بسم الله الرحمن الرحيم

نقض الفصل الرابع من كتاب (الدولة الإسلامية بين النظرية والتطبيق)

 

 نبيـل الكرخي

بسم الله الرحمن الرحيم

نقضنا في مقالات سابقة الفصل الأول من كتاب (الدولة الإسلامية بين النظرية والتطبيق) للدكتور كامل النجار ، ثم أجبنا عن الإعتراضات التي أثارها الدكتور كامل النجار على نقضنا المذكور ، في تعقيبات متبادلة بيننا تم نشرها جميعاً في موقع كتابات ـ ويمكن لمن يراسلنا الحصول على نسخة كاملة منها ـ وكذلك نرى أننا قد نقضنا أساس الفصل الثاني لكتابه المذكور حين ناقشنا في النقض والتعقيبات المذكورة شكل حكومة النبي (صلى الله عليه وآله).

ونستمر اليوم بمشيئة الله عزَّ وجل بنقض بقية فصول هذا الكتاب المذكور آنفاً ، وقد أنتخبنا نقض الفصل الرابع لأهمية موضوعه بعد أن نقضنا الفصل الأول المتعلق بالتوحيد ونقضنا أساس الفصل الثاني المتعلق بالدولة الإسلامية.

قال الدكتور كامل النجار : [(قد رأينا في الفصول السابقة أن الإسلام لم يُطبق كدولة إلا في عهد أبي بكر وعمر وعثمان، رغم المآخذ العديدة على حكم عثمان، والمآخذ على عملية الشورى. وبحلول خلافة عليّ بن أبي طالب انقسمت الدولة الإسلامية، ثم أصبحت ملكية في عهد بني أمية. فهل من الممكن أن تُطبق دولة إسلامية حديثة، كما يتوهم السلفيون؟

السلفيون ينظرون بمناظير وردية اللون إلى فترة الخلفاء الراشدين التي يصفونها بفترة الإسلام النقي، ويودون الرجوع إليها لإقامة الدولة الفاضلة التي تحكمها قوانين الله القرآنية، أيام كان عمر بن الخطاب ينام تحت الشجرة ( ولو أن هذا لم يمنع من أن يُقتل عمر غيلةً). فهل يمكن أن يحدث هذا في عالم اليوم؟ كل إنسان عاقل يعرف أنه لا يمكن إرجاع عقارب الساعة  إلى الوراء. ولكن لو تصورنا أنه من الممكن أن نرجع قوانيننا وأحكامنا إلى تلك الفترة، فهل من الممكن أن يعدل حكامنا ويعيشوا كما نعيش ويأكلوا كما نأكل حتى يشيع العدل وينام الحاكم تحت شجرة؟)]

يشير الدكتور كامل النجار في بداية حديثة إلى ما ذكره في الفصل الثاني من كتابه المذكور والذي يقول في بدايته : [(فلننظر الآن كيف تكونت الدولة الإسلامية وما آلت إليه اليوم، بسبب قانونها الإلهي )] ،

وكنا قد أجبنا على هذه النقطة بالآتي في التعقيب الثاني :

(إذن يجب علينا أولاً أن نعرف ماهو القانون الألهي الذي جاء به الإسلام بخصوص الدولة الإسلامية ثم ننظر هل قام المسلمون بتطبيقه بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) أم لا ، وبذلك يتضح الحق في المسألة ونعلم هل الخلل في القانون الإلهي الذي جاء به النبي (صلى الله عليه وآله) أم الخلل في تطبيق المسلمين له ، لا كما أدعى.. كامل النجار حين جزم بنسبة الخطأ للقانون الإلهي جهلاً منه بحقائق الأمور.

من المعلوم إنَّ أي دولة تتكون من عناصر هي : الشعب والأرض والحكومة ، فالدولة الإسلامية التي أنشأها رسول الله (صلى الله عليه وآله) كانت لديها هذه العناصر الثلاث فالأرض تتمثل بالمدينة المنورة ثم شملت شبه الجزيرة العربية ، والشعب هم المسلمون ، والحكومة هي حكومته الإلهية ، هكذا ببساطة نجد أن مقومات الدولة الإسلامية كانت متكاملة في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، ثم إنَّ لكل حكومة لا بد لها أن توفر لها عناصر ديموميتها وإستمرارها ، فالحكومة لا تسقط بوفاة الأشخاص القائمين عليها ، ولذلك نجد أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان حريصاً على إيجاد تلك العناصر ، فمنذ بداية الدعوة الإسلامية حين لم يكن عنصرا الشعب والأرض متوفرين ، نجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) حريصاً على إيجاد مقومات إستمرار رسالته من أجل إستمرار العمل على إيجاد الدولة الإسلامية أولاً ثم إستمرارية تلك الدولة في الوجود ثانياً ، فأعلن إبن عمه علي بن أبي طالب عليه السلام خليفةً له في وقت مبكر من عمر الدعوة الإسلامية قبل ظهور الإسلام بمكة ، حين أنزل الله تعالى على النبي (صلىالله عليه وآله) قوله : (( وأنذر عشيرتك الأقربين )) فدعاهم إلى دار عمّه أبي طالب وهم يومئذٍ ما يقارب الأربعين رجلاً وفيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب ، وتستمر الرواية لتنقل لنا إعلان رسول الله (صلى الله عليه وآله) علياً خليفةً له بقوله : ( إنَّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا ). ثم بعد جهاد عظيم في مكة والمدينة تم تأسيس الدولة الإسلامية وأتسعت لتشمل شبه الجزيرة العربية كلها عاد نبي الله (صلى الله عليه وآله) ليؤكد تنصيبـه لعلي عليه السلام خليفةً له بأمرٍ من الله سبحانه ، من أجل ضمان العمل بالقوانين الإلهية بعده من قبل المسلمين ، فأعلن في غدير خم ، قبل وفاته بأشهر قليلة ، في طريـق عودته من حجة الوداع ، أنَّ علي بن أبي طالب هو خليفته في ولاية أمور المسلمين بعده ، فقال مخاطباً حشود المسلمين المتجمهرين : ( ألستم تعلمون ؟ أولستم تشهدون إنّي أولى بكل مؤمن من نفسه ؟ ) ، قالوا : بلى ، قال : ( فمن كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم والِ من والاه وعاد من عاداه ).هذا هو القانون الإلهي الذي جاء به الإسلام لضمان إستمرار الدولة الإسلامية وفق النهج الذي يريده الخالق جلَّ وعلا ، فهل إلتزم المسلمون به بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ الجواب بالنفي ، إذ رفض بعض المسلمين خلافة علي بن أبي طالب عليه السلام المنصوصة من قبل الله تعالى واختاروا أبا بكر خليفة لهم بدلاً عنه ، وكان ما كان من إستيلاء بني أمية ثم بني العباس على الحكم والمآسي التي حاقت بالأمة ، إذن فالخلل لم يكن في الإسلام ولا في القوانين الإلهية التي جاء بها ، بل الخلل يكمن في عدم إلتزام بعض المسلمين بالعمل بالقوانين الإلهية واستعاضوا بدلاً عنها بقوانين وضعية صبغوها بصبغة إسلامية مزيفة. فما حدث في سقيفة بني ساعدة ولا شورى الستة التي وضعها عمر بن الخطاب ولا قانون وراثية الحكم الذي أبتدعه معاوية بن أبي سفيان لا يمت إلى الإسلام ولا لقوانينه الإلهية بصلة).

 فرد الدكتور النجار بقوله :

[(والجواب البسيط على هذا السؤال هو: إذا لم ينجح أي حاكم مسلم ولا أي دولة مسلمة في تطبيق النظام الإسلامي الصحيح على مدى ألف وأربعمائة سنة، فلا بد أن الخلل في النظام ذاته، لأنه لا يمكن أن يفشل كل هؤلاء الناس على مدى كل هذه السنين في تطبيق نظام صحيح. ثم يقول السيد الكرخي بكل بساطة: " من المعلوم إنَّ أي دولة تتكون من عناصر هي : الشعب والأرض والحكومة ، فالدولة الإسلامية التي أنشأها رسول الله (صلى الله عليه وآله) كانت لديها هذه العناصر الثلاث فالأرض تتمثل بالمدينة المنورة ثم شملت شبه الجزيرة العربية ، والشعب هم المسلمون ، والحكومة هي حكومته الإلهية ، هكذا ببساطة نجد أن مقومات الدولة الإسلامية كانت متكاملة في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) " ونرد عليه بالقول إن قبائل الماساي في كينيا لهم أرضهم وشعبهم وحكومتهم العشائرية لكنهم ليسوا دولة، لأن الدولة تحتاج إلى سلطة تشريعية تقوم بتشريع الدستور والقوانين التي تحكم الدولة، وسلطة تنفيذية تتولى تنفيذ التشريع وتكفل للمواطنين حقوقهم في العلاج والتعليم والأمن، كما تطالبهم بواجباتهم، وكذلك لا بد للدولة من وسيلة لمحاكمة الحاكم واستبداله إن فسد أو مات، وكل هذه الأشياء غائبة عن قبيلة الماساي كما غابت عن حكومة النبي..)].

فقمنا بجواب كلامه كالآتي :

(فأنت تعرف جيداً إني لم أتحدث عن حكومة عشائرية بل عن حكومة الدولة فلماذا هذه المغالطة ! ولماذا تنكر وجود السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية في الإسلام وفي حكومة النبي (صلى الله عليه وآله) بالذات ، كل ماهناك أن السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية كانت محصورة في شخص النبي (صلى الله عليه وآله) لمقتضى منصب النبوة ، فلا يصح مقارنة الدولة الإسلامية النبوية مع أية دولة أسلامية أخرى ، وأما النظام الإسلامي للدولة في عصرنا الحاضر فهو بلا شك يتكون من مفهوم السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية ، ومن أراد المزيد عن شكل الحكم الإسلامي في العصر الحاضر فليراجع كتاب (الإسلام يقود الحياة) للسيد الشهيد محمد باقر الصدر.
فلماذا تنكر وجود دستور وقوانين إسلامية ، ولمصلحة من هذا الإنكار!!
وهل تريد أن تفرض على النبي (صلى الله عليه وآله) شكل حكومته !؟ وهل تدرك أنك بهذا تريد أن تفرض على الله عزَّ وجل ما يجب أن يشرِّعه !؟ ).

فرد الدكتور النجار بقوله :

[(وأنا طبعاً أختلف مع السيد الكرخي في تعليله لحكومة النبي، التي يجب أن تكون المثال المحتذى لكل الحكومات الإسلامية. فكل السلطات كما قال كانت متمركزة في يد النبي رغم أن بعض المسلمين في ذلك الوقت كانوا قد تفقهوا في الإسلام وكان من الممكن للنبي أن يفوض Delegate بعض سلطاته لغيره، مثل القضاء وبيت المال والشرطة وما إلى ذلك. أما الحكومات التي أتت بعده فكانت عين العشائرية ووراثة الحكم الذي نعاني منه حتى الآن. ورغم كتاب الشهيد محمد باقر الصدر عن الحكومات الإسلامية، فخير مثال ننظر إليه هو الحكومات الإسلامية الحالية في إيران والسودان وفي حكومة طالبان المنهارة. ولا أظن أننا سوف نجد ما يشرف الإسلام)]

فأجبناه بقولنا :

(قال الدكتور كامل النجار : [(وكان من الممكن للنبي أن يفوض Delegate بعض سلطاته لغيره، مثل القضاء وبيت المال والشرطة وما إلى ذلك)] ، ومن قال ان النبي (صلى الله عليه وآله) لم يفعل ذلك ، فهل يعلم الدكتور النجار تولية الإمام علي علي السلام القضاء في اليمن من قبل النبي (صلى الله عليه وآله) ، وكان العلاء بن الحضرمي عامل رسول الله (صلى الله عليه وآله) على البحرين ومن قبله كان المنذر بن ساوي في نفس المنصب وغيرهم من العمال في مناطق اخرى من شبه الجزيرة العربية ، فلماذا تطلق التهم جزافاً. غاية الأمر أن لكل زمان وبيئة نظام يحكمها قد يكون بسيطاً وقد يكون معقداً بحسب الظروف التي ذكرناها.

ونحن نختلف مع الدكتور النجار إذ نجد أن نظام الجمهورية الإسلامية في إيران هو نظام مشرّف للإسلام سواء كان تحت قيادة السيد الخميني (قده) أو تحت قيادة السيد الخامنئي (رعاه الله) ، وليس من قبيل الصدفة أن يكون كل الذين يعادون نظام الجمهورية الإسلامية في إيران هم أيضاً من الذين يعلنون معاداة الإسلام في نفس الوقت ، سواء كانوا من البعثيين أو الصهاينة أو الملحدين أو العلمانيين أو غيرهم ، وحتى الوهابية فإن عدائهم لها إنما ينبع من عدائهم للإسلام المحمدي الأصيل).

فأجاب الدكتور النجار بقوله :

[(ونحن طبعاً ليس من حقنا أن نقول للسيد الكرخي إن اعتقاده بأن النظام الإيراني نظام مشرّف للإسلام اعتقاد خاطئ. ولكن من حقنا أن نقول أننا نختلف معه في الرأي ولا نرى فيه ما يشرف الإسلام أو غيره)].

وبذلك نكون قد قمنا بتغطية النقطة الرئيسية التي بدأ بها الفصل الرابع وهي أن الإسلام طبّق كدولة وأنَّ الدولة الإسلامية كانت قد قامت بمقوماتها الرئيسية في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) وليس كما ذكر الدكتور النجار من أنها لم تقم إلا في عهد أبي بكر وعمر وعثمان !

ومن الملاحظ أنَّ الدكتور كامل النجار يحاول أن يختصر الإسلام بالفكر السلفي ، فإذا ما تم إسقاط الفكر السلفي فإنَّه يعتبر ذلك إسقاطاً للإسلام ! وهذا ربط غير صحيح بين الإسلام والسلفية ، فالسلفية مذهب من مذاهب المسلمين ، وهناك مذاهب ورؤى عديدة للإسلام بين المسلمين تختلف عن رؤية الحركة السلفية ، وبين السنة أنفسهم وكذلك بين الشيعة ، لا سيما بخصوص موضوع إقامة الدولة الإسلامية ونظام الحكم فيها ، والمسلمون جميعاً يعلمون جيداً أن القوانين والتشريعات الإسلامية هي صالحة لكل زمان ومكان ولا داعي لإرجاع عقارب الساعة إلى زمن الخلفاء الراشدين لتطبيق الدولة الإسلامية بمنظورها الوردي على حد تعبير الدكتور كامل النجار ، بل يمكن إقامة الدولة الإسلامية في كل وقت وزمان سواء ذلك وفق منظور أهل السنة أو وفق منظور الشيعة بخصائص وأنظمة سياسية وإقتصادية وإجتماعية حديثة تتناسب ومتطلبات العصر الحالي وتنبع من الإسلام العظيم في الوقت نفسه.

قال الدكتور كامل النجار : [(عمر بن الخطاب لم تكن له قصور في كل مدينة في بلده، وعندما علم عمر أن سعد بن أبي وقاص قد بنى لنفسه قصراً في بالكوفة وجعل له ابوابا لتمنع عنه غوغاء السوق،  دعي عمر محمد بن مسلمة فسرّحه الي الكوفة فاشترى حطبا ثم أتى به القصر فاحرق الباب، وأتى سعد فاخبره الخبر فقال: هذا رسول أُرسل لهذا الشأن، فسمح له سعد بالدخول، لكنه  أبى فخرج إليه سعد وعرض عليه نفقة فلم يأخذها ودفع كتاب عمر إلي سعد، وقال عمر في الخطاب: " بلغني أنك بنيت قصرا اتخذته حصنا، ويسمى قصر سعد، وجعلت بينك وبين الناس بابا، فليس بقصرك، ولكنه قصر الخيال، إنزل منه منزلا مما يلي بيوت المال واغلقه ولا تجعل علي القصر بابا تمنع الناس من دخوله وتنفيهم به عن حقوفهم، ليوافقوا مجلسك ومخرجك من دارك اذا خرجت "[1].

فهل من المحتمل أن يتنازل حكامنا عن قصورهم الصيفية في اسبانيا ولندن وأمريكا، وأن يتخلوا عن طائراتهم الخاصة وخدمهم وحشمهم، ويعطوا هذه الأموال للفقراء لأن الإسلام يقول على لسان رسوله: " من كان عنده فضل ظهر فليجد به على من لا ظهر له"؟

في بلاد غنية مثل السعودية والخليج لا يزال هناك فقراء يتسولون في الطرقات، وقد طالعتنا صحيفة الشرق الأوسط قبل أشهر بخبرٍ مفاده أن ولي العهد السعودي  قد عيّن شخصاً متفرقاً لمحاربة عادة التسول في الطرقات. وحدث نفس الشئ في دول الخليج. فأين العدالة الإجتماعية في الإسلام، التي بشر بها سيد قطب وجماعته، والسعودية تحكمها الشريعة، حسب ما يقولون.

وحكام السعودية والخليج تحكمهم طبيعة الإنسان، نفس الطبيعة التى حكمت صحابة الرسول بعد الفتوحات الإسلامية، فقد رأينا كيف جمع كبار الصحابة الملايين من الدراهم والذهب بينما عاش عامة المسلمين وخاصةً الموالي، في فقر مدقع)].

فنقول بكل بساطة للدكتور النجار أنه لو كان حكام السعودية وأمثالهم يطبقون الشريعة بصورة صحيحة لما أحتاج سيد قطب إلى التذكير بالعدالة الإجتماعية للإسلام وتكفيره للحكام الذين يحكمون الدول الإسلامية ، وهنا نؤكد على أن هناك فرقاً شاسعاً بين من يدّعون تطبيق الإسلام وبين الإسلام نفسه ، فالخلل يكمن في التطبيق الخاطيء وليس في الإسلام العظيم سواء كان ذلك التطبيق الخاطيء في عهد الصحابة أو في عهد آل سعود.

وقال الدكتور كامل النجار : [(ولو تركنا العدالة الإجتماعية ونظرنا إلى التشريع الإسلامي عامة، لوجدنا أنه من الصعب بمكان تطبيق أغلب الحدود، بالطريقة التي قال عنها الإسلام. فلو أخذنا مثلاً حد الزنا، واجهتنا مشكلتان: المشكلة الأولي هي اثبات الزنا، والمشكلة الثانية هي عقابه.

فالقرآن يقول:

" واللائي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعةً منكم فإن شهدوا فامسكوهن في البيوت حتى يتوفهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلاً "[2]

يقول القرطبي في تفسير هذه اللآية: " جعل الله الشهادة في الزنا أربعة تغليظاً على المدعي وستراً على العباد. قال أبو داود جاءت اليهود برجل وامرأة قد زنيا، فقال النبي: ائتوني بأعلم رجلين منكم. فأتوه بأبنيّ صوريا، فنشدهما: كيف تجدان أمر هذين في التوراة؟ قالا: نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل المرود في المكحلة، رُجما. قال: فما يمنعكما أن ترجموهما؟ قالا: ذهب سلطاننا فكرهنا  القتل. فدعا رسول الله (ص) بالشهود فجاءوا، فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل المرود في المكحلة. فأمر الرسول برجمها.

ولا بد أن يكون الشهود ذكوراً، لقوله " منكم" ولا خلاف فيه بين الأمة. ويقول أبو حنيفة: إذا كان الزوج أحد الشهود في القذف لم يلاعن". أي لا يُطلب منه القسم واداء الشهادة

فلكي نُثبت تهمة الزنى يجب أن نُحضر أربعة شهود، ذكور، عقلاء مشهود لهم بحسن الأخلاق. وهولاء الشهود يجب أن يكونوا قد رأوا المرود في المكحلة، ولا يكفي أن يروا الرجل والمرأة في غرفة نومها، عاريين، وهو فوقها طالعاً ونازلاً. فلا بد أن يرى أربعتهم المرود في المكحلة. ولو تزاحموا للفرجة على ما يحدث ورأي ثلاثة منهم المرود في المكحلة ولم ير الرابع لأن الرجل أو المرأة تنبه لوجودهم في الغرفة وغطيا نفسيهما بلحاف، فلا يمكن إثبات الزنى.

فإثبات الزنا بهذه الشروط من رابع المستحيلات، وأشك أن يكون المسلمون قد أثبتوا حالة زنا واحدة في كل تاريخ الإسلام، غير حالة اليهودية التي ذكرنا)].

بل الروايات التاريخية تشير إلى إثبات الزنى لاسيما في القضايا الخاصة بأحكام أمير المؤمنين عليه السلام حيث تشير الكثير من الروايات إلى إثبات الزنى منها :

ـ في كتاب شرح الأخبار للقاضي النعمان المغربي ج2 ص315 : (أن عمر بن الخطاب أوتي بأمرأة قد زنت ، وكانت مجنونة ، فأمر بها عمر أن ترجم فمروا بها على علي عليه السلام فأرسلها وقال لعمر : لقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : رفع القلم عن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يعقل وعن الصغير حتى يكبر ، وهذه مجنونة) ، مما يعني ثبوت الزنى عليها وفق الطريق الشرعي وهو طريق الشهود الأربعة.

ـ وفي ج2 صفحة 320 من المصدر المذكور ، أن لابينة قد قامت على رجل ينكح في دبره ، أي شهادة أربعة شهود أنهم رأوا ذلك كالمرود في المكحلة.

بل إنَّ إثبات الزنى أصعب مما ذكره الدكتور النجار ، والصعوبة تكمن ـ بحسب رأينا ـ في مصلحة الستر على العباد التي ذكرها القرطبي في تفسيره ، فهناك عدة طرق لثبةت الزنى... وطريق ثبوت الزنى والحد الشرعي عليه (الرجم او الجلد) لا ينحصر بالشهود الأربعة كما ذكر الدكتور النجار ، بل هو إحداها ، حيث يثبت الزنى أيضاً بالإقرار والبينة ، أما بخصوص الإقرار فيعتبر في المقر العقل والاختيار والحرية[1] ولا يثبت حد الزنا الا بالاقرار أربع مرات فلو أقر به كذلك ، أجرى عليه الحد ، وإلا فلا[2]، واما البينة فإنما تقبل "مع ثبوت العدالة بستة شروط : قيامها في مجلس واحد ، واعتبار المشاهدة مثل الميل في المكحلة ، واتفاق معاني الشهادات في الرؤية ، والمكان ، والوقت ، والتقييد بالوطء في الفرج الحرام"[3]، ولا يثبت الزنا بشهادة رجلين عادلين ، بل لابد من شهادة أربعة رجال عدول ، أو ثلاثة وامرأتين ، أو رجلين وأربع نساء الا أنه لا يثبت الرجم بالأخيرة[4].

ويشترط في ثبوت الحد أمور :

( الأول ) : البلوغ ، فلا حد على الصبي

( الثاني ) - الاختيار ، فلا حد على المكره ونحوه

( الثالث ) - العقل فلا حد على المجنون[5] .

فإذا ادعت المرأة الاكراه على الزنا قبلت[6].

وأما قول الدكتور النجار بأن أثبات الزنى من رابع المستحيلات على حد قوله ، فهو فيه بعض الصحة والكثير من المبالغة ، وهذا الأمر لا يتعارض مع تشريع الزنى إذ أن من جملة فوائد التغليظ في إثبات الزنى وفرض شروط صعبة لتحقق ثبوته هو الحفاظ على حرمة النساء وعدم ترك سمعتهن عرضة لتقول القائلين ، ويتضح من خلال سياق الآيات الكريمة التي نزل بها حد قذف المحصنة في سورة النور أن تشريع الشهادات الأربع إنما جاء للحفاظ على سمعة وهيبة المرأة وعدم المساس بها من قبل من تسول له نفسه ذلك ، فمن يريد قذف محصنة فعليه أن يأتي بأربعة شهود عدول وفق الشروط التي ذكرناها آنفاً ، ومن لم يستطع الأتيان بالشهود العدول المذكورين فليس له أن يرمي أمرأة بالزنى وإلا فعقوبته الجلد ثمانين جلدة ورفض شهادته مستقبلاً ، فقال تعالى في سورة النور :

(( بسم الله الرحمن الرحيم  * سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون * الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين * الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين * والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون * إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم * والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين * والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين * ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين * والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين * ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم * إن الذين جاءوا بالافك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الاثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم * لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين * لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون * ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم * إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم * ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم * يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين * ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم * إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون * ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رءوف رحيم * يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم ))

صدق الله العلي العظيم

وكما هو واضح من سياق الآيات كما ذكرنا آنفاً أن فرض الشهادات الأربعة هو لحماية المرأة من أن تلوك سمعتها الألسن ، لا سيما والناس في العادة يستسهلون قذف المحصنات وإنْ بلغن درجة عالية من المكانة والتقوى ، فقد رمى اليهود العذراء مريم عليها السلام بالبهتان رغم وضوح حجة نطق الطفل في المهد ، وكذلك فعل بعض المسلمين مع أم المؤمنين مارية القبطية أو أم المؤمنين عائشة ، ولم تمنعهما مكانتهما من رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أن ينالهما قول السوء.

قال الدكتور النجار : [(وواضح أن هذه قصة مختلقة لأن اليهود في تلك الأيام كان لهم دين متعارف عليه قد مارسوه لفترة تزيد على ألف وخمسمائة عام، ولابد أنهم قد عرفوا الحدود، وإن جهلوها فهناك يهود في خيبر، واليمن وفلسطين، كان يمكن لهم أن يسألوهم،  زيادة على رهبان اليهود الذين تحدث عنهم القرآن بإسهاب. فلماذا إذاً يأتي اليهود للرسول ليسألوه؟ وقولهم: " ذهب سلطاننا فكرهنا القتل"، قول غير منطقي. فقبل دخول النبي  المدينة بفترة وجيزة كانت قبائل اليهود في أحلاف مع الأوس والخزرج، وكانوا يتحاربون ويقتل بعضهم بعضاً. فمتى كرهوا القتل؟)]

ومن الواضح أن الدكتور النجار لم يأتِ بدليل مقنع على إختلاق قصة رجم اليهودي واليهودية المذكورة ، فمن الواضح أن اليهود أرادوا التهرب من رجمهما فتحاكموا للنبي (صلى الله عليه وآله) وتذرعوا بعدم إجرائهم للرجم بذريعة واهية وهي ذهاب سلطانهم وكراهتهم القتل ، ولكن كل ذلك لم يكن مقنعاً لتعطيل حدٍ من حدود الله عزَّ وجل فتم رجمهما بأمر النبي (صلى الله عليه وآله). ومع ذلك فإنَّ تشريع الرجم في الإسلام لم يعتمد على هذه الرواية ، ولا يهمنا أصلاً إنْ كانت صحيحة أم لا.

وقال الدكتور النجار : [(والقرآن كذلك يقول: " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادةً أبداً وأؤلئك هم الفاسقون" [3]

وهذه هي آية القذف. ويقول القرطبي في تفسيره: " في القاذف شرطان: العقل والبلوغ. وفي المقذوف خمسة شروط: العقل والبلوغ والإسلام والحرية والعفة".

وعندما نزلت هذه الآية استاء العرب من هذا الحكم أيما استياء، ويقول ابن عباس أن عاصم بن عدي الأنصاري رجع إلى أهله فوجد شريك بن السحماء على بطن امرأته فأتى رسول الله-ص- وقال:  إذا دخل رجل منا بيته ووجد رجلاً على بطن امرأته فان جاء بأربعة قضى الرجل حاجته وخرج، وإن قتله قُتل به وإن قال وجدت فلاناُ مع تلك المرأة ضُرب وإن سكت، سكت على غيظ، اللهم افتح.[4]

وعن عكرمة عن ابن عباس قال: لما نزلت " والذين يرمون المحصنات" قال سعد بن عُبادة وهو سيد الأنصار: أهكذا أنزلت يارسول الله؟ فقال رسول الله –ص-: ألا تسمعون يا معشر الأنصار إلى ما يقول سيدكم؟ قالوا: يا رسول الله انه رجل غيور والله ما تزوج امرأة قط إلا بكراً وما طلق امرأة فاجترأ رجل منا على أن يتزوجها من شدة غيرته، فقال سعد: والله يا رسول الله إني لأعلم أنها حق وأنها من عند الله ولكن قد تعجبت لو وجدت لَكَاعاً قد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء، فوالله إني لا آتي بهم حتى يقضي حاجته.[5]( لكاع هو العبد والمرأة لكعاء أي حمقاء، وقد كنى زوجته بالحمقاء)

و قال سعد بن معاذ: يا رسول الله إن وجدت مع امرأتي رجلاً أمهله حتى آتي بأربعة! والله لأضربنه بالسيف غير مصفح عنه. فقال رسول الله –ص- أتعجبون من غيرة سعد لأنا أغير منه والله أغير مني[6]. وهذا الرد طبعاً ليس جواباً على سؤال سعد.)]

وقد توهم الدكتور النجار أن الرد الأخير ليس جواباً على سؤال سعد ، بينما الجواب واضح ومعناه هو أنك ياسعد رغم غيرتك الشديدة التي تدفعك لقتل من تجده مع زوجتك فإنَّ الله ورسوله أكثر غيرة منك ومع ذلك فقد شرّعا الأتيان بالشهود الأربعة في مثل تلك الحالات. فالغيرة لا تقاس بالإنفعالات الفجائية ، والإسلام لا يريد للرجل أن يكون إنفعالياً في تصرفاته وقراراته.

وقال الدكتور النجار : [(وجاء هلال بن أمية من أرضه عشياً فوجد عند أهله رجلاً فرأى بعينه وسمع بأذنه فلم يهيج الرجل، ومكث حتى الصبح فأتى رسول الله فقال: يا رسول الله: جئت أهلي عشياً فوجدت عندها رجلاً فرأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره رسول الله ما جاء به هلال، واشتد عليه، فقال هلال: والله إني لأرجو أن يجعل الله لي مخرجاً فقال سعد بن عبادة: إلا أن يضرب رسول الله هلال بن أمية ويبطل شهادته في المسلمين. فقال هلال: يا رسول الله إني قد أرى ما قد اشتد عليك مما جئت به، والله علم إني لصادق. والذي بعثك بالحق إني لصادق ولينزلن الله في أمري ما يبرئ ظهري من الحد. فوالله إن رسول الله يريد أن يأمر بضربه إذ نزل عليه قرآن: " والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم

وهلال هذا كان رجلاً ثرياً ولكنه كبير السن، وكان أحد الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك ( هلال و كعب بن مالك ومرارة بن الربيع)، ومن ضمن الجزاء الذي فرضه عليهم الرسول مقاطعة المسلمين إياهم، فتوجهت نفس الزوجة التي وجد معها الرجل إلى الرسول وقالت له إنها تحب أن تخدم زوجها، فهل يمانع الرسول؟ فقال لها: لا، ولكن لا يقربنك. فقالت: والله يا رسول الله ما به حركة إليّ.[7]

وتخبرنا كتب السيرة أن السؤال عن آية القذف تكرر وتراكم وتضاعف، واخرج البزاز عن جابر قال: ما نزلت آية التلاعن إلا لكثرة السؤال. ويذكر الواحدي في أسباب النزول أن الأنصار اجتمعوا وقالوا: قد أبتلينا بما قال سعد بن عبادة ( أسباب النزول ص 212) )]

فتكرار السؤال لا يعني تكرار الإبتلاء إذ لاتلازم منطقي بينهما فالمرء قد يسأل عن حكم ويتفرع فيه وهو غير مبتلى فيه طلباً للفهم والعلم وتبليغ الآخرين ، وما يدل على ذلك هو الكلام المنسوب لسعد بن عبادة عن الموضوع مع أن سعداً لم يكن مبتلى بهذا الأمر.

وأما القول المنسوب للأنصار : (قد أبتلينا بما قال سعد بن عبادة) فالظاهر هو طلب سعد بن عبادة إنزال حد القذف على هلال بن أمية حين قذف زوجته ولا شهود عنده ، فنزلت الآية الكريمة الخاصة بالملاعنة. فحين أصبحت هناك ضرورة حقيقية لبيان الحكم الشرعي نجد أن الحكم المذكور ينزل في وقته المطلوب ، فالله عزَّ وجل لم يترك المسلمين حيارى ولم يتركهم إلا في ظل قانون إلهي متكامل يكفل لجميع المسلمين نساءاً ورجالاً حقوقهم.

وقال الدكتور النجار : [(وعاصم بن عدي الذي وجد شريك بن السحماء على زوجته، له ابن عم يقال له عُويمر وله امرأة يقال لها خولة بنت قيس وهي ابنة عمه، فأتى عوُيمر عاصماً وقال: رأيت شريك بن السحماء على بطن امرأتي خولة. فذهب عاصم إلى الرسول في الجمعة الأخرى فقال: يا رسول الله ما أسرع ما ابتليت بهذا في أهل بيتي، أخبرني عُويمر انه رأى شريكاً على بطن امرأته، فدعاهم رسول الله –ص- جميعاً وقال لعُويمر: إتق الله في زوجتك بنت عمك ولا تقذفها فقال: يا رسول الله إني رأيت شريكاً على بطنها وإني ما قربتها منذ أربعة أشهر وأنها حبلى من غيري، فقال لها رسول الله –ص- إتق الله ولا تُخبري إلا بما صنعت، فقالت: يا رسول الله إن عُويمر رجل غيور وإن شريكاً يطيل التردد فحملته الغيرة على ما قال. فبعد هذا التلاعن فرق رسول الله بينهما وقال: انظروا فان جاءت به أجعدا حَمش الساقين فهو لشريك بن سحماء وان جاءت به ابيض سَبكاً أقمر العينين فهو لعُويمر، فجاءت به آدم جعدا حمش الساقين، فقال رسول الله –ص- لولا ما نزل فيهما من كتاب الله تعالى كان لي ولها شأن

فكما قال الصحابة للرسول إنه من سابع المستحيلات أن يرى الرجل رجلاً آخر على زوجته فيذهب لإحضار أربعة شهود، ذكور، مسلمين، عاقلين. فإذا جاء هذا الرجل للحاكم أو القاضي وقال له إن زوجتي خانتني مع رجلٍ آخر، وليس له شهود،  يُحضر القاضي الزوجة والزوج ويحلف كلٌ منهما أنه صادق فيما يقول. فيفرق بينهما القاضي. وهذا الحكم طبعاً لا يُقنع الرجل لأنه من حقه أن يقول للمرأة أنتِ طالق من غير أن يأخذها للقاضي، فلماذا إذاً يُعرّض نفسه للقسم وحضور المحكمة وهو يستطيع الطلاق بدونهما.)]

لقد فات الدكتور النجار أنَّ الرجل إذا ذهب للقاضي وأخبره بأن زوجته قد خانته مع آخر وليس عنده شهود فيقوم القاضي بتحليف كل من الزوج والزوجة وهو ما يسمى باللعان ، نعم يمكن للزوج تطليق زوجته بدلاً من الذهاب للقاضي ولكن الطلاق يستتبع حقوقاً مالية للزوجة قد لا تستحقها بنظر الزوج نتيجة خيانتها بزناها بينما اللعان يسلب الزوجة الخائنة تلك الحقوق ، فعند حصول اللعان ينفسخ عقد الزواج وتحرم المرأة على زوجها تحريم مؤبد ، ولا ميراث بينهما ، وفي اللعان يمكن للرجل نفي الولد إذا كان قد شاهدها تزني في طهر لم يواقعها فيه ،

وقال الدكتور النجار : [(ويقول علماء الإسلام إن الله فرض هذه الشروط لحماية المرأة من تهمة القذف، ولكن الله لا محالة كان يعلم أنه في القرن العشرين سوف تصبح تهمة الأغتصاب متفشية في المجتمعات الإسلامية وغيرها، ولا بد أنه وضع وسيلةً تساعد المرأة أن تُثبت أنها أُغتصبت رغماً عن إرادتها. فما هي هذه الوسيلة؟)]

فمجال إثبات التهم ونفيها هو القضاء ، وفي الإسلام هناك قاعدة (البينة على من أدعى واليمين على من أنكر) ، فالمرأة التي تريد أثبات حقها بالإغتصاب عليها البينة فإذا عجزت عنها يكون اليمين على الرجل المنكر للتهمة ، وجميع المحاكم في العالم تعتمد أسلوب اليمين في جميع قضاياها ولا يقتصر الأمر على الإسلام ، وبينة أثبات الإغتصاب هي أربعة رجال عدول وهي نفس بينة أثبات الزنى ، وصعوبة الأتيان بالبينة حال الزنى كما أن فيه حماية للمرأة من تهمة القذف فكذلك صعوبة الأتيان بالبينة في تهمة الإغتصاب فيها حماية للرجل من التهمة المذكورة ، وإلا لو تساهل الشرع في هذه البينة لأمكن للكثير من النساء المبتذلات الأدعاء بأنهن قد أغتصبن من قبل رجال معينين زوراً ، فإذا قامت البينة لا يعد ليمين المنكر قيمة.

وقال الدكتور النجار : [(لم يحدث في تاريخ العالم الإسلامي أن استطاعت امرأة أن تُثبت أنها أُغتصبت، والمجتمع الإسلامي لا يختلف عن المجتمعات الأخرى إلا بمقدار أن المرأة محجبة وممنوع عليها الاتصال بالرجال، وهذا مما يزيد الرغبة عند الرجال لنيلها عنوة إن دعا الأمر. فإذا لم تنجح أي امرأة أن تُثبت أنها أُغتصبت، فهل يعني هذا أن العالم الإسلامي خالي من جريمة الاغتصاب؟)]

أما هذا الإدعاء بعدم إمكانية إثبات الإغتصاب في كل التاريخ الإسلامي فهو قول فيه مجازفة كبيرة ، إذ أن مثل تلك الحوادث لا يتم إحصائها عادةً ولا يهتم المؤرخون في تثبيتها إلا إذا أرتبطت بحوادث مهمة أخرى ، أما مجرد دعاوى الإغتصاب وإثباتها فهي مثل بقية الدعاوى التي لم يتم إحصائها أو إعداد السجلات الطويلة والضخمة من أجل توثيقها إذ لا توجد لهذا التوثيق أهمية من وجهة نظر المعنيين فيما مضى من الزمن.

وأما الإدعاء بأن حجاب المرأة يغري الرجال لنيلها عنوة فهو كلام بعيد عن الصواب ، لأن من يرتكبون فعل الإعتداء على النساء هم عادةً من السفهاء والمنحرفين من الرجال الذين يمارسون هذا الفعل القبيح البعيد عن القيم والأخلاق ، ومثل هؤلاء يستثارون من قبل السافرة التي تبدي مفاتنها بصورة أكبر بكثير من إستثارتهم من قبل إمرأة محجبة لا تظهر أياً من مفاتنها. فالمقولة الشائعة : "الممنوع مرغوب" هو أقرب للسافرة منه للمحجبة ، لأن أولئك الرجال بالصفات المذكورة آنفاً حينما يرون المرأة السافرة بمفاتنها وهي ممنوعة عن أن تنالها أيديهم مما يدفعهم للتحفز للحصول عليها وإغتصابها دون أن تكون مطاوعة لهم ، وأما المرأة المحجبة فهي لا تظهر مفاتنها وبالتالي فهم لا يعرفون ما الذي هم ممنوعون عنه من مفاتنها ، فلا يشكل لهم هذا الأمر كبير أهمية بسبب عدم إستثارتهم من قبل المفاتن الأنثوية المخفية للمرأة المحجبة.

وقال الدكتور النجار : [(والإسلام لا يعترف بالاغتصاب. فإذا ادعت المرأة أن رجلاً اغتصبها فعليها أن تأتي بأربعة شهداء ذكور، فشهادة المرأة لا تقٌبل في هذه الحالة لأن الجرم إذا ثبت يستدعي الرجم إذا كان الرجل محصناً، ولذلك لا تقبل شهادة  الأنثي. فلو أتت المرأة بعشرة شهود من النساء ليثبتن أنه اغتصبها، فلا وزن لهذه الشهادة. ويقول أحمد بن نجيب المصري: " إذا كان الجرم يختص بالزنا أو اللواط، فيجب إحضار أربعة شهود من الرجال" ويجب أن يكونوا قد رأوا المرود في المكحلة.)]

هذا القول فيه الكثير من الأخطاء والتجني على الإسلام ، فالقضاء الإسلامي قضاء يقظ ومتفهم لجميع المشاكل المطروحة ، والدكتور النجار ينظر للمسألة بعين واحدة فيما تحقيق العدالة يتطلب النظر بعينين أثنتين نظرة متوازنة ، فلو أدعت أمرأة أنها تعرضت للإغتصاب من قبل شخص بعينه أو من قبل مجهول ، فالأمر يحتمل أمرين أما أن تكون المرأة صادقة أو كاذبة ، فإذا كانت صادقة فأما أن يكون الشخص معلوماً أو مجهولاً فإن كان معلوماً كان عليها أن تأتي بالبينة وهي شهادة أربعة ذكور أو ثلاثة وأمرأتين ، وإن لم تستطع الأتيان بالبينة فعلى المتهم أن يحلف بالإنكار من إرتكاب هذه الجريمة ، ولا أتصور أن هناك نظاماً قانونياً لا يعالج المسألة بطريقة البينة والقسم للمدعي والدعى عليه ، ومعظم الأنظمة القانونية الوضعية تلجأ لهذا الأمر ، حسناً فلنفرض أن دعوى الإغتصاب حدثت في مجتمع أوربي ، فبلا شك سوف يلجأ القاضي للحكم وفق الدليل فإذا لم يكن هناك دليل فيقسم المتهم أنه لم يقترف هذه الجريمة ، ويتم تبرئته ، وإلا فهل يطالب الدكتور النجار بالحكم ضد المتهم بلا دليل وبينة لمجرد دعوى إمرأة بحدوث إغتصاب لها ، وهل هذه هي العدالة التي يرجوها ؟!! وفي عالمنا لا يمكن إنشاء نظام قانوني إسلامي أو غيره إلا على أسس البينة والدليل والقسم ، وعلى هذا تبنى الحقوق وتتحقق المطالب. فلماذا يطلبون من الإسلام تحقيق ما لا يمكن تحقيقه في أي نظام قانوني وضعي ، وحتى بوجود رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يكن يتم الحكم إلا بالبينة رغم أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يمكن أن يعلم خفايا جميع القضايا بتعليم الوحي ، ولكنه أعتمد على الظاهر وعلّم المسلمين كيفية الحكم وفقاً للظاهر وبالإستناد إلى البينة والقسم (البينة على من أدعى واليمين على من أنكر) ، وفي هذا الصدد قال الشيخ الرئيس أبن سينا في كلمته المشهورة : (من قبل دعوى المدّعي بلا بينة وبرهان فقد خرج عن الفطرة الإنسانية).

وقال الدكتور النجار : [(ولذلك عندما اشتكى أحد الأباء في باكستان أن أحد رجال الدين قد أغتصب ابنته البالغة من العمر الثالثة عشر، لم تستطع الشرطة أن تقدم رجل الدين للمحاكمة لأن قانون باكستان الإسلامي يتطلب إحضار أربعة شهداء رجال. وهل هناك رجل عاقل يغتصب امرأة بحضور أربعة رجال آخرين في نفس الغرفة، ليشهدوا عليه؟)]

فحتى لو أستبدلنا الشهود الأربعة في الشريعة الإسلامية بشاهدين وفق القوانين العلمانية الوضعية ، فلن يتم حل المشكلة ، فهل نتوقع أن هناك رجلاً عاقلاً يغتصب أمرأةً بحضور رجلين في نفس الغرفة ؟ بالطبع لا ، إذن ما هو الحل ؟ هل يستطيع الدكتور النجار أن يقدم لنا حلولاً لهذه الإشكاليات بدلاً من أن يكتفي بطرح الشبهات ! فلو تنازلنا عن الشهود الأربعة لقيام البينة وجعلناها أثنين أو واحد فهل سيحل هذا الإشكال ؟ طبعاً لا. وبالتأكيد فأنه لن يقترح التخلي عن البينة في إثبات الجريمة لقول أبن سينا إنَّ في ذلك خروجاً عن الفطرة الإنسانية.

قال الدكتور النجار : [(ولا يوجد في الشريعة الإسلامية تعريف للاغتصاب. ولهذا السبب أي امرأة مسلمة تدعي أن رجلاً اغتصبها قد تنتهي مدانة بجريمة الزنا، لأنها لا تستطيع أن تحضر الأربعة شهداء، وهذا ما يحدث في باكستان كما تقول جمعية الأخوات المسلمات.)].

وهذا القول هو من جملة المفتريات ضد الإسلام ، فكيف تدان المرأة بجريمة لم ترتكبها لمجرد عدم قدرتها على الإتيان بالبينة ؟! وفي هذا السياق يقول العلامة الحلي في قواعد الأحكام ج 3 ص 523 : (ولا تحد المرأة بمجرد الحمل وإن كانت خالية من بعل ما لم تقر بالزنا أربع مرات . ويشترط في الإقرار : أن يذكر حقيقة الفعل ، لتزول الشبهة ، إذ قد يعبر بالزنا عما لا يوجب الحد) ، فالمرأة لا تحد لمجرد أن تحمل وإنْ لم تكن ذات بعل ، فضلاً عن أن المرأة إذا أدعت أنها أكرهت على الزنا قبلت دعواها كما قال بذلك السيد الخوئي في كتابه تكملة المنهاج ، مسألة (136). وكيف يدعي الدكتور النجار أنه لا يوجد في الشريعة تعريف للإغتصاب ، وهل يحتاج الإغتصاب لتعريف خاص سوى الإكراه على الزنا والذي ورد ذكره في الكثير من الأحاديث ! وكذلك قال أبو بكر الكاشاني وهو من فقهاء المذهب الحنفي والمتوفى سنة 587هـ في كتابه بدائع الصنائع ج 7 ص 181 : (كذلك المرأة إذا أكرهت على الزنا لاحد عليها) ، ويقول الشيخ سيد سابق في كتابه فقه السنة ج 3 ص 474 : (وكذلك المرأة إذا أكرهت على الزنا فانه لاحد عليها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله تجاوز عن امتي الخطـأ والنسيـان وما استكرهوا عليه " ) ، بل إنَّ الشخص الذي يُكره إمرأة على الزنى يقتل بلا فرق أن يكون محصناً أم غير محصن كما في مسألة (153) من تكملة منهاج الصالحين للسيد الخوئي (قده).

فالقول الذي تم أدعاءه منسوباً لجمعية الأخوات المسلمات مما لا أصل له في الإسلام.

وقال الدكتور النجار : [(وليس ببعيد عن الأذهان قصة المرأة النيجيرية، صفياتو حسيني، التي تقول إن جارها، يعقوبو أبو بكر، قد اغتصبها وأصبحت حبلى. وكالمتوقع فإن أبو بكر أنكر انه رآها، ناهيك عن انه اغتصبها. وبالتالي حكمت المحكمة الشرعية على صفياتو بالرجم. وتقول جمعية الأخوات المسلمات أن 75 يالمائة من النساء في سجون باكستان من المتهمات بالزنا هن في الواقع ضحايا اغتصاب. )]

فبالتأكيد أن هناك خللاً في تطبيق الحدود في هذه المسألة على فرض صحة النقل ، حيث قد مرّ رأي فقهاء الإسلام في عدم مسؤولية المرأة عن الإكراه الذي يلحقها من الإغتصاب.

وقال الدكتور النجار : [(وهناك مفارقات عديدة في الإسلام. فمن جانب نجد زوجة عُويمر أقسمت أن زوجها كاذب وأنها لم تخنه مع شريك بن سحماء وأن الجنين الذي في بطنها هو من زوجها، فصدقها النبي وطلقها من زوجها. وعندما ولدت اتضح للنبي أنها قد كذبت وأنها فعلاً قد خانت زوجها، لكنه لم يعاقبها إذ أنها تلاعنت مع زوجها وأقسمت أنها صادقة، ومن الجانب الآخر نجد أن المرأة المسلمة إذا أغتصبها رجل وحملت منه، يؤخذ حملها دليلاً على الزنا ويقام عليها الحد لأنها لا تستطيع أن تأتي بأربعة شهداء على أن الرجل اغتصبها.)]

قد ذكرنا آنفاً أن إتخاذ حمل المرأة دليلاً على زناها هو أمر غير متوافق مع الشريعة الإسلامية ، فهو من القوانين الوضعية وإن صدر عن دولة مسلمة ، ومقارنة قانون وضعي مع قانون إسلامي ثم إدعاء التناقض هو أمر بعيد عن الإنصاف.

وقد ذكرنا آنفاً عدم صحة ما ذكره الدكتور النجار في نهاية النص السابق ، فالمرأة إذا حبلت من الإغتصاب فلا يؤخذ حملها دليلاً على الزنى ويقبل قولها بأنها كانت مكرهة.

وقال الدكتور النجار : [(وإذا تركنا الاغتصاب جانباً وتحدثنا عن القذف، فالقرآن يقول عقاب الذين يرمون المحصنات ثم لا يأتون بأربعة شهود، ثمانين جلدة ولا تؤخذ شهادتهم.  وهذا عقاب معقول ولو أن المجتمعات الحديثة قد استحدثت قانون التشهير " Libel "، الذي يبيح للمقذوف أن يطالب بتعويض مالي كبير كرد اعتبار للمتجنى عليه. ولكن المشكلة في التشريع الإسلامي أنه لا يعترف بأي حقوق لم تُذكر في القرآن أو لم يقل عنها الرسول شيئاً. )]

فما أقترحه الدكتور النجار من إستبدال الثمانين جلدة بتعويض مالي كبير ليس فيه حل للمشكلة ، ففي عالمنا اليوم هناك المئات بل الآلاف من الأغنياء الذين يتمكنون من تبذير أموال طائلة على أمور هي أقل أهمية من خلاصهم من حد القذف أي الثمانين جلدة ، وبذلك فإنَّ الكثير منهم سيكونون سعداء وهم يتحدثون عن أعراض الآخرين ويقذفونها وهم مستعدون لدفع المبالغ الطائلة بدون أي تأنيب ضمير لاسيما إذا كانوا من المنافسين لهم في مجالات إهتمامهم. وقد أفترض الدكتور النجار أن المال هو رد إعتبار للمقذوف وفاته أن هناك الملايين من الناس من يعتبرون أعراضهم وصيانتها أغلى من كل أموال الأرض ولا يمكن أن يقارنونها بالأموال ، فهذه النظرة المادية هي نظرة المجتمعات غير الدينية ، المجتمعات التي لم تعد تتعامل إلا بمنطق المال البعيد عن الإنسانية.

نعم في الإسلام تعويضات مالية عن أخطاء أو أفعال مادية أيضاً كالقتل والجرح وما شابه ، وأما الأمور المعنوية التي تمس الأعراض والشرف فلم يضع الإسلام لها قيمة لأنها أغلى من كل قيمة.

واما قول الدكتور النجار بان الإسلام لا يعترف بأي حقوق لم تذكر في القرآن ..إلخ فهو قول غير صحيح ، وفي الإسلام هناك إمكانية تشريع لقوانين غير مذكورة في القرآن الكريم او السنة المطهرة ، وهو ما يمكن ان نسميه التشريع في منطقة الفراغ ، وفي هذا الإطار يقول فضيلة الشيخ محمد إسحاق الفياض (دام ظله) أحد كبار المراجع في النجف الأشرف : (إنَّ في الشريعة الإسلامية المقدسة منطقة فراغ ونقصد بها عدم وجود نص ملزم من الكتاب والسنة فيها وهي باقية على إباحتها الأولية ولا مانع من وضع قانون ودستور ملزم في هذه المنطقة في مجال الإقتصاد والتعليم وإدارة الوزارات والمحافظات والمخابرات والأمن والجيش والشرطة وغيرها إذا كانت هناك مصلحة عامة تتطلب ذلك ولا يكون هذا القانون مخالفاً للإسلام حتى يكون مرفوضاً).

وقال الدكتور النجار : [(ولو كانت المقذوفة غير مسلمة، فلا حقوق لها حتى لو كان لديها شهود من قومها، إذ أن شهادة غير المسلم لا يؤخذ بها

يقول القرطبي في تفسيره: " قد أجمع العلماء على أنه لا حد على من قذف رجلاً من أهل الكتاب، أو امرأةٍ منهم. فيستطيع المسلم أن يقذف كل يوم امرأة مسيحية أو رجلاً مسيحياً ويشوه سمعتهما، بلا خوف من أي عقاب لأنه لا حد عليه.

ولكن إذا كانت هذه المرأة المسيحية لها ولدٌ من رجلٍ مسلم، وليس بالضرورة متزوجة منه، فيجلد من يقذفها. فالمرأة المسيحية هنا صار لها اعتبار لأن لها ولداً من رجل مسلم.

أما إذا قذف الرجل النصراني مسلماً أو مسلمة، وجب عليه الحد رغم أنه غير مسلم. وإذا قذف العبد حراً وجب عليه الحد ( أربعين جلدة لأنه عبد)، أما إذا قذف الحرُ عبداً فلا حد عليه. وإذا قذف الأمة كذلك فلا حد عليه. فهل هناك من يستطيع أن يدعي أن الإسلام يحفظ للمرء كرامته وأنه يعامل أهل الكتاب نفس معاملة المسلمين؟)]

فهذا الكلام ينبغي مناقشته من جهتين : الأولى موقف الإسلام من أهل الكتاب في خصوص موضوع القذف والثانية موضوع الخصوصية الدينية :

فأما الجهة الأولى فالإسلام قد حرّم الكذب ، وقذف المسلم للكتابي أو الكافر كذباً هو أمر محرّم ومرتكبه يفقده العدالة ويسقطه من إعتبار إمامة الصلاة والشهادة لدى القضاء ، ففي رواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) : (أنه نهى عن قذف من ليس على الإسلام إلا أن يطلع على ذلك منهم وقال : أيسر ما يكون أن يكن قد كذب) ، ورواية الحلبي عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) (أنه نهى عن قذف من كان على غير الإسلام إلا أن يكون قد أطلعت على ذلك منه).

وأما بخصوص إجراء الحد على المسلم قاذف الكتابي أو غير المسلم بصورة عامة فقد ذكر السيد الخوئي في تكملة المنهاج ، مسألة (202) أن للحاكم الشرعي إقامة التعزير عليه أي يضرب عدداً من الجلدات يحددها الحاكم الشرعي ، وبهذا يتضح أن قول الدكتور النجار [(فيستطيع المسلم أن يقذف كل يوم امرأة مسيحية أو رجلاً مسيحياً ويشوه سمعتهما، بلا خوف من أي عقاب لأنه لا حد عليه)]  هو قول بعيد عن الحقيقة.

وأما قول الدكتور النجار [(أما إذا قذف الحرُ عبداً فلا حد عليه )] فهو كلام غير تام ، لأن للحاكم الشرعي أن يقوم بتعزير ذلك الحر الذي قذف العبد كما ذهب إلى هذا القول السيد الخوئي في المسألة الآنفة الذكر ، ففي رواية أبي بصير عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال : (من أفترى على مملوك عزر لحرمة الإسلام) وتؤيد ذلك رواية عبيد بن زرارة قال : (سمعت أبا عبد الله (ع) يقول : لو أتيت برجل قذف عبداً مسلماً بالزنا لا نعلم منه إلا خيرا لضربته الحد حد الحر إلا سوطاً).

ثم أن للمماليك (العبيد) في الشريعة الإسلامية أحكاماً ناسبت حالهم كونهم فاقدي الحرية إلى أن يتم حصولهم على حريتهم ، فالإنتقائية التي فعلها الدكتور النجار بأن أختار حكماً واحداً ليدعي من خلاله أن الإسلام يفقد المملوك أو العبد كرامته هو أسلوب مغرض ، فهناك العديد من الأحكام الشرعية التي تحفظ حياة المملوك في مقابل إهدار حياة الحر ، فعلى سبيل المثال إذا زنى المملوك (العبد) فليس عليه الرجم مطلقاً حتى وإن كان محصناً  وكذلك حتى لو كان شاباً أو شيخاً ، وكذلك الحكم للمملوكة ، وقد ذكر هذا الحكم السيد الخوئي (قده) في تكملة المنهاج ، مسألة (162). فهذا الحكم يحسب في صالح المملوك من وجهة النظر اللادينية التي يتحدث بها الدكتور النجار ، وأما من وجهة النظر الدينية فإن جميع أحكام المماليك (العبيد) التي جاء بها الإسلام فهي تصب في المصلحة الفردية للمسلم الحر والعبد أو في المصلحة العامة للمجتمع الإسلامي.

وللمقذوف شرائط أخرى تدل على أن المسئلة لا تتعلق بحفظ الكرامة أو التمييز بين الأحرار والعبيد أو بين المسلمين وغيرهم كما أدعى الدكتور النجار ، فمن شرائط المقذوف هو البلوغ فلو قذف شخصٌ صبياً فليس عليه حد لعدم بلوغ المقذوف ، كما في مسألة (202) من تكملة المنهاج للسيد الخوئي (قده) ، فالمقذوف إذا كان صبياً أو عبداً أو مجنوناً فلا حد على القاذف بل يكون هناك تعزير بحسب المصلحة التي يراها الحاكم الشرعي.

وكذلك فهناك حدود يتم بها قتل المسلم بينما غير المسلم لا يناله القتل ، مثلاً حكم عمل السحر ، فإنْ كان عامله مسلماً فحكمه القتل بينما إذا كان غير مسلم فحكمه التأديب ، وقد أشار لهذا الحكم السيد السبزواري (قده) في كتابه مهذَّب الأحكام ج28 ص37 ، فالإسلام هنا يحفظ حياة غير المسلمين في مقابل إهدار حياة المسلم لنفس القضية وهو الأمر الذي يناقض ما ذهب إليه الدكتور النجار في النص الآنف الذكر !

وأما الجهة الثانية ، فتتعلق بمحاولة الدكتور النجار خداع القاريء بأن في الإسلام تمييزاً ضد غير المسلمين ، مستنداً في ذلك إلى الخصوصية التي يحتفظ بها  الإسلام ، وموضوع الإحتفاظ بالخصوصية هو أمر غير قاصر على الإسلام بل تجد جميع الأديان لها خصوصيات تميز أبنائها ومعتنقيها عن الآخرين ، بل وحتى أصحاب التيارات الفكرية أيضاً لهم خصوصيات تميز معتنقي فكرهم ، مثل القوميين الذين يميزون أبناء قوميتهم عن أبناء القوميات الأخرى ، وكذلك الماركسيين الملحدين لديهم خصوصية لطبقة البوليتارية أي الطبقة العمالية دون سائر طبقات المجتمع التي يحاولون القضاء عليها ، وكذلك الوطنيين فلهم خصوصية الوطن وتفضيل المواطن على الأجنبي ، فموضوع الخصوصية هو مما تسالم عليه الفكر الإنساني ومن الغريب أن يحاول الدكتور النجار التشنيع على الإسلام بسبب إمتلاكه خصوصية معينة ، وأعتراض الدكتور النجار بخصوص خصوصية الإسلام يعنى أنه يعترض على أحد الصفات الإنسانية المتعارف عليها ضمن الطبيعة البشرية.

وقال الدكتور النجار : [(ثم لماذا كل هذا الإثبات بأربعة شهود ونحن نستطيع الآن أن نأخذ عينة صغيرة من مهبل المرأة ونحللها مخبرياً لنجزم مَن مِن الرجال قد جامع المرأة المعنية؟ وإذا ادعت  امرأة أنها أُغتصبت، نستطيع أن نثبت ذلك أو ننفيه عن طريق التحقيقات التي يقوم بها المعنيون من رجال الأمن. فهل ما زلنا نحتاج إلى أربعة شهود عدل ومن الذكور؟)]

فما هو رأي الدكتور النجار في مسألة إمرأة جامعت زوجها ثم ساحقت إمرأة أخرى فأنتقل المني لفرج المرأة الثانية التي أدعت بدورها على الرجل أنه أغتصبها لمجرد أن منيه في فرجها ، فهل تحل التحاليل المختبرية هذه المشكلة وتعطي لكل ذي حقٍ حقه ؟! أم أن الأمر سيلتبس على القضاء في حال إلإتباع الأعمى للتحاليل المختبرية التي أقترح الدكتور النجار الإكتفاء بها ؟!!

وما رأي الدكتور النجار في أمرأة زنت مع رجل بإرادتها ، ثم أدعت بعد ذلك أنه أغتصبها مستندة إلى وجود المني في فرجها ؟ فهل التحليل المختبري المجرد ينصف ذلك الرجل ويمنع الظلم من أن يقع عليه ؟!

ولا ندري ما الذي يقصده الدكتور النجار بقوله [(وإذا ادعت  امرأة أنها أُغتصبت، نستطيع أن نثبت ذلك أو ننفيه عن طريق التحقيقات التي يقوم بها المعنيون من رجال الأمن)] ، فهل يقصد ما يقوم به رجال الأمن من تعذيب وضرب غير قانوني لإنتزاع الإعترافات من الموقوفين ، فهل هذا هو مقصده وهل هذا هو الأسلوب الحضاري الذي يريده الدكتور النجار لكي يكون بديلاً عن القضاء الإسلامي العادل.

وأما إذا كان مقصد الدكتور النجار ما يقوم به رجال الأمن والشرطة من جمع معلومات وأدلة جنائية فالأمر غير مقتصر عليهم بل القضاء الإسلامي يأخذ بنظر الإعتبار صدق الدعوى ويعطي المجال للمدعى عليه ليثبت برائته وجلب شهود نفي إلى غير ذلك من مجريات القضاء العادل الذي لا تقتصر أركانه على القضاء العلماني بكل تأكيد ، فالتوهم قد ينشأ من القول بإقتصار القضاء الإسلامي على شهادة أربعة بحدوث واقعة الزنى أو عدم قدرة المدعي على أثبات الإغتصاب لعدم توفر أربعة شهود وتنتهي المسألة بهذه السذاجة هو أمر بعيد جداً عن الإسلام والقضاء الإسلامي ، لاسيما وقد عرف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) بالبراعة القضائية في إحقاق الحق ونفي الباطل.

وللقضاء الإسلامي قواعد كثيرة ودقيقة ، يمكن الإطلاع على جانب منها بمراجعة كتاب (كشف اللثام) للفاضل الهندي المتوفى سنة 1137هـ ففيه فصل خاص أسمه (كتاب القضاء) يتحدث فيه بإسهاب عن التولية والعزل وعن كيفية الحكم وعن الدعوى والجواب وعن الآحلاف وعن القضاء على الغائب وعن القسمة وعن الدعاوى المتعارضة وعن الشهادات واختلاف الشهود ، وفيه تفاصيل كثيرة جداً عن القضاء وكيفيته وآدابه.

يضاف لذلك فإنَّ الحاكم الشرعي يقضي بعلمه وإذا حصل له العلم بوسائل أخرى غير الشهود فله تقييم الحكم.

وقال الدكتور النجار : [(وإذا رمى المسلم صبيةً يمكن وطؤها قبل البلوغ بالزنى، كان هذا قذفاً عند مالك وأحمد بن حنبل، لكنه ليس قذفاً عند الآخرين. وقال أحمد بن حنبل إذا قذف المسلم صبيةً بنت تسعة سنين، يُجلد فيها، وكذلك إذا قذف صبياً قد بلغ العاشرة من عمره يُجلد. فإذا كان علماء المسلمين قد شرّعوا لصبي في العاشرة من عمره، ماذا يقول هذا عن اللواط في المجتمعات الإسلامية؟ والعلماء الإسلاميون هنا تحدثوا عن قذف بنت لم تبلغ التاسعة من عمرها، وهذا ليس قذفاً وإنما جريمة نكراء ضد طفلة ويجب أن يُشجع الناس على القول بها، حتى لو شكاً، حتى يتسنى للشرطة التحقيق فيها وعقاب الجاني إذا ثبت جرمه، وليس جعل القول بها قذفاً كما هو الحال في الإسلام)]

ولست واثقاً من إمكانية فهم هذا النص وما هو مقصد الدكتور النجار منه بسبب غموضه ، فإذا كان مقصد الدكتور النجار أن يتم التحقيق مع من يقذف طفلة خشية أن تكون قد تعرضت بالفعل لإعتداء جنسي فالأمر لا يتعارض مع الأحكام الإسلامية مطلقاً ، ففي الإسلام حين يتم قذف الطفلة تقوم هي أو ولي أمرها بالشكوى لدى القاضي الذي يتحقق من واقعة القذف بإستدعاء القاذف والتحقيق معه وفق الطرق الأصولية المتبعة ، ومفهوم القذف في الإسلام لا يقتصر على جانب معنوي بل يمتد ليشمل جوانب حقيقية في الدفاع عن سمعة المقذوف وحقوقه وإقامة الحدود الشرعية على القاذف فضلاً عن الغاصب.

وقال الدكتور النجار : [(عقاب الزنا

" الزاني والزانية فاجلدوا كل واحدٍ منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفةٌ في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين" [12]

القرآن يقول الزاني والزانية، إذا استطعنا أن نثبت جريمة الزنا، فاجلدوا كل واحد مائة جلدة. وهذه هي الآية الثانية في سورة النور، والآية الأولى تقول: " سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون". فالله قد فرض هذه السورة وأنزل فيها آيات بينات، ومع ذلك رجم الرسول الرجل والمرأة اليهوديين لأنه سأل أحبار اليهود عن عقاب الزنى في التوراة، فقالوا الرجم. فهل نرجم الزاني والزانية لأن اليهود يرجمون رغم أن القرآن يقول اجلدوهم.)]

فالدكتور النجار يحاول أن يوهم أن فعل النبي (صلى الله عليه وآله) مخالف للقرآن الكريم ، بحيث أن القرآن الكريم فيه الجلد للزاني والنبي (صلى الله عليه وآله) يرجمه ، ونحن نعلم أن لا تناقض بين الأمرين لأن النبي (صلى الله عليه وآله) هو مصدر تشريعي إلى جانب القرآن الكريم ، وقد بيّن أن الجلد المذكور في القرآن المجيد مختص بغير المحصن ، وأما المحصن فقد حكمت عليه السنة النبوية المطهرة بالرجم ، ولذلك فقد أمرالله سبحانه المسلمين بطاعتين طاعة لله عزَّ وجل وطاعة لرسوله (صلى الله عليه وآله) لأنهما يمثلان مصدرين تشريعيين يجب الأخذ بهما معاً ، فقال تعالى : (( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول )) ، وحكم الرجم للمحصن في الإسلام ليس له علاقة برجم اليهوديين المذكورين.

وقال الدكتور النجار : [(وليس في القرآن آية رجم ولكن هناك رواية عن عمر بن الخطاب تقول أن عمر قال كانت في القرآن آية تقول: " والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما"، لكنها نُسخت من القرآن. فحتى لو كانت الآية موجودة ثم نُسخ رسمها من القرآن، فلماذا يبقى حكمها؟ فالله لو أراد للحكم أن يبقى لما نسخ الرسم.)]

فأما حكم الرجم فهو مستمد من السنة النبوية المطهرة ، وأما ما ذكره الدكتور النجار حول أدعاء الخليفة عمر بن الخطاب أن في القرآن آية رجم تم نسخ تلاوتها وبقاء حكمها فهو توهم من قبل الخليفة عمر بوجود آية للرجم في القرآن وهو لا يعلم أن حكم رجم المحصن مأخوذ من السنة النبوية ، وفعل عمر بن الخطاب وقوله ليس بحجة على المسلمين ، ومصادر التشريع الإسلامي واضحة ومعروفة عند جميع المسلمين ، وعمر بن الخطاب هو صحابي وخليفة وليس مصدراً للتشريع بكل تأكيد ، فضلاً عن تسالم المسلمين بأن النبي (صلى الله عليه وآله) قال : (أني تارك فيكم ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً ، كتاب الله وعترتي أهل بيتي ) ولا يمثل عمر بن الخطاب أي مرتكز للمنع من الضلال من المرتكزين المذكورين في الحديث الشريف ، أي الكتاب والعترة.

وقال الدكتور النجار [(وعملية الرجم نفسها عملية لا تنسجم مع روح العصر لما فيها من فظاعة وعذاب للمرجوم، خاصةً المرأة لأن الشرع يتطلب أن يحفروا لها حفرةً تُدفن فيها حتى صدرها ثم يرجمها الناس بالحجارة. وهذه لا شك قسوة ليس لها ما يبررها في عصرنا هذا، أو حتى في العصور السابقة. أما يكفي المرأة أنها تفقد حياتها ويتأتم أطفالها لا لشئ إلا لأنها رضخت، في لحظة ضعف، لغريزتها الجنسية؟)]

هل خفي على الدكتور النجار أن جزءاً من القصاص الرادع هو قسوة العقوبة لقبح الجريمة التي يرتكبها الزاني المحصن رجلاً كان أو إمرأة ، وهل نتصور أن يطالبنا الدكتور النجار أو أي شخص آخر بالتنازل عن وصف زنى المحصن بالقبح الشنيع الذي يستأهل الزاني معه قسوة العقوبة. وهل يمكن التغاضي عن قبح فعل الزنى للمحصن تحت ذريعة أن الأمر تم بلحظة ضعف أو لحظة خضوع للغريزة الجنسية ، فلماذا لم يتم وضع الغريزة في محلها لاسيما والزاني محصن أي متزوج لديه زوجة أو لديها زوج يمكنهم من إشباع غريزتهم من خلاله ، وإن كان هناك مانع من هذا الإشباع بسبب أحد الزوجين فالطلاق يمثل حلاً مثالياً لترك الزوج وإستبداله بزوج آخر يمكنه من إشباع الغريزة الجنسية بدلاً من اللجوء لمعصية الزنى.

وتيتم الأطفال خير لهم من أن يعيشوا مع أمٍ ملوثة السمعة يلحقهم عارها بفعلها السيء المستمر طيلة حياتها ، وقد تقوم بتربيتهم على الإنحراف عن الأخلاق الحميدة ، وما في ذلك من المساويء الجسيمة.

ثم أن لحظة الضعف التي ذكرها الدكتور النجار هي لحظة مشتركة لجميع الجرائم ، فهناك من يسرق في لحظة ضعف ، وهناك من يختلس من الأموال المؤتمن عليها في لحظة ضعف وهناك من يقتل في لحظة ضعف ، فهل يريد الدكتور النجار ان يتم غض النظر عن جرائم السرقة والقتل والإختلاس بدعوى مرور مرتكب الجريمة بلحظة ضعف ! فتسقط العقوبات ويقل الرادع وتشيع الجرائم.

وقال الدكتور النجار : [(والمشكلة في عقاب الفاحشة أن القرآن يُفضل الرجل على المرأة في العقاب. فالمرأة التي تأتي بالفاحشة ويشهد عليها أربعة رجال، يجب أن يحبسوها في بيتها حتى تتوفي أو يجعل الله لها مخرجاً. ولكن إذا أتى اللواط رجلان، يُضربا بالنعال، فإن تابا يجب أن نعفو عنهما لأن الله غفور رحيم على الرجال.)]

طبعاً هذا الكلام المنسوب للإسلام غير دقيق وفيه أخطاء كثيرة وتشويه للحقيقة ، فالظاهر أن الدكتور النجار يشير لقوله تعالى في الآيتين 15و16 من سورة النساء : (( واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا * واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما ))

ولست أدري كيف فهم الدكتور النجار الآيتين حيث يدلان على عكس ما ذكره ، فالمرأة التي تأتي الفاحشة يجب أن يشهد عليها أربعة فإذا تم ذلك تحبس في البيت حتى تتوفى أو يجعل الله لها سبيلا ، والحبس في البيت مستمر حتى بعد أن يتم إجراء حد الجلد عليها ، أما الرجال فهم معرضون للأذية حتى يتوبا ، وما دامت التوبة غير متحققة فأذيتهما مستمرة ، فإذا كان هناك تفضيل بحسب ظن الدكتور النجار فهو تفضيل لصالح المرأة وليس ضدها كما توهم.

وأما السبيل الذي جعله الله سبحانه للمرأة والمذكور في الآية فهو (أما للتوبة الصادقة التي يؤمن معها من أرتكاب الفاحشة مرة ثانية وأما لسقوط المرأة عن قابلية أرتكاب الفاحشة لكبر سنها ونحوه ، وأما بميلها الى الزواج وتزويجها برجل يتحفظ عليها وأما بغير ذلك من الأسباب التي يؤمن معها من أرتكاب الفاحشة وهذا الحكم باقٍ مستمر) ، راجع كتاب (البيان في تفسير القرآن) للسيد الخوئي (قده).

وقال الدكتور النجار : [(السرقة

هناك أربعة أنواع من السارقين:

النوع الأول: شخص مريض بمرض نفسي يجعله يحب اقتناء كل شئ يراه حتى وإن لم يكن يحتاجه. هذا النوع من السرقة يُسميه الأطباء النفسيون Kleptomania وغالباً ما نراه في نجوم السينما والرياضة الذين قد يكون غناهم فاحشاً ولكن مع ذلك يسرقون أشياء تافهة من الأماكن التجارية. وقبل أعوام كانت هناك أميرة خليجية سافرت إلى لندن على متن طائرتها الخاصة، ومع ذلك سرقت بعض الملابس الداخلية من محلات " ماركس آند سبنسر"

النوع الثاني: شخص غالباً ما يكون مراهقاً ومدمناً على المخدرات ولا يحب أن يعمل ليكسب قوت يومه، أو أن الذي يكسبه لا يكفي لشراء المخدرات التي يدمنها، فيسرق لشرائها

والنوع الثالث: رجل أو امرأة لم تتوفر لهم فرص العمل ولا يجدون القوت لهم أو لأطفالهم فيسرقون

والنوع الرابع: الشخص الجشع الذي يكون في موقع السلطة فيسرق أموال الشركة التي يرأسها أو أموال الدولة

وقد تكون السرقة في النوع الثاني والثالث سرقةً بدون عنف من المنازل في غياب أصحابها، أو سرقة من جيب أو حقيبة شخص في مكان مزدحم أو من مكان تجاري. وقد تكون سرقة بعنف يستعمل فيها السارقون السلاح مثل قطاع الطرق. أما السرقة من النوع الأول والرابع فليس فيها عنف وقد تعتمد على معرفة السارق بطرق تقييد الحسابات وكيف يمكن الالتفاف حولها.)]

فمن الواضح أن هذه التقسيمات ليس لها أساس علمي ، بل هي تقسيمات ناقصة وعشوائية ، لأن النوع الرابع مثلاً أي النوع الذي يكون السارق فيه في موقع السلطة ويسرق أموال الشركة أو أموال الدولة ، فهذا لا يسمى سرقة بل يسمى خيانة أمانة ، لأن السرقة إنما تتم من حرز وأن لا يكون السارق مسلطاً على ما يسرقه وإلا فهو الإختلاس وخيانة الأمانة.

وأما النوع الثاني الذي ذكره فقد يكون هناك أدمان على الخمر وليس على المخدرات ، فلماذا قصر الدكتور النجار الأمر على المخدرات وحدها.

وهناك أنواع أخرى من السرّاق ، فهناك مراهقون يسرقون للحصول على متع وقتية محرمة كالذهاب للملاهي وأصطحاب النساء المنحرفات وممارسة الرذيلة معهن.

وهناك أشخاص يسرقون من أجل الحصول على المال لينافسوا أقرانهم بأقتناء الملابس الغالية الثمن ، أو شراء جهاز الموبايل على سبيل المثال.

وهناك أشخاص يسرقون طلباً للثراء الفاحش.

وهناك أشخاص يمارسون السرقة عبر عصابات منظمة ، وهناك أشخاص يتخصصون بسرقة أمور معينة ، مثلاً متخصص في فتح القاصات الحديدة ، ومتخصص في سرقة محلات الذهب ومتخصص في سرقة المصارف ومتخصص في سرقة الشقق السكنية أو المكاتب التجارية.

وأما مسألة الأبتعاد عن العنف فقد أخطأ الدكتور النجار بأن قصرها على النوعين الأول والرابع فقط ، لأن كل نوع يمكن أن تكون السرقة فيه عنيفة أو غير عنيفة بحسب الظروف الموضوعية لعملية السرقة ، فسرقة مصرف نهاراً هي بلا شك عملية سرقة مصاحبة للعنف ، وأما سرقة نفس المصرف ليلاً فنسبة العنف في العملية ستكون أقل بكثير. وهكذا.

وقال الدكتور النجار : [(ولا يختلف اثنان في أن السرقة جريمة تضر بالفرد والمجتمع، ويجب محاربتها. وهناك عدة طرق لعلاجها ومحاربتها. فالنوع الأول من السارقين شخص مريض يحتاج العلاج ويجب أن نقدمه له. والنوع الثاني، إذا كان مدمناً، فهو كذلك مريض يجب علاجه قبل عقابه. والنوع الثالث الذي يسرق ليقوت نفسه أو أسرته فلا يستحق العقاب، بل يجب على الدولة أن تساعده بإيجاد العمل له، أو بمنحه دخلاً يكفيه من صندوق البند الاجتماعي للدولة، إن كان لها صندوق اجتماعي. أما النوع الرابع فلا يختلف اثنان أنه يجب أن يُعاقب.

ولكن ماذا يقول الإسلام في هؤلاء السارقين. فعندما نزل التشريع الإسلامي ما كان الناس يعرفون مرض ال kleptomania ولذلك لم يُشرّع لها الإسلام. فالسارق في التشريع الإسلامي نوعان: الأول يسرق بدون عنف والثاني بالعنف. فالذي يسرق بدون عنف جزاؤه: " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالاً من الله والله عزيز حكيم "[13]. فالشرع يطلب  قطع اليد اليمنى في الإثم الأول، والثانية إذا ارتكب الإثم مرة ثانية. ولم يبين القرآن أي شروط يجب توفرها في السارق قبل إقامة الحد عليه، ولكن الفقهاء قالوا يُعلق الحد في حالة المجاعة، وقد علقه الخليفة عمر بن الخطاب في عام المجاعة بالمدينة.  ولكن الشرع كما نزل أو كما طُبق في القرون الأولى لم يطلب إثبات الفقر كعذر للسرقة.)]

فمن الواضح أن الدكتور النجار قد أخطأ أخطاءاً عديدة في أفكاره التي يطرحها ، فهو يريد من الإسلام أن لا يعاقب الذين يسرقون بسبب مرض الـ kleptomania ولكن ماذا تقول القوانين الوضعية التي يريد الدكتور النجار تطبيقها عن هؤلاء السرّاق ، إنها تعاملهم كسراق بغض النظر عن خلفيتهم الإجتماعية والثقافية ، وأما الإصلاح فتأتي مرحلته بعد تطبيق العقوبة ، فلماذا يطلب الدكتور النجار من الإسلام تطبيق أمر تعجز قوانينه الوضعية عن فعله ، فلو أتصل صاحب متجر بالشرطة لأخبارهم عن حادثة سرقة في متجره ، فهل يحق للشرطة أن لا تعتقل السارق تحت ذريعة إصابته بمرض السرقة حتى لو كان من المشاهير ؟!

وأما ما نسبه الدكتور النجار للإسلام من أنه يميز السرقة وفق نوعين الأول يسرق بدون عنف والثاني بالعنف ، فهو تقسيم لم يعرفه المسلمون ولم يثبته فقهاء المسلمين في أيٍ من كتبهم ، وهو من جملة المفتريات ضد الإسلام. 

وقال الدكتور النجار : [(وإذا تابعنا تطبيق الشرع في البلاد الإسلامية في القرن العشرين، نجد أن البلاد التي تدعي تطبيق الشريعة كالسعودية وإيران والسودان، ينتشر فيها الفقر والتسول في الطرقات ومع ذلك تُقطع يد السارق. وقطع يد السارق طبعاً لا يعالج القضية بل يزيدها تعقيداً. فالسارق الفقير الذي سرق ليقوت نفسه أو أطفاله، إذا قطعنا يده اليمنى أصبح معوقاً لا يستطيع العمل لكسب قوته، حتى لو أُتيحت له فرصة لإيجاد عمل في المستقبل. وإن جاع هذا المعوق أو جاع أطفاله، فهو لا بد أن يسرق مرة أخرى، فنقطع يده الثانية. في هذه الحالة يصبح المعوق عالة على المجتمع، كما يُصبح أطفاله، ونكون قد جعلنا هذا الشخص، الذي ربما يكون متديناً، غير قادر حتى على غسل نفسه من النجاسة بعد التبرز، وبالتالي غير مؤهل لأداء طقوسه الدينية.)]

ففي هذا النص يخلط الدكتور النجار بين الإضطرار للسرقة نتيجة الفقر والمجاعة وبين الفقير الذي يسرق لسد رمقه ورمق عياله ، وبين الفقير الذي يسرق ليجمع ثروة من سرقته تمكنه من الخروج من عالم الفقر والحاجة ، ففي سرقة الفقير نتيجة المجاعة فلا حد على هذا الفقير ، وقد ذكر السيد الخوئي في تكملة المنهاج مسألة (227) : (من سرق طعاماً في عام المجاعة لم يقطع) ، وأما الفقير الذي يسد رمقه ورمق عياله فبلا شك أن سد الرمق هو أقل من النصاب اللازم للقطع ، فإن النصاب الشرعي هو ربع دينار وفق المشهور عند الفقهاء وهو ما يعادل 1/6 مثقال ، وبذلك لن يتعرض الفقير الذي يسرق طعاماً لإطعام أولاده للقطع. وأما الفقير الذي يسرق ليجمع ثروة فهذا بلا شك مستحق للعقوبة.

وظاهرة إنتشار الفقراء والمتسولين غير مقتصرة على الدول الإسلامية التي ذكرها بل هي ظاهرة موجودة في أكثر الدول تقدماً في الغرب.

وأما ما ذهب إليه الدكتور النجار حين ظن أن من تقطع يمينه ويسرق من جديد فسوف تقطع يساره ولن يكون قادراً على غسل نفسه من التبرز على حد تعبيره فهذا كله خطأ ووهم ، لأن اليد اليسرى لا تقطع في حد السرقة أبداً ، وبذلك أفتى السيد الخوئي (قده) في تكملة المنهاج مسألة (241).

وقال الدكتور النجار : [(وقطع اليد لا يردع السارقين بدليل أن الخليفة عمر بن الخطاب جاء إلي عبد الرحمن بن عوف ليلاً، فقال له عبد الرحمن: ما جاء بك في هذه الساعة يا أمير المؤمنين؟ قال: رُفقة نزلت في ناحية السوق خشيت عليهم سُراق المدينة، فانطلق فلنحرسهم [14]. فحتى في زمن عمر بن الخطاب وعدله المشهور، وصرامته في تطبيق الحدود، كانت سوق المدينة تعج بالسارقين.)]

وما أدراه أن قطع اليد لم يردع ولم يقلل من نسبة السرّاق في ذلك الزمن ، فوجود بعض السرّاق لا يعني عدم جدوى العقوبة وهذا الأمر واضح بلا شك.

وقال الدكتور النجار : [(أما الذي يسرق بقوة السلاح فجزاؤه: " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يُقتلوا أو يُصلبوا أو تُقطع أيديهم وأرجلهم من خلافٍ أو يُنفوا في الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم "[15]. فهذا السارق تُقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، أو يُصلب حتى يموت. ونزلت الآية في قوم جاءوا المدينة فمرضوا، فأرسلهم الرسول إلى البادية مع إبله وأخبرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها. ولما صّحوا، قتلوا راعي الرسول وأخذوا إبله. ولما علم الرسول بذلك أرسل في طلبهم، ولما جئ بهم، أمر بقطع أيديهم وأرجلهم ثم أمر أن تُحمى مسامير في النار وتُكحل بها أعينهم، وأُلقوا في الحرة، فكانوا يطلبون الماء من العطش فلا يُسقوا حتى ماتوا. وقال أحد الحاضرين: رأيت أحدهم يكدح الأرض بفيه عطشاً حتى ماتوا. وعن أنس بن مالك أن رسول الله أحرقهم بالنار بعدما ماتوا ( تفسير القرطبي للآية المذكورة أعلاه). 

فهل يستحق السارق أو حتى القاتل هذا النوع من العقاب؟ أما كان الأرحم لهم أن يقتلوهم بدل كل هذا العذاب؟ ثم ماذا عن الصلب؟ فهل يحق لنا أن نصلب قاطع الطريق حتى يموت؟ لماذا لا نقطع رأسه، وهذا منتهى العقاب ويكفي للردع لأنه عقاب القاتل المتعمد. والشخص الذي يقطع الطريق، يقتل متعمداً، فلماذا أختلف عقابه؟ ألأنه اعتدى على المال؟ وهل المال أهم من حياة الإنسان؟ وإذا كان هذا عقاب الذي يقطع الطريق للنهب، ماذا عن كل السرايا التي بعثها النبي لتقطع الطريق على قوافل قريش ولتنهب مالها؟)]

قال الشيخ الطوسي في تفسيره (التبيان) : (المحارب عندنا هو الذي أشهر السلاح واخاف السبيل سواء كان في المصر أو خارج المصر ، فإن اللص المحارب في المصر وغير المصر سواء) وقال : (ومعنى (يحاربون الله) يحاربون أولياء الله ويحاربون رسوله (ويسعون في الأرض فساداَ) وهو ما ذكرناه من أشهار السيف وأخافة السبيل)

وأما القصة التي ذكرها في القوم الذين أعتدوا على راعي الرسول (صلى الله عليه وآله) وأخذوا أبله ، فهذه الرواية قد رويت بطرق ينتهي معظمها إلى الصحابي أنس بن مالك ، وهناك أدلة وقرائن تدل على أن تفاصيل تعذيبهم هي تفاصيل موضوعة وغير حقيقية وقد وضعت خدمة لسياسة البطش التي كان يسير عليها الحجاج بن يوسف الثقفي ولتبرير أفعاله الإجرامية بحق أهل العراق.

فقد روى الشافعي في كتابه الأم ج4 ص260 طبعة دار الفكر : (وكان علي بن الحسين ينكر حديث أنس في أصحاب اللقاح. أخبرنا أبن أبي يحيى عن جعفر عن أبيه عن علي بن الحسين قال : (والله ما سمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عيناً ولا زاد أهل اللقاح على قطع أيديهم وأرجلهم) ). وكذلك رواه الشافعي في مسنده ص 315 طبعة دار الكتب العلمية ببيروت. وكذلك رواه البيهقي في السنن الكبرى ج9 ص70 طبعة دار الفكر ، وروى عبد الرزاق الصنعاني في المصنف ج9 ص258 طبعة المجلس العلمي : (عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس ابن مالك قال : قدم المدينة قوم فاجتووها ، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بنعم ، وأذن لهم بأبوالها وألبانها ، فلما صحوا قتلوا الراعي واستاقوا الابل ، فأتي بهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فقطع أيديهم وأرجلهم ، وسمل أعينهم ، وتركوا حتى ماتوا . قال : وقال لي هشام بن عروة : سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعينهم ، وذكر أن أنسا ذكر ذلك للحجاج ، فقال الحسن : عمد أنس إلى شيطان فحدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع وسمل ، يعيب ذلك على أنس ، فقلت له : ما سمل ؟ قال : ؟ حد المرآة [ أو ] الحديد ، ثم يقرب إلى عينيه حتى تذوبا).

ففي الكافي والتهذيب عن ابي عبد الله الصادق ( عليه السلام ) قال : ( قدم على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قوم من بني ضبة مرضى ، فقال لهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : اقيموا عندي ، فإذا برئتم بعثتكم في سرية ، فقالوا : اخرجنا من المدينة ، فبعث بهم الى ابل الصدقة يشربون من ابوالها ، ويأكلون من البانها ، فلما برئوا واشتدوا ، قتلوا ثلاثة ممن كان في الابل ، فبلغ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فبعث إليهم عليا ، وإذا هم في واد تحيروا ليس يقدرون ان يخرجوا منه ، قريبا من ارض اليمن ، فاسرهم ، وجاء بهم الى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فنزلت هذه الآية : ( إنما جزاء الذين . . . ) ، فاختار رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) القطع ، فقطع ايديهم وارجلهم من خلاف ).

وقال الشيخ نجم الدين الطبسي في كتابه النفي والتغريب ص386 طبعة مؤسسة الهادي : (وقد ورد عن ابي جعفر ( عليه السلام ) : أن انس كذب على النبي ( صلى الله عليه وآله ) ولعله اشارة الى هذه القصة).

فالإمام علي بن الحسين السجاد عليهما السلام والحسن البصري والشافعي والصنعاني قد أيدا نفي السمل عن فعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، يعاضد ذلك ما ورد من أن أنس بن مالك كان يروي هذه القصة المفتراة للحجاج بن يوسف ولعبد الملك بن مروان من أجل تبرير أفعالهم الشنيعة بحق الأمة الإسلامية ، ففي السنن الكبرى للنسائي ج2 ص 297 أن أنس بن مالك كان يحدث عبد الملك بهذا الحديث ، وفي تفسير أبن كثير ج2 ص51 أن أنس بن مالك يعترف أنه قد حدّث الحجاج بهذا الحديث وأن الحجاج كان يستغل هذا الحديث في الإحتجاج على المسلمين بالبطش الذي كان يصبه على المسلمين. وأن عبد الملك بن مروان كان يراسل أنس بن مالك من أجل هذا الحديث المزعوم ! فما هو السبب الذي دفع  طواغيت بني أمية للإهتمام بهذا الحديث المزعوم بصورة إستثنائية !! لقد نجح أنس بن مالك في أن يستأثر بجانب من رضا بني أمية بسبب روايته لهذا الحديث الذي أصبح مبرراً لهم لإسناد جرائمهم وظلمهم التي صبّوها على المسلمين صبّاً.

وقال الدكتور النجار : [(وقد أبطل عامل الزمن الجزء الأخير من عقاب قاطع الطريق، إذ ليس هناك مكان في العصر الحديث ننفيه إليه إذا كان من مواطني البلد الذي حدثت فيه السرقة. فليس من الممكن نفيه إلى قطر آخر، ونفيه إلى مدينة أخرى في نفس القطر لا يكون عقاباً مماثلاً لما فعل الرسول بسارقي إبله.)] ، وقد أقتصر الدكتور النجار على بعض النفي دون أن يستوعبها جميعها ، ولذلك ظن أن هذا الحكم لم يعد بالإمكان تطبيقه ، فالنفي يحتمل ثلاثة حالات كما نص عليها الشيخ الطوسي في كتابه التبيان وهي :

أولاً. أن ينفى خارج بلاد الإسلام.

الثاني. أن ينفى من بلد إلى بلد غيره ، داخل بلاد المسلمين.

الثالث. النفي هو الحبس ، وهو قول أبو حنيفة وأصحابه.

والنفي هو عقوبة من أخاف السبيل فقط ولم يرتكب جريمة القتل أو السرقة.

وفي تفسير القرطبي ج6 ص152 : وقال مالك أيضاً : ينفى من البلد الذي أحدث فيه هذا إلى غيره ويحبس فيه كالزاني ، وقال مالك أيضاً والكوفيون : نفيهم سجنهم فينفي من سعة الدنيا إلى ضيقها ، فصار كأنه إذا سجن فقد نفي من الأرض إلا من موضع إستقراره. قال أبن عطية : وهذا صريح مذهب مالك أن يغرب ويسجن حيث يغرب ، وهذا على الأغلب في أنه مخوف ، ورجحه الطبري.

فنجد أن هناك إمكانية للنفي داخل البلد الواحد ، وكذلك إمكانية لحبسه تفسيراً للنفي ، فلا يكون عامل الزمن قد أبطل هذا الحكم ، وأما أستدلال الدكتور النجار بما نسبه من عقاب للرسول (صلى الله عليه وآله) فهذا العقاب المذكور مكذوب على رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما بيّناه آنفاً.

وقال الدكتور النجار : [(أما النوع الأخير من السرقة، وهو سرقة المال العام، فلا عقاب له في الإسلام. فقد رأينا في الماضي كيف أخذ الخليفة عثمان من أموال بيت المال دون حق، وكيف أنه أعطى أقاربه جمال الصدقة، ولم يُعاقب.)] ، فهذا كذب على الإسلام ، فإنّ سرقة المال العام في الإسلام حرام كما هو حال سرقة المال الخاص ، وأما أفعال الخليفة عثمان بن عفان فهي ليست مصدراً تشريعياً حتى يقتدي بها المسلمون ويعتمدونها في تشريع الأحكام ، بل أن أفعال عثمان هي مما جلب السخط عليه من قبل المسلمين حتى عمدوا إليه فقتلوه. والمال العام هو مال محترم في الإسلام ، والعقاب على سرقته هو من الأمور الواضحة في الإسلام.

وقال الدكتور النجار : [(وكذلك رأينا كيف سرق ابن عباس المال من بيت مال البصرة وهرب به إلى مكة، وهدد الخليفة عليّ بن أبي طالب بأنه سوف يأخذ المال إلى معاوية ليحارب به عليا[16])] ، ثم ذكر الدكتور النجار في الهامش رقم 16 انه أعتمد في سرده للقصة التي تتهم أبن عباس بالسرقة على كتاب الفتنة الكبرى لطه حسين !! فمتى كان طه حسين مصدراً تأريخياً يمكن أن تطمئن إليه النفس في إيراد الحقائق والروايات المعتبرة ؟!

ثم حتى لو ثبتت السرقة المنسوبة لأبن عباس فإن الأمر لن يختلف معه عن حال عثمان بن عفان أو أبي هريرة ، وهروب أبن عباس يعني أن هناك عقوبة كانت تتهدده نتيجة سرقته وليس كما أدعى الدكتور النجار بقوله بأن سرقة المال العام ليس له عقاب في الإسلام.

وقال الدكتور النجار : [(وكذلك أبو هريرة اختلس مالاً من البحرين عندما كان والياً عليها من قِبل عمر بن الخطاب. وفي العهدين الأموي والعباسي لم يكن هناك خليفةٌ واحد لم يعيث في الأرض فساداً بمال المسلمين غير الخليفة عمر بن عبد العزيز. ولم نسمع عن خليفة واحد سألوه: من أين لك هذا؟)] ، فمن الذي يمكنه أن يتجرأ ويسأل طواغيت بني العباس أو بني أمية عن مصادر أموالهم بعد كل البطش والفتك الذي مارسوه ضد المسلمين ، بل قد أرتكب أولئك الطغاة ما هو أشد من السرقة وهو القتل والسجن للأبرياء وتبديل في السنّة النبوية وتحريف في الشريعة الإسلامية ولم يتجرّّّأ أحد على سؤالهم. 

وقال الدكتور النجار :[(وفي المجتمع الإسلامي الحديث في الخليج وإيران والسودان يُعتبر أكل مال الدولة حقاً مباحاً للحكام لا يسألهم عليه أحد ولن يحلم أحد أن يُسائلهم أو يعاقبهم. فالسرقة التي يرتكبها الجشعون الذين لا يحتاجون للمال ولكن يسرقونه لأنه باستطاعتهم أن يفعلوا، فهؤلاء لا عقاب لهم في التشريع الإسلامي، إنما يُعاقب التشريع الذين يسرقون فتات الخبز.)]

فهذا أفتراء على المجتمعات الإسلامية في الدول المذكورة ، وهو أفتراء واضح لا يحتاج لبيان.

وقال الدكتور النجار : [(وفي المجتمعات الحديثة تحاول الحكومات تأهيل المساجين السارقين وغيرهم بتعليمهم مهنة أو حرفة مفيدة تساعدهم على إيجاد عمل مربح عندما يتركون السجن، وبذا يستطيع الواحد منهم إعالة نفسه وربما عائلته. وأما في الدول المسلمة فالتركيز على العقاب وقطع الأيدي أو الرؤوس.)]

ومع ذلك فقد أصبحت السجون مدرسة لتعلم أنواع طرق الإجرام ، فيدخل السارق السجن ليتعلم فيه من زملائه طرق النصب والإحتيال وفنون السرقة وطرق القتل والإغتصاب ، ليخرج من السجن وقد أكتسب معلومات كبيرة ومهمة لم يكن ليحصل عليها في أي معهد علمي أو نادي ليلي !!؟

وقال الدكتور النجار : [(المرأة والحجاب

قبل أن يأتي الإسلام كانت المرأة العربية بدوية تعيش حياة الصحراء التي عُرفت بخشونتها وقسوتها، وكذلك بحب هؤلاء الناس لحريتهم التي ما كانت تنفصل عن حرية مواشيهم وجمالهم التي كانت تجوب الفلاة بلا حدود ولا قيود. المرأة كانت تنسج الخيام من الشعر وتساعد في نصبها حيثما نزلوا، وتساعد كذلك في حلب وعلف الأغنام. وفي الغارات التي كانت تكثر في تلك الأيام، كانت المرأة بارزة فيها وقد أُسرت نساء كثير في هذه الغارات. المرأة كانت تقول الشعر وتشارك في ليالي السمر تحت ضوء القمر في الصحراء.

وفي المدن في المناطق المتحضرة من جزيرة العرب مثل اليمن والشام والعراق، كانت المرأة تشارك الرجل في الأسواق وفي المناسبات العامة مثل الاحتفالات الدينية. وكانت المرأة ملكة في سبأ ( بلقيس) وقد عثر علماء الحفريات في شمال الجزيرة على أسماء ملكات عربيات في النصوص الآشورية [18]. وكذلك وجدوا  في الحفريات مرسوم من سنحاريب، ملك الآشوريين يقول إنه جهز حملة في سنة 688 قبل الميلاد ضد الملكة تلخونو Telhunu ملكة أريبي [19].

ومن الإخباريين من ينسب بناء تدمر إلى " تدمر بنت حسان بن أذينة بن السميدع بن مزيد بن عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح" وزعموا قصة تفيد عثورهم علي قبر " تدمر بنت حسان" [20]. فلا بد أن تدمر هذه كانت ملكة سموا باسمها المدينة.

وكان ملك العرب بأرض الجزيرة ومشارف بلاد الشام عمرو بن ظرب بن حسان بن اذينة، فلما قُتل في إحدى المعارك،  ملكت من بعده ابنته الزباء واسمها نائلة. وكان جنود الزباء من العماليق والعاربة الأولي ومن قبائل قضاعة وكانت للزباء اخت يقال لها زبيبة، كانت يدها اليمنى في الحكم

وفي مصر حكمت عدة ملكات، حتى من قبل الميلاد، نعرف منهن الملكة كليوباترا، والملكة حتشبسوت، والملكة نفرتيتي.

والمرأة في الجاهلية كانت تمتهن الكهانة، وهي وظيفة مهمة جداً في تلك الأيام،  فكان لها فيها حصة ونصيب. وقد حفظ الأخباريون أسماء عدد من الكاهنات اشتهرت كهانتهن في الجاهلية، منهن طريفة الكاهنة ( الأغاني 13/ 105) وزبراء، وسلمى الهدانية، وعفيراء الحميرية، وفاطمة بنت مر الخثعمية، وسجاح وغيرهن ( بلوغ الأرب 2/ 283 وما بعدها).  وقد نسبوا الي طريفة إخبارها عمرو بن عامر، أحد ملوك اليمن بزوال ملكه وبخراب سد مأرب ( بلوغ الأرب 2/283، 288))]

وقال الدكتور النجار : [(ثم جاء الإسلام ولم يغير في وضع المرأة شيئاً طوال فترة الرسول في مكة، وحتى عندما هاجر إلى المدينة استمر الوضع كما هو حتى بعد أن تزوج عائشة. ثم بدأ عمر بن الخطاب يلح على الرسول أن يُحجّب نساءه لأن الأعراب البدو كانوا يدخلون بيوت النبي في أي وقت شاءوا وبدون استئذان. ويقال أنه في يوم من الأيام كان عمر يأكل مع الرسول وعائشة، ولمست يده أصبع عائشة، فقال للنبي يا ليتك تُحجّب نساءك. فنزلت سورة الأحزاب: " يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناءه ولكن إذا دُعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلك كان يؤذي النبي فيستحي منكم والله لا يستحي من الحق وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن" [21]. ومنهم من قال إن هذه الآية نزلت يوم تزوج الرسول زينب بنت جحش، وأراد أن يدخل بها ولكن الأعراب ظلت جالسة في المنزل حتى وقت متأخر من الليل، وقد كره الرسول ذلك منهم.)] ، يحاول الدكتور النجار أن يظهر ان مسألة الحجاب متعلقة برأي عمر بن الخطاب وكأنما قبل إقتراح عمر المزعوم لم يكن هناك حجاب !  

وقال الدكتور النجار : [(والحجاب المقصود هنا طبعاً هو نوع من الستارة على الباب، لأن أبواب البيوت في ذلك الوقت لم يكن بها  حاجز أو باب من خشب. فالقصد كان وضع ستارة على الباب تقف من خلفها زوجة الرسول لتكلم الرجال الأغراب. )].   فقول الدكتور النجار بأن الأبواب في ذلك الوقت ليس بها حاجز أو باب من خشب فهو كلام يطلقه بدون دليل بل الدليل بخلافه ، فهناك العديد من الروايات التي تؤكد على وجود باب كاملة كحاجز من الخشب ، وأن الأبواب في ذلك الزمن كانت من هذه النوعية ، فيها حاجز خشبي ومفتاح وثقب للمفتاح أيضاً بطبيعة الحال.

فمن الأدلة على أن الأبواب كانت تصنع كاملة فيها حاجز من الخشب ومفتاح وليس مجرد باب ذات ستارة كما ظن الدكتور النجار خطأً :

ـ في مسند احمد بن حنبل ج3 ص363 :

(عن جابر بن عبد الله قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فدققت الباب فقال من هذا قلت أنا قال انا انا كانه كرهه).

ـ في مسند أحمد بن حنبل ج6 ص 59 :

(عن عائشة قالت لما جاء نعى جعفر بن أبى طالب وزيد بن حارثة و عبد الله بن رواحة جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف في وجهه الحزن قالت عائشة وأنا أطلع من شق الباب فأتاه رجل)... إلخ الحديث.

ـ في مسند احمد بن حنبل ج6 ص131 :

(عن عائشة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فرغ من الاحزاب دخل المغتسل ليغتسل فجاء جبريل عليه السلام فقال أو قد وضعتم السلاح ما وضعنا أسلحتنا بعد انهد إلى بنى قريظة فقالت عائشة كانى أنظر إلى جبريل عليه السلام من خلل الباب قد عصب رأسه)... إلخ الحديث.

ـ في شرح الأخبار للقاضي النعمان المغربي ج1 ص119 :

وعن أنس بن مالك ، (قال : كنت خادم النبي صلى الله عليه وآله ، فدعاني بوضوء ، فأتيته به فتوضأ ، ثم صلى ركعتين ، ثم دعاني ، فقال : يا أنس يدخل عليك الآن أمير المؤمنين وسيد المسلمين وخير الوصيين وأولى الناس بالناس أجمعين . قال أنس : فقلت في نفسي : اللهم اجعله من الانصار ، فضرب الباب ، ففتحته فإذا علي بن أبي طالب عليه السلام)... إلخ الحديث.

ـ في الامامة والسياسة لأبن قتيبة الدينوري ، تحقيق الشيري ج1 ص30 :

(ثم قام عمر ، فمشى معه جماعة ، حتى أتوا باب فاطمة ، فدقوا الباب ، فلما سمعت أصواتهم نادت بأعلى صوتها : يا أبت يا رسول الله ، ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة)... إلخ الرواية.

فهذه الروايات صريحة في أن هناك من كان يطرق على باب النبي (صلى الله عليه وآله) وكانت أم المؤمنين عائشة تنظر من ثقب بابها والتي هي باب بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وغيرها من الروايات الدالة بصراحة على أن باب النبي (صلى الله عليه وآله) وبقية الأبواب في ذلك الزمان هي من الصفائح الخشب وليس فقط من الستائر كما ظن الدكتور النجار.

إذن فالأمر الإلهي لنساء النبي بإتخاذ الحجاب ليس مجرد الوقوف خلف ستارة ، بل هو أمر عام بالحجاب ، أي بإتخاذ الحجاب بكل طريقة متاحة ، وذلك لأن أمر الحجاب في هذه الآية الكريمة هو أمر عام وهو موجه للمؤمنين أساساً ، فقد يكون الستر حجاباً وقد تكون الباب حجاباً وقد تكون الخيمة حجاباً وهكذا.

ثم أضاف الدكتور النجار : [(ولم يكتف عمر بن الخطاب بهذا. وفي ذات ليلة خرجت زوجة الرسول سودة بنت زمعة لقضاء حاجتها، وكانت امرأةً طويلة، فعرفها عمر وصاح عليها: " ألا يا سودة قد عرفانك"، فأخبرت الرسول. ونزلت الآية: " يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يُعرفن فلا يؤذين وكان الله غفوراً رحيماً ".

وقال شيوخ الإسلام إن السبب في نزول هذه الآية هو أن صياع المدينة كانوا يعاكسون النساء ليلاً إذا خرجن إلى قضاء الحاجة. فإن كانت المرأة أمةً لمسوها وإن كانت حرةً تركوها. ولذا أمرهن الله أن يدنين جلابيبهن حتى يعرف الصياع أنهن حرائر لا إماء، فلا يتعرضوا إليهن. منطق غريب هذا الذي أتى به العلماء. أما كان الأجدر أن يُنزل الله آيةً تنهى الصعاليك من معاكسة النساء؟ )] ، فالعبارة الأخيرة للدكتور النجار ليس فيها إلا التجني على الإسلام لأنه لم يكمل قراءة الآيات الكريمة ، فالآية ( 59 ) في سورة الأحزاب هي : (( يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما )) ، تعقبها مباشرةً الآية ( 60 ) قوله تعالى متوعدا ومهددا : (( لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا )) ، ألا يجد الدكتور النجار في هذه الآية ما يكفي من التهديد والوعيد !

ثم ألم ينزل الله سبحانه الآية الكريمة : (( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم )). وآيات كريمة أخرى في نفس السياق وكلها تتضمن النهي عن التعرض للنساء وغض البصر عنهن.

وقال الدكتور النجار : [(ولماذا يبيح الإسلام لهؤلاء الصعاليك التعرض للإماء ويمنعهم عن التعرض للحرائر؟ هل الأمة ليست إنسان يستحق صون كرامته؟ بعض هؤلاء الإماء كن سيدات محترمات من أعز القوم في بلادهن قبل أن يأسرهن المسلمون.)] ، فليت الدكتور النجار يكف عن تجنيه على الإسلام لا سيما وهو ينسبه هذه المرّة إلى إباحة التعرض للإماء من قبل "الصعاليك" على حد تعبيره ! فكيف ينسب الإسلام إلى إباحة التعرض للإماء بعد التهديد والوعيد الذي ذكرناه آنفاً والوارد في الآية ( 60 ) من سورة الأحزاب ! ونكرر أن الإسلام لم يبح التعرض للإماء بل الخليفة عمر بن الخطاب هو الذي أخطأ بمنعه بعض الإماء من لبس القناع وووجَّه لهن درّته الشهيرة بدلاً من أن يوجهها للفساق الذين يتعرضون لهن !

وقال الدكتور النجار : [(ومفهوم الحجاب في الإسلام هو أنه للنساء الحرائر فقط ولا يشمل الإماء. بل بالعكس، فقد منع الخليفة عمر بن الخطاب الإماء من لبس الحجاب، رغم كونهن مسلمات، وكان يطوف شوارع المدينة بحثاً عن الإماء المحجبات فيضربهن بدرته حتى يسقط عنهن الحجاب، ويقول لهن: " فيم الإماء يتشبهن بالحرائر؟ " ( طبقات ابن سعد، 6/127). فإذاً ليس الغرض من الحجاب عدم إثارة غرائز الرجل، لأن الأمة الجميلة التي تسير بدون حجاب وكاشفةً صدرها، لأن صدر الأمة ليس عورة، قد تثير غرائز الرجل أكثر مما تثيرها أحد الحرائر. ويبدو أن السبب الرئيسي كان تمييز الحرائر من الإماء. وبما أنه لا توجد إماء الآن ( من الناحية القانونية)، فلماذا إذاً تلبس المسلمة الحجاب؟)] ، فهذا النص الذي أدعى أنه منقول عن طبقات أبن سعد حول منع عمر بن الخطاب للإماء من أرتداء الحجاب فيه تغيير متعمد ، حيث أن النص الأصلي يتحدث عن أن عمر بن الخطاب كان يمنع الأمة من أرتداء القناع ويظن أنه مختص بالحرة ، والنص الأصلي في طبقات أبن سعد ج7 ص127 هو : (حدثنا المسيب بن دارم قال رأيت عمر وفي يده درة فضرب رأس أمة حتى سقط القناع عن رأسها قال فيم الامة تشبه بالحرة) ، ويبدو أن الدكتور كامل النجار قد غيّر في النص بما يلائم فكرته فرفع كلمة قناع ووضع بدلاً عنها كلمة حجاب ! وينبغي الإشارة إلى أن كلمة (قناع) ليست مرادفة لكمة حجاب حتى يستبدلها الدكتور النجار في النص السابق ، وحتى لو أفترضنا أنها مرادفة لها فالأمانة العلمية تقتضي الإبقاء على النص الأصلي والإشارة بعده إلى معنى كلمة (قناع) ومرادفاته ، أليس كذلك ؟ ، ومما يدل على أن القناع هو جزء من الحجاب وليس كل الحجاب ما ورد في غريب الحديث لإبن سلام ج3 ص304  ونصه : (وقال أبو عبيد : في حديث عمر رضي الله عنه أنه سئل عن حد الأمة فقال : إن الأمة ألقت فروة رأسها من وراء الدار)... إلى أن يقول : (إنما أراد بالفروة القناع ، يقول : ليس عليها قناع ولا حجاب) ، ففرق أبو عبيد وفقاً لهذا النص بين القناع والحجاب ، مما يعني انه قد يكون هناك حجاب وليس هناك قناع.

ولنستعرض الآن بعض ما قاله اللغويون مما يفيدنا في معرفة معنى القناع الذي نُسِبَ لعمر بن الخطاب انه كان يمنع بعض الإماء من إرتداءه :

ـ القناع هو النقاب : ففي لسان العرب لإبن منظور ج1 ص768 : (والنقاب : القناع على مارن الأنف ، والجمع نقب). وكذلك ورد في تاج العروس للزبيدي ج1 ص492 .

ـ القناع هو البرقع : ففي مختار الصحاح لمحمد بن عبد القادر  ص33 : (البرقع بفتح القاف وضمها للدواب ونساء الاعراب وكذا البرقوع وبرقعه فتبرقع أي ألبسه البرقع فلبسه وهو القناع).

ـ القناع يخفي الوجه : ففي شرح الرضي على الكافية لرضي الدين الأستراباذي ج1 ص 470 : (والمقنع : الذي يلبس القناع ، وهو سنة عند العرب يلبس الشجاع منهم قناعا يخفي به وجهه) .

فتبين من ذلك أن موضع القناع هو الوجه ، وما ينسب للخليفة عمر بن الخطاب أنه كان يمنع الإماء من لبس القناع أي يمنعهن من تغطية وجوههن ! ولا ندري كيف كان يعلم أنهن إماء أم حرائر وقد قمن بتغطية وجوههن !؟ ولعل القصة حدثت في حادثة مخصوصة مع أمة واحدة يعرفها ، فنقل الرواة الخبر وأطلقوه ليشمل جميع الإماء.

وأما الجلباب الوارد ذكره قوله تعالى : (( يدنين عليهن من جلابيبهن )) ، فقد أختلف اللغويون في تحديد مواصفاته وشكله ، وكالآتي : 

ـ الجلباب : ثوب أوسع من الخمار ، دون الرداء ، تغطي به المرأة رأسها وصدرها. { لسان العرب لإبن منظور ج1 ص272}

ـ الجلباب : ثوب واسع ، دون الملحفة ، تلبسه المرأة. { لسان العرب لإبن منظور ج1 ص272}

ـ الجلباب : هو الملحفة. { لسان العرب لإبن منظور ج1 ص272} و {الصحاح للجوهري ج1 ص101} و{مختار الصحاح لمحمد بن عبد القادر ص64}

ـ الجلباب : هو ما تغطي به المرأة الثياب من فوق كالملحفة. { لسان العرب لإبن منظور ج1 ص273}

ـ الجلباب : الخمار. { لسان العرب لإبن منظور ج1 ص273}

ـ الجلباب : الملاءة التي تشتمل بها المرأة  { لسان العرب لإبن منظور ج1 ص273}

ـ الجلباب : الإزار. قاله أبن الإعرابي ، وقال أبو عبيد قال الأزهري : معنى قول ابن الأعرابي الجلباب الإزار لم يرد به إزار الحقو ، ولكنه أراد إزارا يشتمل به ، فيجلل جميع الجسد ، وكذلك إزار الليل ، وهو الثوب السابغ الذي يشتمل به النائم ، فيغطي جسده كله . { لسان العرب لإبن منظور ج1 ص273}

ـ الجلباب : الرداء.  { لسان العرب لإبن منظور ج1 ص273}

ـ الجلباب : هو كالمقنعة تغطي به المرأة رأسها وظهرها وصدرها. { لسان العرب لإبن منظور ج1 ص273}

ـ الجلباب : هو في الاصل الملحفة ثم استعير لغيرها من الثياب ، قاله الخفاجي في العناية. {تاج العروس للزبيدي ج1 ص186}

 

ويبدو من خلال هذه المعاني أن الجلباب والملحفة والإزار والرداء والمقنعة والملاءة هي مسميات لشيء واحد ولكن تعددت أسمائه تبعاً لإختلاف اللهجات العربية التي تستعملها ، وقد تبين لنا هذا الأمر بعد أن تتبعنا معنى الملحفة التي ورد ذكرها في النصوص السابقة ، وهي كالآتي :

ـ الملحفة : الملاءة. { لسان العرب لأبن منظور ج1 ص 160}

ـ الملحفة : الريطة. { لسان العرب لأبن منظور ج1 ص 160}

ـ الملحفة : الإزار. { لسان العرب لأبن منظور ج4 ص16}

ـ الملحفة : الصُتية ، أو الصُتية هي ثوب يمني. {القاموس المحيط للفيروز آبادى ج1 ص151}

ـ الملحفة : اللفاع. {القاموس المحيط للفيروز آبادى ج3 ص81}

ـ الملحفة : الشوذر ، وهو معرب ، وأصله بالفارسية "چاذر". {الصحاح للجوهري ج2 ص 695 } ، وقال الزبيدي في تاج العروس ج3 ص294 : (فارسيته جادر).

فالجادر هو الملحفة والملحفة هي الملاءة والجلباب ، والجلباب هو الإزار الذي يشتمل به ، فيجلل جميع الجسد ، كما ذكرنا آنفاً.

وحيث أن الجادر هو الغطاء الذي ترتديه المسلمات الإيرانيات فوق ملابسهن كحجاب لهن ، وقد نص الزبيدي في تاج العروس انها كلمة فارسية ، وحيث إننا نعلم يقيناً أن الجادر الذي ترتديه المسلمات الإيرانيات هو نفس الحجاب الذي ترتديه المسلمات العربيات والذي نسميه باللهجة العراقية : (العباءة النسائية) ، مع إختلاف بين ألوان الجادر وألوان العباءة النسائية.

فيتضح بشدة أن الجلباب المذكور في قوله تعالى (( يدنين عليهن من جلابيبهن )) هو نفس العباءة النسائية التي ترتديها المسلمات في أغلب الدول العربية ولا سيما في العراق.

ويؤيد ما توصلنا إليه من أنَّ الجلباب هو رداء يغطي جميع الجسد كما هو حال العباءة النسائية في العراق وغيره من الدول العربية ، ما رواه أن الأثير في كتابه (النهاية في غريب الحديث ج1 ص273) حيث قال : (وفي حديث علي رضي الله عنه ( من أحبنا أهل البيت فليعد للفقر جلبابا ) أي ليزهد في الدنيا ، وليصبر على الفقر والقلة) إلى أن يقول : (وجمعه جلابيب ، كنى به عن الصبر ، لأنه يستر الفقر كما يستر الجلباب البدن) ، ففيه ترجيح لمعنى تغطية الجلباب لكل البدن. 

وبعد معرفة معنى القناع والجلباب نعود لتفنيد الشبهة التي طرحوها والتي تتضمن أن الحجاب وجد للتمييز بين الحرائر والإماء فإذا لم يعد في زماننا هذا إماء فتسقط الحاجة للحجاب ! فنجيب عنها بالآتي :

·   إنَّ الأمر القرآني للنساء المسلمات بأن يدنين عليهن من جلابيبهن قد يحتمل أحد معنيين الأول أنه أمر بإرتداء الجلباب ومن ثم ان يدنين هذا الجلباب عليهن ، والمعنى الثاني أنهن مرتديات أصلاً للجلباب فجاء الأمر الإلهي بأن يدنين الجلباب عليهن ، وعلى كِلا التقديرين ، فقد كانت المسلمات قبل نزول هذه الآية الكريمة قد أتخذن الحجاب ولبسن الخمار عملاً بقوله تعالى في سورة النور الآية 31 : (( وليضربن بخمرهن على جيوبهن )) ، وآيات أخرى سنذكرها بعد قليل ، بالإضافة للسنة النبوية المطهرة ، فلو أفترضنا جدلاً أن الأمر للمسلمات بأن يدنين عليهن من جلابيبهن هو للتمييز بين الحرائر والإماء فإن ذلك يعني أن كلاً من الحرائر والإماء هن محجبات مرتديات للخمار وومنعات عن التبرج وإظهار الزينة فأمر الله سبحانه الحرائر منهن بإدناء الجلباب ، هذا وفقاً للفرض المذكور ، وإلا فأنَّه ليس في الآية الكريمة تخصيص لتوجيه الخطاب للحرائر من دون الإماء ، وقوله تعالى : (( ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين )) قد يقصد من المعرفة المذكورة فيه أنهن سوف يعرفن بأنهن من أهل الشرف والتقوى ، فيمتنع الفساق والمنافقون عن التعرض لهن ، وكما أن الحرائر يمكن أن يوصفن بأنهن من أهل الشرف والتقوى فكذلك من الإماء من هن من أهل الشرف والتقوى بلا فرق في ذلك ، لأن الأمة إذا عاشت في بيت شريف أصبحت منه وتنسب إليه لا سيما إذا ألتزمت بأخلاق أصحابه ، وكان لديها تقوى ، فالتقوى والشرف غير مقصورة على الحرائر بكل تأكيد ، فضلاً عن الكثير من الإماء هن من عوائل محترمة في مجتمعاتهن الوثنية أو الشركية قبل أن يستولي عليهن المسلمون. والآيات الكريمة تقصد هذه النوعية من الإماء ، وقد يتفق الدكتور النجار معنا في هذا الأمر لا سيما وقد قال كما ذكرناه آنفاً بأنَّ بعض الإماء هن ممن [(كن سيدات محترمات من أعز القوم في بلادهن قبل أن يأسرهن المسلمون)] على حد تعبيره.

·   إنَّ الأمر القرآني للمسلمات بأن يدنين عليهن من جلابيبهن جاء عاماً كما ذكرنا آنفاً ، وعموم لفظ القرآن لا يخصصه سبب النزول ، كما هي القاعدة الفقهية المعروفة ، فكون سبب نزول الآية الكريمة مختص بإيذاء أهل المعاصي والفساق للإماء وإمتناعهم عن إيذاء الحرائر ـ على فرض صحة الرواية التي ذكرت سبب النزول هذا ـ لا يعني أن يتم قصر الإيذاء على الوجود الزمني والمكاني للحرائر مع الإماء كما يدعي أصحاب الشبهة. بل إنَّ الآية الكريمة تشير بوضوح إلى تجنيب النساء المسلمات للأذى ، ولم تتطرق للتمييز بين الحرائر والإماء أبداً. وسواء كان ذلك الأذى مصدره اللذين يتعرضون للإماء أم مصدره أمر آخر فالأمر القرآني ثابت بأن يكون إدناء الجلابيب فيه منفعة دفع الأذى عن المسلمات. واليوم نجد أن الآية الكريمة تنطبق بنفس المفهوم فهناك من أهل المعاصي والفساق من يتعرضون للنساء المبتذلات أي اللائي لا يرتدين الحجاب الشرعي وكذلك يتعرضون للنساء السافرات ، في حين أنهم يمتنعون عن التعرض للنساء المحجبات حجاباً شرعياً منضبطاً ، وهذا الأمر ملموس في الحياة الاجتماعية داخل المجتمعات الإسلامية ، فنجد أن الأمر القرآني مازال نافذ المفعول كما هو شأن كل آيات القرآن الكريم.

·      إنَّ الحكم الشرعي في الشريعة الإسلامية له مصادر معروفة أبرزها القرآن الكريم والسنة المطهرة ، فحكم الحجاب الإسلامي يؤخذ من هذين المصدرين ، بينما يريد أصحاب الشبهة أن يقصروه على القرآن الكريم فقط وبفهم سقيم لآياته الكريمة.

·      إن سبب النزول الذي ذكروه للآية الكريمة يعارض الرواية التي ذكروها عن منع عمر بن الخطاب للإماء من لبس القناع ، لأن سبب النزول يشير إلى أرتداء الحرائر للجلباب لغرض تمييزهن عن الإماء بينما الرواية عن عمر أنه كان يمنع الإماء من لبس القناع وليس الجلباب ، وقد بيّنا أن الجلباب هو غير القناع. 

·      إنّ الرواية التي ذكروها عن الخليفة عمر بن الخطاب والمروية في طبقات أبن سعد والتي تفيد منعه للإماء من لبس القناع تعارضها رواية أخرى تفيد أن عمر بن الخطاب لم يكن يحاسب الإماء على لبس الجلباب ، وهي ما رواه عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه ج3 ص135 : (عن نافع أن عمر رأى جارية خرجت من بيت حفصة متزينة عليها جلباب ، أو من بيت بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فدخل عمر البيت فقال : من هذه الجارية ؟ فقالوا : أمة لنا - أو قالوا : أمة لال فلان - فتغيظ عليهم ، وقال : أتخرجون إماءكم بزينتها تفتنون الناس ؟)  فإذاً هو يمنع الإماء من لبس القناع أي حجاب الوجه كما قدمنا ولا يمنعهن من إرتداء الجلباب والذي هو حجاب لجميع بدن المرأة ، فتسقط الشبهة من هذه الجهة وفقاً لهذا الأمر لأنهم لو أرادوا قياس هذه الرواية على زماننا لوجب أن يقولوا بأن لبس الجلباب مشترك للحرة والأمة وأما لبس القناع فهو مختص بالحرة لتمييزها عن الأمة ، وبما انه ليس في زماننا إماء قيسقط تكليف لبس القناع عن الحرائر بسبب إختفاء أحد أركان وعلل لبس القناع المذكور ، ونحن ليس لدينا إختلاف حول أن مسألة حجاب الوجه هو من المسائل الخلافية بين الفقهاء ، فبعضهم يوجب حجاب الوجه وبعضهم لا يوجبه. 

·      فعل الخليفة عمر بن الخطاب ليس بحجة لأنه ليس مصدراً تشريعياً للمسلمين كالكتاب الشريف والسنة النبوية . ثم أنه على فرض صحة المنقول عن الخليفة عمر فإننا نجده قد أخطأ بمنعه الإماء من التشبه بالحرائر صوناً لأنفسهن من تطاول المنافقين والفساق عليهن ، وقد قال تعالى : (( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً )) والذي يستفاد منه تشجيع الأَمَة على صيانة نفسها من عبث العابثين وتجنب الزنى والمحافظة على العفة ، وفعل عمر بإجبار الأمة على كشف نفسها لأهل الفسق والنفاق فيه تشجيع وإغراء مخالف لما هو مطلوب في القرآن الكريم. ثم أن الأمر بارتداء الجلباب موجه للحرائر ـ وفقاً للشبهة التي ذكروها ـ ولكنه أيضاًً مباح للإماء ، فكيف يقوم الخليفة عمر بمنع المباح وتحريمه وإبقاء الإماء مادة للتحرش الجنسي من قبل المنافقين والفساق !؟ ولماذا لم يقم بمطاردة المنافقين والفساق المتجولين ليلاً ليضربهم بدرَّته الشهيرة على سوء فعلهم بدلاً من أن يضرب الإماء الضعيفات وينزع عنهن حجاب وجوههن !؟ وعلى نفس هذا المنهج العمري سار حفيده الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز ، ففي الطبقات الكبرى لأبن سعد ج5 ص381 : (أن عمر بن عبد العزيز كتب أن لا تلبس أمة خمارا ولا يتشبهن بالحرائر) ! 

·      إنَّ الإماء مشمولات بقوله تعالى : (( يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن )) ، فهن من بعض نساء المؤمنين ، لأنهن ملك يمين للمؤمنين لا سيما ووطئهن جائز لمن يملكهن ، وإذا ولدت الأمة أبناً لسيدها يحرم على مالكها بيعها وتعتق بوفاته ، وتسمى أم ولد ، فإنطباق معنى نساء المؤمنين عليهن واضح جداً. 

من هذا يتضح تهافت الشبهة المذكورة ، وأن الحجاب لجميع جسد المرأة عدا الوجه والكفين هو من ضرورات الإسلام في كل زمان ومكان. 

وقال الدكتور النجار : (المهم أن هاتين الآيتين أصبحتا سجناً متحركاً لنساء المسلمين. شرّع العلماء وأفتوا في الحجاب، طوله وعرضه وأي مادة يُنسج منها وماذا يظهر من جسم المرأة الذي يعتبره العلماء عورةً ما عدا العينين والكفين، بل ذهب بعضهم إلى أن المرأة يجب أن تغطي كذلك إحدى عينيها، ويكفيها عينٌ واحدة [24]. وفي أماكن مثل أفغانستان أيام الطلبان، وفي السعودية، يجب أن تُغطي المرأة وجهها بخمار أسود، وتلبس قفازاً أسوداً على يديها.)] ، فنجد الدكتور النجار وقد حصر موضوع الحجاب في الآيتين اللتين ناقشناهما آنفاً وهو قول منه غير دقيق فالحجاب في القرآن الكريم قد تمت الإشارة إليه في عدد من الآيات القرآنية الكريمة وليس هاتين الآيتين فقط ، وهي :

ـ قوله تعالى في سورة الأحزاب الآية 33 : (( ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى )).

ـ قوله تعالى في سورة النور الآية 30 : (( ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر ))

ـ قوله تعالى في سورة النور الآية 31 : (( وليضربن بخمرهن على جيوبهن ))

ـ قوله تعالى في سورة الأحزاب الآية 53 : (( وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب )).

ـ قوله تعالى في سورة الأحزاب الآية 59 : (( يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن

   من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين ))

فالحجاب في الإسلام يشمل أيضاً الإمتناع عن التبرج  خارج المنزل وأمام الأجانب ، وإرتداء الخمار وضربها على الجيوب وإدناء الجلابيب.

ومن جانب آخر فإن مصادر التشريع الإسلامي لا تقتصر على القرآن الكريم وحده بل تشكل السنة النبوية بعد القرآن الكريم أهم مصادر التشريع الإسلامي ، وهي واضحة جداً في كيفية حجاب المرأة وحدوده الشرعية بعيداً عما أقترحه الدكتور النجار من أرتباط الحجاب بوجود الإماء ، فليس في التشريع الإسلامي أي أرتباط بين تشريع الحجاب ووجود الإماء ، والترتيب الذي ذكرناه للآيات القرآنية هو تقريباً مطابق لنزولها ، وكما ترون فإنَّ الآية الكريمة التي أستند عليها الدكتور النجار في إدعاء أرتباط الحجاب بوجود الإماء هي آخر آية كريمة نزلت في هذا الشأن ، فما هو موقفه من الآيات القرآنية العديدة التي ذكرناها والتي تخص حجاب المرأة المسلمة. 

ومن الجدير بذكره أن هذه الشبهة التي ذكرها الدكتور النجار حول إرتباط الحجاب بوجود الإماء ، قد سبقه إليها العديد من أعداء الإسلام ، من أبرزهم المصري حسين أحمد أمين الذي ألّف كتاباً أسمه دليل المسلم الحزين مطبوع في مطبعة مدبولي في مصر سنة 1983م وقد ملأه بالشبهات ضد الإسلام ، وكانت هذه الشبهة المتهافتة حول إرتباط الحجاب بالإماء إحدى الشبهات التي ذكرها ، ومن الجدير ذكره أن هذا الكتاب قد حصل على جائزة أحسن كتاب في معرض القاهرة الدولي للكتاب سنة 1984م ، وأهدت له حكومة ألمانيا الإتحادية وسام الإستحقاق الأكبر سنة 1983م ! أي في نفس سنة صدوره ، وما هذا الدعم من قبل الحكومات العلمانية العربية والغربية إلا عداءاً منها للإسلام ومحاولة تشكيك المسلمين بعقيدتهم لا سيما بعد الشعور الإسلامي المتنامي في العالم كله في الثمانينات بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران سنة 1979م والتي أعطت زخماً جديداً للحركات الإسلامية في العالم كله. فالصراع الحقيقي بين الإسلام والغرب له جذور بعيدة جداً سبقت أحداث 11 أيلول 2002م بعشرات السنين. علماً أن الكتاب المذكور قد طبع بعد ذلك طبعات عديدة !

 وقال الدكتور النجار : [(ويظهر أن هذه العادة كانت متفشية في العراق أيام الدولة العباسية، لكنها لم تمنع الشعراء من التغزل بالنساء المتحجبات، اللائي ربما بادلنهم الهيام، وقد قال أحد شعرائهم:

قل للمليحةِ في الخمار الأسودِ              ما ذا فعلتِ بناسكٍ متعبدِ

قد كان شمر للصلاةِ ثيابه                   حتى وقفتِ له بباب المسجد

ردي عليه صلاته وصيامه                 لا تحرميه بحق دين محمدِ 

وعلى مدى أربعة عشر قرناً من الزمان ظلت المرأة المسلمة ترسف في أغلال هذا السجن. فما الغرض من وراء هذا الحجاب؟ ما ذا حدث في مكة والمدينة في بداية الإسلام، وعلى مدى عشرين عاماً لم تُحجّب فيها المرأة؟ هل أصبح الرجال وحوشاً ضارية تفترس النساء في كل شارع مشين فيه؟ طبعاً لم يحدث شئ من هذا القبيل. ولم تكن المرأة عورة في نظرهم إلى أن جاء الفقهاء وجعلوا جسمها عورة.)] ، فالجملة الأخيرة التي ذكرها الدكتور النجار فيها مقاربة للفكر المسيحي ولا سيما فكر بولس في رسائله ، فقد قال بولس في رسالته إلى أهل روما (20:3) : (فما الشريعة إلا سبيل إلى معرفة الخطيئة) ! وقال في (7 : 7و8) : (فماذا نقول ، أتكون الشريعة خطيئة ، حاش لها ولكني لم أعرف الخطيئة إلا بالشريعة ! فلو لم تقل لي الشريعة : لا تشته لما عرفت الشهوة). فهو يقترح أن الشريعة هي التي عرّفتنا الخطيئة فإذا لم تكن هناك شريعة فليس هناك خطيئة لأن كل شيء يكون حينئذٍ مباح !!؟ وهو نفس منطق الدكتور النجار الذي قال بأن الفقهاء هم الذين جعلوا من جسد المرأة عورة ، فلو لم يكن هناك فقهاء لما أصبح جسم المرأة عورة !! وبذلك يمكنها إظهاره كله لكل الناس وفي جميع الأوقات وفي كل الأمكنة ! ولكننا نختلف مع الدكتور النجار ومع بولس أيضاً في هذه المسألة ، فهناك أمور فطرية في الإنسان يستقبحها العقل ، ونحن قد عاصرنا قيام دول مبنية على الإلحاد مثل الإتحاد السوفيتي ومنظومة دول أوربا الشرقية المرتبطة به وكذلك الصين وكوبا ، وعلمنا وجود الملايين من الشيوعيين الذين أعتنقوا الفكر الإلحادي في تلك الدول ومع ذلك فقد بقوا ملتزمين بعدم إظهار بعض أجزاء من جسد المرأة ، فلم تظهر المرأة في تلك المجتمعات عارية تماماً في الأماكن العامة ولا الرجل أيضاً ، فلماذا أمتنعوا عن التعري مع أنهم لا دين لهم ولا شريعة ! إذن ليس الدين ولا الشريعة ولا الفقهاء هم مصدر الخطيئة ، بل هم الذين ينظمون الحياة ويمنعون الخطيئة من الإستيلاء على جميع نواحي الحياة. وأما قول الدكتور النجار الآنف الذكر : [(ما ذا حدث في مكة والمدينة في بداية الإسلام، وعلى مدى عشرين عاماً لم تُحجّب فيها المرأة؟ هل أصبح الرجال وحوشاً ضارية تفترس النساء في كل شارع مشين فيه؟ طبعاً لم يحدث شئ من هذا القبيل)] فهو كلام مغلوط لأنه يعلم جيداً بعد أن نقل الرواية القائلة بأن الفساق من أهل المدينة كانوا يتعرضون للنساء ويؤذونهن ، وفي كل زمان ومكان نجد أن هذا هو ديدن المجتمعات حيث تجد فيها أناس صالحين وآخرين طالحين.

وما إرتفاع نسب الإغتصاب والإنحلال الأخلاقي والزنى وإنعدام التماسك العائلي إلا ثمرة من ثمار إبتعاد النساء الغربيات عن الحجاب والملابس المحتشمة وإلتزامهن بإرتداء الملابس غير المحتشمة والتعري. ويمكن ملاحظة هذا الأمر بوضوح من خلال مقارنة حال المجتمعات الغربية اليوم مع حالها قبل 100 سنة حين كانت النساء الأوربيات يرتدين ملابس أكثر إحتشاماً وأقل تعرياً من الآن.

وقال الدكتور النجار : [(والشارع عندما قال " يدنين إليهن جلابيبهن" إنما قصد تغطية الصدر، لأن الجلباب كان عبارة عن ملاءة تغطي الصدر والبطن. لم يكن هناك جلباب يغطي الوجه. كان النساء في الجاهلية يلبسن خماراً يغطي الرأس، وكان الوجه مكشوفاً.)] ، وقد بيّنا آنفاً معنى الجلباب وأنه يغطي كل البدن ، ونلاحظ في هذا النص تناقض في الفكرة التي يطرحها الدكتور النجار ، فهو في هذه النقطة يتحدث عن حجاب الوجه بالتحديد حيث انه أعترف أن الخمار يغطي الرأس والقصد من الجلباب تغطية الصدر والبطن ، بينما المفهوم من كلامه في بقية هذا الفصل من كتابه أنه يعارض فكرة الحجاب كلها ! فوفقاً لهذا النص فإنَّ الخلاف مع الدكتور النجار ينحصر في تغطية الوجه ، وهو الأمر الذي لم يجزم به جميع الفقهاء ، حيث أن الفقهاء مختلفون في وجوب تغطية الوجه إستناداً للأحاديث التي هي مصدر تشريعي للمسلمين. إذن فنحن والدكتور النجار وفقهاء المسلمين متفقون على أن الإسلام يوجب الحجاب بتغطية الرأس أي الشعر والرقبة والصدر وبقية جسد المرأة عدا الوجه ، أليس هذا هو الظاهر من قول الدكتور النجار في النص السابق ؟

وقال الدكتور النجار : [(وسابقاً نزلت آية أخرى: " وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى" [25]. وبهذا اكتمل سجن المرأة المؤبد. فهي الآن أصبحت قارةً في بيتها لا تبرحه إلا لبيت زوجها يوم زفافها ثم لقبرها. وإذا، لا سمح الله، واضطرت للخروج من بيتها وهي حيةٌ ترزق، فيجب أن تتغطى من رأسها إلى أخمص قدميها وتلبس الخمار. وهكذا تم عزل المرأة المسلمة عن المجتمع. وبما أن المرأة نصف المجتمع، فقد تعطل هذا النصف.

وأخيراً بعد أن كاد القرن العشرين أن ينتهي، سمحت بعض الدول المسلمة لنسائها أن يخرجن محجبات إلى العمل بمكاتب أو مستشفيات تكون المرأة فيها معزولة عن الرجال لأنها تعمل في قسم النساء الذي لا يدخله الرجال إلا بالأذن. وطبعاً الحجاب مع العباءة، يحد من حرية حركة المرأة ويجعل من العسير عليها العمل في الشرطة أو في الجيش أو في أي وظيفة تستدعي سرعة الحركة كإطفاء الحرائق أو الإسعاف في الحوادث.  وإذا اشتغلت المرأة طبيبة جراحة أو أخصائية في أمراض النساء والولادة لا تستطيع لبس الحجاب في غرفة العمليات، وبما أن غرفة العمليات بها جراحون رجال  ورجال يعملون في نقل المرضى من وإلى غرفهم، وكذلك أخصائيون في التخدير وغير ذلك، يجب أن نبني لها غرفة عمليات خاصة لا يدخلها الرجال، ولا تستطيع هي أن تجري عمليات جراحية على الرجال. وهذه طبعاً تكلفة غير ضرورية، ومضرة بالمجتمع)] ، فهذه كلها إفتراضات وهمية يذكرها الدكتور النجار ليس لها علاقة بما يجري فعلاً في المجتمعات الشرقية الإسلامية ، فالمرأة في المجتمع العراقي على سبيل المثال محجبة من رأسها وإلى قدميها وتمارس عملها خارج المنزل بصورة طبيعية سواء في وظائف الدولة أو في العمل الخاص ، والذاكرة تحمل ذكريات لنماذج نسائية كثيرة عاملة في القطاع الحكومي والقطاع الخاص ، طبيبات في العيادات الخاصة وجرّاحات في غرف العمليات ومهندسات وأستاذات جامعيات لم يمنعهن حجابهن من العمل والقرار في البيت معاً ، فلا يوجد في مجتمعنا نساء يجتمعن للمسامرة على الأرصفة في الأزقة ـ عدا المسنات من العجائز ـ كما هو حال الرجال ، ولا نساء يجتمعن للحديث في الشوارع أو في المقاهي العامة ، فهذا جزء من قرارهن في البيت ، فالقرار في البيت لا يمنع النساء المحجبات من العمل خارج المنزل بل يزيدهن وقاراً وحشمة.

وقال الدكتور النجار : [(والمرأة المتحجبة في بلاد الغرب ملفتة للانتباه أكثر من المرأة التي تمشي نصف عارية، ويكون الحجاب قد جلب إليها انتباهاً قد يسبب لها مضايقات أكثر مما لو لبست اللبس العادي كالنساء الغربيات. والحجاب هنا قد أتى بعكس المقصود منه.)] ، فالمضايقات التي يذكرها الدكتور النجار إنما تنبع من تعصب بعض الأفراد في المجتمع الغربي ضد الغرباء أو ضد معتنقي الأديان الأخرى ، فهذا هو سبب المضايقات وليس الحجاب بحد ذاته ، ويدل على ذلك إزدياد المضايقات ضد المسلمات المرتديات للحجاب بعد هجمات 11 ايلول مما يعني أن المشكلة ليست في الحجاب بل في موجه العنف التي اجتاحت المجتمعات الأوربية الغاضبة من تلك الهجمات الأرهابية التي حدثت بأسم الإسلام.

وقال الدكتور النجار : [(وفي فرنسا وأمريكا وكندا منعت بعض المدارس الطالبات المسلمات من لبس الحجاب مما أضطر أولياء أمورهن إلى إبقائهن بالمنازل، وهذا لا شك يؤثر في تعليم هؤلاء الطالبات وقد يضر بمستقبلهن.)] ، فوا عجباً ، فالدكتور النجار بدلاً من أن يطالب حكومات تلك البلدان بالكف عن مضايقة المسلمات حتى لا يحرمن أنفسهن من فرصة التعليم حيث إنهن يقمن بتقديم مصلحة التمسك بالتعاليم الدينية وإرتداء الحجاب على الحصول على تعليم مدني بدون حجاب ، فالدكتور النجار فيما يبدو من النص الذي ذكره يصطف مع المعتدي ضد المعتدى عليه.

ومن الجدير بالذكر انه ليست كل الدول الغربية وقفت هذا الموقف ضد المسلمين ، فقد ذكر مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية (كير) في بيان تسلمته شبكة "إسلام أون لاين.نت" الأربعاء 4-2-2004م أن مدرسة "وست جيفرسون" بمدينة هارفي أوقفت المدرس عن عمله بسبب نزع حجاب إحدى الطالبات -من أصل عراقي- خلال الفصل الدراسي بتاريخ 30-1-2004.

وأعلنت "اللجنة الأمريكية حول الحرية الدينية في العالم" أن هذه المساعي الفرنسية تمثل "انتهاكا واضحا للاتفاقية العالمية حول حرية الدين والفكر"، بحسب وكالة الأنباء الفرنسية.

وقال مايكل يونج رئيس هذه الهيئة المكلفة تقديم المشورة للحكومة الأمريكية والكونجرس: "إن هذه القيود إذا طبقت يمكن أن تنتهك الالتزامات الدولية لفرنسا وخصوصا المعاهدة الأوربية لحقوق الإنسان التي تنص على حق كل فرد في حرية التعبير عن ديانته أو معتقداته".

وأضاف في تصريح مساء الثلاثاء 3-2-2004: "إن المسائل المرتبطة باستيعاب المهاجرين يجب أن تعالج بشكل مباشر وليس بطريقة غير ملائمة عبر الحد من حرية التفكير والمعتقد والديانة".

وطلبت اللجنة من الإدارة الأمريكية التدخل لدى باريس لتقوم "بإعادة النظر في الالتزامات الدولية" لفرنسا.

أما في كندا فقد نشر موقع العربية.نت بتاريخ 16 يونيو 2005م خبراً مفاده أن مقاطعة كيبيك الكندية تسمح بارتداء الحجاب في المدارس الخاصة ، وبصورة عامة فإنَّ الحرية الدينية في كندا أفضل بكثير من الدول الأوربية وأمريكا وبكل تأكيد فهي أفضل بكثير من معظم الدول العربية ، فهناك دول إسلامية مثل تونس وتركيا حين يتم فيها منع للحجاب فإنّ هذا يؤشر خللاً كبيراً ، ويعني أن المشكلة لا ترتبط فقط بحياة المسلمين في الدول الغربية كما يحاول الدكتور النجار أن يصوره بل أن المسلمين يعانون من غزو ثقافي ومضايقات دينية في عقر ديارهم ومواطنهم.

وفي الإتجاه المضاد نجد في امريكا نفسها أن إدارة إحدى المدارس بمقاطعة موسكوجي بولاية أوكلاهوما الأمريكية منعت التلميذة ناشالا هيرن -11 عاما- من دخول مدرستها مرتين في أكتوبر 2003 بسبب إصرارها على ارتداء الحجاب.

كما واجهت ضابطة مسلمة بالشرطة الأمريكية بولاية فيلادلفيا في أغسطس 2003 تهديدًا بالطرد بسبب ارتدائها الحجاب في أوقات العمل.

وكان مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية (كير) قد دعا المسلمين والعرب داخل الولايات المتحدة وخارجها في يناير 2004 للمشاركة في حملة فورية لمطالبة مسئولي ولاية آلباما الأمريكية بمنح مسلمات الولاية حقهن في ارتداء الحجاب في صور رخص قيادة السيارات.

ثم أن موضوع الصعوبات التي يواجهها المسلمون في المدارس البريطانية لا تختص بالمسلمات بل الرجال من المسلمين يعانون أيضاً من صعوبات في دراستهم بعد جريمة 11 أيلول ، فقد نشر موقع إسلام أون لاين بتاريخ 24 / 6 / 2002م نقلاً عن صحيفة التايمز البريطانية موضوعاً تحت عنوان (انخفاض إقبال المسلمين على جامعات بريطانيا) ، أن نسبة الإقبال على الدراسة في بريطانيا قد انخفضت من 32% إلى 22% مقارنة بالعامين الماضيين، كما انخفض نسبة الراغبين في الدراسة بالولايات المتحدة من 49% إلى 35%، وفي المقابل ارتفعت نسبة الراغبين في الدراسة بالجامعات اليابانية والكندية والأسترالية من 11% إلى 26%. فالمشكلة لا تختص بالمسلمات ولا بحجابهن بقدر ما هي مشكلة عامة يعني منها المسلمون رجالاً ونساءاً.

من هذا كله نستنتج ان المسألة لا تتعلق بالحجاب بل بوعي وتفكير الإنسان الغربي ودرجة تقبله للآخر ، لا سيما بعد موجة العداء المتصاعدة بعد جريمة 11 أيلول 2002م.

وقال الدكتور النجار : [(أطباء علم النفس يعرّفون بعض حالات الخوف الغير طبيعي ب " Phobia " وترجمتها بالعربية " هوس ". والهوس هو الخوف المبالغ فيه من شئ لا يحرك غريزة الخوف في شخص عادي. والإسلام لديه هوس بالجنس. إذا نظر الرجل إلى امرأة، لعب الشيطان بعقليهما، والنتيجة هي علاقة جنسية تؤدي إلى إنجاب أبناء سفاح. والخوف كل الخوف هو إنجاب أبناء السفاح، لأن الإسلام لا يعطي نفس الأهمية للعلاقة الجنسية بين الرجل والرجل. فالرجلان اللذان يأتيان الفاحشة نضربهما بالنعال، وإن تابا، تركناهما وحالهما لأن الله غفور رحيم. أما إذا جامع رجلٌ امرأة فيجب أن يُرجما)] ، ونلاحظ أن هناك خطأ في ترجمة الدكتور النجار لكلمة (Phobia) ! فالكلمة الأنكليزية (Phobia) تعني الخوف المرضي أو الكره المرضي ، أما الهَوَسْ فهناك في الأنكليزية كلمتان تعطيان هذا المعنى الأولى هي (craze) والتي تعني (immoderate desire) أي الرغبة المفرطة ، والثانية هي (mania) والتي تعني (morbid desire) أي الرغبة المرضية ، وفقاً لقاموس (THE WESTMINSTER ENGLISH DICTIONARY) . فهناك خطأ أكيد في ترجمته ، ولا يمكن أن يكون الهَوَسْ مرادفاً للخوف أو الكره المرضيان ، فالهَوَسْ والتي تعني الرغبة المفرطة أو المرضية فيها معنى الإنجذاب نحو الشيء ، بينما الخوف المرضي أو الكره المرضي يحمل معنى النفرة من الشيء ، فليس من الصحيح ترجمة (Phobia) بمعنى الهَوَسْ.

فقول الدكتور النجار [(والإسلام لديه هوس بالجنس)] ، معناه أن الإسلام لديه رغبة مرضية بالجنس ، أي أن هناك إنجذاب مرضي للإسلام نحو الجنس ، وهذا المعنى يخالف بقية كلام الدكتور النجار والذي يشير إلى أن الإسلام يخاف من أبناء السفاح ومن نظرة الرجل نحو المرأة إلخ... والتي تحمل معنى النفرة من الجنس ، فالسبب في هذا التناقض في المعنى هو في ترجمته الخاطئة لكلمة (Phobia).

 

ومن جهة اخرى فإنَّ التعريف الذي ذكره الدكتور النجار للـ (هَوَسْ) لا يمكن أن ينطبق على الإسلام ، فالإسلام دين وليس كائن حي لتكون فيه غريزة يمكن أن تتفاعل لتصبح هوساً !

ولو صح أن في الإسلام خوف مرضي من الجنس والعلاقات المحرمة بين الرجل والمرأة أي الزنى لأمر الأسلام بقتل الزاني والزانية حتى لو كانا غير محصنين وإحراق ممتلكاتهم وصلب جثثهم وإبقائهم أمام أعين الناس لفترة طويلة كأن تكون أسابيع أو أشهر أو تقطيعهم إرباً إرباً ولأمر كذلك بقتل أطفال السفاح وتقطيعهم ، إلى غير ذلك من الأفعال الشاذة التي تدل على مرض نفسي وعدم إتزان في التفكير والمنطق ، ولكن شيئاً من ذلك لم يحصل في الإسلام ، لأنه دين متزن وعادل ، ففي الوقت الذي يحرم الإسلام فيه الزنى نجده يشجع على الزواج وعلى إقامة علاقات شرعية بين الرجل والمرأة ، فلو كان في الإسلام خوف من الجنس لشجّع الرهبانية ولمنع زواج الرجل من أكثر من إمرأة واحدة. فهل الإسلام فيه خوف مرضي من الجنس أم من يقول بأنه (يحسن بالرجل أن لا يمس إمرأة) كما في رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس (1:7) !

وهل الهوس بالجنس موجود في الإسلام أم عند اللادينيين (الملحدين) الذين يريدون رفع كل الحواجز أمام ممارسة الجنس بدون ضوابط وبدون زواج ! الملحدون الذين يريدون تمييع العلاقات الأسرية وعدم ممانعتهم من إقامة علاقة جنسية بين المحارم داخل الأسرة الواحدة والعياذ بالله تعالى. فمن هو الذي لديه هَوَسْ جنسي ؟!  

حسناً فإذا وضعنا شريعة الإسلام جانباً ، فما هو الضابط الذي يمكن أن يقترحه الدكتور النجار لتنظيم العلاقات الجنسية بين الرجل والمرأة ، فهل يعتبر الدكتور النجار علاقة الزواج بين الرجل والمرأة هي علاقة متساوية مع علاقة جنسية بينهما خارج إطار الزواج !؟ فيتساوى عنده الزواج مع الزنى ! وكيف يمكن للدكتور النجار أن يقنع شخصاً بأن إقامة علاقة جنسية بين الرجل وإبنته أو أخته هو أمر مرفوض ؟ أم لعله لا يعارض إقامة مثل تلك العلاقات المحرّمة ؟!!

وأما إدعاء أن الإسلام يعطي أهمية أقل للعلاقة الجنسية بين الرجل والرجل مقارنة للأهمية التي يعطيها للعلاقة الجنسية المحرمة بين الرجل والمرأة فهذا من البهتان والإفتراء على الإسلام ، لأن عقوبة العلاقة الجنسية بين الرجل والرجل هي عقوبة قاسية حيث ان عقوبة من يرتكب هذا الفعل هو القتل سواء كان محصناً أم غير محصن بينما في الزنى نجد أنه لا يوجد رجم لغير المحصن سواء كان رجلاً أو إمرأة ، بل حدهما في هذه الحالة الجلد. فيكون تشديد الإسلام في عقوبة اللواط أقسى وأشد من عقوبة الزنى.

وقال الدكتور النجار : [(ولمنع المرأة من إنجاب أبناء السفاح يجب أن تتحجب المرأة حتى نعزلها عن الرجل.  والحجاب مفروض فيه أن يحافظ على عفة وشرف المرأة المسلمة لأن الشرف والجنس هما اللذان يشغلان كل عقل الرجل المسلم. ولكن بعد كل هذه القرون من الحجاب هل استطعنا أن نقضي على إقامة علاقات جنسية بين النساء والرجال قبل الزواج؟ أو هل قضينا على الخيانة الزوجية أو إنجاب أطفال السفاح  في العالم الإسلامي؟

بالطبع لم نقض على أي شئ من هذا. ففي كل بلد عربي هناك معهد أو ملجأ يضم أبناء السفاح، وفي المغرب، حيث هناك بعض الحريات،  قدمت الصحفية فريدة الرحماني  حلقة عن " واقع أمهات أطفال السفاح "، بثتها الإذاعة ونالت استحسان لجنة التحكيم في " الجائزة الكبرى للصحافة " [26]. وفي العراق ناقش مجلس الحكم حديثاً موضوع منح الجنسية العراقية لأطفال السفاح. وفي مصر والسودان والسعودية والخليج وإيران هناك آلاف من أطفال السفاح.)] ، فالدكتور النجار يظن أن الأهمية القصوى في الإسلام هو في منع إنجاب أبناء السفاح ، والأمر ليس كذلك بل الأهمية القصوى في الإسلام هو في المحافظة على الشرف والعفاف للمرأة والرجل ، ولذلك فقد جاء في الإسلام قاعدة عظيمة هي (الولد للفراش وللعاهر الحجر) ، فما دامت هناك علاقة زواج بين رجل وإمرأة فإن الولد ينسب للزوج وإنْ كان من نتاج زنى للزوجة مع رجل آخر إذا لم يكن هناك مانع من حمل المراة من زوجها كالسفر والمرض ولم تقم البينة على زناها او إعترافها به ، فالإسلام يهتم لوجود الستر والعفاف وعدم إشاعة ثقافة الإنحراف ، والحفاظ على الكيان الأسري ، فيحرص على أن يمنع وقوع المعصية وإذا وقعت فهو حريص على سترها وعدم إشاعتها وعدم إحداث أجواء لدعم جو الفحش والمعصية. 

فلو أخطئنا وقلنا أن الهدف الرئيسي هو منع إنجاب أولاد السفاح كما ظن الدكتور النجار لوجدنا ان هناك حلولاً تمنع الإنجاب المذكور ، مثل موانع الحمل المختلفة ، فهل أنَّ اللجوء لتلك الحلول يبيح الزنى ما دام الزنى لا ينتج أبناء سفاح !! أبداً ليس لهذا المنطق علاقة بالإسلام لا من قريب ولا من بعيد. 

وقال الدكتور النجار : [(والعلاقات الجنسية بين الشباب من الجنسين لا تقل عن مثيلاتها في أوربا، خاصة وأن كل شاب وشابة في الخليج يمتلك تلفون جوال ، ويكتب الشاب نمرة جواله على قطعة من الورق يرميها عند أقدام الفتيات المحجبات في صالات التسويق المنتشرة في كل مدن الخليج. والكاتب شاهد أكثر من مرة بالكويت وبالخليج نساء متزوجات يحضرن للمستشفي في الساعات الباكرة ويطلبن شهادة من الطبيب المناوب تقول أن المرأة تلك قضت الليلة بالمستشفي، وفي حقيقة الأمر كانت هي قد قضتها مع عشيقها.)] ، بكل تأكيد فإنَّ الدكتور النجار في هذا النص يخلط الحابل بالنابل ، حيث انه لا توجد مقارنة بين المجتمع الخليجي وبين المجتمع الأوربي من حيث العلاقات الجنسية ، والدكتور النجار يحمل الأمور أكثر من معانيها ، ألا يعلم الدكتور النجار أن الشاب في دول الخليج إذا رمى رقم تلفونه لفتاة فإن ذلك إنما يحصل لعدم وجود إختلاط بين الجنسين في تلك المجتمعات بخلاف المجتمعات الأوربية التي نجد الإختلاط فيها مباحاً وبأسوأ صوره ، ولذك تجد أن معظم الفتيات المسلمات في المجتمعات المحافظة في دول الخليج وبقية الدول الإسلامية تحافظ على بكارتها حتى الزواج وهو الأمر الذي تفتقده الفتيات الأوربيات منذ سن الرابعة عشرة أو قبله بقليل ، فكيف أمكن للدكتور النجار تشبيه العلاقات الجنسية بين الشباب والفتيات في دول الخليج مع العلاقات الجنسية في أوربا !!

ولا أدري كيف علم الدكتور النجار ان أولئك النسوة قد قضين الليل مع عشاقهن ؟! فهل أخبرنه بذلك ، أم هو مجرد سوء ظن من قبله ، وهل قامت المستشفى بإعطائهن الشهادة المطلوبة مقابل مبلغ من المال كهدية أو رشوة لا فرق ؟! وما ادراه أن تلك المرأة لا تعاني من مشاكل عائلية دفعتها للمبيت عند إحدى صديقاتها وأضطرت للحصول على تلك الشهادة من المستشفى لأنها ممنوعة من المبيت خارج المنزل بسبب ظروف شخصية تتعلق بها أو ظروف عائلية ؟ إلى غير ذلك من الإحتمالات ، الموجودة في الحياة وفي الواقع الإجتماعي. ثم ما هي نسبة اولئك النسوة من بين مجموع نساء الخليج ؟! بلاشك فإنَّ نسبتهن ـ على فرض وجود مثل تلك الحالات ـ هي نسبة ضئيلة جداً بحيث لا تشكل مشكلة إجتماعية حقيقية.

وقال الدكتور النجار : [(وقصة الحجاب في الإسلام مليئة بالمفارقات والمتناقضات التي تصطدم مع العقل والتفكير السليم. فمثلاً في الآية 55 من سورة الأحزاب: " لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا أخوانهن ولا أبناء أخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن وأتقين الله إن الله كان على كل شئ شهيداً ". فليس على المرأة حرج ألا تتحجب من المذكورين في الآية، بمن فيهم ما ملكت يمينها من العبيد الذكور، ولكن يجب أن تتحجب من عمها وخالها لأنهما لم يُذكرا في الآية. ويقول العلماء السبب في ذلك أن العم أو الخال إذا رآها بدون حجاب قد يصفها لابنه. فكل هؤلاء الناس الذين يرونها دون حجاب لن يصفوها لابن عمها، بما فيهم أمه، لكن عمها يمكن أن يفعل ذلك. وماذا عن ما ملكت يمينها من العبيد؟ أليس لهم شهوة جنسية أم أن جميعهم مخصيون؟ ألم يتهم الناس مارية القبطية عندما ولدت للرسول ابنه الوحيد إبراهيم، ألم يتهموها بالعبد المصري الذي كان يتردد عليها، وأرسل الرسول عمر بن الخطاب ليقتله؟ ويقال إن عمر دخل عليهما البيت شاهراً سيفه فلما رآه العبد هرب وتسلق نخلةً بالبيت ولم يكن يلبس سروالاً، فنظر عمر ورأي أنه مجبوب، أي مقطوع العضو التناسلي، فتركه.)] ، فأما الإدعاء بوجود المفارقات والمتناقضات حول قصة الحجاب في الإسلام والتي تصطدم مع العقل والتفكير السليم على حد تعبير الدكتور النجار، فقوله هذا فيه تجني وليس عليه دليل ، فلا يوجد في قصة الحجاب شيء مما ذكره الدكتور النجار ، لأنه بنى أستنتاجاته على معلومات لم يتبين صحتها ولا معناها ! فظن أن المرأة المسلمة يجب أن تتحجب أمام عمها وخالها وليس عليها الحجاب أمام عبدها ! والمسلمون يعلمون جيداً أنه لا يوجد هذا الأمر في الإسلام ، فالمسلمات لا يتحجبن أمام الأعمام والأخوال وهن غير مأمورات بذلك أبداً ، فلماذا لم يسأل الدكتور النجار أي مسلم في المجتمع الذي يعيش فيه ليخبره هذه الحقيقة ؟!

وأما إعتماد الدكتور النجار على فهمه الشخصي للآية القرآنية ثم تحميل ذلك الفهم على القرآن وعلى المسلمين وإيجابه عليهم أن يطيعوا هذا الفهم ويلتزموه فهو ليس من الإنصاف في شيء ، فالآية الكريمة ذكرت بعض الذين ليس على المرأة جناح في نزع حجابها أمامهم ، والآية لم تقصر الأمر على المذكورين وكذلك فإنَّها لم تذكر العم والخال ، ويجب أن ننتبه إلى أن الآية الكريمة لم تستثنِ العم والخال ممن يجوز للمرأة نزع حجابها عنهم بل سكتت عنهم ، وحيث أن الآية الكريمة لم تقصر الأمر على المذكورين كما ذكرنا فهناك مجال لدخول آخرين بنص من قرآن أو سنّة ، وينبغي أن نعرف أن الآية لم تسكت عن ذكر العم والخال وحدهم بل سكتت كذلك عن ذكر الصهر وزوج الأم ، وسكتت عن الروابط الناشئة من الرضاعة أيضاً.

فأما موضوع عدم ذكر العم والخال في الآية الكريمة بخصوص اللذين يمكن للمرأة أن لا تتحجب أمامهم فليس السبب هو ما ذكره الدكتور النجار وكذلك بعض علماء المسلمين من [(أن العم أو الخال إذا رآها بدون حجاب قد يصفها لابنه)] ، فالذي ذهب إليه بعض العلماء بخصوص العم والخال فيه نظر ولا يمكن الجزم بقبوله. فقد فنّد الشوكاني في فتح القدير ج4 ص298 الرأي المذكور فقال : (وهذا ضعيف جدا فإن تجويز وصف المرأة لمن تحل له ممكن من غيرهما ممن يجوز له النظر إليها لاسيما أبناء الإخوة وأبناء الأخوات واللازم باطل فالملزوم مثله وهكذا يستلزم أن لا يجوز للنساء الأجنبيات أن ينظرن إليها لأنهن يصنفها واللازم باطل فالملزوم مثله) ، وقال الشوكاني في الموضع المذكور آنفاً ما نصه : (ولم يذكر العم والخال لأنهما يجريان مجرى الوالدين) ، ثم أضاف : (والأولى أن يقال أنه سبحانه اقتصر ههنا علي بعض ما ذكره من المحارم في سورة النور اكتفاء بما تقدم). وقال القرطبي في تفسيره ج41 ص231 : (ولم يذكر العم والخال لانهما يجريان مجرى الوالدين . وقد يسمى العم أبا ، قال الله تعالى : " نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل " وإسماعيل كان العم). وقال الشيخ الطوسي في تفسيره التبيان ج8 ص358 : (ولم يذكر العم والخال لانه مفهوم من الكلام ، لان قرباتهم واحدة ، لانهن لا يحللن لواحد من المذكورين بعقد نكاح على وجه ، فهن محرم لهن).

وقد وجدنا بعد متابعة أنساب نساء النبي (صلى الله عليه وآله) أن هناك نكتة في الموضوع توضح عدم ذكر العم والخال في الآية الكريمة بالإضافة لرأي الشيخ الطوسي وبقية آراء العلماء التي ذكرناها آنفاً ، فقد ذكر أبن الجوزي في زاد المسير ج6 ص214  أنه لما نزلت آية الحجاب وهي قوله تعالى : ((وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب )) قال الآباء والأبناء والأقارب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن أيضا نكلمهن من وراء حجاب فأنزل الله تعالى : (( لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا أخوانهن ولا أبناء أخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن وأتقين الله إن الله كان على كل شئ شهيداً )) ، ونحن نرى أنه حيث أن الخطاب في هذه الآية الكريمة موجّه لنساء النبي (صلى الله عليه وآله) فقد خلا من ذكر العم والخال لأنه لم يكن لأي واحدة منهن عم أو خال على قيد الحياة حين نزول الآية الكريمة ، فورود ذكر العم والخال في الآية الكريمة لو تم لكان من أهم أسباب الطعن في القرآن الكريم والشريعة الإسلامية لأن ذكرهم في هذه الآية يصبح حينئذٍ لغو ويفتح الباب لنسبة الجهل للخالق جلَّ شأنه ، لأن النص القرآني حينئذٍ سيبيح لنساء النبي (صلى الله عليه وآله) نزع حجابهن أمام أعمامهن وأخوالهن وهن في الحقيقة ليس لهن أعمام وأخوال على قيد الحياة حين نزول الآية الكريمة ، فلو تم ذلك لقال المنافقون : أن الله ـ  وحاشاه ـ يجهل أن نساء النبي (صلى الله عليه وآله) ليس لهن أعمام وأخوال ! فلذلك لم يتم ذكر الأعمام والأخوال في الآية الكريمة تنزيهاً للقرآن الكريم من طعون المنافقين وأعداء الإسلام.

وأما بخصوص ترك المرأة حجابها امام من ملكته يمينها ، فهو أمر مختلف فيه بين الفقهاء ، فقد قال المحقق الحلي في شرائع الاسلام ج2 ص495 : (هل يجوز للخصي النظر إلى المرأة المالكة أو الأجنبية ؟ قيل : نعم ، وقيل : لا ، وهو الأظهر لعموم المنع ، وملك اليمين المستثنى في الآية المراد به الإماء) ، وقال الشهيد الأول في اللمعة الدمشقية ص160 :(كذا يحرم على المرأة أن تنظر إلى الأجنبي أو تسمع صوته إلا لضرورة وإن كان أعمى ، وفي جواز نظر المرأة إلى الخصي المملوك لها أو بالعكس خلاف). فالمسألة فقهية والعلماء مختلفون فيها.

وقال الدكتور النجار : [(وفي مرة كان الرسول جالساً مع عائشة وأم سلمة، بعد نزول آية الحجاب، فدخل علية ابن أم مكتوم، وكان رجلاً أعمى، فطلب الرسول من نسائه أن يتحجبن، فقالت له أم سلمة: " لكنه أعمى"، فقال لها الرسول: " وهل أنتِ عمياء". منطق لا يتماشى والعقل. تتحجب المسلمة من الرجل الأعمى لأنها تراه وهو لا يراها.)] ، فافترض الدكتور النجار ان الحديث عام لجميع المسلمات بحيث أنه لا يجوز للمسلمة أن تكون بلا حجاب أما الرجل الأعمى وهذا خطأ ، ولا يوجد في الإسلام مثل هذا الأمر ، لأن الحديث المذكور على فرض صحته خاص بنساء النبي (صلى الله عليه وآله).

ومن المهم في بداية توضيحنا لهذه المسألة أن نعرف أن الحديث الذي ذكره الدكتور كامل النجار في النص السابق ، والذي لم يذكر مصدره ، قد ذكره بالمعنى وليس بالنص ، وفيه أخطاء ، كما هي سمة أكثر مؤلفاته ، والرواية في مسند أبن راهويه ج4 ص85 ونصها : (عن نبهان مولى أم سلمة عن أم سلمة قالت : كنت عند رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعنده ميمونة فاستأذن أبن أم مكتوم وذلك بعد الحجاب فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لهما : قوما ، فقلت : يارسول الله إنه أعمى لا يبصرنا ، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (أفعمياوان أنتما ؟). وفي رواية أخرى في مسند أبن راهويه ج4 ص160 عن نبهان أيضاً وفيها أن أم سلمة كانت مع زينب بنت جحش حين دخل أبن أم مكتوم ، وأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لهما : (فإن كان لا يبصركن فإنكم تبصرون).

وهذا الحديث ضعيف من حيث السند فقد قال القرطبي في تفسيره ج12 ص228 : (هذا الحديث لا يصح عند أهل النقل لأن راويه عن أم سلمة نبهان مولاها وهو ممن لا يحتج بحديثه).

وبغض النظر عن ضعف سند الحديث المذكور فقد ذكرنا ـ فيما تقدم ـ أن الله عزَّ وجل منع المسلمين من التحدث مع نساء النبي (صلى الله عليه وآله) إلا من وراء حجاب ، فقال عزَّ وجل : (( وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب )) ، وذكرنا أن الحجاب في هذا الأمر ليس حجاب الثياب بل هو حجاب الستر من القماش أو الباب أو الجدار أو الخيمة وما شاكلها ، ولذك أمر النبي (صلى الله عليه وآله ) نساءه بالدخول والتحدث مع أبن أم مكتوم ـ إنْ لزم الأمر ـ من وراء حجاب.

ومعنى قوله (صلى الله عليه وآله) : (إن لم يركما فإنكما تريانه) أو كما في الرواية الأخرى (أفعمياوان أنتما) أي إنه لا يراكما فلا يعلم بوجودكما ليطبق الأمر الإلهي بالتحدث معكن من وراء حجاب ، فما بالكن أنتن وقد رأيتموه ، لماذا تردن مخالفة الأمر الإلهي بالتحدث معه بدون حجاب ؟

وفي هذا الصدد قال أبن قتيبة في كتابه تأويل مختلف الحديث ص210 : (ونحن نقول إن الله عزوجل أمر أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاحتجاب إذا أمرنا أن لا نكلمهن إلا من وراء حجاب فقال : (( وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب )) وسواء دخل عليهن الاعمى والبصير من غير حجاب بينه وبينهن لانهما جميعا يكونان عاصيات لله عزوجل ويكن أيضا عاصيات لله تعالى إذا أذن لهما في الدخول عليهن وهذه خاصة لازواج رسول الله صلى الله عليه وسلم كما خصصن بتحريم النكاح على جميع المسلمين فإذا خرجن عن منازلهن لحج أو غير ذلك من الفروض أو الحوائج التي لا بد من الخروج لها زال فرض الحجاب لانه لا يدخل عليهن حينئذ داخل فيحجب أن يحتجبن منه إذا كن في السفر بارزات وكان الفرض إنما وقع في المنازل التي هن بها نازلات).

إذن فالحديث خاص بنساء النبي (صلى الله عليه وآله) ولا يشمل بقية النساء المسلمات كما توهم الدكتور النجار.

وقال الدكتور النجار : [(وقد تعلم السعوديون في السبعينيات أن الحجاب قد يساعد على ارتكاب الجرائم. ففي ذلك الوقت كان ممنوعاً إظهار وجه المرأة في جواز السفر الذي يراه الأجانب والغرباء ، فانتهز الرجال هذه الفرصة وسافروا إلى دول شرق آسيا ورجعوا بنساء محجبات ادعوا أنهن زوجاتهم، ولما لم تكن بالجواز صورة للمرأة، وهي محجبة على أي حال، استطاعوا إدخال عدد لا يُستهان به من هؤلاء النساء للمملكة. وأخيراً أجبرهم الواقع لإلصاق صورة المرأة في جواز سفرها، وبدون حجاب)] ، فالمسألة هنا فنية وليس لها علاقة بإرتداء الحجاب ، والإسلام لم يطلب من المسلمين أن يكونوا في غفلة أو وهن حتى يستغل أصحاب المعاصي وأعدائهم غفلتهم وضعفهم.

وبقي أن نسأل الدكتور النجار : ألا يتم تثبيت في جواز السفر حين المغادرة فيما إذا كانت مغادرة الرجل وحده أم مع زوجته ؟ فإذا تم تثبيت أن الرجل قد سافر مع زوجته فحين عودته لن يتمكن من إصطحاب أكثر من إمرأة بدون جواز سفر رسمي ، وإذا تم تثبيت أن الرجل قد سافر بدون زوجته فلا يستطيع الرجل أن يعود مع إمرأة أخرى بدعوى أنها زوجته لأن ما مثبت في جواز السفر هو أن الرجل قد سافر وحده. يضاف لذلك أن الفيزة لأي دولة حين تعطى يتم فيه تحديد عدد المسافرين. فالمسألة ليست بهذه السذاجة التي يدعيها الدكتور النجار.

وقال الدكتور النجار : [(وما زال الحجاب يساعد النساء المتحجبات في الركوب في سيارات غير أزواجهن أو أخوانهن في وضح النهار وبدون خوف لأنها مغطية من الرأس إلى القدم ولا أحد يعرفها من عباءتها. وكنتيجة لهذه الممارسات قد انتشر مرض فقدان المناعة المكتسبة ( الايدز) في السعودية في الأعوام القليلة الماضية إذ بلغ عدد الحالات العام الماضي 6787 حالة، 45 بالمائة منها  عن طريق العلاقات الجنسية [27])]

والدكتور النجار يعتمد في هذه النسبة على صحيفة إيلاف الألكترونية عبر الأنترنيت ، ونحن لا نعرف مدى دقة هذه النسبة وصدقها ، لاسيما مع وجود جهات عديدة يهمها تشويه صورة المملكة السعودية لكي تعمل على تشويه الإسلام ، وكما يفعل الدكتور النجار في هذا الموضع.

ونحن نتسائل بدورنا عن سبب عدم أرتداء النساء للحجاب في الدول الأوربية أو الأفريقية أو الآسيوية ومع ذلك فإن نسبة الإصابة بالآيدز عندهم مرتفعة جداً وأكثر من الدول الإسلامية بكثير ، فلماذا لم يمنعهن عدم أرتداء الحجاب من الإصابة بالآيدز وفقاً لنظرية الدكتور النجار الذي أدعى أن حجاب النساء في المملكة السعودية هو سبب إرتفاع نسبة الإصابة بالآيدز هناك !!؟

وهل إنتشار الأيدز في السعودية منشأه زنى الرجال والنساء هناك مع الوافدات والوافدين من غربيين وغيرهم ، أم مصدره رجال يمارسون الزنى خارج السعودية مع النساء الغربيات ثم ينقلوه إلى داخل بلادهم بعد عودتهم أم مصدره الدم الملوث بالأيدز الذي يستورد من الغرب ؟ ولماذا لايكون الدكتور النجار منصفاً في ذكره للأسباب الحقيقية لوجود حالات إصابة بالأيدز في السعودية ؟!

وقال الدكتور النجار : [(وقد أفتى علماء الوهابية في السعودية أن كل ما يؤدي للحرام فهو حرام. فبعد أن حجّبوا المرأة حرمّوا عليها قيادة السيارة، لأنها لو قادت سيارتها بنفسها فقد تذهب إلى منزل عشيقها دون رقابة، وحتماً يؤدي هذا إلى الزنا، وهو حرام، وبالتالي قيادة السيارة حرام على المرأة. نسأل الله أن يساعد المرأة المسلمة في القرن الحادي والعشرين.)] ، فالدكتور النجار يأخذ نموذجاً واحداً ويطلق تعميمه على جميع المسلمين ، ويتجاهل عمداً أن النساء في دول إسلامية أخرى يقدن السيارات بحرية ، ففي إيران على سبيل المثال هناك حرية للمرأة في قيادة السيارة ، وعلماء المسلمين الشيعة يفتون صراحة بجواز قيادة المرأة للسيارة مع الإلتزام بالضوابط الشرعية.

وبلا شك فأن الدكتور قد زلَّ لسانه في الجملة الأخيرة ، حيث قال [(نسأل الله أن يساعد المرأة المسلمة)] وهو لا يعترف بوجود الخالق جلَّ شأنه ، وبلا شك فأنه يطلب مساعدة المرأة المسلمة للتخلص من إسلامها ودينها وحشمتها !!

وقال الدكتور النجار : [(زواج المتعة

عندما هاجر الرسول إلى المدينة وبدأ غزواته في شتى بقاع الجزيرة، كان محاربوه يتركون زوجاتهم في المدينة، وقد يغيبون أسابيع عنهن. فإذا انتصروا سبوا نساء القبيلة المهزومة، ولما كانوا حديثي عهدٍ بالإسلام وكان الله قد منعهم أن يقيموا علاقة جنسية مع المحصنات، أي النساء المتزوجات، لم يستطيعوا كبح جماح شهواتهم في إحدى هذه الغزوات ( غزوة أوطاس) وسألوا الرسول ماذا يصنعون بهؤلاء السبايا. فنزل عليهم قرآنٌ  واضح: " والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأُحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضةً ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان عليماً حكيماً ".

وقال سعيد بن الخدري: " أصبنا سبياً من سبي أوطاس ولهن أزواج فكرهنا أن نقع عليهن ولهن أزواج، فسألنا رسول الله (ص) فنزلت الآية، فاستحللنا فروجهن ". رواه الترمذي عن أحمد بن منيع ورواه النسائي كذلك ومسلم في صحيحه. ولكن ابن عباس قال إنها نزلت في سبايا خيبر)] ، ولم يذكر الدكتور النجار المصدر الذي نقل عنه أن نزول الآية الكريمة كان في سبايا خيبر !

وأما الحديث الذي ذكره الدكتور النجار والذي أستدل منه على أن تحليل زواج المتعة كان بسبب سبي أوطاس ، فهناك أحاديث اخرى تعارض هذا القول حيث تشير إلى أن زواج المتعة كان موجوداً قبل غزوة خيبر سنة 6 هـ بينما سبي أوطاس كان سنة 8 هـ .

وقال الدكتور النجار : [(وقد استدلوا بهذه الآية على  زواج المتعة، واستدل بها قومٌ آخرون على إباحة الجمع بين الأختين على أساس   ( وأحل لكم ما وراء ذلك)، ولهذا قال الإمام عليّ بن أبي طالب: " القرآن حمّال أوجه ".

وعن قيس بن عبد الله قال: كنا نغزوا مع رسول الله – ص- وليس معنا نساء فقلنا ألا نختصي فنهانا عن ذلك فرخص لنا بعد ذلك أن نتزوج المرأة بالثوب ثم قرأ: " يا أيها الذين آمنوا لا تحرّموا طيبات ما أحل الله لكم". ( المائدة/87).

 وقد كان زواج المتعة مباحاً في بداية الإسلام ثم قيل إنه حُرّم. وقد ذهب الشافعي إلى أنه حُرّم ثم نُسخَ ثم أُيد ثم نُسخ مرتين، وقال آخرون أكثر من ذلك. وفي حديث عن الربيع بن مسبرة بن معبد عن أبيه أنه غزا مع رسول الله يوم فتح مكة، فقال الرسول: " أيها الناس إني كنت قد أذنت لكم في الاستمتاع من النساء وإن الله قد حرّم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شئ فيخل سبيله ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً ".

وأضاف ابن عباس في الآية أعلاه " ما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى"، فأعطت هذه الزيادة الرخصة للمسلمين ليسموا المدة التي يريدون من المرأة في زواج المتعة)] ، فأما إضافة أبن عباس فهي من باب التفسير ، وأما الدكتور النجار فنراه يخوض في أمر بدون أن يعد له عدّته الفقيه ، فذكر أحاديث عديدة متعارضة فيما بينها. فأحاديث زواج المتعة أعمق من يخاض فيها بهذه السطحية. 

وقال الدكتور النجار : [(وزواج المتعة ما زال سارياً عند الشيعة في إيران والبحرين وشمال السعودية والعراق والكويت، وحتى في بعض الأقطار السنية حسب المذاهب. وسئل الإمام جعفر الصادق (ع) عما يقول الرجل في حين عقد زواج المتعة، فقال: " تقول: أتزوجك متعةً على كتاب الله وسنة نبيه، لا وارثة ولا موروثة، كذا وكذا يوماً، بكذا وكذا درهماً، وتسمي من الأجر ما تراضيتما عليه ". ( الفروع من الكافي، للكليني، ج5، ص 455 )

وهذا لا يعدوا أن يكون تصريحاً بالدعارة إذ ليس هناك عامل زمني لزواج المتعة، فيستطيع الزوج أن يتعاقد مع المرأة على يوم واحد ويدفع لها أجرها، ثم يخرج بعد نهاية اليوم حراً طليقاً إذ ليس هناك طلاق ولا نفقة)] ، وليت شعري ، فلو تكلم شخص آخر بهذه العبارات لما تعجبنا ، ولكن أن يتكلم الدكتور النجار بالسوء على مذهب التشيع ويصف زواج المتعة بانه تصريح بالدعارة فهو الأمر المستغرب ، فمتى كانت الدعارة شتيمة عند الملحدين حتى يعتبرونها شتيمة ضد الشيعة ومذهبهم ، أليسوا هم الذين يريدون إلغاء الزواج والمهور والنفقات ، ويبيحون زنى المحارم إذ لا ضابط عندهم يمنعهم من ذلك ، ويبيحون إطلاق العلاقات الجنسية بين النساء والرجال بدون زواج ويعتبرون ذلك حرية شخصية أي الزنى مسألة شخصية حتى لو كان مع المحارم ! لقد صدق المثل القائل رمتني بدائها وأنسلّت.

فما هي الدعارة حتى يشبه الدكتور النجار زواج المتعة بها ؟

الدعارة فيما تعارف عليه الناس هي إمتهان الزنى لأجل المال أو الشهوة ، ولا بد لقيام الدعارة من وجود عاهرة (Whore) بسبب الملازمة بينهما. والعاهرة هي ـ كما في المعجم القانوني لحارث سليمان الفاروقي ج2 ص746 ـ هي التي (تتعاطى الدعارة كسباً للرزق أو إشباعاً لنزعة فاجرة) ، ولا بد أيضاً لحدوث الدعارة من حدوث فعل الزنى ، وويبدو أن الزنى من الناحية القانونية للقانون الوضعي يقسم إلى قسمين ففي المعجم القانوني ج1 ص301 : (fornication) وهو (وطيء حرام ، جماع ، وقاع أو إتصال جنسي غير مشروع بين رجل وإمرأة غير متزوجين ، يقابله الزنا adultery بين رجل وامرأة متزوجين . فإذا وقعت الفاحشة بين رجل متزوج وامرأة غير متزوجة كان الفعل بالنسبة للرجل زنا adultery وبالنسبة للمرأة fornication والعكس بالعكس). حسناً فلنطبق ما ذكرناه آنفاً من مصطلحات قانونية لنجد مدى إنطباقها أو عدمه على زواج المتعة. 

زواج المتعة وكذلك الزواج الدائم مبني أساساً على وجود عقد بين الرجل والمرأة ، ووجود العقد هو الفاصل الحقيقي بين الزواج والزنى في جميع الأديان ، فلا بد من إجراء عقد بين الرجل والمرأة يتلفظ به كل من الرجل والمراة ألفاظ تدل على قبولهما بالزواج ، فإذا تم ذلك أصبحا متزوجين ، فكل فعل جنسي بين الرجل والمرأة مبني على العقد بينهما فهو زواج وكل فعل جنسي بين الرجل والمرأة بدون عقد زواج فهو زنى ، وحتى لو كان الرجل والمرأة قد قررا الزواج وكانت هناك نية جادة بينهما في ان يتزوجا ولكنهما مارسا الجنس بدون إتمام العقد (أي ما يسمى بالفقه بالمعاطاة) ، فهو زنى ، فلا توجد معاطاة في الزواج ولا بد من إجراء العقد. وكما هو معلوم فإن زواج المتعة مبني على العقد كما هو حال الزواج الدائم ، فلا يصح إطلاق لفظ الزنى على المتزوجين وفقاً له. ولا اتصور أنه هناك عاهرة واحدة قد عقدت على من أراد أن يطأها قبل البدء بالزنى. وأتحدى أي شخص أن يأتي بعاهرة واحدة تقبل هي ومن يريد الزنى معها أن يعقدا على بعضهما ولو لساعة واحدة. أبداً لا يمكن ذلك لأنهم يعرفون أن العقد يحول الزنى إلى زواج حتى لو كان العقد لمدة محدودة.

ففي زواج المتعة لا يمكن لإمرأة متزوجة أن تتزوج متعة لأنها بذمة زوج آخر ، وبذلك لا يمكن أن تظهر حالة زنا adultery في زواج المتعة فمن شروط زواج المتعة أن تكون المرأة غير متزوجة.

وإذا كانت المرأة غير متزوجة وتتزوج متعة من رجل آخر ، فلا يمكن أن يقال أنها في حالة زنا fornication لأن الزنا ليس فيه عقد ، وبذلك لا يصح وصف زواج المتعة بأنه دعارة.

وقال الدكتور النجار : [(كل المطلوب أن يُثبت الرجل النسب إذا حبلت المرأة، وهذا طبعاً شئ مستبعد لأن المرأة والرجل يعرفون نوع العلاقة ولذلك سوف يتخذون الاحتياطات اللازمة حتى لا تحبل المرأة. وليس هناك ما يمنع من التمتع بالعاهرة، إذ قال الإمام الخميني: " يجوز التمتع بالزانية- على كراهية- خصوصاً لو كانت من العواهر المشهورات بالزنا" ( تحرير الوسيلة، ج2، ص 262). ولكن صريح القرآن يقول: " الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زاني أو مشرك وحُرّم ذلك على المؤمنين ". فلا أدري كيف يوفق الإمام الخميني بين القولين)] ، والصحيح (( لا ينكحها إلا زانٍ )) بدون ياء. فأما قوله تعالى : ((الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشرك وحُرّم ذلك على المؤمنين )) ، فمعناه إخباري وليس تشريعي ، بينما كلام السيد الخميني (قده) تشريعي وليس إخباري.

ثم أنَّ الفقهاء مختلفون في حكم المسألة التي ذكرها السيد الخميني (قده) فالسيد السيستاني (رعاه الله) يقول في منهاج الصالحين ، ج3 ص82 ، مسألة 261 : (يجوز التمتع بالزانية على كراهة ، نعم إذا كانت مشهورة بالزنا فالأحوط لزوماً ترك التمتع بها إلا بعد توبتها).

وفي صدد تفسير معنى الآية الكريمة يقول السيد الخوئي (قده) في كتاب النكاح ، ج1 ص267 :(ولمعرفة الحق في المسألة لابد من التكلم في مقامين : الاول : في دلالة قوله تعالى : ( الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين ) الثاني : في دلالة النصوص الواردة في المقام . أما المقام الاول : فقد أدعي دلالة الآية المباركة على عدم جواز تزوج المؤمن من المشركة والزانية . إلا أن الاشكال عليه ظاهر ولا يكاد بخفى فان هذه الآية الكريمة أجنبية عن محل الكلام ولا تصلح للاستدلال بها على المدعى . والوجه في ذلك : أن هذه الآية غير ناظرة إلى التزوج بالمرة وإن المراد بالنكاح فيها انما هو نفس الفعل أعني الوطئ وبذلك فتكون هذه الآية بصدد الاخبار عن الامر الواقع دون الانشاء والتشريع كما يرشدنا إلى ذلك ورود هذه الآية بعد قوله تعالى : ( الزانية والزاني فأجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة . . الخ ) بلا فصل ، فان الظاهر من ذلك بيان أن الزاني لا يزني إلا بزانية أو مشركة وان الزانية لا يزنى بها إلا زان أو مشرك ، وأنه لابد في تحقق هذا الفعل الشنيع من شخصين من سنخ واحد بحيث لو لم يكن هنالك زان لما تحقق الزنا من الزانية أو المشركة كما أنه لو لم تكن هناك زانية أو مشركة لما تحقق الزنا من الزانى ، فأنه فعل واحد لا يتحقق إلا من شخصين من نمط واحد وبذلك فيكون مدلولها مدلول المثل المعروف ( ان الطيور على أمثالها تقع ) . ومما يدلنا على أن الآية المباركة ليست بصدد التشريع أمور: الاول : ان الآية المباركة تضمنت استثناء نكاح الزاني من المشركة ونكاح الزانية من المشرك والحال أن الزواج في هذين الموردين باطل باجماع المسلين . إذن : فلا معنى لحمل الآية الكريمة على التشريع إذ لا يصح استثناء الموردين من الحرمة . الثاني : أن مقتضى حمل هذه الآية على التشريع هو أعتبار أن لا يكون الزوج زانيا في صحة الزواج ، وهو لا قائل به علي الاطلاق فان ما وقع فيه النزاع إنما هو اعتبار عدم كون الزوجة زانية ، أما أعتبار عدم كون الزوج زانيا فلا قائل به . وبعبارة أخرى : أن محل النزاع بين الاصحاب إنما هو اعتبار عدم الزنا في جانب الزوجة أما اعتباره في جانب الرجل فلا خلاف في عدمه ، والحال أن مقتضى الآية الكريمة بناء على حملها على التشريع ذلك . الثالث : أن مقتضى الآية الكريمة بناء على كونها في مقام التشريع جواز تزوج الرجل الزاني من المرأة الزانية ، والحال أنه بناء على عدم جواز ذلك لا يفرق الحال بين كون الرجل زانيا وعدمه فيكشف ذلك عن عدم كون الآية المباركة في مقام التشريع . ومن هنا يتضح أن ما ورد من النصوص في تفسير الآية الكريمة بالتزوج بالفواجر لابد من رد علمه إلى أهله فانه غير قابل للتصديق على ما عرفت).

وقال الدكتور النجار : [(وكنتيجة لهذه الفتاوى أصبحت مدينة " قُم " أكبر مجمع لزواج المتعة لأن بها أعداداً هائلة من طلبة العلم الديني الذين لا يستطيعون الزواج، فرحلت نحوهم أعدادٌ ضخمة من النساء اللائي قُتل أزواجهن في حرب إيران/ العراق، ولم يعد لديهن عائل ينفق عليهن. أصبح هؤلاء النسوة محترفات زواج متعة، وبمعنى آخر عاهرات. وإيران بها ما لا يقل عن ثلاثمائة ألف عاهرة، وضعتهن السلطات في بيوت دعارة رسمية سموها " بيوت الفضيلة")] ، ويصر الدكتور النجار في تسمية النساء اللواتي يتزوجن متعة بالعاهرات ، وهو خطأ كبير ، فمتى كان العهر يحتاج إلى عقد وعدّة !! ولو كنّ عاهرات حقيقة لما أعترض الدكتور النجار !! ثم لماذا يتدخل الدكتور النجار بالحريات الشخصية ؟! أليست الحرية الشخصية حق من حقوق الإنسان ضمنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يؤمن به الدكتور النجار ويجعله مقدّسه الذي لا يخطيء !

وقال الدكتور النجار : [(وبعض الخطاب الشيعي يجعل زواج المتعة مستحب، فينسب إلى جعفر الصادق قوله: " إن الذي يعقد المتعة مع امرأة لإرضاء الله أو لاتباع تعاليم الدين الحنيف وسنة رسوله أو لعصيان أمر الذي حرّم المتعة ( إشارة إلى عمر بن الخطاب) ينال ثواباً عن كل كلمة تبادلها مع المرأة، ويمنحه الله ثواباً عندما يمد يده إلى المرأة، وعندما يدخل عليها، ويغفر الله له جميع ما تقدم من ذنوبه، وعندما يغتسل تحل عليه رحمة الله ومغفرته مرات عديدة على عدد الشعرات التي تبللت بمياه الغسل ".( كتاب المتعة للدكتورة شهلا حائري، ص 24 / نقلاً عن شهاب الدمشقي، شبكة اللادينيين العرب)] ، فهذا الكلام الذي نسبه للإمام الصادق عليه السلام لم نعثر عليه في أيٍ من الكتب الفقهية أو كتب الحديث لا عند الشيعة ولا عند السنة !!

وقال الدكتور النجار : [(وزواج المتعة لا يتطلب شهوداً ولا طلاق ولا موافقة الولي ولا توارث فيه بين الزوجين، وعدة الفراق فيه حيضتان، تماماً كعدة الأمة، ولا يتقيد حق الرجل في زواج المتعة بأي عدد. ويروى أن رجلاً سأل الصادق عن المتعة أهي أربعة؟ فقال: " تزوج منهن ألفاً فأنهن مُستأجرات ")] ، فالزواج الدائمي أيضاً لا يحتاج إلى شهود ، والإشهاد في الزواج الدائمي مستحب وليس بواجب وكذلك هو في زواج المتعة. وعدم الحاجة إلى طلاق لا يقدح في صحته بسبب وجود المدة في العقد ، فإذا أنتهت المدة أنتهى العقد ولا يحتاج إلى طلاق. وأما موافقة ولي الأمر فقد أخطأ الدكتور النجار عندما نسب لزواج المتعة عدم الحاجة لأذن الولي ، بل هو أساسي للزواج من الأبكار ، وكذلك هو الأمر بالنسبة للزواج الدائمي أيضاً. والمسألة عموماً قيها كلام بين الفقهاء.

وقال الدكتور النجار : [(ويعتبر الرئيس الإيراني السابق هاشمي رفسنجاني من المشجعين على زواج المتعة، وقد بلغت نسبة الإيرانيين الذين تعاطوا زواج المتعة 13%. وقد تسببت هذه الزيجات في إنجاب أطفال أبرياء أصبحوا ضائعين في المجتمع لأن المجتمع ينظر إليهم نظرة احتقار حتى لو نُسبوا إلى الأب الحقيقي. ويلحق الإجحاف كذلك بالأم إذ يتركها الأب لوحدها لتنفق على نفسها وطفلها.  وإذا أراد الإيراني أن يحتج على ما يعتبره إجحافاً له  يقول " وهل أنا ابن المتعة ؟ ".

هذا قليل من كثير جناه الإسلام على المرأة)] ، وهذا الكلام إنشائي ، فإنَّ نسبة الـ 13% ـ على فرض صحتها وإنْ كنّا نشكك فيها ـ تعني ان هناك بمقدار هذه النسبة إنخفاض في نسبة الزنى. ونظرة المجتمع ليست هي المقياس بل نظرة الشرع وحكم الله سبحانه ، فالمجتمع قد ينظر إلى الفقير نظرة إحتقار ، وقد ينظر إلى المريض أو الكسيح كذلك ، فالأصل هو طاعة الله سبحانه لا طاعة الناس.

 

 الهوامش :

[1]   تكملة منهاج الصالحين ـ مسألة 137.

[2]   تكملة منهاج الصالحين ـ مسالة 138.

[3]   الوسيلة لأبن حمزة الطوسي ـ ص409.

[4]   تكملة منهاج الصالحين ـ مسالة 142.

[5]   تكملة منهاج الصالحين ـ مسألة 135.

[6]   تكملة منهاج الصالحين ـ مسألة 136.

 

الصفحة الرئيسية