بسم الله الرحمن الرحيم

كامل النجار وجريمة الإرتداد ( 3 )

 

نبيـل الكرخي

أبتدأ الدكتور كامل النجار الحلقة الثالثة من دفاعه عن افكار الدكتور محمد عابد الجابري بقوله : [(تحدثنا في الحلقة الثانية عن الحديث المروي عن الخليفة علي بن أبي طالب وحرق المرتدين الذين قال عنهم ابن عباس كان يجب أن يُقتلوا بدل حرقهم لأن العذاب بالنار من اختصاص الله وحده)] ، وبلا شك فإن أبن عباس مخطيء فيما ذهب إليه لأن الحرق بالنار هي من الحدود المعروفة عند المسلمين ، والقول بانه لا يحرق بالنار إلا الله سبحانه هو قول غير دقيق ، لأن عذاب الله عزَّ وجل بالنار هو غير عقوبة البشر ، ولا النار هي نفس النار. ونحن المسلمون عندنا أنَّ إحدى عقوبات حد اللواط هو الحرق بالنار ، قال الشيخ الطوسي في كتابه النهاية ص704 : (ومن ثبت عليه حكم اللواط بفعله الايقاب ، كان حده إما أن يدهده من جبل أو حائط عال ، أو يرمي عليه جدار ، أو يضرب رقبته ، أو يرجمه الإمام والناس ، أو يحرقه بالنار . والإمام مخير في ذلك ، أيها رأى من ذلك صلاحا ، فعله . وإذا أقام عليه الحد بغير الاحراق ، جاز له أيضا إحراقه بعد ذلك تغليظا وتهييبا للعقوبة وتعظيما لها . وله ألا يفعل ذلك على ما يراه من المصلحة في الحال). فما ذهب إليه أبن عباس هو امر مجانب للصواب. 

 

ففي مقال الدكتور محمد عابد الجابري الذي نقضناه في مقال سابق ذكر ان حديث (من بدل دينه فاقتلوه) هو مروي بالطريقة الآتية حيث قال الدكتور الجابري : [(جيء إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه بأناس مرتدين يعبدون صنما فأحرقهم. فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنتُ أنا لم أُحرِّقْهم، لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: لا تعذِّبوا بعذاب الله (يعني النار)، وإنما قتلتهم لقول رسولِ الله صلى الله عليه وسلم:"من بَدَّلَ دِينه فاقتلوه")] ، ولم يذكر الدكتور الجابري لهذا الحديث مصدراً !! ولم نعثر عليه بهذا النص في أيٍ من كتب الحديث ! ومع ذلك رددنا عليه بقولنا : (فإنَّ الرواية المذكورة قد رويت بلفظ آخر وكالآتي :

ـ في كتاب الأم للامام الشافعي ج1 ص294 : (قال الشافعي : أخبرنا سفيان بن عيينة عن أيوب بن أبى تميمة عن عكرمة قال لما بلغ ابن عباس أن عليا رضى الله تعالى عنه حرق المرتدين أو الزنادقة قال : لو كنت أنا لم أحرقهم ولقتلتهم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " من بدل دينه فاقتلوه " ولم أحرقهم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا ينبغى لاحد ان يعذب بعذاب الله "

  ـ في نيل الأوطار للشوكاني ج8 ص2 : (عن عكرمة قال : أتي أمير المؤمنين علي رضي الله عنه بزنادقة فأحرقهم فبلغ ذلك ابن عباس فقال : لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : لا تعذبوا بعذاب الله ، ولقتلتهم لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من بدل دينه فاقتلوه). 

ـ مسند احمد بن حنبل ج1 ص217 : (حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا اسمعيل ثنا أيوب عن عكرمة ان عليا حرق ناسا ارتدوا عن الاسلام فبلغ ذلك ابن عباس فقال لم أكن لاحرقهم بالنار وان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تعذبوا بعذاب الله وكنت قاتلهم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدل دينه فاقتلوه فبلغ ذلك عليا كرم الله وجهه فقال ويح ابن أم ابن عباس).

 فلم يثبت أن القتل يقتصر على الممارسة بل هو يشمل بالأساس الإرتداد العقائدي عن الإسلام ويؤيد ذلك حديث معاذ الذي رواه أحمد بن حنبل في مسنده (ج5 ص231 ) وهو : (حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبد الرزاق أنا معمر عن أيوب عن حميد بن هلال العدوي عن أبي بردة قال قدم على أبي موسى معاذ بن جبل باليمن فإذا رجل عنده قال ما هذا قال رجل كان يهوديا فاسلم ثم تهود ونحن نريده على الاسلام منذ قال أحسبه شهرين فقال والله لا أقعد حتى تضربوا عنقه فضربت عنقه فقال قضى الله ورسوله ان من رجع عن دينه فاقتلوه أو قال من بدل دينه فاقتلوه). ورواه أيضاً عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه (ج1 ص168). ) أنتهى.

لكن هذا الجواب دفع الدكتور كامل النجار للاعتراض بقوله : [(فكل الروايات التي ذكرها السيد الكرخي لحديث " من بدل دينه فاقتلوه " تثبت لنا أن الأحاديث جميعها ملفقة ويرويها كل راوي بطريقة مختلفة لأن هؤلاء الرواة لم يسمعوها من النبي وإنما عن طريق العنعنة التي لا تختلف عن طريقة " الهمس الصيني " Chinese whispers. فلو كان الرواة قد سمعوا هذه الأحاديث ودونوها وقت سماعها لما اختلفت الروايات بهذا القدر)] ، فالدكتور النجار قرأ أن الروايات اتفقت على قول النبي (صلى الله عليه وآله) : ( من بدل دينه فاقتلوه ) ، ولكنه يصر على التمسك بتفاصيل أخرى في الروايات من أجل القول بأنها روايات غير صحيحة ، مع أن الاختلاف الذي ورد لا يؤثر فيها شيئاً ، فرواية تذكر ان الذين جيء بهم كانوا زنادقة واخرى تذكر انهم مرتدين عن الاسلام ، إذن يمكن الجمع بينها بالقول انهم زنادقة ارتدوا عن الاسلام ، فليس هناك تناقض أو تضارب. وقد قارن الدكتور النجار بين العنعنة وبين الهمس الصيني ويحسب أن كل الناس يعرفون ما هو الهمس الصيني أو يُفتَرض بهم ان يعرفوه !! ويظن الدكتور النجار خطأً أن كل الاحاديث تحتوي على العنعنة ، بينما الصحيح غير ذلك ، والدارس لعلم الحديث يعلم ان هناك فرقاً بين العنعنة والتحديث أي قول الراوي حدثنا فلان. وقد بيّنا في الحلقة السابقة أنَّ الاحاديث قد ابتدأ تدوينها في وقت التابعين المعاصرين للصحابة. والعرب قد عُرف عنهم القابلية على الحفظ الدقيق ، حتى ان المعلقات الشعرية كانت تحفظ عن ظهر قلب رغم طولها ، فبلاشكٍ فإنَّ الكثير من الاحاديث قد وصلت إلى عصر التدوين بصورة صحيحة.

 

وقال الدكتور النجار : [(وإذا نظرنا إلى الأحاديث نظرة عامة نجد أن الفترة المكية، أي الثلاث عشرة سنة الأولى من الرسالة لا يمكن أن تكون قد وصلتنا منها أي أحاديث صحيحة لأن عدد أتباع محمد كان بسيطاً وقد هاجر منهم بين أربعين إلى ثمانين إلى الحبشة، ولم يسمعموا منه أحاديثاً طوال إقامتهم بالحبشة. والذين كانوا معه بمكة مثل خديجة وأبي بكر وعمر وعثمان لم يروا أحاديثاً إلا ما ندر. يبقى لنا إذا العشرة سنوات بالمدينة، وبما أن السنة بها 365 يوماً، فلو قال النبي حديثاً كل يوم من أيام السنوات العشرة فإن عدد الأحاديث لن يتعدى 3650 حديثاً. ولكن الذي وصل إلينا في كتب الأحاديث المختلفة وصل مئات الآلاف، وقد ذكر الدمشقي في شذرات الذهب أن أحمد بن حنبل كان يحفظ ألف ألف حديث، أي مليون حديثٍ)] ، فنجد في هذا التناقض ان الدكتور كامل النجار يتناقض مع ما ذكره في الحلقة الثانية حول عدد المسلمين ، فقال في تلك الحلقة : [(أن الفترة المكية التي امتدت على مدى ثلاث عشرة سنة كانت فترة التسامح والآيات التي تقول " وما أنت عليهم بوكيل " وما شابه ذلك. ولم يكن النبي في موقف يسمح له بالتشريع إذ لم يكن عدد اتباعه يتعدى أصابع اليدين والرجلين)] ، إذن لم يكن عدد المسلمين بحسب أدعاء الدكتور النجار في الفترة المكية أكثر من عشرين شخص !!! لكنه عاد في هذه الحلقة ليعترف أن عدد المهاجرين فقط إلى الحبشة يصل إلى ثمانين مسلماً !   

فأما أبو بكر بن أبي قحافة فقد روى (142) حديثاً ، وروى عمر بن الخطاب (539) حديثاً ، وروى عثمان بن عفان (146) حديثاً ، فمثل هذه الاعداد في الاحاديث المروية لا يقال لأصحابها بانهم [(لم يروا أحاديثاً إلا ما ندر)] كما وصفهم الدكتور النجار بذلك في النص السابق !

وأما القول المذكور آنفاً للدكتور النجار ونصه : [(يبقى لنا إذا العشرة سنوات بالمدينة، وبما أن السنة بها 365 يوماً، فلو قال النبي حديثاً كل يوم من أيام السنوات العشرة فإن عدد الأحاديث لن يتعدى 3650 حديثاً. ولكن الذي وصل إلينا في كتب الأحاديث المختلفة وصل مئات الآلاف)] ، وطبعاً فهناك إجحاف واضح حين ينسب للنبي (صلى الله عليه وآله) حديثاً واحداً كل يوم ، مع أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله) كان يلتقي المسلمين يومياً يحدثهم ويرشدهم في المسجد وفي الطريق وفي تفقده لهم كل يوم وفي جميع أحوالهم. يضاف لذلك أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يلقي على المسلمين في كل يوم جمعة خطبتين في صلاة الجمعة مليئة بالوعظ والارشاد والتوجيه بالحلال والحرام. ففي كل يوم وفي كل يوم جمعة يصدر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) العشرات من الاحاديث. فكلام الدكتور كامل النجار غير مقبول على الاطلاق وبعيد جداً عن الصواب.

 

 وقال الدكتور النجار : [(وقول الكرخي (فلم يثبت أن القتل يقتصر على الممارسة بل هو يشمل بالأساس الإرتداد العقائدي عن الإسلام ويؤيد ذلك حديث معاذ الذي رواه أحمد بن حنبل في مسنده (ج5 ص231 ) وهو : (حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبد الرزاق أنا معمر عن أيوب عن حميد بن هلال العدوي عن أبي بردة قال قدم على أبي موسى معاذ بن جبل باليمن فإذا رجل عنده قال ما هذا قال رجل كان يهوديا فاسلم ثم تهود ونحن نريده على الاسلام منذ قال أحسبه شهرين فقال والله لا أقعد حتى تضربوا عنقه فضربت عنقه ) يُثبت أن قتل المرتد لا يتطلب أي برهان إذ أن معاذ بن جبل لم يسمع بنفسه من الرجل أنه أرتد ولم يطلب دليلاً ورفض أن ينزل من حماره حتى يدقوا عنق الرجل. فأي سنة هذه التي تُباشر بالسماع من الآخرين؟)] ، فمن الواضح ان الارتداد قد ثبت عند أبي موسى الاشعري فحين سئل معاذ بن جبل عنه علم ان الجرم ثابت عليه ولكن العقاب متوقف لسبب ما ، مما دفعه إلى الاسراع في العقوبة بعد ثبوت الجرم. فقد مرّت فترة طويلة يراجعونه فيها ويحاولون إقناعه بالدليل والبرهان أن يعود إلى الاسلام فيمتنع ويجحد ، فلم يكن امام المسلمين سوى إيقاع العقوبة عليه. 

 

وقال الدكتور النجار : [(والأحاديث نفسها تعارض بعضها البعض وتنسخ بعضها البعض ويعتمد الفقهاء على سمعة الرواة، غير أن كل من روى حديثاً نجد من يضعفه ومن يقويه، فليس هناك من وسيلة للتأكد من صحة أي حديث. فنجد مثلاً مِصْدَع بن يحيى، عن عائشة، أن النبىَّ صلى الله عليه وسلم، كان يُقبِّلُها وهو صَائِم، ويَمُصُّ لِسَانَها. فهذا الحديث، قد اختُلِفَ فيه، فضَّعفه طائفة بمِصْدَع هذا، وهو مختلَف فيه، قال السعدى: زائغ جائر عن الطريق، وحسَّنه طائفة، وقالوا: هو ثقة صدوق، روى له مسلم فى ((صحيحه)) وفى إسناده محمد بن دينار الطاحى البصرى، مختلف فيه أيضاً، قال يحيى: ضعيف، وفى رواية عنه، ليس به بأس، وقال غيره: صدوق، وقال ابن عدى: قوله: ((ويمص لسانها))، لا يقوله إلا محمد بن دينار، وهو الذى رواه، وفى إسناده أيضاً سعد بن أوس، مختلف فيه أيضاً، قال يحيى: بصرى ضعيف، وقال غيره: ثقة، وذكره ابن حبان فى الثقات. ( زاد المعاد لابن القيم، ج2، ص 30). ونجد في تضارب الأحاديث عن الأشياء التي تفسد الصيام أن (الذى صح عنه صلى اللَّه عليه وسلم: أن الذى يُفْطِرُ به الصَّائِمُ: الأكلُ، والشربُ، والحِجامة  والقئ،) ولكن في حديث سعيد، عن الحكم، عن مِقْسم، عن ابن عباس، (أن النبى صلى الله عليه وسلم، احتجم وهُوَ صَائِمٌ مُحْرِمٌ) ( زاد المعاد، ج2، ص 31). ويقول ابن رشد: (إنه ورد في ذلك حديثان: أحدهما ما روي من طريق ثوبان ومن طريق رافع بن خديج أنه عليه الصلاة والسلام قال: "أفطر الحاجم والمحجوم" وحديث ثوبان هذا كان يصححه أحمد. والحديث الثاني حديث عكرمة عن ابن عباس "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم" وحديث ابن عباس هذا صحيح؛ فذهب العلماء في هذين الحديثين ثلاثة مذاهب) ( بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد، ج1، ص 31). وعن صلاة العشاء قال صلى اللَّه عليه وسلم: (لا تَغْلِبَنَّكُمُ الأعْرَابُ عَلَى اسم صَلاتِكُم، أَلاَ وَإنَّهَا العِشَاءُ، وَإنَّهُمْ يُسَمُّونَهَا العَتَمَةَ)، وصح عنه أنه قال: (لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِى العَتَمَةِ والصُّبْحِ، لأَتَوْهُمَا وَلَو حَبْواً) فقيل: هذا ناسخ للمنع، وقيل بالعكس ) ( زاد المعاد، ج2، ص 200). ولكثرة تضارب هذه الأحاديث مع بعضها ومع أفعال النبي، خرج علينا أهل الحديث بمفهوم نسخ الأحاديث بعضها بعض بعد أن برعوا في نسخ آيات القرآن لبعضها. فهل نستطيع بعد هذا أن نعتمد على الأحاديث والسنة؟)] ،  نعم فالإعتماد على الاحاديث هو العمدة ، والاختلاف في لفظ بعض الاحاديث يعود أمر تقديره إلى الفقهاء ، فهم الذين يرجحون أي حديث هو الصواب او الاكثر صحة من غيره عن طريق تدقيق سنده ومتنه ، ولكن المشكلة أن الدكتور النجار رغم انه إنسان مهني يمتهن الطب إلا أنه لايؤمن بالإختصاص !! فيحشر نفسه في نقاش إختصاصات لا يعلم منها شيئاً ولم يدرسها ولا درس قواعدها واصولها ، فيظن أن علوم الحديث والفقه عامةً هي علوم يمكن لكل احد أن يخوض فيها مع أن حقيقتها انها علوم دقيقة تحتاج إلى تخصص ودراسة معمقة. ولذلك أصبح هناك علماء مجتهدون في الشريعة ، لكي يجيبوا انفسهم عن كل الاشكالات الفقهية التي تصادفهم من اجل الوصول إلى الحكم الشرعي الصحيح. فهل يقبل الدكتور النجار ان نتدخل في إختصاصه الطبي ونناقشه في كيفية تشخيصه للأمراض وطريقة معالجتها لمجرد أننا قرانا كتاباً طبياً ذا ثقافة عامة قراءةً سطحية ؟ وإذا تدخل الانسان فيما لايفقهه من علوم وإختصاصات فهل يمكن ان تبنى بعد ذلك الحضارات وتتسع المدنيات ؟! فهل العلمانية تدعو للعشوائية ونبذ الإختصاص ؟!!

 

وقال الدكتور النجار : [(وفي حقيقة الأمر فإن السيد الكرخي لم يأت بعدة أحاديث تبيح قتل المرتد، وإنما بحديث واحد " من بدل دينه فاقتلوه" بروايات عديدة)] ، غير اننا ذكرنا حديثين وليس حديثاً واحداً هما :

ـ في كتاب الأم للامام الشافعي ج1 ص294 : قال الشافعي ) أخبرنا الثقة من أصحابنا عن حماد عن يحيى بن سعيد عن أبى أمامة بن سهل حنيف عن عثمان بن عفان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ، كفر بعد إيمان ، أو زنا بعد إحصان ، أو قتل نفس بغير نفس ") ، وكما ذكرنا في الحلقة الاولى من ردنا هذا فإنَّ عبارة الشافعي :(الثقة من أصحابنا) قصد بها (يحيى بن حسان) وقد ذكر الشافعي أسمه في كتابه (المسند).  

ـ في سنن النسائي ج7 ص104 : (أخبرنا موسى بن عبد الرحمن قال حدثنا محمد ابن بشر قال حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من بدل دينه فاقتلوه)).

فهما حديثان وليسا حديثاً واحدً كما ذكر الدكتور النجار. وهب انه حديث واحد ، فماذا في ذلك إذا كان ذا دلالة على الحكم الشرعي ، فإن فيه الكفاية في الدلالة.

فمدار نقاشنا كان يدور حول أنَّ الدكتور محمد عابد الجابري يحاول إنكار وجود أي نص في السنة النبوية يدل على قتل المرتد ، فبينّا له من خلال هذين الحديثين أنّ هناك نصوصاً من السنة تدل على قتل المرتد.

 

وقال الدكتور النجار : [(أما قصة حرق الخليفة علي بن أبي طالب المرتدين أحياءً، فقصة لا يجدر بشيوخ الدين أن يكرروها أنها لا تختلف عن قصص محاكم التفتيش الإسبانية التي حرقت العلماء مع كتبهم، وشّنع عليهم الفقهاء المسلمون بذلك الفعل)] ، عجباً كيف يخلط الدكتور النجار بين الامور ! فهو يقارن بين محاكم التفتيش العنصرية والطائفية والتي منعت كل مسلم من البقاء على دينه وإجباره على إعتناقه المسيحية ، هذا في باديء الامر ، ثم بعد ذلك منعت كل مسلم من البقاء في الاندلس حتى لو بدّل دينه واعتنق المسيحية ، فطردتهم خارج الاندلس ! يقارنها مع تطبيق حكم شرعي اسلامي يطبق على افراد ارتكبوا جريمة الارتداد. فهل في ذلك إنصاف ! فالمسلمون الذين اضطهدتهم محاكم التفتيش وأجبرتهم على إعتناق المسيحية لم يكونوا في يوم من الايام مسيحيين حتى يتم اجبارهم على العودة إلى المسيحية ، كما انه ليس في المسيحية قانون يبيح قتل من يتركها إلى دينٍ آخر. فباي حقٍ إذن نشأت محاكم التفتيش ؟!

 

وحين تحدثنا عن حروب الردة في زمن خلافة أبي بكر بن أبي قحافة وبيّنا أنَّ كلام الدكتور محمد عابد الجابري حول إعتبار ان المرتد هو بمثابة الخائن للوطن نتيجة ظروف حروب الردة ، هو كلام غير تام من ثلاث جهات ذكرناها ، فاعترض الدكتور كامل النجار على كلامنا هذا بقوله : [(وأتفق هنا مع السيد الكرخي أن استدلال د. الجابري هنا ليس استدلالاً منطقياً، ومانعوا الزكاة والمرتدون أيام أبي بكر لم يتأهبوا للانقضاض على الدولة ولم تكن لهم نوايا "خيانة عظمى" ضد الدولة الإسلامية التي لم تكن قد أصبحت دولة بعد. ولكن السيد الكرخي يعترض على الاستدلال من وجوه أخرى فيقول: (والإستدلال بحروب الردة هو إستدلال غير تام من ثلاث جهات

الأولى هي أن فعل أبا بكر ليس مصدراً تشريعياً لكي يتم الإقتداء به وإتباعه فنحن مأمورون بالتمسك بالثقلين كتاب الله والعترة الطاهرة وما نتج عنهما من مصادر التشريع وهي القرآن الكريم والسنة المطهرة ،

والجهة الثانية هي أن بعض حروب الردة هي حروب غير عادلة لأن بعضها لم يتوجه لقتال المرتدين عن الإسلام بل توجهت لقتال الرافضين لخلافة أبي بكر لأنهم سمعوا و علموا أن النبي (صلى الله عليه وآله) يقول يوم غدير خم : (من كنت مولاه فعلي مولاه) ،

والجهة الثالثة هي ان الإسلام هو دين صالح للعمل به وتطبيقه إلى يوم القيامة ولذلك قال الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم : (( اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) انتهى.

والأسباب التي أوردها الكرخي غير مقنعة إطلاقاً إذ أن السبب الأول يقول إن أفعال وأقوال أبي بكر أو الخلفاء الآخرين ليست مصدراً تشريعياً. وهذا قول صواب، كما قلنا سابقاً، لكنه ينسف كل الشريعة، خاصة شريعة المذهب الشيعي الذي يعتمد في أغلبه على أحاديث وأفعال الخليفة علي وأبنائه وأحفاده. والسبب الثاني يقول إن بعض الذين حاربهم أبو بكر لم يكونوا مرتدين إنما كانوا معارضين لخلافته، وإذا كان هذا صحيحاً فإنه يؤكد لنا أن جميع الفقهاء والشيوخ منذ عهد أبي بكر قد استغلوا الدين لأسباب سياسية بحتة، وما زالوا يفعلون. ولكن أغلب كتب السيرة والتاريخ تقول إن كل القبائل العربية ارتدت عن الإسلام بعد موت النبي، فمثلاً يقول الذهبي في تاريخ الإسلام: (ورجع عامة العرب عن دينهم وعامة أهل المشرق وغطفان وأسد وعامة أشجع، وتمسكت طيء بالإسلام.) (ص 572). ويقول المبرد في التاريخ الكامل: (لما مات النبي صلى الله عليه وسلم وسيّر أبو بكر جيش أسامة ارتدتْ العربُ وتضرمتْ الأرضُ ناراً وارتدتْ كلُّ قبيلة عامة أو خاصة إلا قريشاً وثقيفاً، واستغلظ أمر مسيلمة وطليحة واجتمع على طليحة عَوَامّ طيىء ، وأسد ، وارتدت غطفان تبعاً لعيينة بن حصن فإنه قال : " نبيُّ من الحليفين - يعني أسداً وغطفان - أحبّ إلينا من نبي من قريش ) (ج2، ص242). أما السبب الثالث، أي كون الإسلام صالحاً لكل زمان ومكان، فقول فيه نظر.

)] ، فمن الواضح ان قوله [(والأسباب التي أوردها الكرخي غير مقنعة إطلاقاً)] عاد لينقضه هو نفسه بعد كلمات قليلة بقوله [(إذ أن السبب الأول يقول إن أفعال وأقوال أبي بكر أو الخلفاء الآخرين ليست مصدراً تشريعياً. وهذا قول صواب، كما قلنا سابقاً)] ، إذن السبب الاول صواب بحسب اعترافه ، واما المذهب الشيعي فحين يعتمد على السنة المروية من خلال أئمة آل البيت عليهم السلام وحدهم فما ذلك إلا من أجل تطبيق اوامر رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين أعلن في حديث الثقلين المتواتر ان الامن من الضلال يكون عن طريق التمسك بالثقلين ، وهو قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : (اني تارك فيكم ما ان أخذتم به لن تضلوا بعدي الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي الا وانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض).

 

واما السبب الثاني فاعترض الدكتور النجار عليه بالاعتماد على كتب التاريخ التي ذكرت ان كل القبائل العربية ارتدت عن الاسلام بعد موت النبي (صلى الله عليه وآله) وذكر لذلك روايات ، فأما الرواية التي أوردها الدكتور النجار والتي نقلها عن الذهبي والتي تقول ان عامة العرب ارتدوا عن الاسلام إلخ... فقد رواها عروة ـ كما في تاريخ دمشق ج2 ص53 ـ مع انه لم يكن قد ولد حينذاك ، فهي ضعيفة بسبب الارسال ولا يعتد بها. وأما مارواه المبرد في الكامل في التاريخ فقد رواه الطبري قبله وهو مروي عن سيف بن عمر وهو راوٍ كذاب ومرفوض الرواية ومعظم أخبار الردة مروية عنه وقد لفقها ، ويمكن لمن يريد التوسع في هذا الموضوع مراجعة كتاب (عبد الله بن سبأ) للسيد مرتضى العسكري. وعلى فرض صحة النص الذي يقول بإرتداد كل القبائل العربية فهذا لا يعارض ما ذهبنا إليه من انهم كانوا يسمون القبائل التي رفضت خلافة أبي بكر بأسم المرتدين ظلماً وعدواناً ، فيظل السبب الثاني الذي ذكرناه قائماً وغير معارض بدليل. واما السبب الثالث الذي ذكرناه فقد اكتفى الدكتور النجار بالجواب عنه بقوله : (أما السبب الثالث، أي كون الإسلام صالحاً لكل زمان ومكان، فقول فيه نظر) ، وكيف لا يكون كذلك وهو خاتم الاديان وشريعته خاتمة الشرائع ، فضلاً عن انَّ الله سبحانه اكمله واتم النعمة به على البشرية ورضيه لنا دينا. فإن لم يكن الاسلام صالحاً لكل زمان ومكان فما هي الفائدة من البعثة النبوية ، هل الفائدة ان تكون الشريعة مقتصرة على زمن قليلٍ ماضٍ ، وما تبقى منه الى يومنا ثم الى قيام الساعة تكون القوانين هي قوانين وضعية من وضع البشر ، واذا كان الله سبحانه يريد ان تسود القوانين الوضعية على الارض فلماذا انزل الشرائع المتتالية التي تصلح لزمانها ومكانها خاصة ثم ختمها بالشريعة التي اكملها وارتضاها ؟ طبعاً هذا الافتراض غير منطقي ولذلك يتضح ان الصواب هو الاعتراف بان الشريعة الاسلامية هي شريعة تصلح لكل زمانٍ ومكان والى يوم القيامة. وعلى كل حال فقد أتفقنا مع الدكتور النجار على السبب الاول واختلفنا معه في السبب الثالث ، وبيّنا ان السبب الثاني لا يعارض كلام الدكتور النجار. ونحن يكفينا السبب الاول للقول بصحة ما ذهبنا إليه من أنه لا يمكن إعتبار المرتد في عصر الخلافة بمثابة الخائن للوطن وقصر الامر على هذه الحالة ، بل أن أمر قتل المرتد هو امر شرعي نابع من صميم الشريعة الاسلامية. فإذا أضفنا إليه السببين الثاني والثالث اللذين نعتقد صحتهما فقد تعاضدت الادلة على ما ذهبنا إليه.

 

وقال الدكتور النجار : [(ونتفق مع السيد الكرخي في أن الخطأ في الاجتهاد والتأويل يجب ألا يُعاقب عليه المجتهد غير أن فقهاء الإسلام منذ الدولة الأموية قد كفّروا المجتهدين في التأويل وسموهم الزنادقة والمارقين وأحرقوهم كما أحرق الخليفة أبو بكر والخليفة علي المرتدين. وهناك من يكفّر القرأنيين لرفضهم السنة وتمسكهم بالقرآن الذي هو كلام الله، حسب ما يزعم المسلمون، ومع ذلك يكفّرون القرآنيين الذين يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويصمون ويحجون ويعطون الزكاة، ولكن لأنهم رفضوا الأحاديث التي لا يمكن أن يعتمدها باحث علمي، أصبحوا مرتدين. ورفض العقيدة حق من حقوق الإنسان المسلم، كما هو حق من حقوق غير المسلمين الذين يسعى المسلمون إلى إخراجهم من عقائدهم المسيحية أو اليهودية وإدخالهم في الإسلام)] ، وهنا ينبغي التساؤل عن جانب من عقيدة القرآنيين حتى لا تنطلي خدعهم على المسلمين ، فقد ذكر الدكتور كامل النجار أنَّ القرآنيين ـ وهم جماعة ضالين موجودين في مصر ـ ذكر انهم يصلون ويصومون ويحجون ويرفضون السنة النبوية ، فكيف إذن يؤدون صلاتهم مع ان تفاصيل الصلاة غير موجودة في القرآن الكريم ولا تفاصيل الصيام ولا الحج ، فكل العبادات عرفها المسلم بصورة تفصيلية عن طريق السنة النبوية فمن يرفض السنة كيف يمكنه أن يأتي بالعبادات !

فالقرآنيون لم يرفضوا الاحاديث الضعيفة لكي يقال انهم رفضوا الاحاديث التي لا يمكن أن يعتمدها باحث علمي ، وإلا لهان الخطب ، لأن جميع فقهاء الاسلام يرفضون الاحاديث الضعيفة وإنما إختلافهم في المصاديق والتشخيص. والقرآنيون يرفضون العمل حتى بالاحاديث الصحيحة والمتواترة والمعتبرة. فقد ضلوا من هذه الجهة أي برفضهم السنة النبوية ، ورفضهم لطاعة رسول الله (صلى الله عليه وآله). قال تعالى في سورة الحشر : (( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب )).

 

وقال الدكتور النجار : [(فليس هناك أي منطق في أن ندعو شخصاً إلى الدخول في الإسلام ثم نقتله إن خرج منه، أو نجبر شخصاً أصبح مسلماً بالميلاد لأن والديه أسلماه وهو طفل لا يعي، ونقرر أن نقتله إن رفض الإسلام عندما يكبر ويستقل عن والديه ويعتمد على عقله)] ، فهذا الذي اعترض الدكتور كامل النجار عليه موجود بعينه في الانظمة العلمانية الغربية ولكن الدكتور كامل النجار لايعترض عليها بل يؤيدها واضعاً نفسه في موقفٍ متناقض ! فالمسلمات في فرنسا ممنوعات من ارتداء الحجاب في المدارس ، فما هو ذنب المسلمة التي تولد في فرنسا وهي لم تختر الولادة هناك ولم تقتنع بالقوانين الفرنسية التي تخالف حريتها الشخصية ، ومع ذلك فهي مضطرة للخضوع لها. وكذلك كل من يولد في مجتمع يخضع لقوانينه ، فمثلاُ لا يسمح في الدول الغربية أن يسير الانسان عارياً ويحاسبه القانون لذلك رغم علمانيته فلماذا يمنعون هذا الفعل مع انه يدخل وفقاً لقوانينهم ضمن الحريات الشخصية ، وما "ذنب ذلك الانسان" بالخضوع لقوانين مجتمع ولد فيه ولم يكن له الخيار في ذلك ! وكذلك هناك دول غربية تمنع شرب الخمر لمن هم دون سن الـ 21 سنة مع أنهم تجاوزوا سن البلوغ القانوني وهو الـ 18 سنة ، فلماذا يضطر الانسان للخضوع لهذه القوانين مع انها تدخل ضمن الحريات الشخصية !!

 

فنحن ندعو الآخرين لإعتناق الاسلام ونبين لهم عقيدته واحكامه ومن بين أحكامه هو قتل المرتد ، فمن يعتنق الاسلام فقد ألزم نفسه بالخضوع إلى قوانينه وشريعته ، فإذا ارتد عنه فهو قد ارتضى مسبقاً ان يناله الحكم الشرعي بالقتل.

واما الطفل الذي يولد من أبوين مسلمين فقد أصبح مسلماً ، ولذلك يجري عليه حكم المرتد ، نعم هو لم يختر عقيدته ، ولكن من قال أن الانسان يستطيع أن يختار كل شيء في الحياة ؟! أتصور أنَّ فيما ذكرناه آنفاً من امثلة ماخوذة من انظمة علمانية تدل على أنَّ الانسان لا يمكنه دائماً أن يختار كل شيء في حياته.

 

عموماً فإنَّ أمر الارتداد بسيط في معالجة التخلص من عقوبته ، فما على المرتد إلا ان يغادر مجتمعه إلى مجتمع آخر يتقبله وينجو فيه من العقاب ، وسوف يجد الكثير من المنظمات التنصيرية تحتضنه وتزوده بالمال والدعم من اجل محافظته على أرتداده. واما إذا أصر على ان يعيش بين المسلمين معلناً إرتداده ، وهازئاً بدينهم مع ما يملك من ضحالة الشبهات وأسباب الردة جاعلاً من نفسه بؤرة فسادٍ للمجتمع ، فلن يكون امام المسلمين سوى تطبيق حكم القتل بحقه غير مأسوفٍ عليه.

 

فإن أعجب من شيءٍ فعجبي على المسلمين كيف يمكن ان يتقبلوا ان يعيش بينهم مرتد مع ما يشكله من وباء فكري نتيجة ما يحمله من أفكار مَرَضيّة تجاه الاسلام.

نعم ، الارتداد جريمة والمرتد وباء ينبغي إجتثاثـه.

 

  

الصفحة الرئيسية