بسم الله الرحمن الرحيم

 

مفهوم الانسانية بين الالحاد والايمان

 

نبيـل الكرخي

الانسانية مفهوم مهم في حياة الناس والمجتمع عموماً يختلف معناه وابعاده ورؤاه بين بعده ومنبعه الديني وبين معناه الفلسفي الذي يريد البعض ان يضفيه عليه من اجل ان يبرزه نداً للدين بل بديلاً عنه !
في موقع ويكيبيديا نقرأ تعريف الانسانية كالتالي: (حركة فلسفية، كانت تدعوا إلى إعادة الكرامة إلى القيمة الإنسانية كانت ترجح التفكير العقلاني وأكدت على تفوق الإنسان بذاته وليس عن طريق القِوى التي لا تخضع لتحكم العقل واتخذت كلمة الفيلسوف اليوناني القديم ((ان الإنسان مقياس للاشياء جمعيها)) شعار لها) . والفيلسوف اليوناني القديم المشار اليه هو بروتاغوراس Protagoras (485 - 410ق.م) وهو من اشهر السوفسطائيين وافكاره هي اساس افكار السفسطة ! ولذلك من المهم ان نلقي نظرة على معنى السفسطة. ففي المعجم الفلسفي لجميل صليبا (ج1 ص659) نقرأ : (قال بروشار لقد كان السوفسطائيون القدماء يدعون انهم يستطيعون ان يبرهنوا على النظريات المتناقضة بأدلة منطقية متساوية. وما اكثر ما يفعل الناس ذلك في ايامنا هذه بتأثير اهوائهم ومصالحهم الا انهم يفعلونه بغير علم). وقال ايضاً: ( وتطلق السفسطة ايضاً على القياس الذي تكون مقدماته صحيحة ونتائجه كاذبة لا ينخدع بها احد ، الا انك اذا انعمت النظر فيه وجدته مطابقاً لقواعد المنطق ووجدت نفسك عاجزاً عن دحضه).
والى جانب تعريف "الانسانية" في موقع ويكيبيديا نقرأ في موسوعة لالاند الفلسفية ، ص568 تعريف الـ "إنسانوية" HUMANISME فيقول انها: (عقيدة تقول إن على الانسان ان يتمسك فقط بما هو انساني من الناحية الاخلاقية. تدل الانسانوية على تصور عام للحياة (السياسية، الاقتصادية، الاخلاق)، فهي تقوم على الاعتقاد بخلاص الانسان بالقوى البشرية وحدها). ولذلك فهم يقصدون بالانسانية "استبعاد كل ما من شأنه تغريبه عن ذاته سواء بإخضاعه لحقائق ولقوى خارقة للطبيعة البشرية أم بتشويهه من خلال استعماله استعمالاً دونياً دون الطبيعة البشرية" .
اذن بروتوغوراس السفسطائي هو صاحب الشعار الذي رفعه دعاة "الانسانية" بجعل الانسان مقياساً لجميع الاشياء ! ولكن هل يصلح الانسان ليكون مقياساً لجميع الاشياء ؟ اليس الانسان يختلف في فكره وافعاله من شخص الى آخر ، فكيف يكون الانسان هو المقياس وهو مختلف اصلاً من شخص لآخر !؟ فصاحب الشعار بروتوغراس نفسه كان سفسطائياً ويقيس الاشياء بسفسطته والبشرية اليوم ترفض سفسطته ومنهجه وعلى هذا لن يصلح الانسان ، أي انسان ، ان يكون مقياً صالحاً لجميع البشر.
والى جانب ذلك فهل تصلح الانسانية لتستند الى فكرة خلاص الانسان بقواه وحدها بمعزل عن الدين (القوى الخارقة للطبيعة) ! هل تتمكن الانسانية من استبعاد الدين من حياة الانسان ؟!! اليس واضحاً ان اي محاولة لاستبعاد الدين من حياة الانسان هي محاولة فاشلة ومخالفة لطبيعة الانسان وحقيقة الاديان الالهية ؟
الم تظهر العديد من الافكار والرؤى الاقتصادية والسياسية والتي مصدرها الانسان بمعزل عن الدين (كالاشتراكية والراسمالية والليبرالية والعلمانية) ومع ذلك ما زالت تلك الافكار والرؤى عاجزة عن تحقيق السعادة التي يصبوا اليها الانسان في حركته الحياتية ! بل ان النازية ايضاً تشبثت في رؤاها بالاخلاق وهي ترسم سياستها الاستعمارية ، فهذا هتلر يقول في كتابه "كفاحي": (فلابد من عودة المانيا النمساوية للوطن الام ، وليس بسبب أي دوافع اقتصادية. بل وحتى ان ألحق الاتحاد اضراراً اقتصادية فلابد منه. دمائنا تطلب وطناً واحداً ، ولن تستطيع الامة الالمانية امتلاك الحق الاخلاقي لتحقيق سياسة استعمارية حتى تجمع اطفالها في وطن واحد. وفقط حين تشمل حدودنا آخر الماني، ولا نستطيع تامين رزقه سنمتلك الحق الاخلاقي في احتلال اراض اخرى بسبب معاناة شعبنا) ! فهتلر كان يرى انسانية عنصره القومي اعلى شأناً من انسانية من سواه ، وكان من الممكن ان تصبح النظرة النازية حقيقة انسانية في المجتمعات العالمية ، فبمعزل عن الدين يمكن ان تتحول القبائح الى حقائق انسانية كما هو حادث فعلاً ، ويؤيد ذلك قول سارتر – وهو اشهر فلاسفة الوجودية الالحادية في عصرنا الحالي - كما في كتاب (الوجودية مذهب انساني) ، ص37: (قد يقرر بعضهم في الغد بعد موتي ان يقيموا حكماً فاشياً وقد يجبن الآخرون او يكسلوا عن ان يمنعوهم من ذلك فتصبح الفاشية عندئذٍ ورغما عنا حقيقة إنسانية ، لأن ما هو واقع هو ما قرر الانسان وقوعه) !! اذن الحقائق الانسانية ـ بمعزل عن الدين - ليس لها ضابط سوى ما يقرره الانسان نفسه ، طبعاً هذا من وجهة النظر الالحادية.
ونحن نرى ان الالحاد نوعان: نظري وعملي ، فالنظري يكمن في انكار الانسان لفكرة وجود اله خالق للكون. وأما الالحاد العملي فيكمن في سعي الانسان لتشريع وتطبيق قوانين وضعية مخالفة للقوانين الدينية سواء آمن بصحة انتساب تلك القوانين الدينية الى الله عز وجل ام لم يؤمن بذلك الانتساب.
اذن هل "الانسانية" هي فكرة مؤمنة ام ملحدة ؟! فاذا كانت "الانسانية" تستند لفكرة استبعاد خضوع الانسان للدين فهل هي اذن فكرة مؤمنة ام ملحدة ؟!
فاذا كانت الوجودية تقوم على اساس ان الانسان هو الذي يصنع قيمه ـ كما صرح بذلك سارتر في كتابه الوجودية مذهب انساني ، ص63 - والانسانية هي مجموعة من القيم والاخلاق فهل ذلك يعني ان الانسان هو الاذي يصنع انسانيته باعتبار انه يصنع قيمه واخلاقه !؟ واذا كان الانسان يصنع انسانيته فهذا معناه اختلاف الناس في انسانيتهم او في مرتكزاتهم الانسانية مما يؤدي الى عدم وجود نمط انساني واحد مقبول من جميع الناس. اذن ليست هناك انسانية واحدة بل مجموعة من "الانسانيات الملحدة" المختلفة باختلاف الناس في اختيارهم لقيمهم ومبادئهم !
ان "الانسانية الملحدة" لن تتمكن من تحقيق طموحات الانسان لأنها تتعارض مع اهم احتياجاته وهي حاجته الروحية والجسدية الى الدين ليلعب دوره الاساسي في حياته. فضلاً عن ان "الانسانية" يفترض بها ان تكون خلاصاً لمشاكل الانسان بينما يريدون منها ان تكون نابعة من الانسان ! فكيف يتمكن الانسان من ايجاد حلول عامة لجميع مشاكله وهو مختلف بين ابناء جنسه في فكره وطموحاته ورغباته. ان هذا الاختلاف سيقود الى اختلاف المعاني الانسانية التي يتم تاسيسها من قبل الانسان وبالتالي ستساهم في زيادة الفوضى في العالم لأن كل انسان يريد ان يفرض قيمه الانسانية على الاخرين.
اذن ما هو الحل للتخلص من هذا النمط الفوضوي للانسانية الملحدة ؟ الحل هو برفض هذه الانسانية الملحدة والعودة الى الانسانية المؤمنة التي تنبع من الدين ، وهي الانسانية الحقيقية التي تحتوي على القيم والاخلاق دينية المنبع.
ان من نتائج الانسانية الملحدة ان ظهرت تلك الدعوات في اوربا الى منع عقوبة الاعدام رغم ان القاتل الذي يستحق الاعدام قد ازهق روحاً انسانياً ومن ابسط مفاهيم العدالة هو القصاص النفس بالنفس.
ومن نتائج الانسانية الملحدة ان بعض المعايير الانسانية اصبحت مزدوجة فتارة ينشؤون جمعيات للدفاع عن حقوق الحيوانات وتارة يؤيدون تهجير الفلسطينيين وقتلهم والوقوف الى جانب قاتليهم وظالميهم ! وتارة يضربون مدينتين بقنبلتين نوويتين ويفتكون بآلاف الناس الابرياء وبعد قليل يكتبون هم انفسهم الميثاق العالمي لحقوق الانسان !! وهم انفسهم ينتجون آلاف الاسلحة النووية ويمنعون الاخرين من امتلاك قنبلة نووية واحدة تحت ذريعة الحفاظ على الانسانية ثم يغضون الطرف عن جهة ثالثة تنتج قنابل نووية في صحراء النقب دون رقابة دولية !؟؟
واصبح بعض المهووسين بفكرة الانسانية الملحدة يحاولون تسخير كل الافكار الاخرى لتدور في فلكها فجعلوا من الانسانية عقيدة مقدمة على كل العقائد الاخرى تحت غطاء استدرار عواطف الناس والتمظهر بمظهر البراءة والملائكية والتضحية فيجعلون من فكرة الانسانية مدار حياتهم وأفق سعادتهم ! وبدأوا يوظفون فكرة الانسانية من اجل ابطال الاديان. فاخذوا يروجون بان الانسان يجب ان يعيش بانسانيته ويقدمها على دينه ! ومن هذا المنطلق بدأوا يبطلون العديد من الاحكام الشرعية بزعم انها تتعارض مع الانسانية ، فتارة يبطلون عقوبة الاعدام للقاتل كما اسلفنا ، وتارة ينادون بابطال عقوبة قتل المرتد واخرى ينادون بالمساواة بالمواريث بين الاخوة الذكور والاناث وتارة يريدون اعطاء حق الطلاق للمراة لتتخذه متى تشاء ، وتارة يطالبون بمنع الرجم والجلد للزاني وتارة يبيحون اللواط ثم تمادوا فوضعوا قوانين رسمية لزواج اللوطيين تحت عنوان زواج المثليين ! وهناك دول اوربية ابطلت القوانين التي تعاقب جريمة زنى المحارم فلم تعد تعتبرها جريمة ولم تعد تعاقب الزاني بمحارمه !
انه هوس فكرة الانسانية وما تمخضت عنها من اخلاق رديئة... ولكن هل فعلا الانسان يريد ان يكون بهذا المستوى الضحل الذي تزينه له دعوى الانسانية ! دعوى الانسانية الملحدة التي تجعل من المجتمع متآلفاً مع قبائح الاخلاق والمعاصي وفي مقدمتها معصيتا اللواط والزنى وشرب الخمور.
إنَّ الانسانية في اذهان عموم الناس يختلف معناها عن المعنى الفلسفي ذي المنبع الالحادي ، فالانسانية التي يعرفها الناس تكون الدافع للاخلاق الحميدة والافعال الايجابية البنّاءة والتي تفرز الصدق والتعاطف والتراحم بين الناس ومساعدة بعضهم بعضاً ولا سيما الفقراء والضعفاء والايتام والارامل ، والتطوع من اجل فعل الخير ونصرة المظلوم ونشر العدالة وعدم التمييز بين الناس فالكل سواسية رغم اختلاف الوانهم وقومياتهم ، ومن الواضح ان هذه الصفات والافعال الايجابية هي من الامور التي يحث الدين عليها بشدة وهي الانسانية المؤمنة التي يدعو لها الدين ويحاول تثبيتها في افئدة معتنقيه.
فالانسانية التي نعرفها والتي نريدها ان تسود في الحياة هي "الانسانية المؤمنة" التي تنبع من الدين او تنسجم مع الدين ، اما تلك "الانسانية الملحدة" التي تنبع من الفكر الالحادي والتي تؤدي الى سيادة القبائح في المجتمعات تحت غطاء "الانسانية" فهي انسانية مرفوضة وممقوتة من قبلنا.
وعليه فلا يمكن ان نتصور ان يدعي احدهم ان الفعل الفلاني هو فعل انساني ولكنه متقاطع ومتعارض مع الدين ! فلا يوجد فعل انساني حقيقي يتعارض مع الدين لأن الانسانية التي نؤمن بها هي الانسانية النابعة مع الدين. فالدين هو الذي يعطي لمفهوم الانسانية بعده الحقيقي.
 

 

الصفحة الرئيسية