !! والملفت للنظر ان احمد القبانجي يذكر هذه الفكرة المفتراة وليس له اي دليل او قرينة عليها !!!؟؟
ان فكرة ان النبي هو اول مفسر للوحي الوجداني وليس ناقلاً دقيقاً للفظ الوحي الالهي انما تلقاها احمد القبانجي واقتبسها بلا تمحيص من اسبينوزا اليهودي الذي قال وفقاً لثقافته اليهودية ونصوص العهد القديم: (النبوة او الوحي هي المعرفة اليقينية التي يوحي بها الله الى البشر عن شيء ما. والنبي هو مفسر ما يوحي الله به لأمثاله من الناس الذين لا يقدرون على الحصول على معرفة يقينية به ولا يملكون الا ادراكه بالايمان وحده. ويسمي العبرانيون النبي "نبياً" أي خطيباً أو مفسراً. ويستعمل في الكتاب بمعنى مفسر الله كما هو واضح في الاصحاح 7 الجملة 1 من سفر الخروج ، يقول الله لموسى: (انظر قد جعلتك الهاً لفرعون وهرون اخوك يكون نبيك) وكأنه يقول: لما كالن هارون بتفسيره كلام موسى لفرعون يقوم بدور النبي ، تكون انت (يا موسى) كإله لفرعون أي من يقوم بدور الله !) . وشتان بين كلام الله سبحانه في القرآن الكريم وبين نصوص اسفار العهد القديم التي كتبها اشخاص بعضهم معلوم وبعضهم مجهول كتبوها وفقاً لثقافات عصرهم لا كما هو حال القرآن الكريم الذي انزله الله سبحانه لجميع العصور والى يوم القيامة. فما يمكن ان يصح عن اسفار التوراة والعهد القديم لا يمكن ان يصح عن القرآن الكريم.
فمجمل افكار احمد القبانجي هي اقتباس التقاطي عن اليهود والمبشرين المسيحيين والمستشرقين. ولا تكاد توجد لديه فكرة لا تدور في فلكهم او كان لهم يد طولى في الترويج لها بطريق مباشر او غير مباشر.
بينما نجد الله سبحانه يذكر صراحة في القرآن الكريم ان آياته هي لفظ نقله جبريل (عليه السلام) كما انزل ، ففي سورة الحاقة نقرأ: ((إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ (41) وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ (42) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ العَالَمِينَ (43) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ (44) لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوَتِينَ (46) فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (48) )).
 


التأويل والمشبهة:
المشبهة هم من الفرق الاسلامية الضالة التي ظهرت في القرون الهجرية الاولى كانوا يرفضون التأويل ويقولون ان صفات الله سبحانه المذكورة هي صفات بشرية مثل السميع والبصير وان له يد ورجل وجسم وهكذا ، ولعل الوهابية متفقون معهم في هذه النظرة التجسيمية الضالة ! وربما رأى احمد القبانجي ان اسلم طريق لضرب المسلمين هو بالصاق عقيدة المشبهة بهم في الصفات ليسهل الانتقاص منهم ومن عقيدتهم بعدما لمس متانة عقيدتهم الحقيقية والا فان غالبية المسلمين لا يقولون بعقيدة المشبهة في الصفات. اذن هو تعلم من المشبهة رفض التاويل ليضرب المسلمين القائلين بالتاويل وليسهل عليه الطعن في آيات الكتاب المبين ، ثم نسب المسلمين الى عقيدة المشبهة في الصفات والتي تقول ان الله تعالى يسمع كسمعنا ويبصر كبصرنا وان هذه الصفات (السميع والبصير والعليم) هي صفات بشرية !! ليسهل له الطعن في الاسلام وتسيير الشبهات ضده. ورغم رفض احمد القبانجي للتاويل سنجده في محاضرته حول التفسير الوجداني يمارس التاويل ويستند اليه في وضع التفسيرات الباطنية لمنهجه وعقيدته !! وسنتناول منهجه المتناقض هذا بشيء من التفصيل بعد قليل إن شاء الله سبحانه.
 


كانط والحواس الخمسة:
يستشهد احمد القبانجي في محاضرته بقول لكانط (1724 - 1804)م حول الخواس الخمسة (اللمس والنظر والتذوق والشم والسمع) والذي يعتبرها كلها خائنة وغير امينة في نقل الواقع فمثلاً الاذن تسمع موجات فقط تفسرها بانها موسيقى ! او انها تميّز من خلال تلك الامواج بين صوت الحمار وصوت البلبل !! لقد فات احمد القبانجي ان الاذن لا تميز بين الاصوات بل هي تنقل الموجات والذبذبات الى العقل الذي يقوم بدوره بعملية التمييز. فالعقل هو المرجع للحواس.

ورغم ان احمد القبانجي يردد مقولة كانط الفلسفية بعدم قدرتنا على فهم العالم الخارجي الا من خلال حواسنا وهي حواس خائنة الا ان علم الالسنيات يتعامل مع الحواس بشكل آخر اكثر علمية وعقلانية ، فعلم الالسنيات تناول الحواس الخمسة بطريقة علمية باعتبارها من العلامات في الاطار السيميولوجي حيث (ان اللغة هي نظام سيميولوجي اي انه مؤسس على علامات لسانية وغير لسانية تحمل المعاني أو المدلولات) ، ومن العلامات غير اللسانية اي التي لا تتعلق بالكتابة أو بالكلام نذكر:
ـ العلامات الشميّة.
ـ العلامات اللمسية.
ـ العلامات الذوقية.
ـ العلامات الايمائية .
ومن الملفت للنظر ان احمد القبانجي يتحدث في محاضرة كاملة عن الالسنيات ولا يعرف هذه العلامات !؟ ولا يعرف علاقة الحواس الخمسة بالسيميولوجيا !

وذكر احمد القبانجي مثلاً حول شجرة تسقط في غابة خالية من الناس وتحدث صوتاً فزعم انها لن تصدر اصوات لأنه لا احد يسمعها !! ان كلامه هذا مخالف لطبيعة الاشياء ، فالصوت لا يسمى صوتاً فقط لأننا نسمعه بل الاصوات موجودة دائما من خلال حركة الاشياء ، وما لا نسمعه لا يعني انه غير موجود ، فالاصوات التي نسمعها هي من الناحية العلمية امواج تصل الى آذاننا والتي تنقلها الاذن الى العقل فيميزها. ان كلام احمد القبانجي هذا فيه تغييب للمنهج العلمي وللحقائق العلمية.
 


ترديده افكار المشبهة:
وحينما اخذ احمد القبانجي يذكر مباني نظرية الهيرمنيوطيقا ابتدأ بمقارنتها مع ما يسميها بالنظرية السائدة فقال ان الله سبحانه في العرش في السماء ، وهو هنا يردد كلام المشبهة وهم من الفرق الاسلامية الضالة التي تقول ان الله سبحانه له عرش يجلس عليه وان صفاته هي صفات بشرية فهو سميع وبصير كسمعنا وبصرنا وله يد ورجل ووجه وهكذا وهي نفس الصورة التي يرسمها احمد القبانجي للمسلمين حينما يريد ان يطعن في عقيدتهم !! والمشبهة يشتركون مع احمد القبانجي في رفض التأويل فهم يقولون نأخذ الالفاظ كما وردت في القرآن ، فاذا ورد ان لله سبحانه عرش فهو العرش بمعناه المادي المعروف عند الملوك وكذلك احمد القبانجي يقول ذلك وينسبه للمسلمين وهو يعرف جيداً ان غالبية المسلمين من غير المشبهة لا يقولون بهذه العقيدة المنحرفة المخالفة للعقل وللنصوص الصريحة والمعتبرة الواردة عن ائمة آل البيت (عليهم السلام).
 


الموجودات والواقع الخارجي:
وقال احمد القبانجي في محاضرة الهيرمنيوطيقا: "نحن لا نتعامل مع الواقع الخارجي الا بما هو مطبوع في اذهاننا". وفكرته هذه على نحو كبير من السطحية واذا اعملناها في حياتنا فلن تكون هناك علوم ولا بحوث ولا تقدم في مجالات الحياة ، ففي الحياة هناك حقائق علمية رصينة لأشياء لا نعرف طبيعتها ، فالجاذبية على سبيل المثال رغم وجود قوانين نيوتن ولكن لا احد منّا يمكنه وصفها ومعرفة طبيعتها وكيف تجذب الاشياء ، فالانسان لا يعرف ماهيتها ولا يحس بوجودها بل هو يعرف ثقل الاشياء فقط. اذن وفق نظرية احمد القبانجي فليس هناك وجود حقيقي للجاذبية الا في ذهن الانسان !! لأن كل انسان يتخيلها في ذهنه بطريقة مختلفة !! وهكذا بالنسبة للذرة والطاقة النووية وغيرها فيتم ابطال الوجود الحقيقي للقضايا العلمية ويتوقف الانسان عن التقدم والتطور ... !!!
وايضاً فليس هناك روح للانسان فيكون الانسان عبارة عن جسد فقط لأننا لا نرى الروح فهي بحسب فكرة احمد القبانجي امر ذهني فقط !!!
وسنتطرق بعد قليل لنفس الموضوع على نحو اوسع حيث تطرق احمد القبانجي له مرة اخرى في محاضرة الالسنيات.
 


التفاسير والاختلافات العقائدية:
وربط احمد القبانجي في محاضرته بين تعدد تفاسير المسلمين وبين الاختلافات العقائدية ، وقال "ان المسلمين الذين اطلق عليهم اسم التقليديين ليس لديهم جواب لتعدد التفاسير وكل واحد منهم يرى ان تفسيره هو الصحيح والاخر على باطل وهو من اهل النار" ! وفي الحقيقة فالقضية ليست بهذه الكيفية التي عرضها فتعدد تفاسير المسلمين انما هي تبعاً لاجتهادات المفسر ، ومثلما هناك اجتهادات فقهية فهناك اجتهادات في تفسير القرآن غاية ما في الامر ان هناك من يفسر القرآن الكريم تبعاً لنظرية آل البيت (عليهم السلام) العقائدية وهناك من يفسرها تبعاً للمدارس الاخرى لأهل السنة او السلفية او الخوارج. والاختلافات الرئيسية في التفسير انما تكون في القضايا العقائدية والآيات التي تحتوي على مضمون عقائدي. فالقضية ليست معقدة ولا هي صعبة الفهم. انما اي تفسير هو الاصح ، فجواب هذا يتبع الجواب عن اي العقائد هي الاصح ، وهذا يتبع الدليل الذي يراه كل انسان هو الاصح في اثبات عقيدته بعد ان يبذل جهده في تتبعه وتمحيصه. فاذا بذل الانسان جهده في البحث عن العقيدة الصحيحة ولم يتمكن من الوصول الى الحق لقصور فيه وليس لتقصير فان موقفه يوم القيامة سيكون مختلفاً عن موقف من يقصر في البحث عن العقيدة الصحيحة او يميل الى الهوى والجاه والمجتمع.
 


مباني الهيرمنيوطيقا:
ثم تحدث في محاضرة الهيرمنيوطيقا عما اسماه مباني الهيرمنيوطيقا ، فقال "ان النظرية السائدة تقول ان للنص القرآني ثلاثة اركان هي المتكلم (ويقصد به الله) والمخاطب (ويقصد به الناس) والخطاب (ويقصد به القرآن) وتقول النظرية السائدة ان النص لا يحتمل الا معنى واحد وكل لفظ له معنى يدل عليه وهذا المعنى في ذهن المتكلم ، فالمفسر يجب ان يكشف عن ذاك المعنى ، فاذا توصل فهو الصحيح والحق واذا لم يتوصل فهو خطأ لكن معذور" ،هذه خلاصة النظرية الموجودة بحسب ما ذكره ! ثم انتقل لمقارنتها مع نظرية الهيرمنيوطيقا وقبل ان ننتقل لمناقشة الهيرمنيوطيقا بحسب المباني التي ذكرها من المهم ان نبين ان وصفه لما اسماه بالنظرية السائدة هو وصف غير تام ، فمن جهة نجد ان النظرية "السائدة" لا تتحدث عن معنى في ذهن المفسر بل تتحدث عن علاقة الالفاظ بالمعنى الخارجي ، وهذا مبحث خاص في علم اصول الفقه يتناوله الفقهاء بالشرح والبيان التفصيلي. اذن احمد القبانجي يحاول فرض نظرته الخاصة حول المعاني الذهنية على النظرية "السائدة" وحقيقتها غير ما ذكره. ومن جهة اخرى فان الاركان الثلاثة التي ذكرها (المتكلم والمخاطب والخطاب) لا تقتصر على القرآن الكريم بل هي اركان مشتركة مع كل انواع الكلام والنصوص البشرية. كما ان هذه الاركان قد اقرها علم الالسنيات وكبار علمائها الذين يبحثونها ويشرحون تطور اللسان عبرها فعلى سبيل المثال يذكر رومان جاكبسونRoman Osipovich Jakobson (1896-1982)م في مخططه للنظام الالسني الذي وضعه ان عملية التواصل تتكون من المرسل destinateur وهو الشخص المتكلّم أو الذي يولّد الوظيفة التعبيرية ، ويتميز بطريقة كلامه ، ويقوم بإرسال (مرسلة) message الى شخص آخر يستمع اليه أي الى المرسل اليه destinataire . ورغم ان احمد القبانجي اقحم نفسه في موضوع الالسنيات وله محاضرة خاصة تحت عنوانها الا ان الظاهر انه لا يفقه من الالسنيات الا اسمها !

نعود الى مباني الهيرمنيوطيقا التي ذكرها احمد القبانجي حيث قال ان المبنى الاول هو "انه لا فصل بين المتكلم والمخاطب والخطاب" ! فزعم اننا موجودون في المتكلم والمتكلم موجود فينا فيتكلم الله فينا مباشرة !! وفي الحقيقة فان فكرته هذه لا علاقة لها بموضوع الهيرمنيوطيقا لأنها مرتبطة بموضوع الوجدان ومزاعمه ان الله يتكلم مع الانسان من خلاله وان الوجدان هو الله الشخصي الى آخر سخافاته ، فقوله باندماج (الله والانسان والخطاب) يكشف عن اضطراب فكري عنده فهي فكرة ليس عليها دليل كما انه موضوع بعيد عن الهيرمنيوطيقا !! ومما يزيد من قوة مظهر اضطرابه انه انتقل وهو يتحدث عن الاندماج المقترح الى ضرب مثال بمقوله منسوبة لعمر بن الخطاب وكيف ان الشيعي يرفضها لكونها من عمر ولكنه لو قيل له انها من الامام الصادق عليه السلام لقبلها وعلل ذلك بان الانسان يجب ان يفهم المخاطب ثم بعد ذلك يفهم ما يقوله ، وقال: "اي المتكلم في وعينا فاذا فهمنا المتكلم فهمنا النص" !! ولكن المتكلم في هذا المثال له وجود خارجي وهو شخص عمر بن الخطاب بينما القبانجي يقول باندماج المتكلم مع الخطاب كما اشرنا آنفاً ! ويقول ان الخِطاب هو قضية ذهنية ، فكيف اذن يفسر احمد القبانجي اندماج من له وجود خارجي (عمر بن الخطاب) بمن له وجود ذهني فقط (كلامه اي الخِطاب) !! ان هذا لا يستقيم الا اذا قلنا ان عمر بن الخطاب وجوده ذهني ايضاً باعتبار مقولة كانط التي يستند اليها في ان الحواس الخمسة خائنة وغير امينة !!!!! فلا وجود لعمر بن الخطاب الا في الذهن البشري !!!!! ارأيتم كم هي ضحلة وسخيفة النتيجة التي يقودنا التفكير باسلوب احمد القبانجي !

ومن الواضح ان مثاله عن عمر بن الخطاب وتقبل الشيعي او رفضه لمقولة ما صادرة عنه لا علاقة لها بالمبنى الاول الذي ذكره بخصوص الاندماج !! اما شبهة الربط بين فهم القائل وفهم ما يقول فهو كلام ساذج لا علاقة له بجوهر قضية الفهم لأن فهم الكلام مرتبط بذاتية الكلام وهو مجال علم الالسنيات الذي يعرفه الدكتور جرجس ميشال بقوله انه العلم الذي لا يهمه ماذا يقول النص ولا من قال النص انما يهمه كيف يعبر النص عما يقول . اذن شبهته هذه لم يكن يجدر به ان يتطرق اليها لأنها بالاضافة الى تهافتها فهي تتعارض مع علم الالسنيات ومبانيه !؟ ووفقاً للالسنيات فهذه الشبهة غير مهمة فليس مهما ان نفهم قائل النص لكي نفهم النص لأن علم الالسنيات يتكفل ببيان كيفية تعبير النص عما يريده. وفي نفس السياق روي عن امير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) انه قال: (لا تنظر الى من قال وانظر الى ما قال) .

وفي المبنى الثاني للهيرمنيوطيقا قال احمد القبانجي انه لإعمالها في النص يجب ان يكون القائم بعملية الفهم (المفسر) ليس لديه مسبوقات فكرية او مسلمات فكرية !! وتحدث عن "وجود مسبوقات فكرية تلقي بظلالها على المفسر للقرآن الكريم" ، وافترض ــ تحكماً منه بلا سند مقبول ــ "ان المستشرقين ليس لديهم مسبوقات فكرية او مسلمات ولذلك يفهمون القرآن بشكل مختلف" ! وهذه من مغالطاته لأن المستشرقين لديهم مسبوقات فكرية ومسلمات تتمثل بعدم وحيانية القرآن الكريم وانه ليس كلام الله سبحانه وان الاسلام ليس هو الدين الحق ، كما ان لديهم مسبوقات فكرية تتعلق بدورهم المطلوب من اجل نقض الاسلام ولصق الشبهات والعيوب فيه وتشويهه امام انظار الناس. اذن المسبوقات الفكرية لأي شخص هو امر حتمي لأن لكل انسان فكر ديني او لا ديني ، وكل من ينظر لآيات القرآن الكريم سينظر لها من وجهة نظره الدينية او اللادينية.
وحتى بخصوص القائم بالفهم من خلال الهيرمنيوطيقا فإنّه سيفعل ذلك استناداً الى فكره ورؤيته الثقافية والفلسفية وهدفه الذي يسعى اليه والذي بسببه يقوم بعملية الفهم الهيرمنيوطيقي ، ولذلك سوف يُفهَم النص الواحد بطرق متعددة ونتائج مختلفة تبعاً لتعدد القائمين بعملية الفهم ، لأن لكل انسان طريقته الخاصة بالفهم حتى من خلال الهيرمنيوطيقا !

ونفس الامر بالنسبة للمبنى الثالث الذي ذكره وهو ان المفسر يفسر ولديه رغبة معينة ، فمن يؤمن بقضية يبحث في التفسير عما يؤيدها ! فنقول قد ذكرنا آنفاً إنَّ نفس هذه القضية وان لم تكن تامة لجميع المفسرين فيمكن ايضاً ان تشمل المستشرقين الذين يمتلك غالبيتهم رغبة ابطال الاسلام ورغبة تشويهه ورغبة تقليل اهميته وهكذا. اذن لا ميزة لتفسير المستشرقين ونظرتهم للاسلام بخلاف ما يحاول احمد القبانجي الترويج له !

اما المبنى الرابع فيقول ان الكلام اذا تم تدوينه فانه سيموت والذي سيقرأه ويفهمه هو الذي سيحييه ! ولذلك كل من يفهم القرآن بطريقته فله الحق في ذلك لأن القاريء هو الذي اعطى الحياة للقرآن ! وبالتالي تكون جميع التفاسير صحيحة ! ورغم ان هذا الكلام مخالف لما ورد في علم الالسنيات الذي يعتبر ان النص المكتوب له اهمية في معرفة ماذا يريد النص وعلى ماذا يدل ، فان القول بأن النص ميت والعبرة بمن يقرأ ويفهم فيمكن ان يشمل هذا كل التفاسير الاسلامية وتكون كلها صحيحة اذا وافقت العقيدة الصحيحة ، وبالتالي فليس هناك دور واضح للهيرمنيوطيقا في عملية التفسير والفهم !؟ وسبق ان ناقشنا آنفاً موضوع اهمية الكتابة.
اذن بناءاً على هذا الكلام لا يحق لاحمد القبانجي ان يعترض على تعدد التفاسير الاسلامية والاختلافات الموجودة في بعض مواضعها لأن المفسر يفهم النص بطريقته فالنص ميت والمفسر هو الذي يحييه ! وهذا من تناقضات احمد القبانجي الكثيرة جداً !!

كما ان معنى كلام احمد القبانجي اننا لا يمكن ان ننسب لاحد ما مقولةً او فكرة سواء كان فيلسوفاً او مفكراً لأن كلام اولئك المفسرين والمفكرين والفلاسفة انما هو كلام مكتوب ميت ومن يقرأه هو الذي يفهمه ويحييه فيجب ان نقول فهمنا لكلام ارسطو مثلا وفهمنا لكلام اسبينوزا لا كلام ارسطو واسبينوزا نفسه !! وبذلك لم يعد يمكن لأحد ان يمتلك تراثاً وفكراً لأننا لن نعرف افكار الاخرين وفلسفاتهم بل نعرف فهمنا لتلك الافكـــار والفلسفـــات ونختلف بيننا في فهمها !! فـأي منهج فوضوي هو ابرع من هذا في بث الاختلاف والبلبلـة الفكريـة بيـن النـاس ؟!
وهذا المنهج نفسه يرد على احمد القبانجي نفسه جميع طعونه في الاسلام لأن جميع الشبهات التي يستند اليها من خلال ايراده لبعض الآيات القرآنية لا سيما في الصفات وفي موضوع الاستواء على العرش فإنما تمثل فهم احمد القبانجي للقرآن ، فالشبهة ناتجة من فهمه هو وليس من القرآن لأن القرآن بحسب تعبيره نص ميت هو الذي يحييه ويثيره بفهمه الذي تنتابه الشبهات وفقاً لفكره ومسلماته ونوازعه الفكرية ، وبذلك لن تكون هناك شبهة حقيقية ضد الاسلام بل الشبهة ناتجة من فهم احمد القبانجي للقرآن !
اما المبنى الخامس للهيرمنيوطيقا فقد تجاهل احمد القبانجي ذكره او نسيه ! فلم يورده في محاضرته !!

لاحظوا ان احمد القبانجي في بداية محاضرته هذه بيّن مفهومه للهيرمنيوطيقا بانها علم فهم النص وحرص على تخطئة نصر حامد ابو زيد في تعريفه لها بأنها علم تأويل النص ! ويبدو ان مشكلة احمد القبانجي مع استخدام مصطلح التاويل عميقة وربما اكتسبها من اقتناعه بأفكار المشبهة الذين كانوا يرفضون التأويل بشدّة كما اسلفنا !

 

محاضرة الالسنيـات:
علم الالسنيات او اللسانيات. هو احد فروع علم الاشارات (السيميائيات Semiotics) . قال سوسور : (فعلم اللغة هو جزء من علم الاشارات العام: والقواعد التي يكتشفها هذا العلم يمكن تطبيقها على علم اللغة ، ويحتل العلم الاخير مكانة محددة بين كتلة الحقائق الانثربولوجية) .
وقد تعددت تعاريف مصطلح اللسانيات ، فاللسانيات يُطلق عليها: الألسنة وعلم اللغة ، وهناك من يطلق "لسانيات النص" على: علم لغة النص، أو اللسانيات النصية، أو نحو النص ، وهناك مَن يُسمي "لسانيات النص": لسانيات الخطاب ، ويُطلَق على السيمياء: علم أسرار الحروف ، وعلم العلامات ، والسيميولوجيا ، والسيميوطيقا .
ويعتبر العالم السويسري فرديناند دي سوسير 1857 - 1913م مؤسس علم اللسانيات الحديث وذلك في مُحاضراته التي أملاها على طلابه بين عامي 1907 - 1913م ، وهناك من يرى انَّ ولادة هذا العلم الحديث ترجع إلى مائة سنة قبل سوسير، من قبل الألماني فرانز بوب سنة 1791، 1867م .
وفي محاضرة احمد القبانجي بعنوان (علم الالسنيات ودوره في انتاج النص) نجده يروّج للالسنيات والتي تسمى ايضاً اللسانيات (السيميوتيكا أو علم السيمياء) ، وترويج احمد القبانجي لعلم الهيرمنيوطيقا مع علم اللسانيات (السيميوتيكا) يضعه في تناقض منهجي ، ويكشف عن اضطراب في الهدف المقصود من التطرق الى هذين العلمين اذ ان هذين العلمين ليسا مكملين احدهما للآخر وربما هو يظن ان اللسانيات تدرس انتاج النص والهيرمنيوطيقا فهم النص المنتج فتكون احداهما مكملة للاخرى الا ان هذا فهم ساذج لهذين العلمين العميقين ! فالهيرمنيوطيقا تتناول النص من جانب يختلف عن تناول الالسنيات له. ولكي نتمكن من فهم الفرق بين الالسنيات (السيميوتيكا) والهيرمنيوطيقا لا بد من معرفة مقدمة عن فروع اللسانيات (الالسنيات).
تتفرع الالسنية بحسب الدكتور جرجس ميشال جرجس الى:
1. علم الاصوات (الفونتيكا).
2. علم وظائف الاصوات (الفونولوجيا).
3. علم الدلالة (Semantique).
4. السيميوتيكا والسيميولوجيا (علم السيمياء). ورائده هو السويدي فرديناند دو سوسور.
5. الهرمنيوتيكا.
6. الاسلوبية أو علم الاسلوب.
7. المورفولوجيا أو علم بنية الكلمة.
8. علم المعاجم.
9. علم التراكيب.
10. علم التفكيك.
11. علم تحليل النص.
12. علم تحليل الخطبة .

فأحمد القبانجي تناول علم السيميوتيكا واطلق عليه اسم الالسنية (ربما من باب تسمية الفرع بأسم الاصل) وتناول في محاضرة اخرى الهرمنيوتيكا (الهيرمنيوطيقا) ولم يشر الى علاقتها بالالسنية باعتبارها فرع منها ! نعم ربما يرى علماء مختصون آخرون ان الهيرمنيوطيقا علم منفصل عن الالسنيات وليس مكملاً له بخلاف ظن احمد القبانجي الذي ذكره في بداية محاضرته.
نعود الى علم السيميوتيكا (علم السيمياء) والذي لا يهمه ماذا يقول النص ولا من قال النص انما يهمه "كيف يعبر النص عما يقول" . اما الهيرمنيوطيقا (الهرمنيوتيكا) فقد ظهرت كرد على السيميوتيكا ـ كما يقول الدكتور جرجس ميشال ـ وهي تسعى الى كشف الطرق والوسائل التي تسهم في إدراك معاني النص وفهمه فهماً كاملاً . ومن الملاحظ ان اهتمام علم الهرمينوتيكا (الهيرمنيوطيقا) في ادراك دلالات النصوص قد اثار موضوعاً مهماً ينحصر في كيفية البحث في آليات الفهم ، حتى بات القاريء يشكل أساس العملية البحثية لأنه هو الذي يفهم النص . فمع الهرمنيوتيكا (الهيرمنيوطيقا) يتم التوجه الى شخص القاريء وقدراته في استيعاب معطيات النص الدلالية والبحث عن الآلية التي ساعدته على إدراك ذلك . اذن الفرق بينهما هو ان السيميوتيكا تبحث في كيفية تعبير النص عما يقول بينما الهرمنيوتيكا (الهيرمنيوطيقا) تبحث في كيفية فهم القاريء للنص. فليس مهما في الهرمنيوتيكا كيفية تعبير النص عما يريد قوله بل المهم كيف يفهم القاريء ذلك النص !! فعلى سبيل المثال اذا اعملنا هذين العلمين في بعض آيات القرآن الكريم نجد ان السيميوتيكا تبحث عن كيفية تعبير الآية الكريمة عما تريده بينما تبحث الهرمنيوتيكا في كيفية فهم القاريء للاية الكريمة !! اذن الاشكاليات في الهيرمنيوطيقا اكبر مما في الالسنيات لأنها تعتمد على الجانب البشري او العامل البشري في الفهم وهذا العامل متغير من شخص لآخر لأنه يعتمد على ثقافة الشخص وبيئته واهدافه وغاياته وبذلك ستكون النتيجة مختلفة من شخص لآخر وسنحصل على عدة تفسيرات هيرمنيوطيقية مختلفة ! اذن ليست التفسيرات الهيرمنيوطيقية هي التفسيرات المثالية التي يمكن ان تعالج موضوع تعدد التفاسير الاسلامية.

وفي خضم ذلك كله نجد ان محاضرة الالسنيات التي القاها احمد القبانجي كانت خالية من ذلك كله ، كما انها خالية من اية مواضيع علمية لها علاقة بعلم الالسنيات (السيميوتيكا) الذي اسسه سوسور!! وبدلاً من ذلك جاء احمد القبانجي بشبهة حاول فيها ايهام المتلقي (المستمع) انها شبهة من نتاج علم الالسنيات مع انها بعيدة عنه لأنها شبهة يتناولها علماء الحوزة منذ مئات السنين وهي موضوع علاقة اللفظ بالمعنى الخارجي ، فالموضوع ليس من نتاج الالسنيات الحديثة ولا علاقة له بسوسور ولا باي عالم آخر من علماء الالسنية ، بل هو موضوع يمتد عميقاً ليخترق الزمن ويرتبط بالفلسفة الارسطية. بل بالضد من احمد القبانجي سنرى ان علم الالسنيات الحديث يجيب عن الاشكالية التي ذكرها احمد القبانجي عن علاقة اللفظ بالمعنى الخارجي بطريق آخر من داخل علم الالسنيات الحديث نفسه مختطاً طريقاً آخر يبعد الشبهة عن الاذهان ولا يجد لها قيمة لان تناول الالسنيات الحديث للموضوع يختلف عن الفلسفة الارسطية. وسنناقش ذلك تفصيلياً في معرض تفنيدنا لشبهة احمد القبانجي حول علاقة اللفظ بالمعنى الخارجي ، ان شاء الله سبحانه.
ومن المهم العروج الى مقولة الدكتور ميشال جرجس آنفة الذكر بان الهرمنيوتيكا ظهرت كرد على السيميوتيكا ونحن نجد ان هذه المقولة ربما تكون غير صائبة بل معكوسها هو الصواب لأن رائد الهيرمنيوتيكا الحديثة فريدريك شلايماخر (1768-1834)م قد عاش في فترة تسبق رائد السيميوتيكا فردينياند دي سوسور (1857- 1913)م. اذن السيميوتيكا ظهرت بعد الهيرمنيوتيكا رافضةً لفكرتها في كيفية فهم القاريء للنص لعدم جدواها لوجود سلبيات عديدة فيها سنتطرق اليها لاحقاً إنْ شاء الله سبحانه. ومستبدلة بها بفكرة تعبير النص عما يريده ، حيث يمكن للنص التعبير عن ذاته بينما فهم القاريء له يصطدم بثقافة القاريء ونفسيته وزمنه. ورب قائل يقول بان المهم هو فهو القاريء للنص في زمن القاريء لا في الزمن الموغل في القدم حين ظهور النص بسبب التطور الحاصل في الحياة والذي يتطلب فهماً جديداً للنص ينسجم مع واقع الحياة ! الا ان هذا التوجه غير صحيح وان صح شيء او نص الا انه لا يصح في القرآن الكريم الذي يجب ان نفهمه كما انزله الله سبحانه حيث جاء الاسلام بشريعة كل الازمنة فمن غير المنطقي ان ندعي فهماً للقرآن الكريم لزمن يختلف عن فهم زمنٍ آخر سابق !


علاقة اللفظ بالمعنى الخارجي:
قال احمد القبانجي في محاضرته عن الالسنيات: "في السابق كان كل الكلام يفهم من خلال ركنين هما:
1. اللفظ.
2. المعنى الخارجي.
فكان أغلب الكلام يفسر ضمن هذين الركنين فحينما نقول (ماء) فإننا نقصد الماء، وقصدنا هنا يتطابق مع لفظ مفردة الماء، ولان الماء له وجود واقعي في الخارج لذا يمكننا معرفته، لكن المشكلة تظهر في الألفاظ التي تخص الأمور الأخلاقية، أو الأمور الحسية، أو كل ما هو ليس له وجود خارجي محسوس مثل الجمال، العدالة، الرحمة، النبوة، أو جبرائيل، وغيرها ....، إذن ليس كل الأشياء لها مدلولات مادية، لهذا يصبح إدراك المعنى في هذه الحالة يعتمد على الذهن البشري، أي يبدأ الاعتماد أو استخدام المفهوم الذهني للتعامل مع هذا النوع من الألفاظ. فهناك إذن شيء آخر خلف الألفاظ كان يقصدها المتكلم. هذه القضية نلمسها بشدة وبوضوح في نصوص القرآن، لان المتكلم هو في الأساس غير مفهوم بالنسبة إلينا، فالنبي كان يقول (إن الله اختفى عن بني آدم بألف حجاب من النور وألف حجاب من الظلمة). وهو يقول عن الله أيضا (ما عرفتك حق معرفتك)، فكيف يمكن لنا أن نعرف الله لنفهم كلامه؟؟؟؟!!!!. ففي العادة يتم إسقاط المحمولات البشرية على المواضيع الغيبية، ولهذا تظهر لنا مشكلة فهم النص" ... الى ان يقول: (الغربيون ابتكروا طريقة أخرى لحل هذه المشكلة من خلال إسقاط ونسف المعنى عن كل الألفاظ التي ليس لها وجود خارجي واكتفوا ببيان المشاعر، فقضية نزول (جبرائيل) على النبي أمر لا يمكن إثباته لان (جبرائيل) أساسا نزل على شخص واحد هو النبي، وهذه العملية لا تشبه تجربة الجوع أو العطش الذي نعيشه بشكل جماعي ودائمي، لهذا فنحن نفهم ماذا يقصد بالجوع رغم أن الجوع ليس له وجود مادي في الخارج، أما قضية النبوة بهذه الطريقة فلا يمكن لنا فهمه، وهكذا نلاحظ بأن كل الكلام الذي يخص الأخلاق ليس له معنى في الخارج بل إن هناك إحساسات معينة تخص تلك الألفاظ ، كلمة (آه) مثلا تدل على الوجع عادة، لهذا حينما نقول بان الله عادل لا نقصد بالعدل شيء في الخارج بل نقصد إحساسا معيناً يكمن في دواخلنا، لهذا حينما يقول شخص ما إن الله موجود فهو يقصد إحساسه بوجود الله داخليا، وهو يريد أن يعيش بفكرة أن الله موجود، بعكس الشخص الآخر الذي يقول إن الله غير موجود فهو يقصد إحساساً داخلياً أيضا، وهو يريد أن يعيش بفكرة عدم وجود الله، هذا الفهم وبهذه الصيغة يعني لا فرق ولا تنازع بين الإيمان والإلحاد، ويعني قبول التعددية في ظل عدم التنازع، وهو السبب الذي كان يجعل القبانجي يقول (الحداثة تلغي التنازع بين الإيمان والإلحاد). لأنه بهذا المعنى لا يصبح الإلحاد يعني شيئا خارجيا يستوجب العقاب أو الاتهام بالتآمر على الدين، بل يكون فقط منهجا للحياة، تماما مثل الإيمان الذي هو الآخر منهج للحياة أيضا، وكلاهما صحيح) .
إنَّ مكمن الخطأ في كلام احمد القبانجي هو اعتباره ان كل ما لا يمكن ادراكه بصورة مادية فهو امر داخل الذهن البشري ! فيقول: "لهذا يصبح إدراك المعنى في هذه الحالة يعتمد على الذهن البشري" على حد تعبيره ! لقد فات احمد القبانجي التمييز بين ان يكون هناك وجود خارجي وبين ان لا يدرك الانسان ذلك الوجود. كما فاته ان الموجودات تقسم الى موجودات مادية ونفسية ومنطقية فهي ليست محصورة بالجانب المادي. ولذلك نجد ان هناك امور عديدة في حياتنا موجودة فعلاً ولكن الانسان لا يتمكن من ادراكها. بل يمكن ان يعرفها من خلال اثرها ، مثلاً الجاذبية الارضية التي سبق ان ذكرنا آنفاً انه لا يمكن للانسان ان يراها او يتعامل معها بصورة مادية ، بل ان علاقة الانسان مع الجاذبية تعتمد على الاثر الذي تتركه الجاذبية في حياة الانسان ، اما ماهية الجاذبية فلا يعرفها الانسان ولا يمكن ان يتخيلها !! فهل يريد احمد القبانجي ان يقول لنا ان الجاذبية هي امر ذهني فقط وليس لها وجود خارجي لأن الانسان لا يراها ولا يعرف طبيعتها !
اذن عدم قدرة الانسان على تخيل امور موجودة فعلاً لا يعني انها غير موجودة في الواقع وانها فقط امر ذهني !؟ ولذلك فمن الخطأ مقارنة احمد القبانجي بين وجود جبرائيل عليه السلام الذي لم يره او يدركه سوى النبي (صلى الله عليه وآله) وبين الجوع والعطش الذي يحسه جميع الناس ، فيظن ان اشتراك الناس جميعاً في ادراك قضة غير مرئية مثل الجوع والعطش يعطيه شرعية الوجود الحقيقي بينما اذا ادرك انسان واحد لحقيقة لا يدركها سواه فهذا يعني ان الناس الآخرين لا يمكن ان يأخذوا بها !! لقد فاته ان الاشياء المادية لا تعرف بالادراك والتجربة وحدها بل بالاثر الذي تتركه ايضاً ، كمثال الجاذبية الارضية او انبعاث الطاقة النووية فنحن لا نرى الطاقة النووية بل نرى اثرها على الماديات حولها. وحتى الذرة والالكترون والنواة لا نراها فهل يريد احمد القبانجي ان يقول انها قضية ذهنية وليست حقيقة ذات وجود خارجي لا يراها الانسان وفاته ان الا نسان يدرك ويستفيد من اثرها ! ان هذا المفهوم الذي يروّج احمد القبانجي يجعل اي امر غير مرئي امراً ذهنياً انما يؤثر سلباً على تقدم العلوم ويعيقها لأن كل انسان على سبيل المثال سوف يقول انه ليست هناك جاذبية لأننا لا نراها او ليست هناك ذرة لأننا لا نراها !
فجبريل (عليه السلام) موجود في الواقع وقد عرفنا به من خلال الاثر الذي تركه وهو القرآن الكريم الفريد والمعجز فهو الدليل على صدق النبي (صلى الله عليه وآله) وعلى وجود جبريل (عليه السلام).
وهنا ننبه على قضية اخرى وهي انه ليس مطلوباً من المسلم ان يعرف شكل جبرائيل (عليه السلام) وماهيته ولا ان يشعر ويعرف كيفية الوحي ، بل المطلوب منه ان يؤمن بحدوث ذلك كله ووجوده ، فالايمان الحقيقي لا يكون عبثياً او وراثياً بل هو ايمان واعي مبني على المعجزة التي تؤيد النبي في ما يدعيه.
اذن فقول القبانجي : "لهذا حينما يقول شخص ما إن الله موجود فهو يقصد إحساسه بوجود الله داخليا" انما هو كلام غير منطقي لما قدمناه آنفاً من ان هناك فرق بيّن بين ان نحس بوجود الشيء وبين ان يدلنا على وجوده اثره. فمن يقول ان الله سبحانه موجود فليس لأنه رأى الله سبحانه ـ وهذا محال ـ بل لأنه رأى آثار خلق الله سبحانه ودلائل وجوده من خلال الاعجاز والاتقان في كل مظاهر الحياة. والا فان الاستدلال الذي ذكره احمد القبانجي ينقلب عليه لأن قوله انه يشعر بوجدانه رغم ان الوجدان ليس كالجوع والعطش يشعر به الناس جميعاً بل يكاد يكون شيء مجهول ليس له وجود خارجي ولا حتى ذهني ـ بل ان احمد القبانجي نفسه يقول ان الوجدان عند الناس متفاوت قوة وضعفاً ! ـ فلا يمكن لكل الناس ان يدركوا وجود الوجدان لأنه يصبح قضية ذهنية فقط في ذهن احمد القبانجي ، وحتى لو ادعى آخر انه يشعر بوجدانه فلا يمكن ان يثبت ان شعوره بالوجدان مثل شعور احمد القبانجي بالوجدان لأنه ليس له مظهر ووجود خارجي او شعوري عام بين البشر وبذلك يفقد المنهج الوجداني كل قيمته لأنه لم يتمكن ان يصبح مرجعاً للناس بل سيبث البلبلة والاختلاف لأختلافه وتفاوته فيما بينهم. الا اذا سلّم احمد القبانجي بالقول ان الوجدان هو نفسه الضمير وبذلك تنتكس نظريته الوجدانية كلها وتنقلب رأساً على عقب ! لسبب بسيط وهو ان الضمير ليس له علاقة بالعرفان ولا بالكشف العرفاني الذي يدعيه العرفاء حيث ان احمد القبانجي يسمي منهجه بالـ "عرفانيين الجدد". ومن الجدير بالذكر ان كلمة الوجدان تترجم في بقية اللغات بمعنى (الضمير) وليس لها ترجمة اخرى !!؟ وهذا ما ينسف دعوته الوجدانية كلها.

ان تطرق احمد القبانجي في محاضرة الالسنيات لعلاقة اللفظ بالمعنى الخارجي توهم ان لهذا الموضوع علاقة بالالسنيات الحديثة والواقع غير ذلك ، يقول الدكتور مصطفى غلفان: (يرى دو سوسير ان العلامة اللسانية لا تربط بين شيء ولفظ كما يذهب الى ذلك الاسمويون ـ وهم القائلين بالربط بين اللفظ بالمعنى الخارجي وفقاً للمنهج الارسطوي – ولكنها تربط بين مفهوم وصورة سمعية. بهذا المعنى فان العلامة اللسانية لا تربط اللفظ بالشيء الموجود في العالم الخارجي ربطاً مباشراً اي انها لا تربط الشيء المسمى بالاسم بل تسند للشيء الموجود في العالم الخارجي صورة مفهومية تقابلها صورة سمعية. ليست الصورة السمعية هي الصورة الصوتية المادية الفيزيائية فحسب ولكنها الانطباع الذي تثيره الصورة في انفسنا) . فالانطباع هو الذي يصنع الصورة السمعية ، وانطباعنا حول جبرائيل عليه السلام والوحي والجنة والنار هي التي تشكل الصورة السمعية. وانطباعنا لا ينفي حقيقة وجود هذه الاشياء في العالم الخارجي وان كان انطباعنا عنها مختلفاً ، ولا ننسى ان المسلم غير مكلف بان يكون انطباعه عن الجنة والنار مماثلاً لحقيقة وجودها ، ففي الحديث الشريف: (قال الله عز وجل اعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) ، رغم الصور العديدة المرسومة في القرآن الكريم للجنة.
اذن موضوع علاقة اللفظ بالمعنى الخارجي ليس من اركان علم الالسنيات الحديث وتوهم احمد القبانجي انه منه هو بسبب عدم معرفته عن الالسنيات فيما يبدو الا اسمها !!
 

 

كلام الشيخ المظفر حول اللفظ والمعنى الخارجي:
قال الشيخ محمد رضا المظفر رحمه الله في كتابه (المنطق) في مباحث الالفاظ: (إن للأشياء أربعة وجودات: وجودان حقيقيان ووجودان اعتباريان جعليان:
الأول- (الوجود الخارجي) كوجودك ووجود الأشياء التي حولك ونحوها، من أفراد الإنسان والحيوان والشجر والحجر والشمس والقمر والنجوم، إلى غير ذلك من الوجودات الخارجية التي لا حصر لها.
الثاني- (الوجود الذهني) وهو علمنا بالأشياء الخارجية وغيرها من المفاهيم. وقد قلنا سابقاً: أن للإنسان قوة تنطبع فيها صور الأشياء. وهذه القوة تسمى الذهن. والانطباع فيها يسمى الوجود الذهني الذي هو العلم.
وهذان الوجودان هما الوجودان الحقيقيان. لأنهما ليسا بوضع واضع ولا باعتبار معتبر.
الثالث- (الوجود اللفظي) بيانه: أن الإنسان لما كان اجتماعياً بالطبع ومضطراً للتعامل والتفاهم مع باقي أفراد نوعه، فإنه محتاج إلى نقل أفكاره إلى الغير وفهم أفكار الغير. والطريقة الأولية للتفهيم هي أن يحضر الأشياء الخارجية بنفسها، ليحس بها الغير بإحدى الحواس فيدركها. ولكن هذه الطريقة من التفهيم تكلفه كثيراً من العناء، على أنها لا تفي بتفهيم أكثر الأشياء والمعاني، إما لأنها ليست من الموجودات الخارجية أو لأنها لا يمكن إحضارها.
فألهم الله تعالى الإنسان طريقة سهلة سريعة في التفهيم، بأن منحه قوة على الكلام والنطق بتقاطيع الحروف ليؤلف منها الألفاظ. وبمرور الزمن دعت الإنسان الحاجة - وهي أم الاختراع - إلى أن يضع لكل معنى يعرفه ويحتاج إلى التفاهم عنه لفظاً خاصاً. ليحضر المعاني بالألفاظ بدلاً من إحضارها بنفسها.
ولأجل أن تثبت في ذهنك أيها الطالب هذه العبارة أكررها لك: (ليحضر المعاني بالألفاظ بدلاً من إحضارها بنفسها). فتأملها جيداً، واعرف أن هذا الإحضار إنما يتمكن الإنسان منه بسبب قوة ارتباط اللفظ بالمعنى وعلاقته به في الذهن. وهذا الارتباط القوي ينشأ من العلم بالوضع وكثرة الاستعمال. فإذا حصل هذا الارتباط القوي لدى الذهن يصبح اللفظ عنده كأنه المعنى والمعنى كأنه اللفظ أي يصبحان عنده كشيء واحد، فإذا أحضر المتكلم اللفظ فكأنما أحضر المعنى بنفسه للسامع، فلا يكون فرق لديه بين أن يحضر خارجاً نفس المعنى وبين أن يحضر لفظه الموضوع له، فإن السامع في كلا الحالين ينتقل ذهنه إلى المعنى. ولذا قد ينتقل السامع إلى المعنى ويغفل عن اللفظ وخواصه كأنه لم يسمعه مع أنه لم ينتقل إليه إلا بتوسط سماع اللفظ.
وزبدة المخض أن هذا الارتباط يجعل اللفظ والمعنى كشيء واحد، فإذا وجد اللفظ فكأنما وجد المعنى. فلذا نقول: «وجود اللفظ وجود المعنى». ولكنه وجود لفظي للمعنى، أي أن الموجود حقيقة هو اللفظ لا غير، وينسب وجوده إلى المعنى مجازاً، بسبب هذا الارتباط الناشئ من الوضع. والشاهد على هذا الارتباط والاتحاد انتقال القبح والحسن من المعنى إلى اللفظ وبالعكس: فإن اسم المحبوب من أعذب الألفاظ عند المحب، وإن كان في نفسه لفظاً وحشياً ينفر منه السمع واللسان. واسم العدو من أسمج الألفاظ وإن كان في نفسه لفظاً مستملحاً. وكلما زاد هذا الارتباط زاد الانتقال، ولذا نرى اختلاف القبح في الألفاظ المعبر بها عن المعاني القبيحة، نحو التعابير عن عورة الإنسان، فكثير الاستعمال أقبح من قليله. والكناية أقل قبحاً. بل قد لا يكون فيها قبح كما كنى القرآن الكريم بالفروج.
وكذا رصانة التعبير وعذوبته يعطي جمالاً في المعنى لا نجده في التعبير الركيك الجافي، فيضفي جمال اللفظ على المعنى جمالاً وعذوبة.
الرابع- (الوجود الكتبي) شرحه: أن الألفاظ وحدها لا تكفي للقيام بحاجات الإنسان كلها، لأنها تختص بالمشافهين. أما الغائبون والذين سيوجدون، فلابد لهم من وسيلة أخرى لتفهيمهم، فالتجأ الإنسان أن يصنع النقوش الخطية لإحضار ألفاظه الدالة على المعاني، بدلاً من النطق بها، فكان الخط وجوداً للفظ. وقد سبق أن قلنا: أن اللفظ وجود للمعنى، فلذا نقول: «إن وجود الخط وجود للفظ ووجود للمعنى تبعاً». ولكنه وجود كتبي للفظ والمعنى، أي أن الموجود حقيقة هو الكتابة لا غير، وينسب الوجود إلى اللفظ والمعنى مجازاً بسبب الوضع، كما ينسب وجود اللفظ إلى المعنى مجازاً بسبب الوضع.
إذن الكتابة تحضر الألفاظ، والألفاظ تحضر المعاني في الذهن، والمعاني الذهنية تدل على الموجودات الخارجية.
فاتضح أن الوجود اللفظي والكتبي (وجودان مجازيان اعتباريان للمعنى) بسبب الوضع والاستعمال.
النتيجة: لقد سمعت هذا البيان المطول - وغرضنا أن نفهم منه الوجود اللفظي، وقد فهمنا أن اللفظ والمعنى لأجل قوة الارتباط بينهما كالشيء الواحد، فإذا أحضرت اللفظ بالنطق فكأنما أحضرت المعنى بنفسه.
ومن هنا نفهم كيف يؤثر هذا الارتباط على تفكير الإنسان بينه وبين نفسه، ألا ترى نفسك عندما تحضر أي معنى كان في ذهنك لابد أن تحضر معه لفظه أيضاً، بل أكثر من ذلك تكون انتقالاتك الذهنية من معنى إلى معنى بتوسط إحضارك لألفاظها في الذهن: فإنا نجد أنه لا ينفك غالباً تفكيرنا في أي أمر كان عن تخيل الألفاظ وتصورها كأنما نتحدث إلى نفوسنا ونناجيها بالألفاظ التي نتخيلها، فنرتب الألفاظ في أذهاننا، وعلى طبقها نرتب المعاني وتفصيلاتها، كما لو كنا نتكلم مع غيرنا.
قال الحكيم العظيم الشيخ الطوسي في شرح الإشارات: «الانتقالات الذهنية قد تكون بألفاظ ذهنية، وذلك لرسوخ العلاقة المذكورة - يشير إلى علاقة اللفظ بالمعنى - في الأذهان».
فإذا أخطأ المفكر في الألفاظ الذهنية أو تغيرت عليه أحوالها يؤثر ذلك على أفكاره وانتقالاته الذهنية، للسبب المتقدم) .
فما توهمه احمد القبانجي من ان اللفظ يدل على معنى داخل الذهن فقط وليس له وجود خارجي مثل لفظ (جبرائيل) هو تصور موهوم لأن عدم ادراك ذهن الانسان العادي لجبريل (نتيجة عدم رؤيته) لا يجعل من جبريل عدماً ويجعل قضيته ذهنية فقط ، بل يبقى جبريل (عليه السلام) حقيقة واقعية بدليل الاثر الذي نقله وكان واسطته وهو القرآن الكريم وان لم يره او يعرفه او يحس به كل البشر ـ عدا الانبياء صلوات الله عليهم ـ ويصبح لفظ جبريل شديد الالتصاق بمعناه على النحو الذي اشار اليه الشيخ المظفر (رحمه الله).


بين معرفة الله سبحانه وفهم كلامه:
وزعم ان الهيرمنوطيقا تؤيد ان القرآن من محمد (صلى الله عليه وآله) لأنها تمكن من فهم النص ولو كان من الله لما فهمناه لأننا يجب ان نفهم المتكلم قبل ان نفهم النص !! وبما اننا لا يمكن ان نفهم الله لأن صفاته المذكورة هي صفات انسانية وهو لا يملك اي صفات على حد تعبير وزعم احمد القبانجي الذي يقول: (فكيف يمكن لنا أن نعرف الله لنفهم كلامه؟؟؟؟!!!!) ، فهو يربط بسذاجة بين معرفة الله سبحانه وبين فهم كلامه رغم ان الموضوعين متباينين ، ففهم كلام الله سبحانه يكون وفق قواعد الفهم البشرية ، فالله سبحانه خلق كلامه بلسان عربي مبين لكي يكون مفهوماً وواضح الدلالة عند المتلقين له من البشر. اما معرفة الله سبحانه فتكون عبر معرفة صفاته التي وان اشترك بعضها لفظاً مع بعض الصفات البشرية الا انها لا تماثلها من حيث حقيقتها وابعادها. وهو عزَّ وجل القائل في سورة الشورى: ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)). ان مغزى كلام احمد القبانجي في الربط بين فهم القائل لفهم كلامه مزاعمه بأن صفات الله تعالى لا يمكن للبشر ادراكها فهي ليست صفات بشرية وكذلك كلامه سبحانه لا يمكن للبشر فهمه لأنه ليس مثل كلام البشر وبذلك ينسف ان تكون هناك كتب سماوية او تشريعات الهية من اجل الترويج لسيادة القوانين الوضعية بين الناس ! ومقتضى فكرته الموهومة هذه ان الله سبحانه ليس عظيم القدرة وليس على كل شيء قدير ـ وحاشاه ربنا ـ فهم بحسب اوهام احمد القبانجي لا يتمكن من خلق كلام مفهوم للناس وبلغة الناس ! فاذا كان الاله ليس عظيم القدرة فهو اله عاجز فقير وةليس بغني ولا يستحق العبادة ! وبالمناسبة فان احمد القبانجي يصرح بان الناس ليسوا عبيداً لله سبحانه !!


النظرية الرمزية البديلة:
ثم يعرض احمد القبانجي نظرية اخرى تعنى بالرمزية بدلاً من نظرية المعنى الذهني موهماً ان لهذه النظرية علاقة بعلم الالسنيات ؟!! فزعم ان كل ما يصدر عن الله سبحانه هو رموز واشارات وليس حقيقة مثل الجنة والنار والنبوة وجميع صفات الله !! لكنه لم يلاحظ ان هذه الرمزية والاشارات تجعله يسير وفق المنهج الباطني الذي كان معروفاً قديماً وهو منهج منحرف عن الاسلام يجعل لكل شيء معنى مختلف عن حقيقته !!
لقد توهم احمد القبانجي ان علم اللسانيات الذي يعتبر اللغة رموز واشارات ـ وقد مر عليك آنفاً قول دي سوسور: (فعلم اللغة هو جزء من علم الاشارات العام) ـ وقال الدكتور جرجس ميشال عارضاً احدى نظريات شارل بالي التي تعتبر احدى الاسس لمدرسة جنيف اللغوية: (اعتبار اللغة نظاماً متناسقاً ذا وظيفة اجتماعية اساسية. وهو نظام من العلامات أوالاشارات أو الرموز لا يعرف سوى قوانينه الخاصة المميزة) . فخلط بين رمزية اللغة وبين رمزية المعنى الذي تعتمده الدراسات الغنوصية (الباطنية) وهو موضوع آخر تماماً لا علاقة له برمزية اللغة وعلم الالسنيات !!!
اذن نقول وبكل ثقة ان احمد القبانجي في محاضرته عن الالسنيات لم يتناول اي موضوع يخص الالسنيات الحديثة !؟


محاضرة التفسير الوجداني:
في محاضرته حول ما اطلق عليه اسم "التفسير الوجداني" يضرب احمد القبانجي بعلمي الهيرمنيوطيقا والالسنيات عرض الحائط ـ مع اننا عرفنا مما سبق انه لم يفهمها اصلاً ـ ويؤسس في التفسير الوجداني لمفاهيم باطنية ناقلاً المتلقي (المستمع او القاريء) الى عالم التفاسير الغنوصية المسيحية والفرق الباطنية الاسلامية البائدة !

التفسير الوجداني تفسير سفسطائي:
يقول غادامير: (يتجلى محور الهيرمينوطيقا القديمة في مشكل التأويل الرمزي والذي هو تأويل قديم جداً. فالمعنى الباطني أو "الهيبونويا" Hyponoia هو لفظ قديم كان يدل على المعنى الرمزي. اذاستعمل هذا التأويل في زمن السوفسطائية وهو ما يؤكده ج. تات وما تثبته مخطوطات البردي الحديثة) . فالهيرمنيوطيقا التي يفهمها احمد القبانجي هي الهيرمنيوطيقا القديمة التي كانت في زمن السفسطة (السوفسطائيين) حيث انها تتناول المعنى الباطني والرمزي للالفاظ والنصوص وهو المنهج الذي نراه جلياً في محاضرة (التفسير الوجداني) لأحمد القبانجي ! ففي محاضرته هذه يقول حول قوله تعالى: (( ان الملوك اذا دخلوا قرية افسدوها )) يقول: (يمكن ان تفسر بأسلوب آخر اكثر جمالاً واكثر مقبولية فالعرفاء يقولون هذه الآية صحيحة وبما ان الله هم ملك الملوك فإذن ينطبق وصف الآية هذه على الله أيضاً ، فملك الملوك إذا دخل قرية افسدها فأي قرية هذه التي يمكن ان يقصدها الله ؟؟؟؟ القرية في نظر العرفاء في هذه الحالة هو (قلب الانسان) ، (وأهل القرية يقصد بهم (أهل القلب) وهو الأنا ، هذه (الأنا) عادة شيطانية ودائما نراها تقول انا الاجمل انا الافضل ، انا ومن بعدي الطوفان ، فإذا دخل الله (ملك الملوك) قلب المؤمن (القرية) تصبح هذه الانا ذليلة وتختفي جميع الشياطين ، وهذا معنى جميل للآية ، النبي اعطانا كتاب وأضفى فيه جماليات عديدة وعلينا إحياء تلك الجماليات ، علينا ان نقرأ القرآن كنص فني ، ابداع فني ، نلاحظ اليوم الكثير من المثقفين يأخذون مواقف معادية للقرآن لأن الفقهاء لم يأتوا بتجديد لهذا النص)! وكلامه هذا يكشف عن اثارات مهمة منها:
ـ يجعل من العرفاء مرجعاً لتأييد صحة آيات القرآن الكريم مع انهم ليس عندهم خصوصية تؤهلهم لهذه المرجعية فالقرآن الكريم كتاب معجز وهو يدل على صحة نفسه بنفسه. اذن القرآن الكريم صحيح قطعاً ولا يحتاج لرأي العرفاء للشهادة بصحته.
ـ يقبل وصف الله سبحانه بانه ملك الملوك ولكنه في محاضرة (نقد الاعجاز القرآني) ومحاضرات اخرى ايضاً حينما يتحدث عن العرش يرفض ان يوصف الله سبحانه بانه له عرش كعرش الملوك ، ويقول تلك صفات بشرية لا يجوز وصف الله بها !؟ اذن لماذا يقبل هنا ان يصف الله بوصف بشري وهو"ملك الملوك" !! طبعا المسلمون لا يقولون بان لله عرشاً كعرش الملوك انما يعطون للعرش معاني اخرى كالعلم وغيرها. فتناقض احمد القبانجي في هذه النقطة واضح.
ـ الآية الكريمة وردت في سورة النمل على لسان ملكة سبأ وهي آية واضحة الدلالة ولا تحتاج لتفسير باطني ليشرحها ، فقد كانت ملكة سبأ تنذر قومها من ان من عادة الملوك اذا غزو ممالك او قرى اخرى فانهم يفسدون تلك القرى والممالك ويتلفونها ويسبون اهلها وكانت تريد بذلك نصح قومها لمسالمة النبي سليمان (عليه السلام) وتجنب دخول الحرب معه. فاحمد القبانجي عمد الى آية واضحة الدلالة ففسرها تفسيراً باطنياً !!
ـ اقتراف احمد القبانجي للتفسير الباطني لقرآن يماثل تفسير الفرق الباطنية القديمة المنقرضة للقرآن الكريم حينما تعطي لبعض معاني الآيات معاني اخرى ليس عليها دليل انما هي اهواء تتبع.
ـ في محاضرته نفسها انتقد بعض الروايات عند الشيعة التي تعطي لبعض الآيات القرآنية تفسيراً باطنياً (وهي روايات غير معتبرة عندهم) ولكنه نفسه يعود بعد قليل ليفسر الاية آنفة الذكر تفسيراً باطنياً ايضاً !!؟ فتناقضاته واضحة ...
ـ يزعم ان التفسير الوجداني الباطني تفسير جمالي ! وقضية الجمال هذه نسبية ، وكما يقال كن جميلاً ترى الوجود جميلا ، فلا يمكن ان يزعم احد ان التفسير الاسلامي لآيات القرآن الكريم خالٍ من الجمال بل هو في القمة منه في جميع آيات القرآن الكريم. انظر لنفس الآية الكريمة كيف تعكس جمال عقل المرأة التي تفهم في السياسة وسيرة الملوك وما يمكن ان يقترفوه من دمار على القرى التي يستولون عليها ، فتتمكن من تجنيب شعبها ويلات عظيمة ، فقالت لهم: (( ان الملوك اذا دخلوا قرية افسدوها )) ، فهل تفسيره اكثر جمالية ام التفسير الاسلامي الجمالي الرائع الذي يعطي للمراة مكانة عالية في الوسط الانساني.
ـ يعترف احمد القبانجي في في تفسيره الوجداني الباطني بوجود الشياطين فيقول ان دخول الله الى القلب يفسد وجود الشياطين في القلب !! يقول انها اناة شيطانية و(هذه الشياطين تختفي في قلبك) بينما هو يقول في محاضرته حول الالسنيات ان ما لا يراه الانسان له وجود ذهني فقط وليس وجود حقيقي .. كما بيناه آنفاً .. وفي محاضرات اخرى يرفض وجود جبريل (عليه السلام) وكذلك الشياطين لأنه لا يراهم ! وهذه تناقضات فكرية عميقة عنده.
ـ ان تفسيره يخالف سياق الايات الكريمة في قصة الهدهد وملكة سبأ فهل من المعقول ان ملكة سبأ تتحدث مع قومها في شأن سياسي وتهديد النبي سليمان (عليه السلام) ملك مملكة اسرائيل لهم بغزوهم فتقول لهم اطردوا الانا من قلوبكم !! ان هذا التفسير الوجداني فيه استخفاف بعقل المرأة كما هو واضح.
ـ هو يفسر الآيات تفسيراً باطنياً ثم ينكر ان يكون تفسيره باطنياً ... استخفافاً بعقول مستمعيه !!
الخاتمة:
بينا في بحثنا هذا جانباً مهما من فكر احمد القبانجي البعيد عن المنهج العلمي والمليء بالتناقضات.
ان المدنية والحداثة يمكن ان تتحقق على اسس علمية سليمة ورصينة في حياتنا وبدون ان تتعارض مع الدين والقيم والاخلاق. فليس ملزماً من اجل التطور والتمدن والحداثة ان يتخلى الانسان عن عقيدته واخلاقه ودينه ومبادئه السامية ثم يعتنق افكاراً فوضوية متناقضة كما يفعل احمد القبانجي والذي نجده بعد ان يروج لأفكاره بين الناس يعود ليقول لهم انه ليس عنده دليل على صحة كلامه !!!
 

قال الله سبحانه وتعالى: ((قَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)). صدق الله العلي العظيم
 

 

الصفحة الرئيسية