بسم الله الرحمن الرحيم

قتل المرتد بين "الحق في الخطأ" و"الكفر في العقيدة"

نبيـل الكرخي

ذهب النووي إلى إجماع المسلمين على قتل المرتد ، فقال في كتابه المجموع ج19 ص228 : (وقد انعقد الإجماع على قتل المرتد). 

وفي مقال بعنوان (الردة بين الخيانة للأمة والحق في الخطأ) حاول كاتب المقال وهو الأستاذ محمد عابد الجابري تمييع الحكم الشرعي في قتل المرتد وحاول أيضاً إيجاد المبرر للمرتد في إرتداده ! عبر إبتداع فكرة "الحق في الخطأ" ، فيتحول الكفر لمجرد "حق في الخطأ" !! ويتم محو مفردة المنكر إذ أنَّ كل شيء مباح كما قال بولس في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس (12:6) !

 

وقد انتهج الأستاذ الجابري منهجاً في تناوله لموضوع الإرتداد عن الإسلام يعتمد على ركيزتين خاطئتين هما :

1. إعتماده أفعال الصحابة بإعتبارها مصدر تشريعي إسلامي ! صحيح أن الصحابة كانوا معاصرين لعصر النبوة إلا أن أفعالهم لا يمكن أن تكون مصدراً للتشريع لأنهم ليسوا بأنبياء ولا أوصياء ، أي أنهم غير معصومين فلا يوجد دليل على أن ما فعلوه هو مطابق للحكم الشرعي وليس "إجتهاداً" منهم. وقد عرف عن الخليفتين أبي بكر وعمر كثرة "الإجتهاد" برأيهم. وببساطة فإنَّ فعل الصحابي ليس بحجة على الأمة الإسلامية ، فهو ليس بقرآن ولا سنّة. ولذلك فإنّ إعتماد الأستاذ الجابري على أحداث حروب الردة في زمن خلافة أبي بكر وكذلك إعتماده على قولٍ للخليفة عمر بن الخطاب حينما تم إخباره بقتل رجل كفر بعد إسلامه : (هَلاَّ حَبَسْتُمُوهُ ثَلاَثاً وَأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفاً وَاسْتَتَبْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ وَيُرَاجِعُ أَمْرَ اللَّهِ؟ اللَّهُمَّ إِنِّي لَمْ أَحْضُرْ وََلَمْ أَرْضَ إِذْ بَلَغَنِي) ، يسير وفق هذا السياق. ومن جهة اخرى فقد ضعف محمد ناصر الألباني في كتابه إرواء الغليل ج8 ص130 قول عمر بن الخطاب الآنف الذكر والذي يذكر فيه عمر بن الخطاب انه يرى إستتابة المرتد ، مع ملاحظة ان عمر بن الخطاب أعترض على قتل المرتد بلا إستتابة وليس على حكم قتل المرتد بصورة عامة ! وهو ما يضعف مقصد الأستاذ الجابري من إيراده ، وقد روي عن عمر بن الخطاب قوله هذا بلفظ آخر وهو ما رواه ابن أبي شيبة الكوفي في كتابه المصنف ج6 ص584 قال : (لما قدم على عمر فتح تستر - وتستر من أرض البصرة - سألهم : هل من مغربة ، قالوا : رجل من المسلمين لحق بالمشركين فأخذناه ، قال : ما صنعتم به ؟ قالوا : قتلناه ، قال : أفلا أدخلتموه بيتا وأغلقتم عليه بابا وأطعمتموه كل يوم رغيفا ثم استتبتموه ثلاثا ، فإن تاب وإلا قتلتموه ، ثم قال : اللهم لم أشهد ولم آمر ولم أرض إذ بلغني) ، وهذه الرواية تؤكد ما ذكرناه آنفاً من عدم معارضة عمر بن الخطاب لحكم قتل المرتد.

 

2.    تخصيص النص وتقييده بأسباب نزوله وأسباب صدوره ! فالنص القرآني ينزل عاماً في لفظه وكذلك النص النبوي يصدر عاماً في لفظه ، ويجب التعامل معه على هذا الأساس ، أساس عموم اللفظ ، وإلا فإننا إذا قلنا بأن كل نص يرتبط ويختص ويقتصر على سبب نزوله وصدوره ولا يتعداه إلى العموم في اللفظ ، فمعنا ذلك أنَّ هناك آلاف الحوادث التي ليس لها نص منذ عصر النبوة وإلى اليوم ، كما أن معنى ذلك أن النصوص القرآنية والنبوية هي نصوص مختصة بحوادث قليلة ومعينة ، لأن روايات أسباب النزول لا تزيد على عشرات الروايات. كما إننا نجد آيات واحاديث كثيرة جداً بدون أن نعلم سبب نزولها فماذا يريد الأستاذ الجابري لها ؟ هذ يريد أن يبطل معانيها ويعطل العمل بها تحت ذريعة عدم معرفة سبب نزولها رغم وضوح معناها وعموم لفظها ؟!!

 

وذكر الأستاذ الجابري قولاً آخر للخليفة عمر بن الخطاب ، فقال الأستاذ الجابري ما نصه : (وروي أيضا عن أنس قال: "َقَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ:"يَا أَنَسُ مَا فَعَلَ السِّتَّةُ الرَّهَطُ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَنِ الإِسْلاَمِ فَلَحِقُوا بِالْمُشْرِكِينَ؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قُتِلُوا بِالْمَعْرَكَةِ، فَاسْتَرْجَعَ عُمَرُ (كرر السؤال)، قُلْتُ: وَهَلْ كَانَ سَبِيلُهُمْ إِلاَّ الْقَتْلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: كُنْتُ أَعْرِضُ عَلَيْهِمُ الإِسْلاَمَ فَإِنْ أَبَوْا أَوْدَعْتُهُمْ السِّجْنَ"). فمعنى أسترجع انه قال : (إنا لله وإنا إليه راجعون) وليس تكرار السؤال كما فسره الأستاذ الجابري.

فهذا الحديث مروي ـ كما في نيل الأوطار للشوكاني ج8 ص3 ـ بنفس السند السابق ، والذي ضعفه الألباني كما ذكرنا آنفاً بسبب إحتوائه على (عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاري عن أبيه) ، وقد روي هذا الحديث بسند آخر وهو ما رواه البيهقي في السنن الكبرى ج8 ص207 قال : (أخبرنا أبو الحسين بن بشران ببغداد أنبأ أبو الحسن على بن محمد المصرى ثنا مالك بن يحيى ثنا على بن عاصم عن داود بن أبى هند عن عامر عن انس بن مالك قال لما نزلنا على تستر - فذكر الحديث في الفتح وفي قدومه على عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال عمر يا انس ما فعل الرهط الستة من بكر بن وائل الذين ارتدوا عن الاسلام فلحقوا بالمشركين قال فأخذت به في حديث آخر ليشغله عنهم قال ما فعل الرهط الستة الذين ارتدوا عن الاسلام فلحقوا بالمشركين من بكر بن وائل قال يا أمير المؤمنين قتلوا في المعركة قال انا لله وانا إليه راجعون قلت يا أمير المؤمنين وهل كان سبيلهم الا القتل قال نعم كنت أعرض عليهم ان يدخلوا في الاسلام فان أبوا استودعتهم السجن) ، وسند هذا الحديث ضعيف ففيه :

ـ مالك بن يحيى : وهو مجهول الحال.

ـ علي بن عاصم : في تهذيب الكمال للمزي ج2 ص207 : (أخبرنا محمد بن أحمد بن يعقوب بن شيبة ، قال : حدثنا جدي ، قال : سمعت علي بن عاصم على اختلاف أصحابنا فيه منهم من أنكر عليه كثرة الخطأ والغلط ، ومنهم من أنكر عليه تمادية في ذلك وتركه الرجوع عما يخالفه الناس فيه ولجاجته فيه وثباته على الخطأ ، ومنهم من تكلم في سوء حفظه واشتباه الامر عليه في بعض ما حدث به من سوء ضبطه وتوانيه عن تصحيح ما كتب الوراقون له ، ومنهم من قصته عنده أغلظ من هذه القصص) وأيضاً : (وكان وكيع يحدث خلفا ، فقال له : من بقي عندكم ؟ فذكر شيوخا ، وقال : وعندنا علي بن عاصم . قال وكيع : فعلي بن عاصم ما زلنا نعرفه بالخير . قال خلف : إنه يغلط في أحاديث ، فقال : دعوا الغلط وخذوا الصحاح ، فإنا ما زلنا نعرفه بالخير) ، وفي ص509 من نفس المصدر : (حدثنا علي بن خشرم ، قال : سمعت وكيع بن الجراح يقول : أدركت الناس والحلقة لعلي بن عاصم بواسط . قيل له : يا أبا سفيان إنه يغلط ، قال : دعوه وغلطه . وبه ، قال : أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله المعدل قال : أخبرنا محمد بن أحمد بن الحسن ، قال : حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، قال : حدثني أبي ، قال : قال وكيع وذكر علي بن عاصم ، فقال : خذوا من حديثه ما صح ودعوا ما غلط أو ما أخطأ فيه . قال عبد الله : كان أبي يحتج بهذا ، ويقول : كان يغلط ويخطئ وكان فيه لجاج ، ولم يكن متهما بالكذب) ، وفي صفحة 510 من نفس المصدر : (قال : حدثنا عبد الله بن علي بن المديني ، قال : سمعت أبي يقول : كان علي بن عاصم كثير الغلط ، وكان إذا غلط فرد عليه لم يرجع . وقال في موضع آخر : سمعت أبي يقول : كان علي بن عاصم معروفا في الحديث ، وكان يغلط في الحديث ، وكان يروي أحاديث منكرة).

 

فضلاً عن انه معارض بأحاديث اخرى منها :

ـ في كتاب الأم للامام الشافعي ج1 ص294 : قال الشافعي ) أخبرنا الثقة من أصحابنا عن حماد عن يحيى بن سعيد عن أبى أمامة بن سهل حنيف عن عثمان بن عفان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ، كفر بعد إيمان ، أو زنا بعد إحصان ، أو قتل نفس بغير نفس ").

ـ في سنن النسائي ج7 ص104 : (أخبرنا موسى بن عبد الرحمن قال حدثنا محمد ابن بشر قال حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من بدل دينه فاقتلوه)).

ـ وأيضاً في المصدر السابق ص105 : (أخبرنا الحسين بن عيسى عن عبد الصمد قال حدثنا هشام عن قتادة عن أنس أن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من بدل دينه فاقتلوه)).

ـ في السنن الكبرى للبيهقي ج8 ص207 : ( وأخبرنا أبو بكر احمد بن على الحافظ الاصبهاني أنبا أبو عمرو محمد بن احمد بن حمدان أنبأ الحسن بن سفيان ثنا أبو بكر بن أبى شيبة ثنا حفص بن غياث عن اشعث عن الشعبى قال قال على رضى الله عنه يستتاب المرتد ثلاثا فان عاد قتل).

ـ في المصنف لابن أبي شيبة الكوفي ج6 ص584 : (حدثنا أبو بكر قال حدثنا حفص بن غياث عن أشعث عن الشعبي قال : قال علي : يستتاب المرتد ثلاثا ، فإن عاد يقتل).

ـ في المصنف لعبد الرزاق الصنعاني ج1 ص168 : (أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة عن أبيه قال : أخذ ابن مسعود قوما ارتدوا عن الاسلام من أهل العراق ، فكتب فيهم إلى عمر ، فكتب إليه : أن اعرض عليهم دين الحق ، وشهادة أن لا إله إلا الله ، فإن قبلوها فخل عنهم ، وإن لم يقبلوها فاقتلهم ، فقبلها بعضهم فتركه ، ولم يقبلها بعضهم فقتله).

ـ في المصنف لعبد الرزاق الصنعاني ج1 ص169 : (أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن الاعمش عن أبي عمرو الشيباني قال : أتي علي بشيخ كان نصرانيا فأسلم ، ثم ارتد عن الاسلام ، فقال له علي : لعلك إنما ارتددت لان تصيب ميراثا ، ثم ترجع إلى الاسلام ؟ قال : لا ، قال : فلعلك خطبت امراة فأبوا أن يزوجوكها ، فأردت أن تزوجها ثم تعود إلى الاسلام ؟ قال : لا ، قال : فارجع إلى الاسلام ! قال : لا ، أما حتى القى المسيح فلا ، قال : فأمر به ، فضربت عنقه ، ودفع ميراثه إلى ولده المسلمين).

ـ في المصنف لعبد الرزاق الصنعاني ج1 ص170 : (أخبرنا عبد الرزاق عن الثوري عن سماك بن حرب عن قابوس بن مخارق أن محمد بن أبي بكر كتب إلى علي يسأله عن مسلمين تزندقا ، فكتب إليه : إن تابا ، وإلا فاضرب أعناقهما).

 

وتحدث الأستاذ محمد عابد الجابري عمّا أطلق عليه أسم (قرآن الدعوة) و(قرآن التشريع) وهو تقسيم خاطيء ، فقال : [(النصوص وهي قسمان: قسم مكي ينتمي إلى قرآن الدعوة وقسم مدني ينتمي إلى قرآن التشريع)] ، والحق أنّ هناك آيات عديدة تتضمن الدعوة للإسلام وهي آيات مدنية وآيات أخرى تتضمن التشريع وهي آيات مكية. فما قاله الأستاذ الجابري هو تقسيم لا أساس له من الصحة. فمثلاً الآية (37) من سورة الشورى وهي سورة مكية تتحدث عن تحريم كبائر الأثم والفواحش فقال تعالى : (( والذين يجتنبون كبائر الأثم والفواحش )) ، وفي سورة الحج وهي سورة مدنية تتحدث عن الدعوة ، فقال تعالى : (( قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين ، فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم ، والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك أصحاب الجحيم )) والعديد من الآيات في نفس السورة المباركة تتحدث ضمن نفس السياق. وفي سورة المؤمنون وهي سورة مكية نقرأ فيها قوله تعالى بخصوص الصلاة والإعراض عن اللغو ومن ضمنه الغناء وأداء الزكاة وتجنب الزنى والحفاظ على العهد وأداء الأمانة : (( قد افلح المؤمنون ، الذين هم في صلاتهم خاشعون ، والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون ، والذين هم لفروجهم حافظون ، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ، فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون ، والذين هم لاماناتهم وعهدهم راعون ، والذين هم على صلواتهم يحافظون ، اولئك هم الوارثون ، الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون )). وفي سورة النحل وهي سورة مكية نقرأ تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير : (( إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغٍ ولا عاد فإن الله غفور رحيم )) وتتحدث الآية المكية التي تتلوها في سورة النحل عن وجود تشريع في تلك الفترة المكية ، فقال تعالى : (( ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون )) ، ونحن بدورنا نذكر الأستاذ الجابري بهذه الآية المباركة عسى أن يتراجع عن إفتراءه الكذب على الله سبحانه حين يحلل ويحرم ما لم ينزل الله سبحانه به من سلطان.

 

واطلق الأستاذ الجابري حكماً جزافياً حين ظن أن الآيات القرآنية التي تتوعد الذين يكفرون بعد الإيمان بالعذاب يوم القيامة تمنع من وجود تشريع إسلامي بإنزال الحد على المرتد ، فقال : [(في جميع هذه الآيات التي نزلت كلها في المدينة نجد أن حكم المرتد، كما يتحدد في سياقها، هو لعنة الله، غضب الله، جهنم، وليس القتل)] ، ونسي الأستاذ الجابري ان الأحكام الشرعية مصدرها القرآن الكريم والسنة المطهرة. وقد نصّت السنة المطهرة على قتل المرتد كما توعدها القرآن الكريم بالعذاب في الدار الآخرة.

 

وتمويه آخر عمد إليه الأستاذ محمد عابد الجابري حين قال : [(القسم الأول يقرر، في جملته، حرية الاعتقاد. من ذلك قوله تعالى مخاطبا رسوله الكريم:"ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين" (يونس 99). ويقول سبحانه:"فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ" (الشورى 48). ويقول "فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر" (الغاشية 21/22). ويقول:"وقل الحق من ربكم، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" (الكهف 29). ويقول تعالى:"إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا. إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا" (الإنسان 2-3). وواضح أن هذه الآيات تقرر حرية الإنسان في الاعتقاد، فهو حر في أن يعتنق الإسلام، لكنه إذا أعرض فليس من حق الرسول أن يجبره على ذلك)] ، فمن الواضح أنَّ الآيات الكريمة تتحدث عن أشخاص لم يعتنقوا الإسلام ولم يدخلوا في حوزة المسلمين وهم الذين قال الله سبحانه فيهم مخاطباً نبيه الكريم (صلى الله عليه وآله) : ((فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر )) ، وأما الذين يعتنقون الإسلام ويولدون على الإسلام فهم يخضعون للإسلام ولأحكامه وقوانينه ، فمن يرتد عن الإسلام فحكمه القتل وفق الشروط التي ذكرها الفقهاء.

 

وحاول الأستاذ الجابري ان يوجد مصطلحاً جديداً هو ممارسة الكفر وادعى أن تطبيق حكم القتل خاص به ، فقال ما نصه : [(نعم هناك حديث مروي عن ابن عباس، أساسا، تذكره معظم كتب الحديث، ورد فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم "من بدل دينه فاقتلوه". ودون الدخول في مسألة النسخ مرة أخرى والتساؤل هل تنسخ السنة القرآن؟ نكتفي هنا بذكر النازلة التي ورد فيها هذا الحديث، وملخصها أنه جيء إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه بأناس مرتدين يعبدون صنما فأحرقهم. فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنتُ أنا لم أُحرِّقْهم، لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: لا تعذِّبوا بعذاب الله (يعني النار)، وإنما قتلتهم لقول رسولِ الله صلى الله عليه وسلم:"من بَدَّلَ دِينه فاقتلوه". فالنازلة تتحدث عن ممارسة ظاهرة للكفر بعد الإسلام. وبعبارتنا المعاصرة لقد ضبط المتهم في حالة تلبس. أما في حال عدم الممارسة أو في حال إقرار المتهم بشهادة الإسلام فلا يجوز قتله، إذ لا يجوز شرعا محاكمة الناس على نواياهم)] ، فمن الواضح أن الأستاذ الجابري يخلط المواضيع ببعضها ويشبكها بطريقة غريبة ، فهو فجأة يتحدث عن النوايا وعن عدم جواز القتل وفقاً للنية. عجباً ! ومن قال أنه يجوز القتل وفقاً للنية ؟! نحن نتحدث عن إرتداد يثبت بالبينة وبالطرق الشرعية التي حددها الفقهاء ، ومن متطلبات البينة الإعتراف. ومن جهة اخرى فحديث : (من بدل دينه فاقتلوه) لم ينسخ القرآن الكريم ومن يدعي نسخه للقرآن الكريم فهو لا يعلم شيئاً في الفقه. وقد ذكرنا آنفاً أن القرآن الكريم تحدث عن العذاب الأخروي للمرتد وتحدثت السنة المطهرة عن العقاب الدنيوي ، فالموضوعان يختلفان فلا وجود لناسخٍ أو منسوخ. ثم أنَّ عموم لفظ الحديث المذكور لا يخصصه سبب إستشهاد أبن عباس به بعد ذلك بسنوات عدة ، فالحديث يتحدث عن قتل المرتد ، وكل من يثبت عليه الإرتداد يقتل وفق شروط مذكورة في كتب الفقه. وإذا كان إبن عباس قد ذكر الحديث المذكور في مناسبة معينة فلا يعني ذلك أن الحديث المطهر مقصور في تطبيقه على مثل تلك الحادثة بل هي إحدى مصاديق التطبيق وليس جميعها. وأيضاً فإنَّ الرواية المذكورة قد رويت بلفظ آخر وكالآتي :

ـ في كتاب الأم للامام الشافعي ج1 ص294 : (قال الشافعي : أخبرنا سفيان بن عيينة عن أيوب بن أبى تميمة عن عكرمة قال لما بلغ ابن عباس أن عليا رضى الله تعالى عنه حرق المرتدين أو الزنادقة قال : لو كنت أنا لم أحرقهم ولقتلتهم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " من بدل دينه فاقتلوه " ولم أحرقهم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا ينبغى لاحد ان يعذب بعذاب الله "

  ـ في نيل الأوطار للشوكاني ج8 ص2 : (عن عكرمة قال : أتي أمير المؤمنين علي رضي الله عنه بزنادقة فأحرقهم فبلغ ذلك ابن عباس فقال : لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : لا تعذبوا بعذاب الله ، ولقتلتهم لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من بدل دينه فاقتلوه). 

ـ مسند احمد بن حنبل ج1 ص217 : (حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا اسمعيل ثنا أيوب عن عكرمة ان عليا حرق ناسا ارتدوا عن الاسلام فبلغ ذلك ابن عباس فقال لم أكن لاحرقهم بالنار وان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تعذبوا بعذاب الله وكنت قاتلهم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدل دينه فاقتلوه فبلغ ذلك عليا كرم الله وجهه فقال ويح ابن أم ابن عباس).

 فلم يثبت أن القتل يقتصر على الممارسة بل هو يشمل بالأساس الإرتداد العقائدي عن الإسلام ويؤيد ذلك حديث معاذ الذي رواه أحمد بن حنبل في مسنده (ج5 ص231 ) وهو : (حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبد الرزاق أنا معمر عن أيوب عن حميد بن هلال العدوي عن أبي بردة قال قدم على أبي موسى معاذ بن جبل باليمن فإذا رجل عنده قال ما هذا قال رجل كان يهوديا فاسلم ثم تهود ونحن نريده على الاسلام منذ قال أحسبه شهرين فقال والله لا أقعد حتى تضربوا عنقه فضربت عنقه فقال قضى الله ورسوله ان من رجع عن دينه فاقتلوه أو قال من بدل دينه فاقتلوه). ورواه أيضاً عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه (ج1 ص168). يضاف لها الأحاديث التي ذكرناها آنفاً في بداية هذا المقال.

 

وبعد أن حاول الأستاذ الجابري أن ينفي وجود نصوص من السنة النبوية المطهرة تدل على قتل المرتد ، وحاول تحريف النصوص الموجودة لكي لا تعبر عن حقيقة معناها ، واثبتنا في السطور السابقة وجود العديد من الأحاديث النبوية المطهرة التي تدل على قتل المرتد صراحة والتي لم يذكرها الأستاذ الجابري في مقاله. عاد الأستاذ الجابري مرة اخرى ليستدل بحروب الردة زمن خلافة أبي بكر قائلاً : [(أن دولة الإسلام في المدينة، زمن النبي وزمن الخلفاء الأربعة، كانت تخوض حربا مستمرة (مع المشركين العرب، ثم مع الروم والفرس)، أدركنا أن "المرتد"، زمن هذه الدولة، هو في حكم الشخص الذي يخون وطنه ويتواطأ مع العدو زمن الحرب- بالتعبير المعاصر. وحروب الردة على عهد أبي بكر الصديق لم تكن فقط ضد مانعي الزكاة، بل كانت أساسا ضد أناس لم يقتصروا فقط على "خيانة" دولة الإسلام التي انضموا إليها زمن النبي عليه الصلاة والسلام، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك، إذ نظموا أنفسهم للانقضاض عليها كما تحكي ذلك كتب التاريخ. فـ "المرتد" بهذا المعنى هو من خرج على الدولة الإسلامية "محاربا" أو متآمرا أو جاسوسا للعدو، الخ... وإذاً فحكم الفقه الإسلامي على "المرتد" بهذا المعنى ليس حكما ضد حرية الاعتقاد، بل ضد خيانة الأمة والوطن والدولة، فضلا عن الدين، والتواطؤ مع العدو أو التحول إلى لص أو عدو محارب)] ، والإستدلال بحروب الردة هو إستدلال غير تام من ثلاث جهات الأولى هي أن فعل أبا بكر ليس مصدراً تشريعياً لكي يتم الإقتداء به وإتباعه فنحن مأمورون بالتمسك بالثقلين كتاب الله والعترة الطاهرة وما نتج عنهما من مصادر التشريع وهي القرآن الكريم والسنة المطهرة ، والجهة الثانية هي أن بعض حروب الردة هي حروب غير عادلة لأن بعضها لم يتوجه لقتال المرتدين عن الإسلام بل توجهت لقتال الرافضين لخلافة أبي بكر لأنهم سمعوا و علموا أن النبي (صلى الله عليه وآله) يقول يوم غدير خم : (من كنت مولاه فعلي مولاه) ، والجهة الثالثة هي ان الإسلام هو دين صالح للعمل به وتطبيقه إلى يوم القيامة ولذلك قال الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم : (( اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا )) أما إذا أستبدل الإنسان شريعة الله سبحانه بشريعة وضعية بمظاهر إسلامية خادعة فإن ذلك لن يجعل الشريعة الوضعية مشمولة بإكمال الدين ورضا الله سبحانه. وفي نفس هذا السياق الحديث المروي في الكافي عن الإمام الصادق (عليه السلام) : (حلال محمدٍ حلال أبداً إلى يوم القيامة ، وحرامه حرام أبداً إلى يوم القيامة ، لا يكون غيره ولا يجي غيره).

فتشريع قتل المرتد غير مرتبط بوجود حروب ضد المشركين أو الروم أو الفرس ، وقد ذكرنا في هذا المقال روايات تدل على قتل مرتدين في عهد خلافة الإمام علي (عليه السلام) وهو لم يكن عصر قتال مع المشركين ولا مع الفرس ولا الروم. واحاديث أخرى تدل على قتل مرتدين هم أقل شاناً من أن يمثلوا خطراً ضد الدولة الإسلامية في فترة الحرب أو السلم ومع ذلك تم تطبيق الحكم الشرعي بحقهم. فالخطا الجسيم الذي أرتكبه الأستاذ الجابري أنه حاول قصر تطبيق الحكم الشرعي على الحوادث التي جرت في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) أي على الحوادث التي يظن أن الحكم الشرعي صدر لأجلها ، بينما الحكم الشرعي يصدر عاماً في لفظه ليشمل جميع الأزمنة والأماكن.

 

وجمع الأستاذ الجابري بين مفهوم (الخطأ في الإجتهاد) وبين (الخطأ في العقيدة) فظن أنهما شيء واحد ، فقال ما نصّه : [(أما الخطأ في الفهم والتأويل فشيء لا يعاقب الإسلام عليه بل بالعكس. فالإسلام يعترف بحق الخطأ. ومرتكب الخطأ في الفهم أو التأويل لا علاقة له إطلاقا مع وضعية المرتد، فلا يجوز تكفيره. يقول ابن تيمية وهو من أكثر الفقهاء تشددا:"... بَيِّنٌ أن علماء المسلمين المتكلمين في الدنيا باجتهادهم لا يجوز تكفير أحدهم بمجرد خطأ أخطأه في كلامه،... فإن تسليط الجهال على تكفير علماء المسلمين من أعظم المنكرات". وبعد أن يشير إلى اختلاف المجتهدين أضاف: ومع هذا فقد اتفق المسلمون على أنه لا يكفر أحد من هؤلاء الأئمة؛ ومن كفرهم بذلك استحق العقوبة الغليظة التي تزجره وأمثاله عن تكفير المسلمين؛ وإنما يقال في مثال ذلك: قولهم صواب أو خطأ. فمن وافقهم قال: إن قولهم الصواب. ومن نازعهم قال: إن قولهم خطأ، والصواب قول مخالفهم"..)] ، وواضح أنَّ أبن تيمية يتحدث عن أختلاف المجتهدين وعلماء المسلمين في الفقه ، وليس عن المرتدين ولا عن "الخطأ في العقيدة" ، وفي الإسلام كل خطأ في العقيدة مرفوض ، وعلى المسلم تصحيح عقيدته التي قد تنحرف في جزئيةٍ منها سهواً أو لخللٍ في الفهم ، وأما رفض العقيدة الإسلامية والإرتداد عنها نتيجة شبهةٍ ما فهو لا يسمى خطأًً بل هو إنكار لصحة العقيدة جميعها ، فالخطأ يكون عادةً في جزئيةٍ معينة ضمن إطار عامٍ معترف بصحته. فلا يصح القول أن الإرتداد عن الإسلام هو مسألة (حق في الخطأ) كما أدعاه الأستاذ الجابري ، فالإرتداد ليس خطأً بل هو كفر بالعقيدة الإسلامية. والإنسان يمكن أن يقتل ، يزني ، يسرق ، ولكن لهذه الجرائم قوانين تعاقب على إرتكابها ، وكذلك الإرتداد هو جريمة يحق لمن يشاء أن يرتكبها ولكن عليه أن يخضع للقانون الذي يعاقب على إرتكابها.

 

 

موضوع ذو صلة :

عدالة عقوبة إعدام المرتد عن الإسلام

http://kitabat.com/alkarki_72.htm

 

الصفحة الرئيسية