بسم الله الرحمن الرحيم

 

مقدمة في نقد كتاب العقلانية والمعنوية لمصطفى ملكيان

 

نبيـل الكرخي

 

تبدأ المشاكل مع هذا الكتاب (المعنوية والعقلانية) بالعنوان نفسه ، فاسمه الاصلي باللغة الفارسية هو (عقلانیت و معنویت) بينما تمت ترجمته الى (العقلانية والمعنوية) ونظن ان الاصح هو ان يترجم العنوان الى (العقلانية والروحانية) ، ولكن لسبب ما لعله حيث ان كلمة الروحانية غير مستعملة كثيراً في اللغة العربية أو ان للروحانية اصطلاح في اللغة العربية يختلف عن مراد المؤلف ملكيان فلذلك عمد المترجم (عبد الجبار الرفاعي وحيدر نجف) فيما يبدو الى جعل العنوان (العقلانية والمعنوية) بدلاً من معناه الاصلي.
اتهامه المجتمع الديني بالزيف والعنف:
تحدث ملكيان بعيداً عن الانصاف في مقدمته فقال: (حيثما لم يراع الانسان حرمة العقل والعقلانية ولم يعرهما ما يستحقانه من اهتمام فقد اضحى مجتمعه صولجاناً سائغاً لفئتين من الناس: اشباح الزيف وزبانية العنف ، وما من سبيل لمكافحة هاتين الآفتين المهولتين سوى الاعتصام بعرى العقلانية) !
فليس من التكلف القول بأن مقصوده بالعقلانية هو الحداثة من حيث تسمية الكل باسم الجزء ، وعلى هذا فهو يرى ان المجتمعات الدينية التي سادت طيلة القرون الماضية لم يكن فيها من الناس سوى الزائفين والارهابيين !! وهذه مصادرة مجحفة لوجود اجيال عظيمة تعاقبت حاملة مشعل الانسانية في ظل الاسلام الى العالم كله ، وحاملة لواء العلم والمعرفة ترجمةً وانتاجاً مما لا يسع احداً الا ان يعترف به.
ان ما ورد في مقدمته هذه لا يشجع على اكتشاف باحث متزن في افكاره وغير متحيز بل يشعر الانسان عندما يقرأها ان وراء كلماته دوافع نفسية ذات عمق سوداوي دفعه للتحدث بهذا الاتجاه ...
الاسلوب الزخرفي:
أو التزويق اللفظي الذي استعمله ملكيان في طمس بعض الحقائق وتصويرها على نحو مختلف عن حقيقتها او تجميل الباطل والتقليل من قبحه او استخدام صورة فنية له تخفي عيوبه ومنفراته.
نموذج لأسلوبه الزخرفي نجده في الصفحة الاولى من الفصل الاول تحت عنوان (معطيات الوحي ومكتشفات الانسان) حيث يقول: (باديء ذي بدء نطرح اصل المسالة وهي ان البشر بإستخدامهم كافة قواهم الادراكية توصلوا على صعيد العلوم والمعارف العقلية الفلسفية والحسية التجريبية والشهودية العرفانية والتاريخية والاخلاقية والحقوقية والفنية والادبية الى مجموعة آراء ومتبنيات واصطنعوا جملة مدارس ومسالك نظرية وعملية وفنية. وتتسم هذه الآراء والمتبنيات والمدارس والمسالك بالتعدد وبالتباين والاختلاف عن بعضها في نفس الوقت . لكنها جميعاً على كل حال صنيعة استخدام القوى الادراكية لدى البشر وهي في ذلك كالفواكه المتنوعة في طعمها والوانها وروائحها ، المنتجة كلها من طبيعة واحدة) .
تصوروا كيف يصف النتاجات الفكرية الانسانية بانها كالفواكه المتنوعة مع ان بعض النتاجات الفكرية تصلح ان يمثلها بالسم الزعاف وبعضها بالمر والعلقم ، فكيف تكون كل الافكار البشرية منتجة من طبيعة واحدة بل حتى الفلسفة نفسها لا يمكن ان يقال عنها انها منتجة من طبيعة واحدة ... صحيح ان العقل هو مصدر كل تلك الافكار المتضاربة والمضطربة ولكن لا يصح تزويق فكرة ان تكون فلسفة ارسطو وسفسطة بروتوغوراس من منبع واحد ! او يكون مذهب الشك والمذهب الواقعي كتنوع الفاكهة !!
ولا يصح ان تكون افكار الاقصاء والتهميش والابادة بمنزلة محترمة الى جانب التسامح والتآلف والتعايش ووصفها بأنها جميعا كتنوع الفاكهة ! صحيح ان محاكم التفتيش الدموية والمقابر الجماعية مبنية على منتج فكري انساني ولكنه منتج قبيح لا يصح تجميله بتقريب وصفه بالفاكهة.
يفترض باسلوب الحداثة تسمية الاشياء بمسمياتها والوصول الى الهدف من اقصر طريق لا كما يفعل ملكيان بمغالطاته الواضحة.
ويستمر ملكيان في زخرف القول فيقول: (من جهة ثانية ظهر طيلة التاريخ الانساني اشخاص جاءوا باحكام وتعاليم قالوا انها ليست من صنع قواهم الادراكية بل هي موحاة اليهم من عالم علوي آخر ، فما من مؤسس دين ادعى ان ما جاء به من تعاليم هو ثمرة استعماله لقواه الادراكية الخاصة انما يؤكد دائماً انها من ايحاءات السماء. ولم تكن هذه الاحالات والتواضع مما يترقبه مؤسسو الاديان في الغالب أي انهم لم يتوقعوا يوماً احراز مثل هذه العلوم والمعارف ولم يمهدوا لاكتسابها واستنزالها في الكثير من الحالات انما وجدوها على حين غرة في ضمائرهم. فحينما يقول النبي عيسى (ع) في المهد حسب النقل القرآني (إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً) يتضح بجلاء انه لم يبادر في الدار الدنيا على الاقل لأي رياضة أو تمهيد كي يغدو مبعوثاً سماوياً) .
قال تعالى في سورة الحج: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ). فليس النبي هو من يختار نفسه للنبوة بل الله سبحانه يصطفيه لحمل النبوة والرسالة. اما كلام ملكيان المذكور آنفاً ففيه عدّة اثارات:
• يقبل ملكيان من الفلاسفة مختلف افكارهم فقط لأنهم يقولون انها صادرة من عندهم مهما كان فيها من سفسطة واوهام وبعد عن المنطق وفلسفة مليئة بالشك والكآبة والاوهام ! ولكنه قد لا يقبل من الانبياء ما ياتون به من حكمة وقواعد اخلاقية رصينة وبناء متقن للمجتمع ! فهب يا مليكان ان الانبياء – وحاشاهم – غير صادقين في دعواهم الارسال من قبل الله سبحانه الا يدل ذلك على ان الحكمة والاخلاق التي يحملونها للناس هي من نتاجهم الشخصي ونتاج عقلهم وتفكيرهم وبذلك يتساوون مع الفلاسفة في انهم اجهدوا انفسهم واعملوا عقلهم في مختلف القضايا. اليس الانفع للناس ان يتبعوا الانسان الحكيم القادر على ان يبني لهم مجتمعاً آمناً سعيداً تجري فيه الخيرات ويعيشون فيه بهناء حتى ان زعم انه نبي – لسبب ما - بدلاً من اتباع فيلسوف لا يلقي بينهم سوى المغالطات والاوهام والشك والكآبة والحيرة !
قال الله سبحانه في سورة يونس (عليه السلام): (قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّي إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ).
• هل حدث ان جاء نبي برسالة الى الناس ويقول لهم انه مرسل من قبل الله سبحانه دون ان يثبت لهم ذلك ؟ بالتأكيد لم يحدث ذلك فإنَّ كل رسول من قبل الله عز وجل قد اتى قومه بمعجزات خارقة لقوانين الطبيعة اثبتت لهم ان الذي خلق قوانين الطبيعة قادر على خرقها وتبديلها وانه هو نفسه خالقهم ومرسله لهم ليبين لهم الاحكام التي يعيشون في ظلها بسعادة ويبتعدون من خلال تطبيقها عن الشقاء في الدنيا والآخرة. اذن اولئك الاشخاص الذين جاؤا باحكام ادّعوا انها موحاة من عالم علوي اثبتوا صحة ادعائهم وصحة نسبة تلك الاحكام الى الله العليّ العظيم الذي بعثهم.
• يقارن ملكيان بين اشخاص قالوا انهم يستعملون قواهم الادراكية وقد يقصد الفلاسفة وبين اشخاص قالوا انهم لا يستعملون قواهم الادراكية بل هم مبعوثون من الاله جلّ شانه ، ويحاول ان يصوّر ان الطرف الاول يستعمل عقله بينما الطرف الثاني لا يستعمله اذ هو فقط ناقل لأحكام الله سبحانه ! وبغض النظر عن نتيجة كل طرف والتي بيّناها آنفاً حيث انتج معظم الفلاسفة الشك والوهم والحيرة بينما انتج الانبياء الحكمة والسعادة ، فالحقيقة مع ذلك ليست كما يصورها ملكيان ، فمن قال له ان الانبياء لم يستعملوا عقلهم ولكن على نحو صحيح بخلاف الفلاسفة الذين استعملوا عقلهم بطريقة مغايرة للحقيقة فانتجوا الشك والقلق والحيرة ! ويدل على ذلك ان هناك عدة روايات تبين المناظرات العقلية لأئمة آل البيت (عليهم السلام) مع اشخاص كانوا قد تزندقوا والحدوا وتعددت بهم المذاهب الفكرية وكيف ان الامام (عليه السلام) كان يبين لهم بطريقة عقلية خطأ ادلتهم وضعف مواقفهم الفكرية.
إنّ مقارنة ملكيان بين الطرف الذي يجهد عقله فينتج لنا الوهم والقلق بزعم انها فلسفة مع الطرف الذي ينقل لنا الرسالة الالهية ويعلمنا استعمال عقلنا بالاتجاه الصحيح تصور لنا الامر على النحو التالي: يمكن ان نفترض ان هناك صفّان دراسيان الصف الاول مليء بالتلاميذ ولكن ليس هناك استاذ يعلمهم فلجأ كل واحد فيهم الى افتراضاته وآرائه وكل واحد في ذلك الصف يختلف مع زميله في استنتاجاته دون ان يكون لهم مرجع يحدد صحة آرائهم او يصوبها لهم ، بينما الصف الثاني لديهم استاذ يعلمهم ويشرح لهم اصول البحث والتفكير فانتج تلاميذاً كل واحد منهم يحمل علماً كبيراً مما علمه اياه استاذه ، فأي الصفين الدراسيين هم على صواب والانفع للانسانية ؟ الجواب واضح كما تعلمون ، اما ملكيان فيظن ان الصف الذي ليس له استاذ انفع للانسانية من الصف الذي عنده استاذ !!؟ فملكيان يعيب على الانبياء ان يكون عندهم علم موحى به اليهم من قبل الله سبحانه !؟؟
• إنَّ منهج ملكيان غير واضح فهل هو يؤمن بوجود الله سبحانه ويؤمن ببعث الانبياء ام لا ! كان عليه ان يظهر معتقداته بوضوح لكي نتمكن من مناقشته وفقاً لمعتقداته وآرائه بدلاً من ان يبقيها طي الكتمان ! ان كلامه عن الانبياء بأنهم اشخاص جاؤا بتعاليم من عالم علوي يبين لنا انه لا يؤمن بالانبياء على اقل تقدير وعلى هذا الاساس سنناقش وننقد كتاباته.
مفهوم العقلانية وابعادها عند ملكيان:
يقول ملكيان: ان العقلانية تعني الاتباع التام للاستدلال الصحيح ، وحيث ان للاستدلال ضروباً متفاوتة في معاييرها لمعرفة الصواب يتاح القول أن للعقلانية هي الاخرى صنوفاً وأنماطاً متعددة أو أن للقوة العاقلة شؤوناً وأدواراً مختلفة . ويمكن تصنيف أنماط العقلانية إلى فئتين كبيرتين:
أ‌. العقلانية النظرية ، وهي المختصة بالعقائد.
ب‌. العقلانية العملية ، وهي المعنية بالافعال والممارسات.
ويقول ملكيان: لا أظن أن اياً من النظم العقيدية لأي دين أو مذهب ممكن الاثبات عقلياً . أما العقائد العقلانية هي تلك التي يحق لنا معرفياً الاعتقاد بها سواء كانت صادقة في نفس الامر أو كاذبة ، والعقائد غير العقلانية هي التي لا يحق لنا معرفياً الاعتقاد بها سواء كانت في نفس الامر صادقة أو كاذبة ! ويقول: أشدد هنا على كلمة (معرفياً) لأؤكد أن ثمة في مضمار الاعتقاد حقوقاً أخرى غير الحق المعرفي.
من الواضح ان العقلانية التي يقصدها الاستاذ ملكيان في كتابه هذا لا تعني العقل ولا الدليل العقلي ولا المتبنيات العقلية لايراده احتمالية الكذب فيها وانها رغم كذبها تبقى عقلانية ! فالعقلانية التي يقصدها هي مختلف صنوف الفلسفات وما افرزته من افكار فمادامت منتوجاً بشرياً فيحق لنا (معرفياً الاعتقاد بها سواء كانت صادقة في نفس الامر أو كاذبة) على حد تعبيره !
اذن من العقلانية ان تؤمن بفلسفة تزرع فيك الشك والوهم ومن العقلانية ان تؤمن بالسفسطة مادامت منتوجاً بشرياً ، ولكن ليس من العقلانية ان تؤمن بالدين لأنه منتوج غير بشري ! لأنه منتج إلهي !! اليست هذه هي افكار ملكيان !!
فلنفترض جدلاً ان الانبياء – رغم المعجزات التي جاؤوا بها - غير صادقين في نبوتهم أفلا تكون حينئذٍ الاديان التي جاؤا بها منتجاً بشرياً فلماذا اذن نسلبها حق ان تكون من العقائد العقلانية مادام ملكيان يسمح معرفيا بتبني العقائد الكاذبة ايضاً ؟!
هل رأيتم الى ماذا آلت المسألة !؟ فحسب فكرة ملكيان عن العقلانية نجد انه من العقلانية أن يؤمن الانسان بعقيدةٍ باعتبارها منتجاً بشرياً وليست من العقلانية أن يؤمن الانسان بنفس العقيدة بإعتبارها منتجاً إلهياً !! هل هذا المنطق عقلاني يا ملكيان ؟!!

 

 

 

 

الصفحة الرئيسية