بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله الرحمن الرحيم

 

خطـأ المنهـج وقرائـن سـوء النيـة

فـي مؤلفـات عـادل رؤوف

 

 نبيـل الكرخي

 

الفصل الثاني : منهاج الصالحين

 نظرة على طبيعة المنهج الإصلاحي

لمرجعية الإمام محسن الحكيم (قده)

 

وصف عادل رؤوف مرجعية السيد محسن الحكيم (قده) بثلاث صفات هي :

·        الإصلاح المحدود.

·        أنها ذات سياسة مطلبية.

·        التردد[178].

ولا نريد في هذا البحث أن نخوض في سبب مهاجمة عادل رؤوف لمرجعية السيد محسن الحكيم (قده) والدوافع الحقيقية المادية والنفسية وراء ذلك ، فالمهم هو أن نبين إنَّ مرجعية السيد محسن الحكيم (قده) تمثل نموذج القيادة الحكيمة للأمة.

 

أولاً.  الإصلاح المحدود.

ترتكز فكرة عادل رؤوف في المحاور الآتية :

ـ ( لم يترك خطاباً إصلاحياً يمكن تحليله ودراسته ومعرفة رؤاه الإصلاحية من خلاله ، وإن بعض الفتاوى السياسية أو الإجتماعية أو ذات البعد السياسي ـ الإجتماعي لا تعوض عن الخطاب الإصلاحي وليست هي بديلاً عنه ، ولا هي تمثل خطاب صحوة إسلامية حتى يمكن دراستها فقد كان فقيهاً تقليدياً لم يصدر عنه سوى رسالته العملية وبعض الشروح المرتبطة بالفقه)[179].

ـ (لقد كان العراق في الخمسينيات ومطالع الستينيات من أسوأ البلدان في المنطقة من ناحية فقره للثقافة الإسلامية الحديثة التي تستجيب لطموحات المسلم المعاصر ، لقد كان الشباب في تلك المرحلة لا يكاد يجد عن الإسلام غير الأبحاث الحوزوية التخصصية ذات الأسلوب التقليدي غير المنسجم مع ذوق العصر أو الدراسات التاريخية ـ التقليدية ، وإذا وجد شيئاً فإنه يجد بعض مؤلفات سيد قطب مثلاً رغم قصورها عن الإستجابة للطموح بدرجة ما)[180].

يفتقر كلام عادل رؤوف هنا إلى الدقة لوجود عدد من المجتهدين والباحثين الذين أنتشرت مؤلفاتهم وذاع صيتها في الآفاق من أبرزهم مؤلفات السيد عبد الحسين شرف الدين والشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء والشيخ محمد جواد البلاغي والعلامة السيد الطباطبائي والشيخ محمد جواد مغنية والسيد محسن الأمين والشيخ الشهيد المطهري والشيخ محمد رضا المظفر وكان لهم خطابات إصلاحية شهيرة ، ولقد كان السيد محسن الحكيم (قده) يؤمن بالتخصص في العمل لذلك نجده قد أسس جماعة العلماء للتصدي للعمل السياسي والإجتماعي ونشر الوعي الإسلامي. ونجده يوجه الشهيد الصدر (قده) لكتابة كتاب فلسفتنا الذائع الصيت[181] ، ويوجه السيد محمد بحر العلوم للرد على قانون الأحوال الشخصية وبيان مواطن الخلل فيه[182]، ويوجه الشيخ محمد رضا الشبيبي للتصدي السياسي ويدعمه[183]، وعمل على إنشاء الجوامع والحسينيات والمكتبات العامة لنشر الوعي الإسلامي بين المؤمنين ، وأسس أهم قاعدتين في العمل الإسلامي الأولى هي قاعدة أن تنتمي الأحزاب الإسلامية للمرجعية وليس العكس[184]، والثانية أن تكون قيادة الأحزاب الإسلامية معلنة وليست سرية[185].

ويزعم عادل رؤوف إنَّ العراق كان (من أسوأ البلدان في المنطقة من ناحية فقره للثقافة الإسلامية الحديثة) وهو إفتراء مردود عليه لأن حال الثقافة في العراق في الخمسينيات كان أفضل من كثير من دول المنطقة مثل تركيا وسوريا والأردن ولبنان والمملكة السعودية وبقية إمارات الخليج واليمن والسودان وباكستان والهند وليبيا ، بل وحتى مصر التي لم يبرز فيها سوى تيار الأخوان المسلمين ومؤلفات سيد قطب المحدودة.     

 

ــ (لا يؤمن بتأسيس الدولة الإسلاميةإلا بعد ظهور المهدي المنتظر(عجل الله فرجه الشريف) )[186].

ــ (أدوات الصحوة لم يؤسس لها آية الله السيد محسن الحكيم وإن التأسيس الذي أرساه الشهيد الصدر الأول برفقة مجموعة من العلماء والعاملين للإسلام هو الذي ساهم في إيجاد الشعور الإصلاحي لديه)[187].

ثم جاء بمثالين لهذه المزاعم هما :

1.        نسب إلى السيد حسن شبر إدعائه بأن المساجد والحسينيات إنما نشطت في عهد مرجعية السيد محسن الحكيم (قده) بفضل نشاط حزب الدعوة الإسلامية[188].

2.       نسب إلى السيد حسن شبر قوله : (وأما المكتبات فإن الدعاة الميامين إبتكروا عدة أساليب في عملهم المبارك كان منها أن تبنوا تأسيس مكتبة في كل مسجد يتواجدون فيه ، وسموا تلك المكتبة بـ (مكتبة آية الله الحكيم العامة فرع .. ) حيث كان للسيد الحكيم (رحمه الله) مكتبة عامة كبرى في مسجد الهندي بالنجف ، وبدأ الدعاة يفتحون فروعاً لتلك المكتبة في جميع المناطق التي يتواجدون فيها ، ولقد أعانوا بفعلهم هذه المرجعية في نشر الإسلام في أغلب مناطق العراق)[189].

ويقول المؤلف : (فآية الله السيد محسن الحكيم فقيه تقليدي تجاوب مـع مؤسسي الإصـلاح ورواده ودافـع 

عنهم قدر ما إستطاع)[190].

سبحان الله فعادل رؤوف يقلب الحقائق رأساً على عقب ، لأن حزب الدعوة الإسلامية كان يستظل بظل النهضة الإصلاحية لمرجعية السيد الحكيم (قده) ويعمل تحت غطائها ، فكان الحزب المذكور يتخذ من مرجعية السيد الحكيم (قده) ومن جماعة العلماء واجهة تغطي تحركاته ونشاطه[191]. وقد ناقشنا هذا الموضوع بصورة تامة في بحثنا الموسوم (التجني الأكبر للسيد حسن شبَّر).

   

ـ أيَّد المؤلف رأياً فقهياً شاذاً يربط بين أعلمية المجتهد وكثرة مؤلفاته وفق سياقين :

1.       السياق الذي طرحه الشيخ الفاضل القائيني الذي جعل كثرة المؤلفات دليلاً رابعاً لأثبات الإجتهاد والأعلمية ، فقال : (رابعهـا : يثبت إجتهاده وأعلميته بملاحظة مؤلفاته العلمية الكاشفة عن الإجتهاد والأعلمية وذلك من جهة غلبة الفساد على الصلاح في هذا الزمان وإستيلاء المطامع والأغراض ورواج الدعايات الكاذبة والرعاع المستأجرين وبساطة العوام وسلامة نفوس الكثير منهم ، فيحرز المجتهد الذي يتعين الرجوع إليه بالنظر إلى مؤلفاته العلمية الكاشفة عن الإجتهاد والأعلمية)[192].

2.       السياق الذي طرحه الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء (قده) الذي يقول : (والغرض من هذا كله إنَّ مرجعية الإمامية كان معيارها وطريقها كثرة الإنتاج وتوفر المؤلفات في شتى العلوم ، لا في خصوص الفقه والأصول وقد قيل (من ثمارهم تعرفونهم) )[193].

وعادل رؤوف لم يميز بين هذين السياقين واعتبرهما سياق واحد مع إنَّ ما ذكره الفاضل القاييني يختلف عما قاله الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء (قده) ، فالفاضل القاييني لم يتحدث عن كثرة المؤلفات بل تحدث عن قراءة أهل الخبرة لمؤلفات المجتهد لمعرفة إجتهاده وأعلميته وهو لم يقصد أي مؤلف تاريخي أو ديني أو إجتماعي لذلك المجتهد بل يقصد المؤلفات المتعلقة بالإستنباط الفقهي تحديداً (الفقه والأصول وما يتعلق بعملية الإستنباط). أما الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء (قده) فقد ذهـب لرأي شـاذ يربط به بين كثرة المؤلفات للمجتهـد وبين مرجعيتـه ، وهذا الرأي الشاذ لا يلزم غيره ولا يطعـن بالإجماع على عـدم إعتبار سوى الأبحـاث الإستدلاليـة للمجتهـد لمعرفـة مستواه العلمـي ، وليس أدل على غرابة هذا الرأي الشاذ للشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء (قده) من إستشهاده هو نفسه بعبارة من أحد أناجيـل النصـارى ، وهو قوله : (وقد قيل من ثمارهم تعرفونهم) الموجـود في إنجيل متى (7:20).     

 

ثانياً. السياسة المطلبية :

 تركزت فكرة المؤلف حول هذه المسألة في قوله : (ولأنه لم يملك مشروعاً إسقاطياً للسلطة ولا مشروعاً تغييرياً للواقع لم يبق له إلا أن يتعاطى دوره وفق سياسة مطلبية ، وهي سياسة أيضاً لم تخضع إلى ثوابت محددة أو تخضع إلى دراسة أولية ، وبقيت مطالبها متواضعة أصغر مما يتحمله المناخ السياسي آنذاك)[194].

إنَّ مزاعم عدم إمتلاك السيد الحكيم (قده) لمشروع تغييري تتعارض مع ما عرف عن السيد الخميني (قده) من قوله أنه كان يتوقع قيام حكم الإسلام في العراق قبل توقعه قيامه في إيران[195]،والذي يدل على وجود مشروع تغييري جِدّي وواضح المعالم دفع السيد الخميني (قده) لذلك التوقع المذكور.

وقد إعترف الأعداء قبل الأصدقاء بحركة السيد محسن الحكيم (قده) الهادفة إلى إقامة حكم إسلامي في العراق وذلك في أحد تقارير السفارة البريطانية التي بعثتها لوزارة الخارجية البريطانية سرّاً والذي نُشِرَ مؤخراً [196]. بل لقد اعلن السيد محسن الحكيم (قده) نفسه سعيه لإقامة حكومة إسلامية في العراق[197].

فكيف يدعي المؤلف عدم إمتلاك مرجعية السيد الحكيم (قده) لمشروع تغييري للواقع ، وقد تحرك عملياً لإحداث التغيير من خلال :

أولاً: تأسيس الحركة الإسلامية في العراق ورعايتها.

ثانياً: تنظيم أبناء العشائر العراقية الذين يمثلون القوة والقدرة الشيعية التي يمكن أن تكون هي القوة المواجهة للسلطة.

ثالثاً: تحريض وحث الشخصيات السياسية ذات الطابع الوطني في العراق للتصدي ومواجهة الحكم ، وأبرز مثال على ذلك دعوته للشيخ محمد رضا الشبيبي للتصدي السياسي[198].

فكان بناء المساجد والحسينيات ونشر الكتبات العامة ودعمها مادياً ومعنوياً ، وتشكيل التنظيمات السياسية والإجتماعية مثل جماعة العلماء الذائعة الصيت ، ومطالبته بكتابة دستور إسلامي[199] ومحاربته للفكر الشيوعي سنة 1959م وللنظرية الإشتراكية سنة 1965م[200] تصب جميعها في هدف قيام الدولة الإسلامية.

وقد سار على نفس النهج الشهيد محمد باقر الصدر (قده) من بعده ، فكانت سياسته المطلبية واضحة ومعروفة[201] وقد تطرق لها الكثيرون ممن أرَّخوا لحياته الشريفة ، ولأن تلك المطالب مرتبطة بسياسات حكومات علمانية متغيرة الأهواء فقد أتسمت تلك المطالب بعدم الخضوع لثوابت محددة سواء عند الشهيد الصدر (قده) أو عند السيد محسن الحكيم (قده) من قبله.

 

ثالثاً. التـردد :

قال عادل رؤوف : (إنَّ منشأ التردد الذي طبع مرجعية آية الله السيد محسن الحكيم يتوزع على أكثر من محور :

ـ محور عدم الإيمان بتأسيس الدولة الإسلامية.

ـ محور العلاقة مع الأمة أو منهجه في رؤية دور الأمة.

ـ ومحور ذاتي- شخصاني)[202].   

وقال أيضاً : (إنَّ السيد الحكيم لم يقدم لا فكراً ولا نظرية عن الدولة والسلطة)[203].

 

بيّنا آنفاً توجه السيد محسن الحكيم (قده) لإقامة الدولة الإسلامية في العراق وعدم صحة ما نسبه عادل رؤوف إليه من عدم إيمانه بقيام دولة إسلامية.

كان لابد للسيد الحكيم (قده) أن يبعد مرجعيته عن التصدي المباشر لمسألة إستلام السلطة حفاظاً على المرجعية الدينية والحوزة العلمية عامة من بطش السلطات فيما لو جاهر بذلك ، وكان السيد الحكيم (قده) يعتمد على الأسلوب التدريجي في إنشاء الدولة فكان ما يشغله هو إعادة نشر المفاهيم الإسلامية بين المسلمين الذين تعصف بهم التيارات الإلحادية والإشتراكية والقومية والعلمانية ، فكيف يمكن أن يطرح نظرية تأسيس دولة إسلامية وهناك دولة تحرّم على رجل الدين الخوض في السياسة وهناك مجتمع يرفض أن يتدخل رجل الدين في السياسة وهناك مسلمين يهزئون بالكثير من المفاهيم الإسلامية وحتى الشهيد الصدر (قده) لم يصدر عنه بعد سنة 1960م ما يكشف عن رؤيته بتكوين دولة إسلامية بل كان حريصاً على نشر الإسلام ونشر المفاهيم الإسلامية أولاً ، وحتى السيد الخميني (قده) لم يجاهر بضرورة تكوين دولة إسلامية إلا من خلال بحثه الفقهي لولاية الفقيه العامة الذي أخذ يُدرّسه إبتداءاً من تاريخ 21 / 1 / 1970م[204] وما بعده ، فكانـت مرجعية السيد الحكيم (قده) تنهج منهجاً موضوعياً فتعمد إلى نشر الإسلام وقيمه السامية عبر العمل على إنشاء المكتبات وبناء المساجد والحسينيات وتشكيل الجمعيات الإسلامية ، في حين نجد إنَّ السيد الخميني (قده) حين نشر رأيه الفقهي بالولاية العامة للفقيه سنة 1970م فإن الأرضية في إيران كانت مهيأة للعمل والتدخل السياسي لرجال الدين من خلال نصوص صريحة في الدستور الإيراني تسمح لرجل الدين نقض أي قانون يتعارض مع الإسلام[205] ومن خلال سنوات طويلة من التهيئة والجهاد عبر السياسة المطلبية لإيصال الشعب الإيراني لمستوى تقبل فكرة الدولة الإسلامية والمطالبة بها.

وفي هذا المعنى يقول السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قده) : (ونحن إذا تتبعنا سير الحركة الشيعية نلاحظ أن القيادة الشيعية المتمثلة في أئمة أهل البيت كانت تؤمن بأن تسلم السلطة وحده لا يكفي ولا يمكن من تحقيق عملية التغيير إسلامياً ما لم تكن هذه السلطة مدعمة بقواعد شعبية واعية تعي أهداف تلك السلطة وتؤمن بنظريتها في الحكم وتعمل في سبيل حمايتها وتفسير مواقفها للجماهير وتصمد في وجه الأعاصير)[206].

من أجل ذلك نجد أنَّ (الشهيد الصدر (قده) عاش فترة تقرب من تسع سنوات ، وهي شبيهة بالفترة التي كانت بين وفاة الإمام الحسن عليه السلام وثورة الإمام الحسين عليه السلام فهي مقاربة تماماً من حيث الزمن ، والشهيد الصدر (قده) كان موجوداً ولم نعرف منه تلك الثورة التي عرفناها في أيامه الأخيرة ، وقد كان فكره وفهمه ومعرفته لكل الأشياء قائماً وموجوداً ، لأن الموقف السياسي يشبه موقف الإمام الحسن عليه السلام حتى تبدلت الأوضاع وتغيرت ، ففي الصدر الأول كان تغير الأوضاع بأن مات معاوية وحصل تخلخل سياسي في جهاز الحكم نتيجة موته ، لأنه كانت له هيمنة وسيطرة عجيبة على نفوس المسلمين في ذلك العصر. وكان تخلخل الأوضاع في عصرنا حصل في إنهيار نظام الشاه الذي كان مسيطراً على المنطقة ويمثل رمز الإستكبار العالمي وهيمنته في المنطقة ، وعندما إنهار هذا النظام أيضاً حصل تخلخل في الأوضاع السياسية في المنطقة ، فثار الشهيد الصدر (قده) وكانت ثورته هي أول طريق للدماء التي سالت في العراق الجريح)[207].

ومن أجل ذلك نجد الشهيد الصدر (قده) يمتنع عن إعلان المواجهة مع السلطة في إنتفاضة صفر 1977م بل يسعى للتهدئة[208]فلا يصح أن ينسب إليه مزاعم التردد في المواجهة كما لا يصـح نسبـة التردد المزعـوم للسيد محسن الحكيم (قده).   

  

يقول عادل رؤوف : (إتجه الحكيم نحو السياسيين والعسكريين لقيادة عملية إستلام السلطة ولكن الشيعة هم الأقلية في المراكز السياسية والعسكرية في العراق ، لذا فقد فشلوا في الوصول إلى السلطة بالشكل الذي كان يراه الإمام الحكيم)[209]. ويقول أيضاً : (لأن أداة التنفيذ عند الحكيم هي النخبة السياسية والعسكرية المدعومة من قبل الشعب والمرجع ، أما الخميني فأداة التغيير عنده الشعب الذي يقوده المرجع ، وبتحرك الشعب تكون القوى العسكرية والسياسية داعمة له)[210].

وكذلك فعل الشهيد الصدر (قده) حين إتجه نحو السياسيين والعسكريين لقيادة عملية إستلام السلطة[211] ، والشيعة وإن كانوا أقلية فإن الإنقلابات العسكرية لا تحتاج أكثر من فوج أو بضعة أفواج ، والتاريخ يشهد بذلك ، فضلاً عن إنَّ قتل الطاغية لا يحتاج سوى لشخص واحد ، وقد كان الشهيد الصدر (قده) يخطط لإغتيال الطاغية[212]، فما الذي يُعاب على مرجعية السيد الحكيم (قده) من هذه الناحية ؟

 

يقول عادل رؤوف : (والأمة مشكوك في إمكانية تحركها من وجهة نظره)[213].

ويقول أيضاً : (وكانت مصاديـق هذا التردد واضحة في مسيـرة آية الله السيد محسن الحكيم وعلـى سبيل المثال فهـو في أوج تحرش السلطـة التي جاؤت إلى العراق بعد إنقلاب 1968 كان متردداً في إعلان مواجهـة شاملـة معها)[214].

مزاعم تردد السيد الحكيم (قده) في إعلان مواجهة مع السلطة هي مزاعم مكذوبة ، فقد دخل السيد محسن الحكيم (قده) في صراع ومواجهة مباشرة مع السلطة البعثية منذ اليوم الأول إذ لم تكن هناك جهة سبقت السيد الحكيم (قده) في مواجهة البعثيين ، فقد رفض إستقبال أحمد حسن البكر ولو في بيته ، ثم قام بحركته الإحتجاجية في مناسبة الأربعين بسبب تسفير طلاب العلوم الدينية الإيرانيين ، ثم عقد الإجتماع الشهير في 27 صفر وذلك سنة 1969م والذي تطرق فيه إلى جملة من القضايا المهمة والمصيرية منها :

·        إنَّ العتبات المقدسة في العراق هي للمسلمين عامة ولا يحق لأي سلطة منع أي من الزائرين من أية دولة كانت.

·        وإنَّ الحوزات العلمية يجب أن تبقى مفتوحة لكل الطلاب من أبناء العالم الإسلامي.

·        وضرورة إيقاف التعامل الشرس للسلطة مع أبناء الشعب.

·        وإلغاء التشريعات والقوانين غير الإسلامية.

ثم قام بالسفر إلى بغداد والذي يعتبر دخولاً في مواجهة مكشوفة مع السلطة ، فقامت الوفود بإعلان البيعة للسيد الحكيم في بغداد ، وما تلا ذلك من ((أحداث تخاذل الجماهير))[215] بعد إتهام السلطة للسيد محمد مهدي الحكيم (قده) بمساعدة الأكراد والعمالة للأجنبي ووفاة السيد محسن الحكيم (قده) بعد ذلك بمدة قصيرة[216].  

لم يتردد السيد محسن الحكيم (قده) في إعلان مواجهة شاملة مع السلطة بل لقد أعلنها فعلاً غير أنه لم يجد القوة الجماهيرية اللازمة لإحداث التغيير لاسيما بعد التخاذل الجماهيري الذي حصل بعد حادثة تهمة السلطة لإبنه السيد مهدي الحكيم (قده) ، ولذلك نجد أن الشهيد الصدر (قده) هو أيضاً قد أخَّرَ إعلان تحركه الثوري إلى حوالي التسع أو العشر سنوات من فشل تحرك السيد محسن الحكيم (قده) ، بل أنه لم يعلن تحركه الثوري سنة 1979م إلا مضطراً كما سنبينه في الفصل القادم بمشيئة الله سبحانه.

 

ويقول عادل رؤوف : (أمـا فيمـا يتعلـق بآيـة الله السيـد محسن الحكيـم فيـؤكـد بعـض الذيـن عاشــوا مرحلتـه بأنـه كـان مرجعـاً (مسالماً) ويتخوف من المواجهة)[217]. ثم ذكـر إنَّ المدعو أحمد البغدادي هـو صاحب وصـف السيـد الحكيم (قده) بـ (المرجع المسالم)[218].

يستند أحمد البغدادي إلى جملة من العقد النفسية الشخصية والموروثة التي تجعله في موقف التعدي على مرجعية السيد الحكيم (قده) ومرجعية السيد الخوئي (قده) ومرجعية السيد السيستاني (حفظه الله) والحسد لهم ، ونحن ننزه قلمنا عن الخوض في تفاصيل تلك العقد النفسية ، وقد بيَّنا في إحدى الصفحات السابقة إنَّ أحمد البغدادي غير مؤهل من الناحية الفنية والشرعية للإعتماد على قوله.

 

ثم ينقل المؤلف عن حميد روحاني في كتابه (نهضت إمام خميني) قولاً منسوباً للسيد الحكيم (قده) عام 1965م ونصـه : (إني لا أرى عندي من يتبعني إذا قمت بالثورة)[219].

وبغض النظر عن صحة ما جاء في كتاب حميد روحاني فإن الوقائع تدعم الرأي القائل بتخاذل مجموع الأمة عن مرجعيتها في أوقات ذروة الأزمات ، ولنضرب مثالين قريبين على هذا من واقعنا :

 ـ تخاذل مجموع الأمة عن دعم مرجعية السيد الحكيم (قده) :

ففي الوقت الذي جاءت فيه الوفود تبايع السيد الحكيم (قده) في تحركه ضد السلطة بالآلاف ، لم يبقَ منهم أحد في نفس الليلة التي أعلنت فيها السلطة العفلقية عن إتهام إبنه السيد مهدي الحكيم (قده) بالخيانة حيث إنفض الناس عن السيد الحكيم (قده) وتركوه وحيداً يجابه الأجهزة الأمنية التي داهمت بيته وفتشته أكثر من أربع ساعات[220]، بل لم يزر السيد محسن الحكيم (قده) في إقامته الإجبارية بعد التفتيش المذكور أكثر من عدد الأصابع[221].

 ـ تخاذل مجموع الأمة عن مرجعية الشهيد الصدر (قده) :

لم يصدر أي تحرك شعبي مؤيد للشهيد الصدر (قده) منذ إنتفاضة رجب في حزيران 1979م وحتى إستشهاده في نيسان 1980م فلم تتحرك أي مظاهرة ولم يظهر أي رد فعل شعبي لدعم الشهيد الصدر (قده) في الحصار الذي كان مفروضاً عليه من قبل السلطة المقبورة والذي كان يعاني منه (قده) بل إنَّ بعض القياديين في حزب الدعوة الإسلامية هرب من العراق قبل أن تصدر السلطة قانون إعدام الدعاة[222] تاركين الشهيد الصدر (قده) يواجه السلطة بمفرده هرب من العراق في 25 / 3 / 1980م[223]، وأمام هذا التخاذل الشعبي لنصرة الشهيد الصدر (قده) نجد إصرار الشهيد الصدر (قده) على التضحية بنفسه من أجل إستنهاض الناس ولو كانوا ناهضين بمسؤولياتهم الدينية لما احتاج إلى التضحية بدمه الطاهر في سبيل ذلك[224].

 

 الصفحة الرئيسية

 

[178]  ... بين دكتاتوريتين ـ ص8.

[179]  المصدر السابق ـ ص220.

[180]  المصدر السابق ـ 227و228.

[181]  حزب الدعوة الإسلامية ، حقائق ووثائق ـ ص98.

[182]  ... بين دكتاتوريتين ـ ص256.

[183]   المصدر السابق ـ ص240 ، أيضاً : مرجعية الإمام الحكيم ـ ص352.

[184]  حزب الدعوة الإسلامية ، حقائق ووثائق ـ ص114.

[185]  المصدر السابق ـ ص629.

[186]  ... بين دكتاتوريتين ـ ص220.

[187]  المصدر السابق ـ ص222و223.

[188]  المصدر السابق ـ ص222.

[189]  المصدر السابق ـ ص222.

[190]  المصدر السابق ـ ص225.

[191]  حزب الدعوة الإسلامية ، حقائق ووثائق ـ ص101 و106.

[192]  ... بين دكتاتوريتين ـ ص226.

[193]  المصدر السابق ـ ص226.

[194]  ... بين دكتاتوريتين ـ ص230.

[195]  مرجعية الإمام الحكيم ـ ص179و219.

[196]  المصدر السابق ـ ص350.

[197]  المصدر السابق ـ ص353 ، سنوات الجمر ـ ص93.

[198]  المصدر السابق ـ ص352.

[199]  مجلة الإيمان ، العدد الثالث والرابع ، السنة الأولى ، كانون الأول والثاني 63ـ1964م ، النجف الأشرف ـ ص 182 و183 و269.

[200]  مرجعية الإمام الحكيم ـ ص343.

[201]   الإمام محمد باقر الصدر ، معايشة من قريب ـ ص110و111و134.

[202]   ... بين دكتاتوريتين ـ ص234.

[203]   المصدر السابق ـ ص239.

[204]   سنوات الجمر ـ ص124.

[205]   لمحات من حياة الإمام المجدد السيد الخوئي (قده) ـ ص87.

[206]   تاريخ الإمامية ـ مقدمة الشهيد الصدر (قده) ـ ص25.

[207]   مرجعية الإمام الحكيم ـ ص79.

[208]   شهيد الأمة وشاهدها ، القسم الثاني ـ ص81.

[209]   ... بين دكتاتوريتين ـ ص242.

[210]   المصدر السابق ـ ص242.

[211]   شهيد الأمة وشاهدها ، القسم الثاني ـ ص62و63وكذلك : الأمام محمد باقر الصدر ، معايشة من قريب ـ ص138و141.

[212]   شهيد الأمة وشاهدها ، القسم الثاني ـ ص63.

[213]   ... بين دكتاتوريتين ـ ص243.

[214]   المصدر السابق ـ ص250.

[215]   مرجعية الإمام الحكيم ـ ص328. أيضاً هامش صفحة 244 من كتاب ...بين دكتاتوريتين.

[216]   راجع تفاصيل هذه الأحداث في كتاب (مرجعية الإمام الحكيم) الصفحات 326-332 و 356-358 و 377-381.

[217]   ... بين دكتاتوريتين ـ ص249.

[218]   المصدر السابق ـ ص250.

[219]   ... بين دكتاتوريتين ـ هامش صفحة 253.

[220]   المصدر السابق ـ ص244 ، مرجعية الإمام الحكيم ـ ص328.

[221]   سنوات الجمر ـ ص122.

[222]   صدر القانون المشؤوم قانون إعدام الدعاة في 31 / 3 / 1980م ، وأستشهد الشهيد الصدر (قده) في 9 / 4 / 1980م على أرجح قولين.

[223]   حزب الدعوة الإسلامية ، حقائق ووثائق ـ ص372.

[224]   في ندائه الثاني يقول الشهيد الصدر (قده) : (وأنا أعلن لكم يا أبنائي إني صممتُ على الشهادة ) ـ شهيد الأمة وشاهدها ، القسم الثاني ، ص167.

 

 

الصفحة الرئيسية