بسم الله الرحمن الرحيم

 

كامل النجار وجريمة الإرتداد ( 1 )

نبيـل الكرخي 

 

نشر الدكتور كامل النجار مقالاً بثلاث حلقات في موقع كتابات ابتداءاً من تاريخ 13 آذار 2006م بعنوان [(نبيل الكرخي وقتل المرتد - 1)] ، حاول فيها أن يدافع عن أفكار الدكتور محمد عابد الجابري في مقالٍ له حول جريمة الإرتداد ، والذي نقضناه بمقالنا الموسوم (قتل المرتد بين "الحق في الخطأ" و"الكفر في العقيدة") والمنشور في وقتٍ سابق في الموقع نفسه.

وأول ملاحظة لمقاله المذكور هو أنَّه ذكر أسم الدكتور الجابري بهذه الطريقة [(السيد الدكتور محمد عابد الجابري)] ، لاحظ قوله [(السيد الدكتور)] ولكنه عندما يتحدث عن نبي الإسلام يذكره بالأسم مجرداً هكذا (محمد) ، وفي مقال سابق له في معرض رده على الدكتور اسماعيل الغمراوي فعل الشيء نفسه ، فانتقده الدكتور الغمراوي بقوله : (بدأ النجار تعقيبه بعتاب "رقيق" لاستكثاري أن أذكر  كلمة"السيد" قبل اسمه وأعطى درسا بليغا في أدب الحوار كفاني به(للمرة الثانية أو الثالثة –لا أذكر) مؤونة الرد عليه في مسألة ذكره لأسم النبي "محمد" صلى الله عليه وسلم أكثر من 10مرات في تعقيبه بدون ذكر كلمة النبي قبل اسمه أو عليه الصلاة والسلام بعد ذكر اسمه(عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام) ولقد ساءني حقا أن يسميني بـ "السيد" ويذكر اسم النبي مجردا!!) ، فرد الدكتور كامل النجار عليه بقوله : [(وأحب أن أذكّر الغمراوي بأني كنت أحاوره هو ولذلك استعملت كلمة السيد ولو كنت أحاور محمداً لاستعملت كلمة النبي أو الرسول، فنحن نستعمل الألقاب للشخص المحاور، أما عندما نتكلم عن شخصيات تاريخية مثل موسى وعيسى ومحمد فلا داعي لأن نستعمل الألقاب لأن الكل يعرف أنهم أنبياء ولا داعي لتكرار المعروف سلفاً)] ، فلماذا إذن ذكر الدكتور كامل النجار الدكتور الجابري بكل هذا الإحترام والتبجيل وذكر أسم النبي (صلى الله عليه وآله) بلا أي وصف يدل على الاحترام مع أن الدكتور كامل النجار لم يكن يحاور الدكتور محمد عابد الجابري !!!

 

وقال الدكتور كامل النجار : [(فالسيد الكرخي لا يعترف بأن هناك لوناً رمادياً في الأحكام الشرعية ، فيقدمها لنا كأن كل شيء في الإسلام إما أبيض وإما أسود، فيقول حاول الجابري " تمييع الحكم الشرعي في قتل المرتد " فيوحي إلينا بأن جميع المسلمين متفقون على قتل المرتد. وهذا طبعاً قولٌ بعيد عن الحقيقة إذ أن هناك جماعات إسلامية لا تقول بقتل المرتد، منهم القرآنيون الذين يعتمدون في أحكامهم على القرآن فقط، والقرآن لا يقول بقتل المرتد)] ، فمن قال بانني لا أعترف بوجود : "لون رمادي" في أدلة الأحكام الشرعية وليس في الأحكام نفسها ، نعم هناك "لون رمادي" في أدلة بعض الأحكام الشرعية ووظيفة الفقهاء هو "تمييز الألوان وفصلها" والوصول إلى الحكم الشرعي ، ولكن ليست كل الأحكام الشرعية فيها لون رمادي ، وحكم قتل المرتد واضح في الشريعة الإسلامية ، والمسلمون جميعاً مجمعون على قتل المرتد عن الإسلام. ولا يوجد هناك مذهب اسلامي يذهب إلى غير ذلك. 

واما القرآنيون الذين تحدث عنهم الدكتور كامل النجار فهم أشخاص مبتدعون يجحدون السنة النبوية. ولا يعتد بقولهم أصلاً ضمن حوزة المسلمين من جميع المذاهب ، فحالهم كحال القاديانية والبهائية من حيث عدم إعتبارهم. وسنورد بعد قليل تفصيل البيان في فساد بدعتهم القائلة برفض السنة النبوية الشريفة.

 

وقال الدكتور كامل النجار : [(أليس من حق الإنسان المسلم أن يقرر أنه يريد أن يعصي ربه ولله الحق في عقابه إن أراد؟ ألم يعص إبليس الله جهاراً فأمهله الله إلى يوم القيامة يفعل ما يشاء" هل أنتم أقدر من الله على إجبار الناس على طاعته. ألم يقل الله " من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"؟ فلماذا تحرمون الإنسان من مشيئته التي أباحها الله له؟ وما هو المنكر الذي يحاول الجابري محو فكرته؟ فما يراه السيد الكرخي منكراً هو ليس بمنكرٍ عند سواه. فاعتناق السيد الكرخي للإسلام قد يكون منكراً عند اليهود أو النصارى، فلماذا منكر المسلمين فقط هو مقياس المنكر؟ أين الاعتراف بالآخر وتمكينه من إقرار ما هو منكر بالنسبة له وما هو فضيلة؟)] ، نعم المنكر الذي نتعرف عليه بهذا العنوان من خلال إرشاد القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة هو المنكر الذي يجب النهي عنه. وإذا كان الآخرون لا يتفقون معنا في تشخيص المنكر فلا يضرنا هذا ، فلنا عقيدتنا وديننا ولهم عقيدتهم ودينهم ، (( قل يا أيها الكافرون لا أعبد ماتعبدون )). فنحن لم نقل بأنه يجب قتل اليهودي ليهوديته أو النصراني لنصرانيته بل قلنا بأنه يجب قتل المسلم المرتكب لجريمة الارتداد عن الاسلام وفق الشروط التي ذكرها الفقهاء.

واما المسلم الذي تحدث عنه الدكتور النجار بأنه يريد ان يعصي ربه ولله الحق في عقابه إنْ أراد على حد تعبير الدكتور النجار ، فنعم للمسلم الخيار في معصية الله سبحانه ولكن عليه أيضاً أن يتقبل العقاب في مقابل ذلك ، سواء العقاب الدنيوي أم العقاب الأخروي ، فالمسلم الذي يسرق عليه أن يخضع للقانون وأن تطبق عليه عقوبة السرقة ، وكذلك الحال في بقية الجرائم مثل الزنى وقذف المحصنة والارتداد عن الاسلام ، فكل معصية للمسلم الخيار في فعلها أو التنزه عنها ولكن هناك قانون شرعي عليه أن يخضع له في حالة الفعل وإرتكاب المحرم. وحتى القوانين الوضعية ينطبق عليها هذا الامر ، حتى في الامور الشخصية ، ففي فرنسا مثلاً تم تشريع القانون الجائر بمنع الحجاب في المدارس والمؤسسات التعليمية ، والفتاة مخيّرة بين ان ترتدي الحجاب وتتعرض للعقاب وبين ان تتركه.

 

وبخصوص عقوبة الارتداد فهناك عقاب دنيوي وعقاب أخروي ، فالعقاب الدنيوي هو القتل والعقاب الأخروي هو العذاب في جهنم وبئس المصير. فإذا تحدث القرآن الكريم عن العقاب الأخروي فلا يعني ذلك أنه ليس هناك عقاب دنيوي لاسيما وقد نصّت الأحاديث الشريفة على وجود العقاب الدنيوي المذكور.  

ويكرر الدكتور كامل النجار قولاً وكلاماً مشابهاً لما ذكره الدكتور محمد عابد الجابري سابقاً ورددنا عليه في مقالنا السابق ولا أدري لماذا يتجاهل الدكتور النجار ردنا السابق ويكرر نفس كلام الدكتور الجابري ! فيقول الدكتور كامل النجار : [(ألم يقل الله " من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"؟ فلماذا تحرمون الإنسان من مشيئته التي أباحها الله له؟)] ، فمن الواضح أنَّ الآيات الكريمة تتحدث عن أشخاص لم يعتنقوا الإسلام ولم يدخلوا في حوزة المسلمين وهم الذين قال الله سبحانه فيهم مخاطباً نبيه الكريم (صلى الله عليه وآله) : (( فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر )) وقال أيضاً (( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر )) ، وأما الذين يعتنقون الإسلام ويولدون على الإسلام فهم يخضعون للإسلام ولأحكامه وقوانينه ، فمن يرتد عن الإسلام فحكمه القتل وفق الشروط التي ذكرها الفقهاء.

 

وقال الدكتور النجار : [(ثم ماذا قال بولس في رسالته إلى أهل كورنثوس؟ قال لهم بول: (12 كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي لَكِنْ لَيْسَ كُلُّ الأَشْيَاءِ تُوافِقُ. كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي لَكِنْ لاَ يَتَسَلَّطُ عَلَيَّ شَيْءٌ.) فمع أن كل شيء كان يحل لبولس، فقد قال: لا يتسلط عليّ شيء. وللأسف فإن المسلمين لم يتّبعوا قول الرسول بولس وتركوا الحبل على القارب للأحاديث والقصص الملفقة لتتحكم فيهم وتجعل أدمغتهم أدوات للنقل بدل منابع للعقل)] ، فإذا كان عدم إتّباع المسلمين لبولس مؤسفاً فلماذا لم يفعل الدكتور النجار هو نفسه ذلك ويتّبع بولس بدلاً من ان يتمنى ذلك للمسلمين ويفضل الإلحاد لنفسه !

وأما بولس فكان يظن انه لم يتسلط عليه شيء ، فهو بذلك ينزه نفسه ، هو يشهد لنفسه بالنزاهة وعدم إرتكاب المعصية ، إذن ما حاجته إلى الصليب وإلى المخلص ليخلصه وقد تجنب المعاصي أصلاً !!؟ ثم ألم يرتكب بولس مخالفات عديدة حين أوجد لنفسه شريعة مخالفة لشريعة المسيح من جهة ومخالفة لشريعة تلاميذ المسيح من جهة اخرى ؟ ألم يخالف بولس ما أتفق عليه تلاميذ المسيح في أول مجمع مسيحي عقد سنة 50م وذلك حين اتفقوا على عدم إلزام غيرالوثنيين من المؤمنين بالمسيح أحكام الشريعة والإكتفاء بإلزامهم بتجنب نجاسة الأصنام والزنى والميتة والدم كما هو مذكور في سفر أعمال الرسل (15: 5-29) مما يعني ان اليهود الذين يؤمنون بالمسيح يستمرون في إلتزامهم بالعمل بالشريعة ، فهذا هو المفهوم من قرار المجمع المسيحي الأول ، ولذلك نجد في رسالة يعقوب (2: 18-20) في كلامها الموجه إلى المشتتين من الأسباط الأثني عشر على حد تعبير كاتبها في مقدمتها ، ما نصّه : (وقد يقال : أنت تؤمن وأنا اعمل ، فارني إيمانك من غير أعمال أُرِكَ بأعمالي أيماني ، أنت تؤمن بان الله واحد فقد أصبت وكذلك الشياطين تؤمن به وترتعد ، أتـحب أن تعلم أيها الأبـله إن الأيمان من غيـر أعمال شيء عقيم). لكننا نجد إن بولس وهو من اصل يهودي قد تخلى عن العمل بالشريعة (التوراة) واتخذ لنفسه شريعةً جديدةً وديناً جديداً ، وهو يعترف بذاك عن نفسه فيقول في رسالته الولى إلى اهل كورنثوس (9: 19-23) : (وصرت لأهل الشريعة من أهل الشريعة وان كنت لا اخضع للشريعة )….( مع إن لي شريعة من الله بخضوعي لشريعة المسيح). وأصبح كل شيء حلالاً لبولس فلا شريعة ولا عمل ، حتى أنه نفسه قال في رسالته إلى أهل روما (28:3) : (ونحن نرى أن الإنسان ينال البر بالإيمان المنفصل عن العمل بأحكام الشريعة) ، وهذه الأقوال وغيرها من تعاليم بولس دفعت الكثير من المسيحيين في ذلك العصر إلى الإباحية في كل شيء إعتماداً على إيمانهم ، وقول بولس (كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي) كان وما يزال قول خطير لدرجة أن بعض النسخ العربية للعهد الجديد تضيف جملة دخيلة لتغيير المعنى ، ففي نسخة العهد الجديد الصادرة عن دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط بإذن مار روفائيل الاول بيداويد بطريرك بابل على الكلدان نقرأ النص في رسالته الاولى إلى اهل كورنثوس (12:6) كالآتي : (هناك من يقول : (( كل شيء يحل لي)) ولكن ما كل شيء ينفع) ، فأضافت جملة (هناك من يقول) وهي غير موجودة في النص الأصلي ليصبح القول (كل شيء يحل لي) من كلام شخصٍ آخر غير بولس !

 

وعندما قلنا بأن إعتبار الدكتور الجابري فعل الصحابي مصدراً من مصادر التشريع الإسلامي هو أمر خاطيء ، علّق الدكتور كامل النجار بقوله : [(وهذه المقولة هي عين الحق، غير أن السيد الكرخي وبقية شيوخ الإسلام لا يلتزمون بها. فهو يقول إن الصحابة الذين عاصروا النبي لم يكونوا معصومين وأفعالهم غير ملزمة للأمة الإسلامية. فما دام الأمر كذلك فيجب أن نقول إن أقوالهم كذلك ليست معصومة عن الخطأ أو حتى الكذب وعليه فهي ليست ملزمة للأمة الإسلامية، وهذا ينطبق على كل الأحاديث التي رواها الصحابة عن النبي. أو بمعني آخر تصبح السنة كلها غير ملزمة للأمة الإسلامية، كما يقول القرآنيون)] ، أي انَّ الدكتور النجار يؤيد عدم إعتبار فعل الصحابي مصدراً من مصادر التشريع الإسلامي ، ولكنه يقترح أن يضاف لذلك رفض السنة النبوية كلها بإعتبار أن أقوال الصحابة ليست معصومة عن الخطأ فهي ليست ملزمة للأمة الإسلامية ، ونحن نصحح للدكتور النجار رأيه هذا بقولنا ان الفعل الذي يفعله الصحابي ليس ملزماً للأمة الإسلامية أما فعل النبي (صلى الله عليه وآله) قهو ملزم للأمة الإسلامية. وكذلك فإن قول الصحابي ليس ملزماً للأمة الإسلامية حقاً كان او باطلاً وأما قول النبي (صلى الله عليه وآله) فهو ملزمٌ قطعاً. وأما القول والفعل الذي ينقله الصحابة والتابعون وبقية الرواة فهو إن تم عن طريق أشخاص ثقاة نعرف ضبطهم ودقة نقلهم فهو حجة ومعتبر ، ولذلك نشأ عند المسلمين علم الرجال أي الجرح والتعديل ، حيث يتم تتبع حال الرجال من حيث الوثاقة والضبط طيلة حياتهم.

واما القرآنيون الذين ذكرهم الدكتور النجار أكثر من مرّة فهم جماعة مبتدعة ترفض السنة النبوية المطهرة وترفض كذلك القرآن الكريم أيضاً ، لأن القرآن الكريم أمرنا بأن نتبع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في كل شيء ، فقال تعالى : (( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب )) ، ففي الآية الكريمة إطلاق في الأخذ بكل ما جاء به الرسول (صلى الله عليه وآله) ولم يقتصر الأمر على القرآن الكريم. وفي كل آيات القرآن الكريم أقترنت طاعة الله سبحانه بطاعة الرسول (صلى الله عليه وآله) ، فقال تعالى في سورة آل عمران الاية (132) : (( واطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون )) وقال تعالى في سورة المائدة الاية (92) : (( وأطيعوا الله واطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين )). بينما القرآنيون يقولون انهم يطيعون الله سبحانه فقط ولا شأن لهم بطاعة الرسول (صلى الله عليه وآله) ! فكيف نطيع الرسول (صلى الله عليه وآله) ونحن نرفض أقواله وافعاله !!

وكذلك قال الله سبحانه في سورة النساء : ((إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا * أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا * والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما )) ، ومن الواضح إنطباق هذه الآيات الكريمة على القرآنيين كاحد مصاديقها ، فهم يقولون نؤمن بكتاب الله سبحانه ونرفض سنة نبيه (صلى الله عليه وآله) ، وايضاً فهم يخالفون حديث الثقلين المتواتر الذي جمع الكتاب والعترة الطاهرة في ضرورة التمسك بهما معاً للأمن من الضلال وبلا شك فإنَّ العترة الطاهرة هي المنبع الصافي للسنة النبوية المطهرة.

 

وقال الدكتور النجار : [(فما هو إذاً الدليل على أن الإسلام يحكم بالقتل على المرتد؟ هل جاء الدليل من القرآن؟ فليس في القرآن آية واحدة تقول بقتل المرتد)] ، يتسائل الدكتور النجار عن دليل قتل المرتد مع اننا ذكرنا في مقالنا السابق أنَّ الدليل هو من السنة النبوية المطهرة وإجماع المسلمين.

 

وقال الدكتور النجار : [(بل بالعكس كل آيات القرآن تؤكد على حق المسلم في الارتداد حتى أكثر من مرة. فنجد في سورة النساء: ( إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا ) ( الآية 137). فلو أراد الله قتل المرتد لما سمح النبي لهم بأن يرتدوا بعد إيمانهم ثم يأمنوا مرة أخرى ثم يرتدوا مرة ثانية ويزدادوا كفراً، لأنه كان سوف يقتلهم من أول مرة ارتدوا فيها ولم يكن ليسمح لهم ليؤمنوا بعد الارتداد حتى يرتدوا مرة أخرى)] ، فالآية الكريمة التي ذكرها هي آية وعيد وتهديد وليس فيها ما يدل على "حقٍ" للإرتداد ، نعم هناك آيات كريمة اخرى تذكر للإنسان الخيار بين الإيمان والكفر ، والقرآن الكريم بيّن العقاب الأخروي لجريمة الارتداد ، ووكل امر بيان الحد الواجب إيقاعه على المرتد إلى النبي (صلى الله عليه وآله) ، وإذا كان هناك أشخاص يرتدون ثم يؤمنون ثم يرتدون فيزدادون كفراً ولم يوقع النبي (صلى الله عليه وآله) عليهم الحد فذلك لأنهم أما ان يكون إيمانهم الثاني بعد توبتهم من الكفر فلم يستحقوا العقوبة أو انهم خارج نطاق سيطرة الدولة الإسلامية ، فلا تصل إليهم أيدي المسلمين لتوقع بهم الحد. ويجب ملاحظة انّ الاية الكريمة لم تتناول موضوع التجاهر بالردة عن الاسلام ، بل تُرِكَ الامر الى السنة النبوية المطهرة لتعالجه.

 

وقال الدكتور النجار : [(ولو كان قتل المرتد واجباً لقتل النبي عبد الله بن سعد بن أبي سرح، أول المرتدين بعد أن كان كاتباً للوحي. غير أن محمد لم يقتله عندما أحضره له عثمان بن عفان، بل قال لأصحابه " أما والله لقد صَمَتُ ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه " فقال له رجل من الأنصار: هلا أومأت إليّ يا رسول الله! قال: إن النبي لا يقتل بالإشارة. ( تاريخ الطبري، ج2، ص 160). فلو كان قتل المرتد شرعاً إسلامياً لما صمت محمد في انتظار أن يقتل أحدهم ابن أبي سرح، بل كان قد أمرهم أن يقتلوه لأنه مرتد، فالشريعة لا تُنفّذ بالصمت)] ، فأمر النبي (صلى الله عليه وآله) بقتل عبد الله بن أبي سرح لا يعود فيما يبدو إلى إرتداده وحده بل إلى إفتراءه على الإسلام وإعلانه العداوة مع الخيانة والكذب ، ويدل على هذا أن هناك أشخاصاً آخرين أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقتلهم ولم يكونوا مرتدين بل هم من المشركين ، وقد وردت الإشارة إلى اولئك الأشخاص في نفس الرواية التي أوردها الدكتور النجار نقلاً عن تاريخ الطبري حيث جاء فيها : (إلا أنه ـ أي الرسول صلى الله عليه وآله ـ قد عهد في نفر سماهم أمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة منهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح).

ولو كان الأمر متعلقاً بإرتداد عبد الله بن ابي سرح وحده لما استوجب القتل لتوبته حيث أنّ المرتد عن ملّة ـ أي كان غير مسلم ثم أعتنق الإسلام ثم ارتد عنه ـ يستتاب ثلاثة أيام للتوبة فإن تاب عفي عنه.

 

وحين قلنا أن الرواية التي ذكرها الاستاذ محمد عابد الجابري عن عمر بن الخطاب وهي حينما تم إخباره بقتل رجل كفر بعد إسلامه : ( (هَلاَّ حَبَسْتُمُوهُ ثَلاَثاً وَأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفاً وَاسْتَتَبْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ وَيُرَاجِعُ أَمْرَ اللَّهِ؟ اللَّهُمَّ إِنِّي لَمْ أَحْضُرْ وََلَمْ أَرْضَ إِذْ بَلَغَنِي)) بانها ضعيفة وان الألباني قد ضعفها في كتابه أرواء الغليل ، أجابنا الدكتور النجار بقوله : [(وقد يفهم القارئ من هذه الجملة أن الألباني هو حجة الإسلام، ومن يُضعّفه الألباني يضعفه عامة المسلمين. ولكن دعونا نقرأ ما يقول د. محمود سعيد ممدوح في طرحه لإجازة الدكتوراه بعنوان (تنبيه المسلم إلى تعدي الألباني على صحيح مسلم) فيقول عن الألباني: (لا يُخفى ضعف استنتاجه لأنه مع كونه مجرداً عن الدليل هو مخالف لأقوال الأئمة الحفاظ القاضية بقبول حديث عمر بن حمزة، ومتى كان القول مجرداً عن الدليل مع المخالفة كان في نهاية السقوط، ولو سبر الألباني حال عمر بن حمزة كما ينبغي وفتش عن حقيقة الأقوال التي في الميزان والتهذيب والتقريب ولم يعتمد على التقريب وحده لخرج باستنتاج آخر. فاين معين الراجح من قوليه هو التعديل، والنسائي لينه وهو لا يضره، وأحمد بن حنبل يحمل قوله على التفرد، والذهبي قال صدوق يغرب، وابن حجر حسَّن حديثه لذاته وقرنه بصدوق يخطئ. فكيف يستنتج من أقوال هؤلاء أنه ضعيف ثم يضعَّف حديثه الذي هو في صحيح مسلم، وغاب عنه أنه ثقة عند مسلم لأنه احتج به، وأن البخاري سكت عنه في تاريخه وعلَّق له بصيغة الجزم، وكان يحسن بالألباني أن ينقل ذكر ابن حبان له في الثقات، وتعديل الحاكم له، فإن نقل الجرح والسكوت عن التعديل عمل غير مقبول والله أعلم. [ص 153]‏) انتهى. فإذاً تضعيف الألباني، الذي هو نفسه موضع تضعيف، لحديث أنس لا يختلف عن تضعيف كل الرواة الذين لم يسلم من الجرح منهم إلا القليل. وهذا هو عينه سبب اعتراض المعترضين على السنة كمصدر للتشريع)] ، وقد وقع الدكتور النجار في عدّة اخطاء من خلال كلامه في هذا النص :

1.    رجّح كلام د. محمود سعيد ممدوح على كلام الألباني لمجرد أن د. ممدوح انتقد الألباني ، بدون ان يبين هل ان الحق في النقد المذكور مع د. ممدوح ام مع الألباني ، وكأن كل من ينتقد شخصاً يصبح هو صاحب الحق بغض النظر عمّا يقوله من إنتقاد !

2.    من الواضح أن د. ممدوح متعصب للرأي الشعبي عند المعممين من أهل السنة والذي يقول بأن كل ما هو موجود في صحيحي البخاري ومسلم هو صحيح ولا يقبل النقد ، فإذا نقد الألباني بعض احاديث صحيح مسلم يصبح متعدياً وآثماً كما هو واضح من عنوان كتاب د. ممدوح ، وكأن الأمر ليس له علاقة بعلم الرجال الذي يحق للمجتهدين من خلاله نقد أي رواية.

3.    الرواية التي ضعفها الألباني والتي اوردها الدكتور محمد عابد الجابري ـ وهي موضوع بحثنا ـ غير موجودة في صحيح مسلم ، وإنتقاد د. ممدوح للألباني لا يشملها لأنه يخص إنتقاد تضعيف الالباني لأحد رواة صحيح مسلم وهو يروي رواية اخرى ، فمن غير الصحيح أن يستند الدكتور كامل النجار إلى نقد راوٍ ورواية من أجل إبطال رواية أخرى لا تربطها معها أي رابطة ولا يوجد بينهما أي مشترك لا سنداً ولا متناً.

4.    لم ينفرد الألباني بتضعيف عمر بن حمزة الذي دافع د. ممدوح عن تضعيفه ، بل ذهب أبن حجر العسقلاني أيضاً إلى تضعيفه وذلك في كتابه (تقريب التهذيب) ج1 ص715 في ترجمته.

5.    لنفترض جدلاً بأن الالباني أخطأ في تضعيف الحديث الذي ذكره د. ممدوح فهذا لا يعني أنه مخطيء في كل ما صدر عنه من تضعيف ، إذ لا يوجد مبرر منطقي لهذا القول الذي أطلقه الدكتور كامل النجار.

6.    قول د. ممدوح [(فإن نقل الجرح والسكوت عن التعديل عمل غير مقبول)] ، غير تام لأن القاعدة في علم الجرح والتعديل هو ان الجرح مقدم على التعديل لأن الجارح قد اطّلع على ما لم يطلع عليه المعدِّل ، فيكفي الألباني لتضعيف رواية أن يذكر الجرح ويهمل التعديل.

7.    قول د. ممدوح ونصّه : [(ولو سبر الألباني حال عمر بن حمزة كما ينبغي وفتش عن حقيقة الأقوال التي في الميزان والتهذيب والتقريب ولم يعتمد على التقريب وحده لخرج باستنتاج آخر)] ، يبدو منه أن د. ممدوح هو الذي لم يطلع على ميزان الاعتدال ولا على التهذيب ، لأن ما ورد فيهما يدعم قول الالباني في تضعيف عمر بن حمزة. حيث جاء في ميزان الاعتدال للذهبي ج3 ص192 ما نصه في ترجمة عمر بن حمزة : (ضعفه يحيى بن معين والنسائي وقال احمد : أحاديثه منكرة) ، وفي تهذيب التهذيب لأن حجر العسقلاني ج7 ص384 في ترجمة عمر بن حمزة ما نصه : (قال عبد الله بن أحمد عن أبيه : أحاديثه مناكير ، وقال الدوري عن أبن معين : عمر بن حمزة أضعف من عمر بن محمد زيد ، وقال النسائي : ضعيف ، وذكره ابن حبان في الثقات وقال : كان ممن يخطيء ، وقال ابن عدي : هو ممن يكتب حديثه . قلت : واخرج الحاكم حديثه في المستدرك وقال احاديثه كلها مستقيمة).

8.    أخطأ د. ممدوح بان ذكر أن لأبن معين قولين في عمر بن حمزة والصواب هو ان له قول واحد هو تضعيفه ، واما القول بالتوثيق فهو يخص عمر بن حمزة الضبي وهو شخص آخر وليس عمر بن حمزة هذا الذي يلقب بالعمري ! ويمكن مراجعة كتاب الجرح والتعديل للرازي ج6 ص104 وكذلك مراجعة تاريخ البخاري ج6 ص148 للتمييز بينهما.

9.    أخطا د. ممدوح بان قلل من أهمية ما ذكره النسائي عن عمر بن حمزة فقال ما نصه كما مرّ آنفاً : (والنسائي لينه وهو لا يضره) ، في حين ان النسائي قال عنه (ليس بالقوي) واورد النسائي هذا القول في كتابه (كتاب الضعفاء والمتروكين) مما يعني ان النسائي عدّه من الضعفاء والمتروكين فاورده في كتابه المذكور ، فكيف لا يعتد بكلامه !

10.          أخطا د. ممدوح بأن نسب لأحمد بن حنبل كلاماً لم يقله ، فقال ما نصه كما مرّ آنفاً : (وأحمد بن حنبل يحمل قوله على التفرد) ، في حين ان أحمد بن حنبل كان واضحاً في عبارته حين قال عنه : (عمر بن حمزة أحاديثه أحاديث مناكير) ، ومعنى التفرد في الحديث يختلف عن معنى المنكر الذي يتضمن القدح في الحديث.

11.          أخطأ د. ممدوح بنقل آراء علماء الجرح والتعديل في عمر بن حمزة ، فنسب إلى الذهبي وصفه لعمر بن حمزة بأنه (صدوق يغرب) ، وهذا الوصف لم نعثر عليه في أيٍ من مؤلفات الذهبي بل ما قاله الذهبي كما في كتابه (من له رواية في الكتب الستة) ج2 ص59 في ترجمة عمر بن حمزة ما نصه : (ضعفه أبن معين والنسائي وقال احمد أحاديثه مناكير). وقد ذكرنا آنفاً قول الذهبي في ميزان الاعتدال. 

12.          لنقرأ أقوال بقية علماء الجرح والتعديل في عمر بن حمزة ممن لم نذكرهم في الفقرات السابقة : قال أبن حزم في المحلى ج6 ص209: (عمربن حمزة لا شئ). وأورده العقيلي في كتابه (الضعفاء الكبير) معتبراً إياه من الضعفاء. وذكره ابن حبان في كتاب (الثقات) وقال : (كان ممن يخطئ).

13.          لو تركنا ما قاله الالباني جانباً وقرأنا سند الرواية التي يدور حولها النقاش لوجدناها كالاتي وهي كما ذكرها الشافعي في كتابه الأم (ج1 ص295) قال الشافعي : (أخبرنا مالك عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القارى عن أبيه أنه قال قدم على عمر بن الخطاب رجل)... وذكر تمام الرواية ، وهذه الرواية منقطعة حيث أن محمد بن عبد الله بن عبد القارى لم يدرك زمان عمر بن الخطاب ، وبذلك تكون الرواية ضعيفة سواء صرّح الالباني بضعفها أم لم يصرّح. ولذلك فقد اعتمدنا تضعيف الالباني لهذه الرواية بعد ان وجدنا ان تضعيفه لها هو تضعيف صحيح.

 

وحين ذكرنا ان النص القرآني لا يتم قصر معناه على سبب النزول بل يبقى معنى الاية القرآنية الكريمة عاماً ، فاعترض الدكتور النجار قائلاً : [(يعارض السيد الكرخي فقهاء الإسلام الذين يزعمون أن تفسير القرآن يجب أن يُحصر في الذين يعلمون أسباب النزول وقواعد اللغة وما إلى ذلك. ويضيفون في كل مرة ينتقد فيها شخص آيات قرآنية معينة أن الناقد عليه أن يُرجع الآية إلى أسباب نزولها. والآن فجأة أصبحت أسباب النزول غير ذات أهمية لأنها لا تنطبق إلا على عشرت الآيات فقط، وحتى في هذه الآيات البسيطة التي نعرف أسباب نزولها، فإن اللفظ فيها يكون عمومياً أي غير محصور في سبب النزول. لماذا إذاً يجب علينا معرفة أسباب النزول حتى نستطيع تفسير القرآن؟)] ، فأولاً على الدكتور النجار ان يذكر مصدر ما نسبه لفقهاء الاسلام الذين حصروا نفسير القرآن بمعرفة سبب النزول ، وثانياً نعم سبب النزول مهم لمن يريد تفسير القرآن الكريم ولكن تفسير القرآن المجيد يعني فهم معنى الآية المباركة ويكون ذلك المعنى صالحاً للتطبيق في كل زمان ومكان ، ولا يعني ان الآية ينحصر معناها وتطبيقها في ما نزلت بخصوصه بل يكون معنى الآية الكريمة عاماً ، حيث انَّ القرآن الكريم هو كتاب هداية وسبيل السعـادة في الدارين وانه خاتم الكتب السماوية فإنَّ الآيات القرآنية التي فيها سبب نزول لا يمكن قصرها على زمان الوحي فإن فعلنا ذلك أمتنا الآية وهذا باطل بضرورة الدين وصريح القرآن الكريم والسنة الشريفة واجماع المسلمين.

 

وقال الدكتور النجار : [(فالغالبية من الأحاديث مروية بأكثر من صيغة واحدة ومن عدة رواة، فيهم الضعيف وفيهم الموثوق به. ومن النادر أن نجد حديثاً يتفق عليه كل الفقهاء السنة بجميع مذاهبهم وكل الفقهاء الشيعة)] ، ونحن نخالف الدكتور النجار في إدعائه الندرة في الحاديث المتفق عليها ، فهناك المئات ـ على أقل تقدير ـ من الاحاديث المتفق عليها بين علماء السنة ، وكذلك بين علماء الشيعة ، وليس الامر كما يحاول الدكتور النجار أن يصوره. ثم أنَّ اختلاف صيغة الحديث لا تضر مادام المعنى فيها جميعاً هو معنى واحد.

 

وأخطا الدكتور النجار خطأً جسيماً حين استشهد بحديث يخالف هدفه ، فاستشهد بحديث معاذ الدال على وجوب قتل المرتد من أجل تقوية حديث يدل على عدم وجوب قتل المرتد !! فقال الدكتور النجار ما نصّه : [(وحديث أنس الذي ضعّفه الألباني يقويه حديث معاذ بن جبل: (أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لما أرسله إلى اليمن قال له أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه فإن عاد وإلا فاضرب عنقه وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها فإن عادت وإلا فاضرب عنقها) قال الحافظ: وسنده حسن)] ، فبأي منطق يقوي حديث معاذ حديثاً يخالفه من حيث المتن ومن حيث السند !!!

 

وقال الدكتور النجار : [(ويقول الكرخي عن حديث أنس عن عمر بن الخطاب: (فضلاً عن انه معارض بأحاديث اخرى منها :ـ في كتاب الأم للامام الشافعي ج1 ص294 : قال الشافعي ) أخبرنا الثقة من أصحابنا عن حماد عن يحيى بن سعيد عن أبى أمامة بن سهل حنيف عن عثمان بن عفان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ، كفر بعد إيمان ، أو زنا بعد إحصان ، أو قتل نفس بغير نفس ")) انتهى. فأي ثقة يمكن أن نعتمد عليها في حديث الشافعي الذي يقول فيه " أخبرنا الثقة من أصحابنا" فمن هم أصحابه الثقة هؤلاء؟ لماذا لم يذكرهم لنا حتى نحكم بأنفسنا إن كانوا ثقة أم لا؟)] ، المسالة ليست بالتعقيد الذي يريد الدكتور النجار تصويره ، فمن يثق بتوثيق الشافعي يعمل به ومن لا يثق يرفضه ويعتبر الحديث مرسلاً. عموماً فالحديث غير مرسل والثقة الذي سأل عنه الدكتور النجار هو (يحيى بن حسان) وقد ذكر الشافعي أسمه في كتابه (المسند) ص165 طبعة دار الكتب العلمية في بيروت ، حيث قال فيه : (أخبرنا الثقة وهو يحيى بن حسان عن حماد عن يحيى بن سعيد عن أبي أمامة بن سهل عن عثمان بن عفان) وذكر تمام الحديث. 

 

وقال الدكتور كامل النجار : [(وحتى هذا الحديث الذي أخبره به الثقة من أصحابه مروي بعدة روايات مختلفة منها:

( حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا إسحق ابن سليمان قال: سمعت المغيرة بن مسلم أن سلمة يذكر عن مطر عن نافع عن ابن عمر أن: -عثمان رضي الله عنه أشرف على أصحابه وهو محصور فقال: علام تقتلونني فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل زنى بعد احصانه فعليه الرجم أو قتل عمدا فعليه القود أو ارتد بعد اسلامه فعليه القتل فوالله ما زنيت في جاهلية ولا اسلام ولا قتلت أحدا فأقيد نفسي منه ولا ارتددت منذ أسلمت إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله.‏) (مسند الإمام أحمد).

وكذلك عن ابن مسعود: ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؛ إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزان، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة." متفق على صحته". (بستان العارفين للنووي، ص 47).

وفي تذكرة الحفاظ للإمام الذهبي عندما ذكر قصة الأوزاعي مع عبد الله بن علي عم السفاح، قال: (فقال لما قدم الشام وقتل بني أمية جلس يوما على سريره وعبى اصحابه أربعة (ص 181) أصناف صنف بالسيوف المسللة وصنف معهم الجرزة وصنف معهم الاعمدة وصنف معهم الكافر كوب ثم بعث الي فلما صرت الى الباب انزلوني عن دابتي وأخذ اثنان بعضدي وادخلوني بين الصفوف حتى أقاموني بحيث يسمع كلامي فقال لي أنت عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي قلت نعم اصلح الله الأمير قال ما تقول في دماء بني أمية قلت قد كان بينك وبينهم عهود وكان ينبغي ان تفوا بها قال ويحك اجعلني واياهم لا عهد بيننا فأجهشت نفسي وكرهت القتل فذكرت مقامي بين يدي الله فلفظتها فقلت دماؤهم عليك حرام فغضب وانتفخت اوداجه واحمرت عيناه فقال لي ويحك ولم قلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل دم امرئ مسلم الا بإحدى ثلاث ثيب زان ونفس بنفس وتارك لدينه؟ قال ويحك أوليس الأمر لنا ديانة قلت كيف ذاك قال أليس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى لعلي قلت لو أوصى اليه لما حكم الحكمين فسكت وقد اجتمع غضبا فجعلت اتوقع رأسي يسقط بين يدي فقال بيده هكذا اومى ان أخرجوه فخرجت فما ابعدت حتى لحقني فارس فنزلت وقلت قد بعث لياخذ رأسي أصلي ركعتين فكبرت فجاء وانا أصلي فسلم وقال ان الأمير بعث إليك هذه الدنانير قال ففرقتها قبل ان ادخل بيتي ).

فحديث "لا يحل دم المسلم" قد روي بكل هذه الروايات المختلفة، وكل واحد منهم ينسبه إلى عثمان بن عفان الذي نسبه إلى النبي، فهل قال النبي الحديث بثلاث أو أربعة روايات أم أن عثمان قاله بثلاث  أو أربعة روايات أم أن ذاكرة الرواة قد خانتهم، كما خانتهم في آلاف الأحاديث الأخرى؟)] ، وما المانع من ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد قال الحديث بأكثر من مناسبة ، فضلاً عن اننا نعلم ان في كل يوم جمعة كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يخطب في المسلمين ويعظهم ويرشدهم إلى احكام الاسلام ، فلا يبعد ان يصدر الحديث باكثر من لفظ ، ومن جانب آخر فلو تأملنا الاحاديث الثلاثة لوجدناها متقاربة في اللفظ كالآتي :

ـ (قتل نفس بغير نفس)

ـ (ارتد بعد اسلامه فعليه القتل)

ـ (والتارك لدينه المفارق للجماعة)

ـ (وتارك لدينه)

فالحديثان الاول والثاني رواهما عثمان والثاني رواه ابن مسعود والثالث مرسل لم يذكر راويه ! فليس صحيحاً ما قال الدكتور النجار من ان الأحاديث الاربعة مروية جميعها عن عثمان ! كما انَّ اختلاف اللفظ لا يضر مادام المعنى واحد.

 

وقال الدكتور النجار : [(ثم ذهب الكرخي إلى الحديث المتداول عن قتل من يبدل دينه، فقال: (وأيضاً في المصدر السابق ص105 : (أخبرنا الحسين بن عيسى عن عبد الصمد قال حدثنا هشام عن قتادة عن أنس أن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من بدل دينه فاقتلوه)). وهناك مئات المصادر التي تذكر هذا الحديث عن ابن عباس مع العلم أن ابن عباس كان طفلاً عندما كان النبي يحدث بهذه الأحاديث. وعندما مات النبي كان عمر ابن عباس اثني عشر عاماً. فلماذا يا تُرى لم يحدث بهذا الحديث عثمان بن عفان أو عمر بن الخطاب أو أبو بكر؟)] ، وكنا نتمنى لو تكلم الدكتور النجار في هذا الموضع بشيء من المنطق ، لأن لا منطق في قوله لماذا روى فلان الحديث ولم يروه فلان !! فما ادراه ان عمر او أبو بكر قد سمعا الحديث حتى يروياه ، وما ادراه انهما يتذكران الحديث ولم ينسياه ، ولماذا لم يلتفت الدكتور النجار إلى أنَّ أبا بكر قد توفي سنة 13هـ وقتل عمر سنة 23هـ بينما امتدت حياة أبن عباس إلى سنة 68هـ وهو زمن طويل قضاه في ارشاد المسلمين وبث احاديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، ثم هل يشترط في الحديث ان يرويه ابوبكر او عمر ليصبح صحيحاً وموثوقاً !!!

وقال الدكتور النجار : [(وحتى لو صح هذا الحديث  فإنه يقول " من بدل دينه فاقتلوه" وهذا لا يشك ينطبق على النصراني أو اليهودي الذي يبدل دينه ويؤمن بالإسلام، فلا بد أن يُقتل. ولكن فقهاء الإسلام كعادتهم بخسوا الأديان الأخرى وقالوا إن الكفار جميعهم من ملة واحدة، سواء أكانوا صابئية أو نصارى أو يهود أو وثنيين، فإن أديانهم لا تعتبر ديناً لأن الدين عند الله الإسلام. ولذلك إذا غير النصراني معتقده واعتنق اليهودية أو العكس، فكل هذا لا يُعتبر تغيير دين إلا إذا أسلموا)] ، فما ذهب الدكتور النجار إليه من ان الحديث الشريف ينطبق أيضاً على اليهود والنصارى وأصحاب الملل الأخرى هو أمر خاطيء لأن الخطاب للمسلمين والمقصود بالدين هو الاسلام حصراً ، وقد قال الله سبحانه : (( إنَّ الدينَ عند الله الاسلام )). واما اليهود والمسيحيين فهم لم يذكروا عقوبة لمن يترك دينهم إلى دين آخر ، فلا يوجد في التوراة التي يؤمن بها اليهود والمسيحيون معاً أي عقوبة لمن يترك دينه إلى دين آخر. واما العهد الجديد المحتوي على الاناجيل واعمال الرسل ورسائل بولس وبقية الرسائل والرؤيا فلم يرد فيها أي عقوبة لمن يترك دينه ، وأقصى ما كان يهتم بولس به هو ان تكون له منزلة بين الناس مساوية لمنزلة تلاميذ المسيح (عليه السلام) ، فنجده يكثر الشكوى في رسائله بخصوص هذه القضية ، فنجده يقول في رسالته الثانية إلى أهل كورنثوس (11: 4و5 ) : (فلو جاءكم أحد يبشركم بيسوع آخر لم نبشركم به ويعرض عليكم روحا غير الذي نلتموه وأنجيل غـير الـذي قبلتمـوه لاحتملتموه أحسـن احتمـال ، وأرى أني لست أقل شأناً من أولئك الرسل الأكابر) ، فيعترف ان هناك دعوة مسيحية مخالفة لدعوته يتبناها أكابر الرسل أي تلاميذ المسيح (عليه السلام) ولكن هذا الامر لا يهمه ! ما يهمه هو ان لا يكون أقل شاناً عند الناس منهم !!

 

وقال الدكتور النجار : [(القرآن يقول إذا آمن المرء ثم ارتد ثم آمن ثم ارتد ثم ازداد كفراً فلن يغفر الله له يوم القيامة. وكونه ارتد مرتين أو أكثر يعني أن المرتد لا يُقتل حسب تشريع القرآن. فهل ينسخ حديث النبي الذي رواه طفل لم يبلغ سن الرشد عندما مات النبي، القرآن؟)] ، قد بيّنا فيما سبق ذكره أن الآية الكريمة تحمل معنى الوعيد ، وما ذكره الدكتور النجار باطل لأن كونه ارتد مرتين معناه أنه تاب من أرتداده الاول فلم يستحق العقوبة ثم رجع إلى الكفر من جديد ، فإما ان يكون تحت حوزة المسلمين فيوقعون به الحد او يكون خارجاً عن منطقة نفوذهم فيزداد كفراً ولن يغفر الله سبحانه له كما هو نص الآية المباركة. فالآية الكريمة ناظرة الى الجهة الأخروية ، وليس فيها دلالة على الامن من العقوبة في الدنيا ، وهذا واضح لمن يفهم لغة العرب. 

واما وصف الدكتور النجار للصحابي عبد الله بن عباس بانه كان "طفلاً" حين روى هذا الحديث فهو وصف غير واقعي ، لأن سن عبد الله بن عباس كان حوالي (14) سنة حين وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، كما ان عبد الله بن عباس لم ينفرد برواية هذا الحديث بل رواه أيضاً الصحابي معاذ بن جبل وقد ذكرنا نص روايته في مقالنا السابق ، وهذا يدل على النباهة المبكرة لعبد الله بن عباس.

 

وختم الدكتور النجار الجزء الاول من مقاله بقوله : [(ثم يقول لنا السيد الكرخي: (في المصنف لعبد الرزاق الصنعاني ج1 ص168 : (أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة عن أبيه قال : أخذ ابن مسعود قوما ارتدوا عن الاسلام من أهل العراق ، فكتب فيهم إلى عمر ، فكتب إليه : أن اعرض عليهم دين الحق ، وشهادة أن لا إله إلا الله ، فإن قبلوها فخل عنهم ، وإن لم يقبلوها فاقتلهم ، فقبلها بعضهم فتركه ، ولم يقبلها بعضهم فقتله)) وذكر لنا كذلك ما قاله علي بن أبي طالب، فقال (في المصنف لعبد الرزاق الصنعاني ج1 ص169 : أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن الاعمش عن أبي عمرو الشيباني قال : أتي علي بشيخ كان نصرانيا فأسلم ، ثم ارتد عن الاسلام ، فقال له علي : لعلك إنما ارتددت لان تصيب ميراثا ، ثم ترجع إلى الاسلام ؟ قال : لا ، قال : فلعلك خطبت امراة فأبوا أن يزوجوكها ، فأردت أن تزوجها ثم تعود إلى الاسلام ؟ قال : لا ، قال : فارجع إلى الاسلام ! قال : لا ، أما حتى القى المسيح فلا ، قال : فأمر به ، فضربت عنقه ، ودفع ميراثه إلى ولده المسلمين) انتهى. إذاً ما فعله الخليفة عمر وما قاله الخليفة علي بن أبي طالب أصبح شيئاً يُقتدى به مع أن السيد الكرخي قال لنا في بداية المقال (فإنَّ فعل الصحابي ليس بحجة على الأمة الإسلامية ، فهو ليس بقرآن ولا سنّة.))] ، لكن الدكتور النجار لم ينتبه إلى اننا اوردنا الرواية المروية عن عمر لأنها تدل على قتل المرتد لننقض بها رواية أخرى مروية عن عمر أيضاً ولكنها تجيز عدم قتل المرتد ، فليس في الامر تناقض من قبلنا ، وأما الرواية المروية عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليهما السلام) فلا يمكن التعامل معها كما نتعامل مع الروايات المروية عن بقية الصحابة نظراً للمنزلة الرفيعة التي اولاها رسول الله (صلى الله عليه وآله) له من خلال حيث الثقلين ، وهو قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : (اني تارك فيكم ما ان أخذتم به لن تضلوا بعدي الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي الا وانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض) ، فما يقوله علي بن ابي طالب (عليهما السلام) هو حق يجب الالتزام به لأن فيه اماناً للامة من الضلال.

وينبغي ملاحظة اننا قدّمنا للروايات المروية عن عمر بن الخطاب بروايات مروية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لكي نثبت ان الرواية المنقولة عن عمر والقائلة بقتل المرتد هي المطابقة للسنة النبوية وليست رواية عمر الأخرى والتي تجيز عدم قتل المرتد وهي بذلك تخالف السنة النبوية المطهرة ، فيتم رفضها وعدم إعتبارها.

 

 

الصفحة الرئيسية