بسم الله الرحمن الرحيم

كامل النجار وجريمة الارتداد ( 2 )

 

نبيـل الكرخي

في الحلقة الثانية من مقال [(نبيل الكرخي وقتل المرتد 2)] والمنشور في موقع كتابات بتاريخ 14 آذار 2006م دافع الدكتور كامل النجار عن فكرة الدكتور محمد عابد الجابري التي تحدث فيها عن ان الآيات القرانية المكية هي آيات مقتصرة على الدعوة واطلق عليه أسم (قرآن الدعوة) وقال ان الآيات القرآنية المدنية هي آيات مقتصرة على التشريع وأطلق عليها اسم (قرآن التشريع) وحين بيّنا من خلال الاستدلال بالآيات القرآنية المكية والمدنية ان هذا التقسيم غير صحيح لأن هناك العديد من الآيات الكريمة التي تحمل معنى الدعوة قد نزلت في المدينة وآيات عديدة اخرى هي آيات تشريع قد نزلت في مكة المكرمة ، لكن الدكتور كامل النجار رفض الاعتراف بهذه الحقيقة قائلاً : [(والسيد الكرخي هنا يحاول تمييع الفارق بين السور المكية والسور المدنية. ولكن من المعروف لكل الناس أن الفترة المكية التي امتدت على مدى ثلاث عشرة سنة كانت فترة التسامح والآيات التي تقول " وما أنت عليهم بوكيل " وما شابه ذلك. ولم يكن النبي في موقف يسمح له بالتشريع إذ لم يكن عدد اتباعه يتعدى أصابع اليدين والرجلين. ولم يكن التشريع شغله الشاغل وإنما كان همه منصباً على محاولة استمالة اليهود والقرشيين إلى الإسلام بإظهار التسامح لهم وبالتركيز على قصص الأنبياء)] ، فمن الواضح انَّ الدكتور كامل النجار يصر على إنكار الواضحات ، واصراره على إنكار وجود آيات تشريعية نزلت في في مكة المكة قبل الهجرة ليس له ما يبرره ، وسنعرض من جديد الآيات التي ذكرناها سابقاً والتي لا لبس على كونها آيات مكية تشريعية ، مع إضافة آيات اخرى مكية أيضاً :

ـ في سورة النحل وهي سورة مكية نقرأ تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير : (( إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغٍ ولا عاد فإن الله غفور رحيم ))

ـ وتتحدث الآية المكية التي تتلوها في سورة النحل عن وجود تشريع في تلك الفترة المكية ، فقال تعالى : (( ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون )).

ـ وفي سورة النحل أيضاً نقرأ في الآيتين (90) و(91) تشريع الامر بالعدل والاحسان وصلة الارحام والنهي عن الفحشاء والمنكر وتشريع الوفاء بالعهد واليمين ، بقوله تعالى : (( إن الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون * وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون ).

 ـ وفي سورة النحل أيضاً نقرأ في الآية الكريمة (106) تشريع التقية بقوله تعالى : (( من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم )).

ـ وفي سورة النحل أيضاً وهي سورة مكية كما أسلفنا ، نقرأ تشريع العقاب بالمثل بقوله تعالى في الآية (126) : (( وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين )).

ـ وفي مكة نزل تشريع الصلاة بقوله تعالى في الآية (114) من سورة هود (عليه السلام) وهي سورة مكية : (( واقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل )) ، وكذلك في الآية (31) من سورة ابراهيم (عليه السلام) وهي سورة مكية : (( قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية من قبل ان ياتي يوم لا بيع فيه ولا خلال )).

ـ وفي مكة نزل تشريع حفظ مال اليتيم بقوله تعالى في الآية (34) من سورة الاسراء : (( ولا تقربوا مال اليتيم الا بالتي هي احسن حتى يبلغ اشدّه واوفوا العهد ان العهد كان مسؤولا )).

ـ تشريع زكاة الزرع قد شرّعت في مكة المكرمة كما في الآية (141) من سورة الانعام المكية وهي قوله تعالى : (( كلوا من ثمره إذا اثمر واتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا انه لا يحب المسرفين )).

ـ وفي مكة المكرمة نزل تشريع تحريم أكل الطعام الذي لم يذكر اسم الله سبحانه عليه وهو المذكور في قوله تعالى في الآية (118) من سورة الانعام المكية : (( فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إنْ كنتم بآياته مؤمنين )) إلى قوله تعالى في الآية (121) من نفس السورة : (( ولا تاكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وانه لفسق )).

ـ وفي مكة المكرمة نزل تشريع تحريم الزنى في الآية (32) من سورة الاسراء : (( ولا تقربوا الزنى انه كان فاحشةً وساء سبيلا)).

ـ وفي الآية (151) من سورة الانعام وهي سورة مكية نقرأ قوله تعال : (( قل تعالوا أتل ما حرم بكم عليكم أن لا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاقٍ نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون  ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده واوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولوا كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون )). فانظر الى هذه التشريعات المكية العديدة التي ذكرها الله سبحانه في هذه الآية المباركة وهي متنوعة بين نواهي شرعية وأوامر شرعية ، بل وفيها تصريح بوجود أحكام شرعية في الفترة المكية فقال تعالى : (( قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم )) ، كما أنّ هناك آيات أخرة من سورة النحل سنذكرها بعد قليل هي آيات تتضمن احكاماً شرعية ، فهل بعد ذلك لأحدٍ أن يقول بأن الآيات المكية التي نزلت في مكة المكرمة قبل الهجرة ليس فيها آيات تشريعية !

 

  فهذا التقسيم الذي ابتدعه الدكتور محمد عابد الجابري وايده الدكتور كامل النجار والقائل بان كل الآيات القرآنية المكية هي آيات دعوة وكل الآيات القرآنية المدنية هي آيات تشريع هو تقسيم خاطيء ولا أساس له من الصحة. فأنظر إلى قول الدكتور النجار المار الذكر : [(ولكن من المعروف لكل الناس)] ، فهل هذا هو الدليل العلمي الذي يعتمده الدكتور النجار : "المعروف لكل الناس" ! واي تسامح يتحدث عنه الدكتور النجار في الفترة المكية ، فهل يعلم الدكتور النجار ان الفترة المكية هي فترة التصادم بين المسلمين والمشركين في عقر دار الشرك ، عندما كان المسلمون يسفهون الاصنام ويوبخون المشركين ويغزون بيوت القرشيين بالقرآن الكريم المعجز الذي وقفت عنده عقول العرب وهي حائرة من صدق إعجازه وانه لا يكون إلا من كلام غير كلام البشر ، وكان غزو المسلمين الفكري لعقول المشركين يتسع يوماً بعد آخر مع صمود المسلمين ضد تعذيب المشركين واضطهادهم ، مما اضطر المشركين للبحث عن طريقة لإيقاف هذا الغزو فكان الحصار الذي فرضوه على المسلمين في شعب أبي طالب. وقبلها كانت الهجرة إلى الحبشة وبعدها كانت الهجرة إلى يثرب مما ادى إلى إيجاد حالة عدم إستقرار إجتماعي داخل مكة. فأين هو التسامح الذي يتحدث عنه الدكتور النجار ؟! لقد كانت فترة الدعوة المكية أصعب وأشق على المسلمين من فترة الدعوة المدنية ـ في تقديرنا ـ لأن المسلمين كانوا يعيشون في ظل سلطة قبلية مشركة جائرة.

واما قول الدكتور النجار الانف الذكر : [(ولم يكن النبي في موقف يسمح له بالتشريع إذ لم يكن عدد اتباعه يتعدى أصابع اليدين والرجلين)] ، فالدكتور النجار ينكر كل الحقائق علانية ، فقوله أن عدد المسلمين لا يزيد على العشرين هو قول غريب ، وقد يصدر من شخص ليس لديه إطلاع على التاريخ الاسلامي ، فهل الدكتور النجار هو من هذه الشاكلة ! ويكفي ان نعرف ان عدد المهاجرين إلى الحبشة وحدهم يزيد على المائة مسلم. 

ومن جهة اخرى نجده من خلال الجملة السابقة ينكر وجود تشريع في مكة ، وأضاف لها قوله : [(أما قول الكرخي عن وجود آيات مكية بها تشريع فقول لا نوافقه عليه. فسورة الشورى التي ذكرها ليس بها تشريع إذ الآية المذكورة تقول ( والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يستغفرون ) فهذا ليس تشريعاً بأي حال من الأحوال. فهذه مجرد نصائح عامة. وينطبق نفس الشيء على سورة "المؤمنون" فكل الآيات التي ذكرها السيد الكرخي تقع تحت بند الموعظة أو الحكمة ولا دخل لها بالتشريع. أما الآية التي ذكرها في سورة النحل ( إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغٍ ولا عاد فإن الله غفور رحيم ) فهي آية واحدة في سورة بها 128 آية، أغلبها مواعظ ودعوة إلى الإسلام. وقد ذكرت الآية جزءاً يسيراً من المحرمات التي أتى بها فيما بعد في المدينة. وتظل مقولة د. الجابري قائمة بأن الآيات المكية عبارة عن قرآن دعوة بينما الآيات المدنية هي قرآن التشريع. ولكل قاعدة شواذ)] ، واتصور ان الآيات المكية التي ذكرتها آنفاً وهي آيات تتضمن احكاماً تشريعية هي اوضح من تكون شواذاً لقاعدة لم يدل عليها دليل. وليست الآية المذكورة حول تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير هي آية تشريعية وحيدة في سورة النحل من بين (128) كما ادعى الدكتور كامل النجار ، بل قد ذكرنا آنفاً العديد من الآيات القرآنية الكريمة في سورة النحل والتي تحمل تشريعات اسلامية مهمة. كما ينبغي أن نلاحظ أننا لا نتحدث عن عدد الايات التشريعية بل عن وجودها من عدمه في الفترة المكية.

ونذكّر بان السور المدنية تحتوي على آيات عديدة فيها معنى الدعوة ، فهي لم تقتصر على التشريع ، ولعل قوله تعالى : (( وان تعجب فعجب قولهم ءاذا كنا ترابا ءانا لفي خلق جديد اولئك الذين كفروا بربهم واولئك الاغلال في اعناقهم واولئك اصحاب النار هم فيها خالدون )) ، وآيات كريمة عديدة في هذه السورة المباركة تتضمن معنى الدعوة وهي سورة مدنية ، تشكل نموذجاً ودليلاً على ما نقول. فلا يصح مطلقاً القول بأن الفترة المكية للدعوة الاسلامية لم ينزل فيها تشريع إسلامي ، ولا يصح القول بان الفترة المدنية من الدعوة الاسلامية لم ينزل فيها قرآن كريم يتضمن معنى الدعوة إلى الاسلام. فقول الدكتور النجار : [(ولكل قاعدة شواذ)] ، لا محل له هنا ولا تطبيق لأن ما اوردناه من أدلة على وجود آيات قرآنية تشريعية مكية هو أمر يتجاوز كونها شواذ لقاعدة مزعومة. بل أنَّ أساس التشريع الاسلامي قد تكوّن في مكة المكرمة واستمر في المدينة المنورة ، كما أنَّ هناك آيات قرآنية تحمل معنى الدعوة والترغيب والترهيب منها ما نزل في مكة ومنها ما نزل في المدينة المنورة.

 

وقال الدكتور النجار : [(وفعلاً هناك آيات مدنية تدعو إلى الإسلام إذ أن الإسلام لم يكن قد انتشر بعد عندما هاجر النبي إلى المدينة)] ، مما يعني ان الدكتور النجار تخلى عن دعوى الدكتور الجابري بتقسيم القرآن إلى "قرآن دعوة مكي" و"قرآن تشريع مدني" ، لأنه في هذه العبارة يعترف بوجود قرآن دعوة مدني ، مما يعني اسقاطه لدعوى الدكتور الجابري. ومع ذلك يعود الدكتور النجار ليقول : [(وتظل مقولة د. الجابري قائمة بأن الآيات المكية عبارة عن قرآن دعوة بينما الآيات المدنية هي قرآن التشريع)] ، هكذا مجرد تحكم من قبل الدكتور النجار ، فهو يعترف بوجود قرآن دعوة مدني ثم يقول بأن قرآن الدعوة هو مكي وأما القرآن المدني فهو قرآن تشريع !! مجرد تحكم بلا دليل.

 

وقال الدكتور النجار : [(والإشكال في المصحف الذي بين أيدينا هو أن الآيات لم تُكتب في مكان نزولها من السور، فقد زعموا أن النبي كان يقول لهم عندما تنزل آية: ضعوها مع الآية التي تقول كذا وكذا، ولذلك نجد سوراً مكية كثيرة تحتوي على آيات مدنية والعكس كذلك صحيح)] ، ومع ذلك فلا اشكال في الامر لأن الآيات القرآنية المكية معلومة وإن وجدت في سورة مدنية والعكس بالعكس ، فالامر ليس مجهولاً بل هو معلوم ومشخّص.

 

وحين قلنا في مقالنا السابق : (واطلق الأستاذ الجابري حكماً جزافياً حين ظن أن الآيات القرآنية التي تتوعد الذين يكفرون بعد الإيمان بالعذاب يوم القيامة تمنع من وجود تشريع إسلامي بإنزال الحد على المرتد ، فقال : [(في جميع هذه الآيات التي نزلت كلها في المدينة نجد أن حكم المرتد، كما يتحدد في سياقها، هو لعنة الله، غضب الله، جهنم، وليس القتل)] ، ونسي الأستاذ الجابري ان الأحكام الشرعية مصدرها القرآن الكريم والسنة المطهرة. وقد نصّت السنة المطهرة على قتل المرتد كما توعدها القرآن الكريم بالعذاب في الدار الآخرة) ، فاعترض الدكتور كامل النجار بقوله : [(والسيد الكرخي هنا يختار من السنة ما يحلو له ويضيفه إلى ما يحلو له من القرآن، أي كما يقول الإنكليز Cherry picking أي كالشخص الذي يلتقط من الكرز ما  يحلو له ويتجاهل ما لا يستحسنه. فالسيد الكرخي اختار من السنة ما يؤيد رأيه في قتل المرتد رغم أن القرآن يقول بغير ذلك. ولكن عندما جاء إلى الكفارة التي يجنيها المرتد من قتله، تجاهل السنة التي تقول بذلك واختار القرآن الذي يقول بعذاب الآخرة. ولا أشك مطلقاً أن السيد الكرخي على علم بما جاء في تحفة الأحوذي في باب (ما جاء أن الحدود كفارة لأهلها ) والتي تقول: (حدثنا قُتَيْبَةُ. حدثنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عنْ الزّهْرِيّ عنْ أبي ادْرِيسَ الخَولاَنِيّ، عنْ عُبَادَة بنِ الصّامِتِ. قالَ كُنّا عِنْدَ النبيّ صلى الله عليه وسلم في مجلس فقَالَ: "تُبَايِعُونِي عَلَى أنْ لاَ تُشْرِكُوا بالله شيئاً ولاَ تَسْرِقُوا وَلا تَزْنُوا قَرَأَ عَلَيْهِمُ الاَيةَ فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى الله. ومَنْ أصَابَ مِن ذَلِكَ شَيْئاً فَعُوقِبَ عَلَيْهِ فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ. ومَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً فَسَتَرَه الله عَلَيْهِ فَهُو إلَى الله إنْ شَاءَ عَذّبَهُ وَإنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ" قال: وفي البابِ عنْ عَلِي وجَرِيرِ بنِ عَبْدِ الله وخُزَيمَةَ بنِ ثَابِتٍ. قال أبو عيسى حدِيثُ عُبَادَةَ بنِ الصّامِتِ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقالَ الشّافِعِيّ لَمْ أَسْمَعْ فِي هَذَا البَاب أَنّ الحَدود يَكُونُ كَفّارَةً لأِهْلِهِا شَيْئاً أحْسَنَ مِنْ هَذَا الحَدِيثِ.) ورغم أن النووي قال: (عموم هذا الحديث مخصوص بقوله تعالى {إن الله لا يغفر أن يشرك به} فالمرتد إذا قتل على ارتداده لا يكون القتل له كفارة ) فقد قال القاضي عياض:  ذهب أكثر العلماء إلى أن الحدود كفارات واستدلوا بهذا الحديث، ومنهم من وقف لحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا أدري كفارة لأهلها أم لا؟ لكن حديث عبادة أصح إسناداً. (تحفة الأحوذي، 970). فإذاً أغلب علماء السنة مجمعون على أن الحدود كفارة لمن طبقوا عليه الحد. وهذا القول يتماشى مع المنطق لأن المنطق يخبرنا أن الله عادلٌ، والعادل لا يجوز عقلياً أن يعاقب الإنسان مرتين أو أكثر على نفس الجرم. وحتى القوانين الوضعية تقول بذلك، فالإنكليز مثلاً لديهم قانون يسمونه Double Jeopardy يمنع محاكمة الإنسان بنفس الجرم مرتين. فهل يريدنا السيد الكرخي أن نعتقد أن الإنسان وقوانينه الوضعيه أعدل من الله وقوانينه السماوية؟)] ، وفي الحقيقة فإنَّ إتهامه لي بإلتقاط ما يحلو لي من السنة هو اتهام في غير محله ، وغير صحيح مطلقاً ، فما افعله هو عرض وجهة النظر الاسلامية كما أفهمها ، كما اني لستُ مؤهلاً للإجتهاد و"إلتقاط ما يحلو لي" من عدمه. وفي نفس السياق أجد من الضروري الإشارة إلى أن القرآن الكريم يحتوي على وعيدٍ بعذابٍ دنيوي للكافرين المرتدين عن الاسلام ، ففي الآيتين (73و74) من سورة التوبة نقرأ قوله تعالى : (( يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير * يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة وما لهم في الارض من ولي ولا نصير )) ، فالقرآن الكريم قد توعدهم بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة وليس في الآخرة وحدها.

وفي خصوص الموضوع الذي ذكره الدكتور كامل النجار في النص المنقول آنفاً وهو : هل انَّ الحدود كفارات لأهلها أم لا ؟ فقد اختلف الفقهاء قي ذلك ، فالقاضي عياض قال : (ذهب أكثر العلماء إلى أن الحدود كفارات واستدلوا بهذا الحديث) ويقصد حديث عبادة بن الصامت الذي ذكره الدكتور النجار في النص السابق ، وهي عبارة عامة وقد ذكرها النووي أيضاً في شرحه لصحيح مسلم لكنه استثنى حد الردة منها بقوله : (وأعلم أن هذا الحديث عام مخصوص وموضع التخصيص قوله (صلى الله عليه وسلم) ومن أصاب شيئاً من ذلك الى آخره المراد به ما سوى الشرك) ثم تعجب من قول القائل بشمول حد الردة للكفارة من حيث قوله تعالى : (( ان الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء )) فقال النووي : (فالشرك لا يغفر وتكون عقوبته كفارة له) !!! ، وقد ايد ابن حزم الاندلسي مذهب النووي في هذه المسألة فقال في كتابه المحلى ج11 ص126 : (فصار حديث عبادة قاضياً على كل ذلك ومخبراً عن الله تعالى ما ليس في سائر الاخبار من أن الحدود كفارات لاهلها حاش ما خصه الله تعالى منها). وقال الشوكاني في نيل الاوطار ج7 ص208 : (ويستفاد من هذا الحديث ان اقامة الحد كفارة للذنب ولو لم يتب المحدود. قال في الفتح وهو قول الجمهور ، وقيل لابد من التوبة ، وبذلك جزم بعض التابعين وهو قول المعتزلة ووافقهم ابن حزم ومن المفسرين البغوي وطائفة يسيرة). وفي حاشية السندي على النسائي لنور الدين بن عبد الهادي ج7 ص143 : (لا كفارة للشرك سوى التوبة عنه فهذا عام مخصوص نبّه عليه النووي وغيره).

فإن قلنا بعد ان عرفنا ذلك كله بأن حد الردة كفارة للمرتد فإن هذا سيدفعنا لمواجهة مسألة اخرى وهي أنَّ المرتد كافر ، ولا يدخل الجنة كافر ، قال تعالى في سورة المائدة الآية (72) : (( إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار )) فإذا كان الحد للمرتد كفارة له كما يزعم البعض فلن ينفعه هذا شيئاً لأن مصيره هو في جهنم ما دام قد مات على الشرك ، فما هي إذن فائدة ان يكون الحد له كفارة ؟!

ثم لو غضضنا النظر عن ذلك كله وافترضنا جدلاً بأن حد الردة كفارة لأهله فسيكون معنى ذلك أن السنة النبوية قد نصّت على حد القتل للمرتد كما ذكرنا سابقاً ونص القرآن العظيم على العقوبة الأخروية للمرتد في جهنم بشرط ان لا يكون قد أقيم عليه الحد في الدنيا ، وهذا الشرط عرفناه من السنة أيضاً. وهذا المبنى وإن كان واضح الفساد والخطأ لما أسلفناه آنفاً من عدم دخول الكافر للجنة ، فإن التسليم بهذه الفرضية ـ فرضية أنَّ حد الردة كفارة لأهله ـ لا تفيد الدكتور النجار في دعم مبتغاه لأنها لا تنفي وجود حد للمرتد في الدنيا بل تؤكده. فالنتيجة واحدة وهي أن هناك حد القتل بحق كل من يرتد عن الاسلام وفق الشروط الفقهية التي يذكرها الفقهاء. وكان يمكن للدكتور كامل النجار ان يجنبنا الخوض في هذا الموضوع وأقصد موضوع كون الحدود كفارة لأهلها لأنه خارج موضوع بحثنـا !

 

وأما القول الآنف الذكر للدكتور النجار وهو : [(لأن المنطق يخبرنا أن الله عادلٌ، والعادل لا يجوز عقلياً أن يعاقب الإنسان مرتين أو أكثر على نفس الجرم. وحتى القوانين الوضعية تقول بذلك، فالإنكليز مثلاً لديهم قانون يسمونه Double Jeopardy يمنع محاكمة الإنسان بنفس الجرم مرتين. فهل يريدنا السيد الكرخي أن نعتقد أن الإنسان وقوانينه الوضعيه أعدل من الله وقوانينه السماوية؟)] ، ومن قال ان هناك عقوبة متكررة لحدٍ واحد ؟! ألم يذكر الدكتور كامل النجار نفسه وكما ذكرنا قبل قليل حديث ان الحدود كفارات لأهلها ؟! ونضيف لهذا الحديث ما رواه الحاكم في مستدركه ، أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال : (من اصاب حدا فعجل الله له عقوبته في الدنيا فالله اعدل من ان يثنى على عبده العقوبة في الاخرة ومن اصاب حدا فستره الله عليه وعفا عنه فالله اكرم من ان يعود في شئ قد عفا عنه) ، ولكن يستثنى من هذا حد الردة لأن المرتد حين يقام عليه الحد فإنه يقتل كافراً ، والكافر لا يدخل الجنة.

وهنا نريد أن نبين امراً : فلو ان شخصاً في أحدى الدول العلمانية سرق وألقي القبض عليه وسجن جزاء سرقته ، ثم خرج من السجن وسرق ثانيةً ، ألا يتم معاقبته وسجنه من جديد وبتشدد أكثر وأقسى كما تنص على ذلك القوانين في معظم دول العالم إنْ لم يكن كلها بإعتباره صاحب سوابق ، فإن سرق ثالثةً ألا يسجن وتكون العقوبة أشد من المرتين السابقتين ؟ بلا شك فإن القاريء سيتفق معي في ما ذكرته ، إذن فكيف هي عقوبة من يرتكب الجريمة بصورة مستمرة ومتصلة طيلة حياته ، ألا يستحق مثل هذا الشخص عقوبة قاسية جداً تردعه هو وامثاله ؟ بالتأكيد أنه يستحق ، وهذا بالضبط هو حال المرتد عن الاسلام ، لأنه قد كفر بالدين الذي ارتضاه الله سبحانه للإنسانية ، ولأن جريمة ارتداده هي جريمة متصلة ومستمرة لا توقف فيها ، ففي كل ساعاته وأوقاته واحواله هو يقترف جريمة الارتداد. وحقيقة الامر أن كفره بالله العظيم مستمر ومتصل من خلال ارتداده عن الاسلام. فهي ليست جريمة اعتيادية بل هي جريمة ومعصية عظيمة لا تغتفر.

فالجريمة المستمرة تتطلب عقاباً مستمراً ، وكما ذكرنا آنفاً انه حتى لو فرضنا ان المرتد الذي يطبق عليه الحد لن يناله العقاب في الآخرة ، فهذا ليس بموضوع بحثنا ، موضوع بحثنا هو ثبوت عقوبة القتل للمرتد في الدنيا ، وهي عقوبة قد ثبتت بنص السنة النبوية المطهرة وإجماع المسلمين. 

 

وعندما قلنا بأن الله سبحانه حين يخاطب نبيه الكريم (صلى الله عليه وآله) بقوله تعالى : (( فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر )) فمن الواضح أنَّ هذه الآيات الكريمة تتحدث عن أشخاص لم يعتنقوا الإسلام ولم يدخلوا في حوزة المسلمين ، وأما الذين يعتنقون الإسلام ويولدون على الإسلام فهم يخضعون للإسلام ولأحكامه وقوانينه ، فمن يرتد عن الإسلام فحكمه القتل وفق الشروط التي ذكرها الفقهاء. فاعترض الدكتور النجار على كلامنا هذا بقوله : [(وواضح فعلاً من الآيات، كما قال السيد الكرخي، أن الله يخاطب النبي ويقول له " لست عليهم بمسيطر" فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. ولكن لا أعلم من أين أتى السيد الكرخي بمقولته (وأما الذين يعتنقون الإسلام ويولدون على الإسلام فهم يخضعون للإسلام ولأحكامه وقوانينه ، فمن يرتد عن الإسلام فحكمه القتل وفق الشروط التي ذكرها الفقهاء). فالإسلام، كما ذكرنا سابقاً، مصدره الرئيسي هو القرآن الذي من أجله أرسل الله الرسول ليبلغه الناس. أما ما قاله الرسول عندما كان "يسولف" مع أصحابه، أو ما زعم أصحابه أنه قاله، ليس مصدراً للإسلام)] ، وأود ان أخبر الدكتور النجار انني اتيت بمقولتي المذكورة والتي تسائل عنها الدكتور النجار من القرآن الكريم ، لأن الله سبحانه يخاطب نبيه الكريم (صلى الله عليه وآله) بقوله تعالى : ((فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر )) ، وهو سبحانه يعني الكافرين ، بينما نجده عزَّ وجل يقول في آية مباركة اخرى : (( النبي أولى بالمؤمنين من انفسهم )) ، فعلمنا انه (صلى الله عليه وآله) مسيطر على المؤمنين لأنه اولى بهم من انفسهم ، ولذلك فالمؤمنون خاضعون للإسلام واحكامه وشريعته التي توجب قتل المرتد.       

وفي تقديرنا فقد اساء الدكتور كامل النجار الأدب كثيراً عندما استعمل مفردة (يسولف) بحق رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فالنبي (صلى الله عليه وآله) يبلّغ رسالة ربّه ، كما أنّ استعمال مثل هذه المفردة لا يخدم الدكتور كامل النجار في محاولته إنكار حجية السنة النبوية ، وهي حجية ثابتة بنص القرآن الكريم.

 

وقال الدكتور النجار : [(لأن الفارق الزمني الكبير بين موت الرسول وبين جمع الأحاديث يجعل الثقة في الأحاديث في غاية الضعف أو حتى العدم. وتعدد الروايات في الحديث الواحد يجعلنا نشك في صحته، وسوف أتعرض لهذا الجانب لاحقاً. والخلاصة مما سبق هي أن السيد الجابري كان، في رأينا، محقاً فيما قاله)] ، فأما احاديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقد تمت رعايتها في غالبيتها من قبل المسلمين إلى زمن التدوين بالصحاح ، فالعديد من الصحابة توفوا في زمن قريب لزمن البدء بتدوين السُنّة حين أمر عمر بن عبد العزيز بعد ان تولى الحكم سنة 99هـ بتدوين وجمع السنة ، فمنهم :

 

ـ انس بن مالك ، روى (2286) حديث ، وتوفي سنة 93هـ

ـ وعبد الله بن عمر ، روى 2630 حديث ، وتوفي سنة 74هـ

ـ وام المؤمنين عائشة ، روت (2210) حديث ، وتوفيت سنة 58هـ 

ـ وعبد الله بن عباس ، روى (1660) حديث ، وتوفي سنة 68هـ

ـ وجابر بن عبد الله ، روى (1540) حديث ، وتوفي سنة 78هـ 

ـ وابو هريرة ، روى (5364) حديث ، وتوفي سنة 57هـ  

ـ وأبو سعيد الخدري ، روى (1170) حديث ، وتوفي سنة 74هـ

ـ وعبد الله بن عمرو بن العاص ، روى (700) حديث ، وتوفي سنة 65هـ

ـ عبد الله بن الزبير ، توفي سنة 73هـ

 

وفي زمن هؤلاء الصحابة تم تأسيس مدارس فقهية عريقة ، منها مدرسة المدينة المنورة ومدرسة الكوفة وغيرهما في الشام ومصر واليمن ، فمدرسة المدينة المنورة كان في مقدمتها فقهاء المدينة السبعة وهم :

ـ عبيدالله ابن عبد الله ابن عتيبة ابن مسعود توفي 94 هـ

ـ عروة بن الزبير بن العوام توفي 94 هـ 

ـ القاسم بن محمد بن ابي بكر توفي 106 هـ ‍

ـ سعيد ابن المسيب توفي 94 هـ

ـ سليمان ابن يسار توفي 107 هـ

ـ خارجة ابن زيد توفي 100 هـ

ـ أبو بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث ابن هشام توفي 94 هـ

 

ومن فقهاء المدينة أيضاً من التابعين :

ـ نافع مولى عبد الله بن عمر توفي سنة 119هـ

ـ ربيعة بن أبي عبد الرحمن المعروف بربيعة الرأي توفي سنة 136هـ

ـ هشام بن عروة بن الزبير ولد سنة 60هـ وتوفي سنة 146هـ

 

واما مدرسة الكوفة الفقهية فقد اسسها الصحابي عبد الله بن مسعود والذي توفي سنة 32هـ وروى (848) حديث ، وكان أبرز فقهاء الكوفة من تلاميذه هم :

ـ شريح بن الحارث الكندي توفي 87 هـ

ـ الاسود بن يزيد النخعي توفي 75 هـ

ـ علقمة بن قيس النخعي توفي 62 هـ

ـ مسروق بن الاجدع الهمداني توفي 63 هـ

ـ عبيدة بن عمرو السلماني توفي 72 هـ

ـ الحارث الاعور توفي 65 هـ

ـ ابراهيم النخعي توفي 95 هـ

ـ عامر بن شراحيل الشعبى توفي 104 هـ

 

وأيضاً كان من فقهاء التابعين :

ـ سعيد بن جبير توفي سنة 95هـ

ـ محمد بن مسلم المعروف بأسم (أبن شهاب الزهري) توفي سنة 124هـ وهو من التابعين ، وهو اول من دوّن الحديث بعد أن أمر الخليفة عمر بن عبد العزيز بذلك ، وكان أستاذ مالك بن انس  

ـ سليمان بن يسار ولد سنة 34هـ وتوفي سنة 107هـ وهو من فقهاء المدينة

ـ عطاء بن أبي رباح توفي سنة 114هـ

ـ وهب بن منبه توفي سنة 113هـ

ـ سعيد بن عبد العزيز التنوخي ولد سنة 90هـ ، وتوفي سنة 168هـ

 

وأيضاً فقد توفي من الصحابة في عصر مقارب لعصر تدوين السنة :

ـ محمود بن الربيع سنة 99هـ

ـ أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي توفي سنة 110هـ ، في احد الاقوال.

ـ عبد الله بن بسر المازني توفي سنة 96هـ

ـ واثلة بن الاسقع توفي سنة 85هـ

ـ سلمة بن الاكوع توفي سنة 74هـ

 

واما فقهاء المذاهب الاربعة المشهورة اليوم فهم :

ـ أبو حنيفة النعمان ولد سنة 80هـ ، وتوفي سنة 150هـ

ـ مالك بن انس ولد سنة 93هـ ، وتوفي سنة 179هـ ، وهو صاحب كتاب الموطأ

ـ الشافعي ولد سنة 150هـ ، وتوفي سنة 204هـ ، وهو صاحب المسند المعروف بأسمه

ـ أحمد بن حنبل ولد سنة 164هـ ، وتوفي سنة 241هـ ، وهو صاحب المسند المعروف بأسمه

 

ومن الفقهاء أيضاً :

ـ سفيان بن عيينة ولد سنة 107هـ ، وتوفي سنة 198هـ

ـ وهب بن جرير ولد سنة 130هـ ، وتوفي سنة 206هـ

ـ إسحاق بن راهويه ولد سنة 161هـ وتوفي سنة 238هـ ، وكان له كتاب مسند في الحديث ، وهو احد شيوخ البخاري

ـ محمد بن سعد صاحب الطبقات المشهورة ، توفي سنة 230هـ

 

ومن أشهر من ألّف الكتب في جمع السنة النبوية بعد أبن شهاب الزهري المتوفي سنة 124هـ هم :

ـ همام بن منبه ، المتوفي سنة 132هـ صاحب الصحيفة المعروفة باسمه

ـ عبد الملك أبن جريج المكي ، توفي سنة 150هـ

ـ مالك بن انس ولد سنة 93هـ ، وتوفي سنة 179هـ ، وهو صاحب كتاب الموطأ (مرّ ذكره آنفاً)

ـ جرير بن عبد الحميد ولد سنة 107هـ ، وتوفي سنة 188هـ

ـ أبو عمرو الاوزاعي ولد سنة 88هـ وتوفي سنة 157هـ

ـ هشيم الواسطي ، ولد سنة 104هـ وتوفي سنة 183هـ

ـ سفيان بن سعيد الثوري ، توفي سنة 161هـ ، صاحب كتاب الفرائض

ـ أبو عوانة الواسطي ، ولد سنة 122هـ ، وتوفي سنة 176هـ

ـ عبد الله بن المبارك ، توفي سنة 181هـ صاحب المسند المعروف بأسمه ، وله عدة كتب اخرى منها : تفسير القرآن العظيم وكتاب التاريخ وكتاب الزهد وكتاب الجهاد وكتاب البر والصلة وكتاب رقاق الفتاوى وكتاب الاربعين في الحديث.

ـ أبو داود الطيالسي ، توفي سنة 204هـ ، صاحب المسند المعروف بأسمه

ـ عبد الرزاق الصنعاني ، توفي سنة 211هـ ، صاحب المصنف المعروف بأسمه

ـ احمد بن حنبل ولد سنة 164هـ ، وتوفي سنة 241هـ (مرّ ذكره آنفاً)

ـ علي بن المديني ، توفي سنة 234هـ

ـ عبد الله بن بهرام الدارمي ، المتوفي سنة 255هـ صاحب السنن المعروفة بأسمه

 

فاما أصحاب الصحاح الستة المشهورة فهم :

ـ البخاري ولد سنة 194هـ ، وتوفي سنة 256هـ

ـ مسلم ولد سنة 204هـ ، وتوفي سنة 261هـ

ـ ابو داود ولد سنة 202هـ ، وتوفي سنة 275هـ

ـ الترمذي ولد سنة 209هـ ، وتوفي سنة 270هـ

ـ ابن ماجة ولد سنة 207هـ ، وتوفي سنة 273هـ

ـ النسائي ولد سنة 215هـ ، وتوفي سنة 303هـ

 

فنجد ان الصحابة استمروا في حمل السنة النبوية إلى نهاية القرن الاول الهجري وسلموا الراية إلى التابعين في نهاية القرن الاول وبداية القرن الثاني حيث تم في زمانهم البدء بتدوين السنة النبوية.

 

وهكذا تتداخل طبقات الصحابة مع طبقات التابعين ثم مع طبقات تابع التابعين ، وتحتوي جميع هذه الطبقات على فقهاء سلموا راية الفقه أحدهم للآخر ، فكانت هناك مدارس فقهية تفتي الناس ما يحتاجونه من احكام شرعية بالاستناد إلى كتاب الله سبحانه وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله) ، فحفظوا السنة وتناقلوها كابراً عن كابر حفظاً وكتابةً ، وما ذكرناه من أسماء الفقهاء هو مجرد نماذج إنتخبناها لكي نختصر البيان في كيفية نقل السنة النبوية ، ومن يريد فعليه مراجعة الكتب المختصة للإطلاع على المزيد من اخبار الرجال الذين نقلوا السنة النبوية ويبلغ عددهم بالمئات ، وأسمائهم جميعاً مثبتة في الكتب المختصة مثل تهذيب التهذيب لأبن حجر العسقلاني ومشاهير علماء الامصار لأبن حبان. وبصورة أكثر إختصاراً نقول بأنه بعد سنة 99هـ بدأ فقهاء المسلمين عملية تدوين الحديث بصورة واسعة ، بعد ان كان التدوين قبل هذا التاريخ على نحو ضيّق. فتدوين الحديث حصل في عصر التابعين الذين شاهدوا الصحابة ونقلوا عنهم الحديث مباشرةً واستمر بعد ذلك بالنمو والاتساع.

فكيف يصح ان يقول احد أن الاحاديث والفقه الاسلامي منقطع في وصوله إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) !! فهذا من الخطأ الفاحش ، ولا يقول بذلك إلا من لا يعرف شيئاً عن تأريخ الفقه الاسلامي وتاريخ تدوين السنة النبوية.

 

واقترح الدكتور محمد عابد الجابري أن المرتد الذي يمارس الارتداد هو الذي يقتل وليس مجرد اعلانه الارتداد ! فقال : [(أما في حال عدم الممارسة أو في حال إقرار المتهم بشهادة الإسلام فلا يجوز قتله، إذ لا يجوز شرعا محاكمة الناس على نواياهم)] ، فعلقنا على هذا الكلام بقولنا (فمن الواضح أن الأستاذ الجابري يخلط المواضيع ببعضها ويشبكها بطريقة غريبة ، فهو فجأة يتحدث عن النوايا وعن عدم جواز القتل وفقاً للنية. عجباً ! ومن قال أنه يجوز القتل وفقاً للنية ؟! نحن نتحدث عن إرتداد يثبت بالبينة وبالطرق الشرعية التي حددها الفقهاء ، ومن متطلبات البينة الإعتراف) ، وهنا اعترض الدكتور كامل النجار بقوله : [(وما قاله د. الجابري هو عين الحق، فالعمل أو الممارسة هو ركيزة الحكم الشرعي، ولا يجوز أن يُحكم على الناس بنواياهم. والسيد الكرخي يوافق على هذا الطرح غير أنه يحاول الالتفاف عليه بأن يقول (نحن نتحدث عن إرتداد يثبت بالبينة وبالطرق الشرعية التي حددها الفقهاء ، ومن متطلبات البينة الإعتراف). وهذا حديث منطقي غير أنه نظري لا يطابق ما يحدث في أرض الواقع. ومشكلة الإسلام الرئيسية، كما قلنا في عدة مرات سابقة، هي أنه دين نظري يقول بالأشياء المستحبة ويطبق متبعوه غير ما يقول)] ، ويكرر الدكتور النجار الحديث عن النوايا وانه لا يجوز محاسبة الناس على نواياهم وهو حديث من العجيب أن يصدر عنه فنحن نتحدث عن الاعتراف وهو يتهمنا بالاعتماد على النوايا !! واذا كان بعض المسلمين يطبقون الاسلام خطأً فليس هذا ذنب الاسلام.

 

واستمر الدكتور النجار بإيراد الامثلة فقال : [(فمثلاً عندما دخل المسلمون الأوائل على الخليفة عثمان بن عفان بيته ليقتلوه، قال لهم: (علام تقتلونني فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل زنى بعد احصانه فعليه الرجم أو قتل عمدا فعليه القود أو ارتد بعد اسلامه فعليه القتل فوالله ما زنيت في جاهلية ولا اسلام ولا قتلت أحدا فأقيد نفسي منه ولا ارتددت منذ أسلمت إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله.) فهو لم يكتف بأن قال لهم ( ولا ارتددت منذ أسلمت) بل زاد عليها (إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله). فعثمان كان يعلم أنهم ممكن أن يقتلوا الإنسان المسلم بزعم أنه ارتد، حتى وإن لم يقر بذلك، ولذلك نطق لهم بالشهادة حتى يثبت لهم بالعمل أنه لم يرتد)] ، فالذين قتلوا عثمان لم يقتلوه بتهمة الارتداد ، بل وصل الحال بهم لدرجة وجدوا انفسهم في زاوية لن يخرجوا منها إلا بقتله لا سيما بعد أن اكتشفوا مؤامرة مروان في تزويره الرسالة التي بعث بها عثمان معهم إلى والي مصر.

 

واضاف الدكتور النجار : [(والفقهاء لا يعتمدون على الإقرار كما قال السيد الكرخي، وإنما يكفّرون المرء إذا خالفهم الرأي. ولنأخذ مثلاً من السعودية عندما سأل أحدهم ابن باز عن الذين يدعون علياً والحسن والحسين، أفتت لجنة الفتاوي بالآتي: (إذا كان الواقع كما ذكرت من دعائهم عليا والحسين والحسن ونحوهم فهم مشركون شركا أكبر يخرج من ملة الإسلام فلا يحل أن نزوجهم المسلمات ولا يحل لنا أن نتزوج من نسائهم ولا يحل لنا أن نأكل من ذبائحهم قال الله تعالى : "ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبدٌ مؤمنٌ خيرٌ من مشركٍ ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين أياته للناس لعلهم يتذكرون "  .وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ) ( فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ج2، ص 373). فالشيعة لم يقروا بأنهم ارتدوا عن الإسلام، ولكن رغم عدم اعترافهم بهذا فقد افتى فقهاء السعودية بردتهم. وقد كفّر الفقهاء العالم والطبيب الماهر الفارابي، وكذلك ابن سينا. يقول الدمشقي: ( ولكن أكثر العلماء على كفره وزندقته حتى قال الإمام الغزالي في كتابه المنقذ من الضلال والمفصح عن الأحوال لا نشك في كفرهما أي الفارابي وابن سينا ) (شذرات الذهب للدمشقي، ج2، ص 352). وقد أفتى أحدهم بكفر وردة أحمد بن حنبل ( في سنة 240 توفي أحمد بن أبي دؤاد  قاضي القضاة أبو عبد الله الأيادي وله ثمانون سنة وكان فصيحا مفوها شاعرا جوادا ممدحا رأسا في التجهم وهو الذي شغب على الإمام أحمد بن حنبل وأفتى بقتله) ( شذرات الذهب للدمشقي، ج2، ص 93). وقد أفتى علماء باكستان المعاصرون بردة الاشتراكيين، وأفتى علماء الجامع الأزهر بردة د. حامد أبو زيد وأمروا بتطليق زوجته. والأمثلة أكثر من أن تُحصى. وجميع هؤلاء الذين أفتى الفقهاء بردتهم وقتلهم لم يقروا بردتهم. فليس الاعتراف من متطلبات البينة كما يقول السيد الكرخي)] ، أنظر إلى الجملة التي قالها الدكتور النجار ومراوغته فيها : [(والفقهاء لا يعتمدون على الإقرار كما قال السيد الكرخي، وإنما يكفّرون المرء إذا خالفهم الرأي)] ، فكيف يخالفه الرأي أليس بإظهار رأيٍ مخالف ، وهل ذلك إلا إعترافهم بخلاف رأيهم لرأي اولئك الفقهاء ! فيعود الامر للإعتراف الذي تحدثنا عنه !

ويتصور الدكتور النجار ان الاعتراف الذي ذكرناه معناه أن ياتي رجل ويقول (أنا أرتددت عن الاسلام) ، وهذا وان كان وجهاً من وجوه الاعتراف إلا انه ليس كل الوجوه ، فالارتداد يتحقق بإنكار أحد اصول الدين أو أحد ضروريات الاسلام كالصلاة والصوم ، أي أن يجحد وجوب الصلاة أو الصيام أو الحج وغيرها من عقائد الاسلام أو فروعه بحيث رجع جحده الى إنكار الرسالة ولو في الجملة بان يرجع الى تكذيب النبي (صلى الله عليه وآله) في بعض ما بلّغه عن الله تعالى.

 

فلابد من تحقق الارتداد من الاعتراف والتصريح بكلام يدل على وقوع الارتداد ولا يشترط معه الممارسة الفعلية ، فيكفي ان يعتنق المسلم افكار بولس في التثليث ويصبح مسيحياً ويعلن ذلك ليحكم عليه بالارتداد ولا يشترط لذلك ان يذهب إلى الكنيسة متعبداً فيها ، فالممارسة ليست شرطاً في تحقق الارتداد. نعم قد يتحقق الارتداد بالممارسة أيضاً ، ولكن الممارسة ليست هي الشرط الذي يوجب حد القتل للمرتد بحيث ان من لا يمارس الارتداد لا يقتل وهو رأي الدكتور محمد عابد الجابري وايده فيه الدكتور كامل النجار ، فحد القتل لكل من يرتد بالقول أو الفعل وليس بالفعل وحده ، وهذا هو جوهر الخلاف معهما واعتراضنا عليهما في هذه النقطة.

الصفحة الرئيسية