بسم الله الرحمن الرحيم

حقائـق إنجيليـة

نبيـل الكرخي

 

الفصل السادس

 نشوء عقيدة تأليّه المسيح

 البداية كانت عندما أراد إبليس إغواء يسوع المسيح ففشل ( وبعدما جرَّبه إبليس بكل تجربة فارقه إلى حين )[1]، لكن إبليس لم يستسلم فأرسل اتباعه وجنوده من الجن والأنس ليوسوسوا للناس بالفكرة القائلة بأن المسيح اله وابن اله تجسد في هيئة البشر ونزل إلى الأرض ، وكان المجتمع الذي ظهر فيه المسيح مكوناً من خليط من اليهود والرومان المحتلين لفلسطين والمخالطين للسكان من اليهود ، وكانت الثقافتان اليونانية والرومانية واسعتا الانتشار وهي ثقافات وثنية تؤمن بتعدد الآلهة وتجسدها ، قال برنابا : ( وكانت عادة الرومان أن يدعوا كل من فعل شيئاً جديداً فيه نفع للشعب إلها ويعبدوه فلما كان بعض هؤلاء الجنود في نايين وبخوا واحداً بعد آخر قائلين : " لقد زاركم أحد آلهتكم وانتم لا تكترثون له حقاً لو زارتنا آلهتنا لأعطيناهم كل ما لنا وانتم تنظرون كم نخشى آلهتنا لأننا نعطي تماثيلهم افضل ما عندنا " ، فوسوس الشيطان بهذا الأسلوب من الكلام حتى انه أثار شغبا بين شعب نايين ولكن يسوع لم يمكث في نايين بل تحول ليذهب إلى كفر ناحوم ، وبلغ الشقاق في نايين مبلغاً قال معه قوم : إن الذي زارنا إنما هو إلهنا ، وقال آخرون : إن الله لا يُرى فلم يره أحد حتى ولا موسى عبده فليس هو الله بل هو بالحري ابنه ، وقال آخرون : انه ليس الله ولا ابن الله لان ليس لله جسد فيلد بل هو نبي عظيم من الله )[2] . وللتأكيد على صحة ما ذهب إليه برنابا في إنجيله في النص الآنف الذكر من إن الرومان كانوا يدعون كل من فعل شيئاً جديداً اله ،فإن لوقا في أعمال الرسل يروي حادثة أخرى من نفس النمط حين اخذ الناس يطلقون علـى الحاكم هيرودس صفة الإله قال : ( وفي اليوم المعين لبس هيرودس ثيابه الملوكية وجلس على العرش يخطب في الشعب ، فصاحوا : هذا صوت اله لا صوت إنسان )[3] ، وكذلك روى لوقا ما حدث عندما زار برنابا وبولس مدينة لسترة الرومانية حين أخذت جموع الناس تصيح " تشبَّه الآلهة بالبشر ونزلوا إلينا " وأطلقوا على برنابا اسم زيوس وعلى بولس أسم هرمس[4].

ومما ساعد الرومان في نشر فكرتهم الوثنية عن يسوع المسيح في حياته إن الشياطين التي كانت متلبسة في أجساد البشر والتي كان يسوع المسيح يستخرجها ويطردها عن تلك الأجساد كانت تستعمل آخر ما لديها من حيل الإغواء حيث تنادي يسوع علانية وتخاطبه بلقب "ابن الله" فينتهرها يسوع بشدة[5]، ويلتبس الأمر على بعض السُذَّج من الحاضرين بأن يسوع ابن الله تعالى وانه يريد إخفاء هذا الأمر لسبب ما !! ومن الغريب إن بولس واتباعه في كنيسة روما يستندون على  شهادة الشياطين[6] في إثبات صحة عقيدتهم في تأليّه المسيح !؟ .

إذن فان عقيدة تأليّه يسوع بدأت في حياته وانما تبناها بولس بشدة بعد ذلك وعمل على نشرها ، وقد فنَّدَ يسوع المسيح هذه الدعوة الباطلة علانية وقال : ( ليكن ملعوناً كل من يدرج في أقوالي أني ابن الله )[7].

واستطاعت الشياطين أن تحقق نجاحاً آخر في نشر دعوى إن المسيح هو ابن الله وذلك حين نجحت في خداع بولس واقناعه بهذه الفكرة واستسلامه لخداعها ، وهو نفسه يروي لنا أحداث خداعه من قبل الشياطين ، ذلك إن بولس كما بيّنا سابقاً كان من اشد المعادين ليسوع المسيح وذو سعي دائم في اضطهاد المؤمنين وتقتيلهم وسجنهم أينما وُجِدوا وذات مرة وفيما كان متوجهاً إلى دمشق لهذا الغرض وإذا به يسمع صوتاً يناديه بأسمه ويقول له : لماذا تضطهدني ؟.….أنا يسوع الذي أنت تضطهده[8] ، وبذلك بدأ بولس رحلته في الأيمان بيسوع ولكنه إيمان بعقيدة جديدة مخالفة لعقيدة يسوع المسيح ، إيمان مبني على فكرة الصليب وتاليّه المسيح . ولنناقش الآن قصة إيمان بولس لنوضح بعض الحقائق :

اضطراب لوقا في سرده لهذه القصة على لسان بولس ففي أعمال الرسل (9: 4و5) إن رفاق بولس سمعوا الصوت الذي نادى بولس ولم يروا أحد بينما في أعمال الرسل (22: 7و8) انهم لم يسمعوا ذلك الصوت ورأوا ضوء .

إنّ هذه الحادثة وقعـت في الصحراء في بلاد العرب في طريق بولس من أورشليم إلى دمشق ، وبعد مراجعتنا لمصادر التاريخ والتراث العربي وجدنا إن هناك ظاهرة تميزت بها الصحراء العربية وهي وجود الهواتف من الجن لمن يجتاز تلك الصحراء ، وقد عقد المؤرخ المسعودي في كتابه مروج الذهب فصلا هـو ( ذكر قول العرب في الهواتف والجان ) قال فيه : ( فأما الهواتف فقد كانت كثرت في العرب واتصلت بديارهم ) إلى أن يقول: ( ومن حكم الهواتف أن تهتف بصوت مسموع وجسم غير مرئي )[9]. وهو كما ترى وصف مطابق لما مرّ على بولس في الصحراء إثناء ذهابه إلى دمشق .

نستنتج مما سبق إن حادثة الهاتف الذي سمعه بولس في طريقه إلى دمشق إنما   هو صوت شيطاني أراد أن يُضِلّ بولس…. وقد نجح في ذلك .

وهكذا يتضح الدور الرئيسي الذي لعبه إبليس والشياطين في تكوين عقيدة بولس  ، والذي انطلى على الكثير من اتباعه إلى اليوم..مع الأسف……

 

 بولس والوثنيون…المزاعم والحقائق :

قال بولس في رسالته إلى اهل غلاطية ( 7:2 ) : ( عُهِدَ اليَّ في تبشير القُلف كما عُهِدَ الى بطرس في تبشير المختونين ) ، فقد اعتبر بولس نفسه مختصاً بتبشير القُلف أي الوثنيين ( اُطلِقَ عليهم هذا الاسم لانهم لم يكونوا يختتنون ) ، ولكن سيرة بولس التبشيرية تدل على غير ما زعم اذ انه بذل جهوداً كبيرة في تبشير المختونين ( واكثرهم من اليهود ) وفي العهد الجديد دلائل كثيرة على ذلك منها :

        ·        في اعمال الرسل (5:13) ان بولس في قبرس بدأ يبشر في مجامع اليهود .

        ·        في اعمال الرسل (14:13) ان بولس في انطاكية بدأ يبشر في مجمع اليهود .

        ·        في اعمال الرسل (1:14) ان بولس في ايقونية بدأ يبشر في مجمع اليهود .

        ·        في اعمال الرسل (1:17) ان بولس في تسالونيكي بدأ يبشر في مجمع اليهود.

        ·        في اعمال الرسل (11:17) ان بولس في بيرية بدأ يبشر في مجمع اليهود .

        ·        في اعمال الرسل ( 17:17) ان بولس في اثينا كان يبشر في مجمع اليهود .

        ·        في اعمال الرسل (4:18) ان بولس في كورنثوس كان يبشر في مجمع اليهود.

        ·        في اعمال الرسل (8:19) ان بولس في افسس كان يبشر في مجمع اليهود .

  وفي المقابل نجد ان بطرس كان يبشر الوثنيين[10] ـ بحسب ما جاء في العهد الجديد ـ ومن ذلك ما ورد في اعمال الرسل (44:10 ـ 48) و (1:11 ـ18) فدعوى اختصاص بولس بتبشير الوثنيين وبطرس بتبشير اليهود مما لا دليل عليه .

وهنا يرد سؤال مهم : لماذا خلت رسائل بولس من أي اشارة الى الزام المؤمنين من اصل يهودي العمل بالشريعة والختان[11] ؟ مع ان بولس كان يبشر اليهود وغيرهم كما بينّا و آمن به مؤمنون من أصل يهودي ووثني على السواء ، بل في كورنثوس آمن ببولس رئيس مجمع اليهود فيها وأهل بيته أيضاً[12] وفي تسالونيكي آمن به بعض اليهود[13].

الجواب عن هذا السؤال يتلخص في إن بولس قد كوَّن لنفسه عقيدة جديدة بعيداً عن تعاليم يسوع المسيح فهو لا يجد ضرورة في أن يعمل أحد بالشريعة وان الإيمان وحده يكفي سواء كان المؤمن من اصل يهودي أو وثني بل انـه نفسه وهو من أصل يهودي قد تخلى عن العمل بالشريعة إذ يقول ( ومع أني حر لدى الناس فقد جعلت من نفسي عبداً لجميع الناس كي اربح أكثرهم ، فصرت لليهودي يهودياً لأربح اليهود وصرت لأهل الشريعة من أهل الشريعة ـ وان لم اكن من أهل الشريعة ـ لأربح أهل الشريعة وصرت للذين ليس لهم شريعة كالذي ليس له شريعة لأربح الذين ليس لهم شريعة ، مع أني لستُ بلا شريعة من الله فأنا في حكم شريعة المسيح )[14]، ويقول في موضع آخر ( ليس الختان بشيء ولا القلف بشيء بل الخير في حفظ وصايا الله ، فليبق كل واحد على الحال التي كان فيها حين دعاه الله )[15] ، وهذا مخالف لما جاء به المسيح[16] الذي أمر بالتمسك بالشريعة حيث يقول : ( لا تظنوا أني جئت لابطل الشريعة أو الأنبياء ما جئت لابطل بل لاكمل ، الحق أقول لكم : لن يزول حرف أو نقطة من الشريعة حتى يتم كل شيء أو تزول السماء والأرض فمن خالف وصية من اصغر تلك الوصايا وعلم الناس أن يفعلوا مثله عُدَّ الصغير في ملكوت السماوات واما الذي يعمل بها ويعلمها فذاك يُعَدُّ كبيراً في ملكوت السماوات )[17] ، هذا هو حكم يسوع المسيح على بولس واتباعه .   

من جهة أخرى فنحن نعلم من خلال أسفار العهد الجديد إن بولس بدأ نشاطه التبشيري في بلاد العرب وانطلاقاً من دمشق بالتحديد وقضى في ذلك ثلاث سنوات[18]، ويبدوا انه فشل في جهوده التبشيرية هناك مما اضطره إلى العودة إلى مسقط رأسه في طرسوس[19]، ومن العوامل التي ساهمت في فشل جهوده التبشيرية في بلاد العرب إن العرب وان كانوا وثنيين إلا انهم لا يؤمنون بتجسد الآلهة بهيئة البشر كما هو حال الوثنيين الرومان بل إن وثنيتهم مقصورة على جعل الآلهة وسيلة تقربهم من الله عز وجل ، ومن جهة أخرى فأن الختان كان شائعاً عند العرب رغم وثنيتهم وليست لديهم أية مشكلة تجاهه وكذلك لم يكن للوثنيين العرب[20] شريعة صارمة كشريعة اليهود حتى يستطيع بولس أن يغريهم على تركها واعتناق شريعة سهلة تعتمد الإيمان دون الحاجة للأعمال الصالحة كما كان يفعل مع اليهود بعد ذلك من طرق الإغراء .


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

                  المقدمـة

                  الفصل الأول ـ حيـاة برنابـا

                  الفصل الثاني ـ إنجيل برنابـا

                  الفصل الثالث ـ شبهات حول إنجيل برنابـا

                  الفصل الرابع ـ حقائـق عن بولـس

                  الفصل الخامس ـ ساعـاة النجـاة

                  الفصل السابع ـ نظرة على الطبعات الحديثة للكتاب المقدس

                  الفصل الثامن ـ بحوث في الكتاب المقدس

                  المصـادر

 


[1] إنجيل لوقا (13:4) .

[2] إنجيل برنابا ( 48: 3-11) .

[3] أعمال الرسل ( 12: 21و22 ) .

[4] أعمال الرسل ( 14 : 8-12 ) .

[5] إنجيل لوقا (41:4) و (28:8) .

[6] وكذلك يستندون الى شهادة الرومان الوثنيين في أثبات صحة عقيدتهم !! حيث وردت في انجيل متى (54:27) وانجيل مرقس (39:15) شهادات قائد روماني وجنوده الرومانيين الوثنيين بأن يسوع هو ابن الله تعالى عما يصفون .

[7] إنجيل برنابا (35:53) .

[8] أعمال الرسل (9: 4و5 ) و (22: 7و8 ) و (26: 14و15 ) .

[9] مروج الذهب – المجلد الثاني ص 160 .

[10] واتباع بولس يعترفون بذلك ويعتبروه منهجاً لبولس في التبشير بأن يبشر اليهود اولاً ثم ينتقل لتبشير الوثنيين .

[11] عدا موضع واحد في رسالته الى اهل كورنثوس الاولى (18:7) قال ( فأن دعي مختون فلا يحاولن ازالة ختانه وان دعي اقلف فلا يطلبن الختان ) لكنه عاد لينتقص من الختان فقال ( ليس الختان بشيء ولا القلف بشيء ) .

[12] اعمال الرسل (8:18) .

[13] اعمال الرسل (4:17) .

[14] رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس (9: 19-23) .

[15] رسالة بولس الاولى الى اهل كورنثوس (7: 19و20) .

[16] ومخالف أيضاً لما جاء في رسالة يعقوب في العهد الجديد والتي خاطب فيها المؤمنين من أصل يهودي ـ وبولس منهم ـ وأكد فيها على ضرورة الالتزام بالشريعة والعمل بها وهي بخلاف دعوة بولس .

[17] انجيل متى (5: 17ـ19) .

[18] رسالة بولس الى اهل غلاطية (18:1) .

[19] اعمال الرسل (30:9) .

[20] أما اعتناق بعض العرب لعقيدة بولس بعد الميلاد بقرون وقبل ظهور الاسلام فقد كان لأسباب سياسية ومنهم المناذرة في الحيرة في العراق والغساسنة في بلاد الشام ، وقد أهمل بولس بعد عودته الى طرسوس امر العرب ولم يبذل أي جهد في تبشيرهم ولم يكتب أي رسالة لهم .

 

الصفحة الرئيسية