ماذا تعرف عن البابا بنيديكت السادس عشر ؟

افتراءات لها تاريخ
دراسة بقلم د. محمد عمارة

د. محمد عمارة

جاءت محاضرة بابا الفاتيكان بنديكتوس السادس عشر في جامعة "ريجنسبور" الألمانية في 12 سبتمبر سنة 2006م، والتي فجرت الغضب الإسلامي، جاءت هذه المحاضرة في سياق من الحقائق والوقائع التاريخية.. والمعاصرة يغفل عنها الكثيرون..
كما جاءت صادمة للمشاعر الإسلامية، بسبب حدتها.. ولما حوته من الأكاذيب والمغالطات والجهالات، التي لا يتصور صدورها من "أستاذ للفلسفة"، يتولى منصب الحبر الأعظم لحاضرة الكاثوليكية بالفاتيكان.. عندما يتحدث عن دين كالإسلام يتدين به مليار ونصف المليار من المسلمين.
لقد كان موضوع محاضرة البابا عن علاقة العقل بالإيمان في المسيحية.. لكن الغريب بل والعجب المريب أن الرجل قد بدأ محاضرته بالهجوم على الإسلام!.. بل ولقد استغرق هذا الهجوم على الإسلام ربع هذه المحاضرة!! مائة سطر من أربعمائة سطر، هي جملة سطور النص الكامل للمحاضرة...(1).
وكان أخطر ما في هذه المحاضرة ليس اقتباس البابا من الإمبراطور البيزنطي "مانويل الثاني" (1391 1425م) كما حسب كثير من المعلقين وإنما تعليقات البابا على الاقتباس.
لقد استشهد البابا بكلمات الإمبراطور البيزنطي في معرض ربط الجهاد الإسلامي "بالحرب المقدسة المسيحية" وأورد الكلمات التي قال فيها هذا الأمبراطور لأحد المثقفين الفرس المسلمين:
"أرني ما الذي أتى به محمد من جديد؟! فهنا ستجدون أشياء شريرة وغير إنسانية، مثل أمره بنشر العقيدة التي دعا إليها بحد السيف".
ولقد وصف البابا الإمبراطور "مانويل الثاني" بالموسوعي!.. وأغفل ذكر رد المثقف الفارسي المسلم على هذا الإمبراطور!.. ثم مضى معلقاً ومؤيداً فقال:
"لابد أن الإمبراطور كان يعرف أن السورة 2 آية 256 تنص على أنه لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي، وهي إحدى سور العصور الأولى من تاريخ الإسلام، عندما كان محمد لا يزال مهدداً، وتعوزه القوة.
ولكن من الطبيعي كذلك بالنسبة للإمبراطور، أن يكون قد عرف التعليمات "أوامر اللئام" بشأن الحرب المقدسة، والتي ذُكرت لاحقاً ودوِّنت في القرآن".
وفي إطار كلام البابا عن علاقة العقل بالإيمان في المسيحية والإسلام قال: "إن القول الفصل في النقاش حول التحول العقائدي باستخدام العنف، هو أن عدم التصرف وفقاً للعقل هو أمر مناهض لطبيعة الرب.
ولكن بالنسبة للتعاليم الإسلامية، فإن الرب مطلق السمو، فمشيئته لا تتماشى مع أي من خصائصها بما فيها العقلانية.. ولقد ذهب ابن حزم إلى حد الإقرار بأن الرب الله يلتزم حتى بكلمته الخاصة وأنه ما من شيء يلزمه بكشف الحقيقة لنا.
ففيما يتعلق بإرادة الله، فإنه ينبغي علينا التعبد بشكل "وثني أعمى"!

كانت تلك أبرز نقاط المغالطات والافتراءات التي وردت عن الإسلام في محاضرة بابا الفاتيكان، والتي إن أثارت الغضب في جماهير الأمة الإسلامية.. فإنها تستوجب النظر العلمي الموضوعي والهادئ والصبور في الحوار مع "أستاذ الفلسفة" عظيم الفاتيكان.
وإذا كانت مجلة "نيوزويك" الأمريكية قد استنكرت ما جاء بمحاضرة البابا عن الإسلام.. وجعلت عنوان غلافها عدد 26-9-2006م: "بنديكتوس السادس عشر.. ماذا دهاه؟!"... ثم وصفت طريقته في هذا التناول للإسلام بأنها "طريقة خرقاء"!.. فإننا نختلف معها في هذا التوصيف.. فالأمر ليس مجرد "حماقة".. وإنما هو موقف له تاريخ طويل من العداء للإسلام!
إنه فصل جديد ولن يكون الأخير في فصول العداء للإسلام، والافتراء على مقدساته ورموزه وأمته وحضارته.. يأتي بعد عام من أحداث الرسوم الدنماركية، التي أساءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وممن؟.. من عظيم الفاتيكان.. وليس من صحفي دنماركي نشر رسومه في 30 سبتمبر سنة 2005م.
لقد تحدث البابا بنديكتوس السادس عشر في هذه المحاضرة.. فأساء إلى إله المسلمين ورب العالمين، عندما ادَّعى أن المشيئة الإلهية في الإيمان الإسلامي متسامية ومطلقة، لا تتقيد بالعقل ولا بالمنطق.. الأمر الذي يجعل الإيمان الإسلامي برأي البابا إيماناً وثنياً أعمى!!
وعندما أراد الحديث عن رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم اختار واختيار المرء قطعة من عقله عبارات الإمبراطور البيزنطي "مانويل الثاني" (1391 1425م) التي تفتري على رسول الإسلام، فتزعم أنه لم يأت إلا بما هو شرير وسيئ ولا إنساني.. ومن ذلك أمره نشر دينه بالسيف!!
وانطلاقاً من ذلك، قارن البابا بين مسيحيته وبين الإسلام.. فادَّعى عقلانية المسيحية ولا عقلانية الإسلام!
كما اتهم الإسلام بالتأسيس للعنف والإرهاب واتهم المسلمين بهما .
كما خلط بين الجهاد الإسلامي وبين الحرب الدينية المقدسة التي عرفتها ومارستها الكنيسة الكاثوليكية الغربية...

ورغم الدهشة والغضب اللذين يشعر بهما، لا المسلمون وحدهم، بل والمنصفون من غير المسلمين، الذين عرفوا الإسلام.. بل وحتى المحايدون الذين يفترضون ضرورة الأدب والكياسة في الحديث عن الديانات.. رغم كل ذلك، فإن الموضوعية يجب أن تكون المعيار الأول في الرد على هذه الإساءات والمغالطات..
إن الغضب لله ولرسوله ولدينه أمر مشروع.. بل ومطلوب.. لكن الإسلام يعلمنا أن يمين الغاضب لا تنعقد، وأن قضاء الغاضب لا يجوز، لأن الغضب قطعة من الجنون.. ومن ثم فإن العقلانية والموضوعية هي التي يجب أن تحكم الرد على هذه الإساءات.. وتحكم الحوار مع عظيم الفاتيكان.
وفي البداية.. ولتبديد الاستغراب والاندهاش اللذين أصابا الكثيرين من هذا الذي صنعه الحبر الأعظم للكاثوليكية، المتربع على عرش بابوية الفاتيكان.. أقول: إنه لا غرابة في حدوث هذا الأمر الغريب؟!
فهذا الرجل الذي تولى البابوية في أبريل سنة 2005م، قد شغل في الفاتيكان لأكثر من ربع قرن من سنة 1981م حتى سنة 2005م منصب المسؤول الأول عن "النقاء العقائدي"، أي قيادة "الأصولية الأرثوذكسية الكاثوليكية"، التي تقسّم العالم إلى مؤمنين كاثوليك حقيقيين.. وإلى من يعتنقون "بعض عناصر الإيمان".. أي أنه بالمعنى الشائع في الشرق كان يتولى زعامة ومسؤولية "التكفيريين" في الإطار الكاثوليكي!.. الأمر الذي يرسم صورته وصورة مواقفه ضد الآخرين من غير الكاثوليك!.. ويرسم صورة مؤسسته في هذه المرحلة من التاريخ..
وهو من هذا المنطلق "الأصولي التكفيري" عدو لدود للعلمانية، التي جعلت أكبر البلاد الكاثوليكية في أوروبا فرنسا لايذهب فيها إلى القداس سوى 7.7% من السكان الكاثوليك!.. أي أن تعداد الكاثوليك الفرنسيين بمقاييس هذا البابا هم أقل من تعداد المسلمين الفرنسيين!
وهذا المنصب الذي تولاه لأكثر من ربع قرن قبل توليه البابوية منصب "المفتش الأكبر".. رئيس مجمع عقيدة الإيمان هو في الكنيسة الكاثوليكية الامتداد المعاصر "لمحاكم التفتيش" التي احترفت في العصور الوسطى الأوروبية التفتيش عن العقائد، وممارسة الحرق والخنق والإغراق ضد العلماء والمفكرين والفلاسفة والمخالفين.. وضد المسلمين بعد إسقاط غرناطة واقتلاع الإسلام من الأندلس سنة 1492م... والتي مارست إعدام هؤلاء المخالفين على "الخازوق المقدس" لمدة ثلاثة قرون!.. والتي بلغ ضحاياها عدة ملايين.
بل إن اختيار هذا الرجل واسمه قبل البابوية "جوزيف راتزينجر" لاسمه البابوي بنديكتوس السادس عشر له كما أسلفنا معنى وثيق الصلة بهذا التوجه "الأصولي التكفيري" في الموقف من الآخرين.. فالبابا بنديكتوس الرابع عشر (1740 1758م) في القرن الثامن عشر كان عدواً للعقلانية ولمنهج الشك اللذين قامت عليهما حركة التنوير الأوروبية... وقبل ذلك في القرن السادس كان القديس البابا بنديكت الخامس (480 547م) هو مؤسس الأديرة والرهبانية التي ساعدت على بقاء الحضارة المسيحية في أوروبا.. وهو واضع دستور الرهبانية المتبع حتى الآن في الحضارة الغربية..
فحتى الاسم بنديكتوس الذي اختاره هذا البابا له توجهات أصولية بالمعنى الغربي وله دلالات.. وله تاريخ!...(2).
وفيما يتعلق بما جاء من الإساءات للإسلام في محاضرته بجامعة "ريجنسبورج" في مدينة "رايتسبون" الألمانية في 12 سبتمبر سنة 2006م.. فإن هذا لم يكن كما أسلفنا بداية إساءاته إلى الإسلام..
فالرجل له تاريخ في "الخوف والتخويف" من الإسلام.. ذلك الذي أصبح اتجاهاً في الغرب يسمونه الإسلام فوبيا Islam Phobia ... ففي حوار بينه وبين السياسي الإيطالي البارز "مارسيللو بيرا" نشر في كتاب عنوانه: "بلا جذور: الغرب، النسبية، الإسلام والمسيحية" يعلن هذا البابا أنه تسيطر عليه مخاوف ثلاثة:
أولها: الانقراض السكاني للأوروبيين المسيحيين بسبب العلمنة التي أشاعت الأنانية وتفكك الأسرة، فانخفضت الخصوبة والمواليد أحياناً إلى أقل من 1% "ذلك أن معدلات المواليد في غالبية الدول الأوروبية تراجعت، الشيء الذي أثر على استمرار التوازن السكاني.. وجعل عدة شعوب أوروبية، خصوصاً الألمان والإيطاليين والإسبان، ربما لا تكون موجودة قبل نهايته القرن الحالي.. أو في أحسن الأحوال والتكهنات تصبح هذه الشعوب أقليات داخل دولها"..
وثاني هذه المخاوف البابوية: "أن المكان الذي تتركه الأجيال الأوروبية الجديدة شاغراً يملؤه المهاجرون المسلمون، خصوصاً من إفريقيا والعالم العربي.. الأمر الذي يفتح الباب لاحتمال أن تصبح أوروبا مستقبلاً جزءاً من العالم الإسلامي"!!
وثالث هذه المخاوف البابوية.. تراجع المسيحية من الفضاء الأوروبي.. فبسبب العلمانية "أصبحت مسيحية غالبية الأوروبيين تقتصر على انتماء الأسرة التقليدي للمسيحية" أي مسيحيون بحكم النسب والتاريخ!! الأمر الذي أدى برأي البابا إلى "افتقار أوروبا إلى القدرة والرغبة والشجاعة الأخلاقية في القتال من أجل أي شيء حتى حريتها"!!(3).
هكذا ينظر البابا بنديكتوس السادس عشر إلى الإسلام، فيراه الوارث لمسيحيته وكنيسته.. الذي سيجعل أوروبا وهي قلب العالم المسيحي قبل نهاية هذا القرن "جزءاً من دار الإسلام" كما سبق وجعل الشرق الذي كان قلب العالم المسيحي قلباً لعالم الإسلام!!
ولقد انعكس هذا الخوف البابوي من الإسلام في صور تعلن عداءه لهذا الدين، وافتراءه عليه، وإساءته لعقائده ورموزه ومقدساته حتى قبل هذه المحاضرة التي فجرت غضب المسلمين...
فالإسلام، الذي يبلغ القمة في التنزيه للذات الإلهية عن التعدد والحلول والاتحاد والتجسيم والتشبيه.. والذروة في التوحيد الخالص لهذه الذات الإلهية: قل هو الله أحد (1) الله الصمد (2) لم يلد ولم يولد (3) ولم يكن له كفوا أحد(4) (الإخلاص)، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير 11 (الشورى).. و"كل ما خطر على بالك فالله ليس كذلك"..
هذا الإسلام، الذي تلخصه كلمة التوحيد، وتعبر عن شعاره شهادة أن لا إله إلا الله، يقول عنه البابا: "إنه ليس دين توحيد على نمط اليهودية والمسيحية، لا ينتمي إلى الوحي نفسه الذي تنتمي إليه اليهودية والمسيحية"!!(4).
فالتوحيد برأي البابا موجود في اليهودية، التي جعلت الله خاصاً ببني إسرائيل، وللشعوب الأخرى آلهتها!.. وموجود في المسيحية التي تقول بالتثليث.. وتعبد عيسى ابن مريم باعتباره الرب وتقول عنه: "إنه الألف والياء، والبداية والنهاية، القادر على كل شيء.. خالق كل شيء، وبه كان كل شيء.. وبدونه لم يكن شيء مما كان"" (يوحنا 1: 11).
أما الإسلام، الذي يجعل الواحدية والأحدية فقط للذات الإلهية، وينزهه عن المثيل والند والشريك والشبيه والصاحبة والوالد والولد.. فهو بنظر البابا بنديكتوس ليس دين توحيد!!
وإذا كان الكاردينال "جوزيف راتزينجر" قد اتخذ لنفسه اسماً أبوياً ينم عن التوجهات المحافظة والأصولية بالمعنى المسيحي الغربي فإن عداءه هذا للإسلام.. وإعلانه السافر لهذا العداء.. واتخاذ هذا العداء صور الإساءة والتهجم.. هو الآخر له تاريخ... بل وتاريخ طويل مليء بثقافة الكراهية السوداء للإسلام والمسلمين.
ففي تراثه الكاثوليكي، يقول أبرز قديسي وفلاسفة الكاثوليكية في العصور الأوروبية الوسطى "توما الأكويني" (1225 1274) عن رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم .
"لقد أغوى محمد الشعوب من خلال وعوده لها بالمتع الشهوانية.. وحرَّف جميع الأدلة الواردة في التوراة والأناجيل من خلال الأساطير والخرافات التي كان يتلوها على أصحابه، ولم يؤمن برسالته إلا المتوحشون من البشر، الذين كانوا يعيشون في البادية"!(5).
وفي التراث الفني والأدبي الكاثوليكي الأوروبي تراث بابا الفاتيكان وضع "دانتي" (1295 1321م) صاحب "الكوميديا الإلهية" رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: "في الحفرة التاسعة في ثامن حلقة من حلقات جهنم، لأنهم بنظر دانتي من أهل الشجار والنفاق، الذين تقطعت أجسادهم في سعير الكوميديا الإلهية"!(6).
وفي تراث البابا الذي يتهم الإسلام بأنه ليس دين توحيد تزعم "ملحمة رولاند" الشعبية التي نظمت حوالي سنة 1300م أن المسلمين يعبدون ثالوث:
1 أبولين APllin
2 وتيرفاجانتTervagant
3 ومحمد Mohamed(7).
وبشهادات علماء الغرب، الذين قارنوا بين حقيقة الإسلام وبين الصورة البائسة والكريهة والشوهاء التي صنعتها المسيحية الغربية لهذا الإسلام.. فإن الخيال الغربي المسيحي المريض قد أطلق لنفسه العنان في تشويه صورة الإسلام ليشحن العامة والغوغاء في الحروب الصليبية التي شنتها الكنيسة الغربية لإعادة اختطاف الشرق من التحرير الإسلامي.
يشهد على هذه الحقيقة المستشرق الفرنسي "مكسيم رودنسون" (1915 2004م) فيقول:
"لقد حدث أن الكتاب اللاتين، الذين أخذوا بين سنة 1000 وسنة 1140 على عاتقهم إشباع حاجة الإنسان العامي، يوجهون اهتمامهم نحو حياة محمد، دون أي اعتبار للدقة، فأطلقوا العنان "لجهل الخيال المنتصر" كما جاء في كلمات: "ر.وساوثرن" فكان محمد "في عرفهم": ساحراً، هدم الكنيسة في إفريقيا والشرق عن طريق السحر والخديعة، وضمن نجاحه بأن أباح الاتصالات الجنسية.. وكان محمد: "في عرف تلك الملاحم" هو صنمهم الرئيس، وكان معظم الشعراء الجوالة يعتبرونه كبير آلهة الراسنة "البدو" وكانت تماثيله "حسب أقوالهم" تصنع من مواد غنية، وذات أحجام هائلة"!(8).
وبشهادة المستشرق الإيطالي "فرانشيسكو جابرييلي":
"فلقد كانت العصور الوسطى الغربية تنظر إلى ظهور الإسلام وانتشاره باعتباره تمزقاً شيطانياً في صدر الكنيسة المسيحية وانشقاقاً مشؤوماً قام به شعب بربري"!(9).
وبشهادة المفكر الألماني "هوبرت هيركومر" في دراسته عن (صور الإسلام في الأدب الوسيط):
"فإن الأوروبيين ادعوا أن رسول الإسلام كان كاردينالاً كاثوليكياً، تجاهلته الكنيسة في انتخابات البابا، فقام بتأسيس طائفة ملحدة في الشرق انتقاماً من الكنيسة، واعتبرت أوروبا المسيحية في القرون الوسطى محمداً المرتد الأكبر عن المسيحية، الذي يتحمل وزر انقسام نصف البشرية عن الديانة المسيحية"(10).
وبشهادة المستشرقة الألمانية دكتورة "سيجريد هونكه":
"فلقد استقر في أذهان السواد الأعظم من الأوروبيين الازدراء الأحمق الظالم للعرب، الذي يصمهم جهلاً وعدواناً بأنهم "رعاة الماعز والأغنام والأجلاف، لابسو الخرق المهلهلة.. وعبدة الشيطان، ومحضرو أرواح الموتى، والسحرة، وأصحاب التعاويذ وأعمال السحر الأسود، والذين حذقوا هذا الفن، واستحوذ عليهم الشيطان، تحرسهم فيالق من زبانيته من الشياطين.. وقد تربع على عرشهم الذهبي "ماهومد" "مخميد" وقد ركعت تحت أقدامه قرابين بشرية يذبحها أتباعه قرباناً وزلفى إليه"!
"فهم الكفرة الفجرة، الذين لا يدينون بالمسيح أو الله، لأنهم لم يعبدوه بعد.. فهم ليسوا سوى ديدان حقيرة.. وسفلة أوغاد.. أعداء الله.. وأعداء المسيح.. مستبيحو قبر المسيح"!
"وحسب وصف "جي. توينبي" (1889 1975م): "فهم غير متحضرين.. وخلق غريب مستبعد من العالم الهلليني، أو المتطفلين على الحضارة الهللينية الإغريقية.. أولئك المحمديون البدائيون.. وأقصى القول فيهم: أنهم تقليد بربري جاهل زائف لديانة السريان الغريبة عنهم.. وهم لبدائيتهم وقصورهم لا يسعون إلى اعتناق النصرانية!(11).
"ولقد صوَّرت الكنيسة الأوروبية رسول الإسلام ساحراً كبيراً.. وصوَّرت "قرطبة".. في الأندلس.. وطن عباد الشيطان، المتوسلين بالموتى، الذين قدموا لمحمد الصنم الذهبي الذي كانت تحرسه عصبة من الشياطين، تضحية بشرية"!! "فبلاد الإسلام هي عالم الخرافات والأساطير، عبدة الشيطان، والسحرة المتضرعين إلى الشيطان.. بلاد الأضاحي البشرية من أجل صنم ذهبي، تسهر على سلامته عصبة من الشياطين، اسمه محمد"!!(12).
"ولقد نظم شاعر الكنيسة القسيس "كونراد" سنة 1300م في زيجنز بورج "ملحمة رولاند".. التي وصف فيها المسلمين بأنهم "الشعب الذي لا يُروى تعطشه لسفك الدماء، والذي لعنه رب السماء.. فهم كفرة وكلاب.. وخنازير فجرة.. وهم عبدة الأصنام التي لا حول لها ولا قوة.. الذين لا يستحقون إلا أن يُقتلوا وتطرح رممهم في الخلاء، فهم إلى جهنم بلا مراء"!!
"وفي هذه الملحمة الشعبية يخاطب القس "كونراد" الشعب المسلم، فيقول: "إن مخمت "محمد" قد أرسلني إليك لأطيح رأسك عن كتفيك، وأطرح للجوارح جثتك، وأمتشق برمحي هامتك، ولتعلم أن القيصر قد أمر كل من يأبى أن تعمده الكنيسة "ليس له إلا الموت شنقاً أو ضرباً أو حرقاً". إن أولئك جميعاً دون استثناء حزب الشيطان اللؤماء، خسروا الدنيا والآخرة، وحل عليهم غضب الله، فبطش بهم روحاً وجسداً، وكتب عليهم الخلود في جهنم أبداً"!!(13).
أما البابا الذهبي "أوربان الثاني" (1088 1099م) الذي أشعل نيران الحروب الصليبية ضد الإسلام والمسلمين فهو الذي خطب في فرسان الإقطاع الأوروبيين يحثهم على الحرب المقدسة ضد المسلمين، فقال: "أي خزي يجللنا وأي عار، لو أن هذا الجنس من الكفار، الذي لا يليق به إلا كل احتقار، والذي سقط في هاوية التعري عن كرامة الإنسان، جاعلاً من نفسه عبداً للشيطان، قد قُدر له الانتصار على شعب الله المختار"!!(14)
نعم.. هذه هي صورة الإسلام.. ورسوله صلى الله عليه وسلم .. وصورة المسلمين في تراث أوروبا الكاثوليكية.. والتي نافستها فيه أوروبا البروتستانتية، تلك التي تحدث بلسانها كبيرها "مارتن لوثر" (1483 1546م) عن القرآن الكريم فقال: "إنه كتاب بغيض وفظيع وملعون، ومليء بالأكاذيب والخرافات والفظائع!.. وإن إزعاج محمد، والإضرار بالمسلمين يجب أن تكون المقاصد من وراء ترجمة القرآن، وتعرّف المسيحيين عليه.. وإن على القساوسة أن يخطبوا أمام الشعب عن فظائع محمد، حتى يزداد المسيحيون عداوة له، وأيضاً ليقوى إيمانهم بالمسيحية، ولتتضاعف جسارتهم وبسالتهم في الحرب ضد الأتراك المسلمين وليضحوا بأموالهم وأنفسهم في هذه الحروب"!!
أما صورة رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحمة المهداة.. والنور والبشير للعالمين.. فإنها عند رأس البروتستانتية وبألفاظه صورة "خادم العاهرات وصائد المومسات"!!(15). كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا (5)(الكهف:5).

الهوامش
(1) انظر كتابنا (في فقه الصراع على القدس وفلسطين) ص 21 25، طبعة القاهرة سنة 2005م.
(2) رفاعة الطهطاوي (الأعمال الكاملة) ج12 ص219، دراسة وتحقيق: د. محمد عمارة، طبعة بيروت سنة 1973م.
(3) انظر كتابنا: (الغرب والإسلام: افتراءات لها تاريخ) ص 35، 36، طبعة القاهرة، سنة 2006م.
(4) الجبرتي: (عجائب الآثار في التراجم والأخبار) ج5 ص136، طبعة القاهرة سنة 1965م.
(5) صحيفة (الشرق الأوسط) في 1-10-1999م، وهي تنقل عن (الفيجارو) الفرنسية.
(6) صحيفة "الشرق الأوسط" في 30-10-1999م.
(7) انظر كتبنا: "الإسلام في عيون غربية" طبعة القاهرة سنة 2004م، و"الإسلام والآخرة" طبعة القاهرة سنة 2001م، و"الغرب والإسلام: أين الخطأ وأين الصواب"؟! طبعة القاهرة سنة 2004م، و"في فقه الصراع على القدس وفلسطين" طبعة القاهرة سنة 2005م، و"شبهات حول الإسلام" طبعة القاهرة 2002م، و"شبهات حول القرآن الكريم" طبعة القاهرة سنة 2003م، و"الغرب والإسلام: افتراءات لها تاريخ" طبعة القاهرة سنة 2006م، و"الإسلام وتحديات العصر" طبعة القاهرة سنة 2004م، و"الإسلام والحرب الدينية" طبعة القاهرة سنة 2004، و"الإسلام والأقليات" طبعة القاهرة سنة 2003م، و"السماحة الإسلامية" طبعة القاهرة سنة 2006م. و"حقيقة الجهاد والقتال والإرهاب" طبعة القاهرة سنة 2005م، و"الموقف من الديانات الأخرى" طبعة القاهرة سنة 2005م، و"الموقف من الحضارات الأخرى" طبعة القاهرة سنة 2005م، و"أكذوبة الاضطهاد الديني في مصر" طبعة القاهرة سنة 2000م، و"في المسألة القبطية.. حقائق وأوهام" طبعة القاهرة سنة 2001م، و"في فقه المواجهة بين الغرب والإسلام" طبعة القاهرة سنة 2003م.