بسم الله الرحمن الرحيم

حقائـق إنجيليـة

نبيـل الكرخي

 

الفصل الرابع

 حقائق عن بولس

 

من أهم الحقائق التي كشف عنها إنجيل برنابا هو انحراف بولس عن عقيدة يسوع المسيح واتخاذه عقيدة جديدة عرفت فيما بعد بأسم " الدين المسيحي " ، وهذه المسالة تشكل أهم العقبات أمام المسيحيين للأيمان بصحة إنجيل برنابا لان هذا الأيمان يصاحبه اعترافهم بانحراف بولس وانهيار أسباب بقائهم على اعتناق الدين المسيحي .

سنحاول في هذا الفصل الكشف عن بعض ملابسات أيمان بولس وتوضيح حقيقة اختلافه مع أكابر الرسل تلاميذ المسيح وابتداعه لعقيدته الجديدة " المسيحية " وذلك بالاعتماد على بعض ما ورد في العهد الجديد لكي تكون الحجة ابلغ ، حيث نبين انحراف بولس من كتابهم المقدس نفسه من جهة ، وصحة ما جاء في إنجيل برنابا من جهة أخرى .

 

حياة بولس :

ولد بولس في سنة قريبة من السنة العاشرة بعد الميلاد[1] ، في مدينة طرسوس[2] ، وهو يهودي من سبط بنيامين[3] ، وكان له اسمان أحدهما عبري وهو شاول والآخر روماني وهو بولس[4] .

انتقل بولس من طرسوس إلى أورشليم في سنة لا نعرفها وتربى في حلقة عالم من كبار علماء اليهود يدعى جملائيل[5]، وكان بولس شديد التعلق بمذهب الفريسيين[6]وهو مذهب متشدد في الحفاظ على الشريعة وسنة الأقدمين في أمور الطهارة ومراعاة السبت …الخ ، وكانوا يؤمنون بالملائكة والأرواح والقيامة بعد الموت[7].

كان بولس يعمل في صناعة الخيام التي اشتهر بها أهل طرسوس ، وعمل بها حتى في أيام دعوته المسيحية الجديدة[8] .

عاصر بولس الفترة التي ظهر فيها يسوع ورآه[9]ولابد انه قد حضر مناضرات يسوع مع الفريسيين وقد كان بولس واحدا منهم ورأى معجزات يسوع تجري على يده[10]، من إحياء الموتى وشفاء المرضى وطـرد الشياطين ورغم ذلك لم يؤمنوا به ، بـل الأناجيل تروي لنا ان الفريسيين ـ  وبولس واحد منهم بلا شك ـ كانوا يتآمرون لقتل يسوع[11]وعقدوا مع الأحبار اجتماعا لهدا الغرض، ولابد انه كان أحدا الذين ذهبوا لاْ لقاء القبض على يسوع بعد خيانة يهوذا الاْسخريوطى ، نقول ذلك لان مكانة بولس بين الفريسين كانت متميزة وكان حريصا على اضطهاد يسوع والموْمنين به ويتتبعهم بالعذاب والقتل في كل مدينة وقرية ، يقول بولس عن نفسه: ( أما أنا فكنت أرى واجبا علي أن أقاوم اسم يسوع الناصري مقاومة شديدة وهذا ما فعلت في أورشليم إذ تلقيت التفويض من الأحبار فحبست بيدي في السجون عددا كثيرا من القديسين وكنت موافقا لما اقتُرِعَ على قتلهم وكثيرا ما عذبتهم متنقلا من مجمع إلى مجمع لأحملهم على التجديف ، وبلغ مني السخط كل مبلغ حتى أخذت أطاردهم في المدن الغريبة ، فمضيت على هذه الحـال إلى دمشق ولي التفويض والتوكيل من الأحبار )[12]، فكان بولس يعيث في الكنيسة فسادا يذهب من بيت إلى بيت فيخرج الرجال والنساء ويلقيهم في السجن[13].

على أية حال فقد عاصر بولس يسوع وراه وهو يعظ ويحي الموتى ويشفي المرضى ويطرد الشياطين ، وتآمر مع بقية الفريسيين على قتل يسوع حتى صلبوا شبيهه وهم لا يعلمون واستمر في اضطهاد المؤمنين حتى جاءت لحظة المفاجئة الكبرى حينما قرر بولس الانقلاب والأيمان بيسوع على نحو التأليه والقيامة من الأموات ، ولما كان إبليس اللعين قد فشل في تجربة يسوع المسيح وخداعه فانهزم أمامه[14] ، لكنه عاد من جديد بعدما علم ما يدور في راس بولس من أفكار وطموح ليجربه ويخدعه فكان الصوت الشيطاني الذي انطلق في أعماق عقل بولس ( شاول ) قائلا : ( شاول شاول لماذا تضطهدني …..أنا يسوع الذي أنت تضطهده )[15]، فكان الانقلاب الفكري تلك اللحظة قد حدث بعد اكتمال عوامله التي سنتطرق إليها لاحقا ، فاكمل طريقه إلى دمشق ليعلن للمؤمنين اعتناقه لمبادئهم التي كان يضطهدهم عليها ، لكنه اصطدم بمسالتين :

1.  إن المؤمنين بيسوع يعرفون بولس فريسياً يهودياً ومن اشد أعدائهم قسوة واضطهاداً ليسوع ولهم ، فكان من الصعب أن يصدقوا تحولـه المفاجئ وان لا يعتبروا ذلك مكيدة منـه لاضطهادهم .

2.  إن بولس آمن بيسوع على نحو التأليه وانه قد صلب وقام من بين الأموات بينما المؤمنون بيسوع يقولون انه نبي وانه لم يصلب بل انهم رأوا يسوع وكلموه بعد صلب شبيهه .

فأما المسألة الأولى فقد تكفل الحواري برنابا بتذليلها أمام بولس حيث كفله عند المؤمنين ، فدخل بولس مجتمعهم من خلال ذلك . ولعل الحواري برنابا قد فعل ذلك ليكفي المؤمنين شره ولو لحين فيما إذا كانت مسألة أيمانه خدعة منه .

واما المسالة الثانية فقـد عالجها بولس بان كتم عقيدته الجديدة مع الدعوة أليها بصورة سرية طيلة 14 سنة ( من إظهاره الأيمان بيسوع سنة 36م إلى انتهاء انعقاد أول مجمع لتلاميذ المسـيح سنة 50م ) ، يقول بولس نفسه عن هذه المسألة : ( ثم بعد أربعة عشر عاما صعدت أيضاً إلى أورشليم مع برنابا آخذاً معي تيطس أيضاً ، وانما صعدت بموجب إعلان ، وعرضت عليهم الإنجيل الذي ابشر به بين الأمم ولكن بالانفراد على المعتبرين لئـلا يكون مسعاي في الحاضر والماضي بلا جدوى )[16]، ونحن لا نعرف سببا لهذه السرية سوى انه كان يحمل لتلاميذ المسيح أفكارا ومبادئ جديدة يريدهم أن يعتنقوها ، مع إن يسوع المسيح قال : ( أني كلمت العالم علانية أني علَّمت دائمـاً في المجمع والهيكل حيث يجتمع اليهود كلهـم ولم أقـل شيئاً في الخفية )[17].

وبعد ذهاب بولس مع برنابا وبرسابا وسيلا إلى إنطاكية[18]قرر إعلان عقيدته الجديدة في يسوع المسيح : ( ننادي بمسيح مصلوب )[19]، فانفصل بذلك عن بطرس ويعقوب وبرنابا وبقية المؤمنين واخذ يبث دعوته بالاعتماد على أتباعه السرييـن الذين كونهم طيـلة 14 سنة من الخداع لتلاميذ المسيح والمؤمنين .

 

العوامل التي دفعت بولس

لاعتناق دين جديد :

1.  ولد بولس من سبط بنيامين وقد أطلق عليه عند ولادته اسم عبراني هو شاول[20]، ولعل هذا الاسم كان تيمناً بالملك الشاب شاول الذي ينتمي لنفس السبط والذي اصبح ملكا على إسرائيل وهو في الثلاثين من عمره[21]، فكان لبولس طموح عالي في أن يصبح ذو رئاسة مثل جده الملك الشاب شاول .

2.  كان شاول في حوالي العشرين من عمره عندما بدأ يسوع دعوته ، أي في طور التحول من الفتوة إلى الشباب وما يرافق ذلك من تحمس وحب التغيير ، لاسيما وان بولس بعد سنوات من التزامه بالمذهب الفريسي واضطهاده ليسوع والمؤمنين به وجد أن ذلك لا يلبي طموحه في الرئاسة والزعامة التي وصل إليها جده الملك شاول فلا بد من وسيلة أخرى للوصول لتلك الزعامة .

3.  كان بولس وبقية الفريسيين يظنون أن يسوع أراد أن يصبح ملكاً على اليهود بدليل انهم حين صلبوا شبيهه كتبوا على الصليب عبارة ( هذا يسوع ملك اليهود )[22]، فظن بولس إن هذا الطريق يؤدي إلى رئاسة اليهود .

4.  لم يكن بولس على اطلاعٍ كافٍ بدعوة يسوع لأنه أيام المسيح كان معاديا له ، يضاف لذلك ثقافة بولس اليونانية[23] الوثنية إلى جانب مذهبه الفريسي الذي يؤمن بقيامة الأموات قد مهدت كلها لعقيدته الجديدة لاسيما بعد أن قام بصلب شبيه المسيح وهو يظنه المسيح نفسه ثم سمع بعد ذلك إن المسيح ما زال موجودا بين الناس ثم رُفِعَ إلى السماء فظن بولس انه صلب ثم قام من بين الأموات.

هذه ابرز العوامل التي دفعت بولس لاعتناق عقيدته الجديدة وتأسيسه للدين المسيحي .

 

أتباع بولس :

ظهر يسوع المسيح لأكثر من 500 شخص بعد صلب شبيهه وقبل رفعه إلى السماء[24] ومع ذلك فان أيَ واحدٍ منهم لم يكن من اتباع بولس ، ونجد بولس يقول في حوالي سنة 63م إن ارسترخس ومرقس ويسطس هم " وحدهم من اليهود الذين عملوا معي في سبيل ملكوت الله فكانوا عونا لي"[25]ولم يُنقَل إنَّ أياً من هؤلاءِ الثلاثة قد رأى المسيح !!!

كان لبولس 12 معاون من اصل غير يهودي ( وثني ) هم :

تيموثاوس : ورد اسمه في أعمال الرسل (1:16) و (22:19) أرسل بولس له رسالتين هما    ضمن أسفار العهد الجديد .

سيلا : ورد اسمه في أعمال الرسل (40:15) .

أرستُس : ورد اسمه في أعمال الرسل (22:19) .

تيخيكُس : ورد اسمه في أعمال الرسل (4:20) وفي رسالة بولس إلى أهل افسس (21:6)

تروفيمس : ورد اسمه في أعمال الرسل (4:20) و(29:21) .

ترتيوس : ورد اسمه في رسالة بولس إلى أهل روما (22:16) .

تيطس : ورد اسمه في رسالة بولس الثانية إلى أهل كورنثوس (16:8) .

ابفراس : ورد اسمه في رسالة بولس إلى أهل كولسي ( 7:1) و ( 14 :12ـ13) وفي              رسالة بولس إلى فيلمون ( 23 ) .   

أونسيموس : ورد اسمه في رسالة بولس إلى أهل كولسي ( 9:4 ) .

لوقا : ورد اسمه في رسالـة بولس إلى أهـل كولـسي (9:4) ورسالـة بولس إلى فيلمون (23).

ديماس : ورد اسمه في رسالة بولس إلى أهل كولسي (14:4) ورسالته إلى فيلمون (23) لكنه ترك بولس قبل مقتله بفترة قليلة وزعم بولس إن ديماس تركه حباً للدنيا[26] !!

أرخيبوس : ورد اسمه في رسالة بولس إلى فيلمون ( 2 ) .

 

فأين ذهب تلاميذ المسيح الاثني عشر وهم أكابر الرسل بل أين ذهب الخمسمائة مؤمن الذين رأوا يسوع قبل رفعه إلى السماء ؟ لماذا لم يتعاونوا مع بولس ولم يُذكر اياً منهم في رسائله ، وكأنه الوحيد الذي عرف المسيح وامن به !؟

الجواب واضح بلا شك ، فقد كان بطرس خليفة المسيح والمؤمنون في وادٍ ، وبولس واتباعه في وادٍ آخر .

 

الخلاف بين أكابر الرسل وبولس :

إن ما أشار إليه برنابا في إنجيله من تنديدٍ ببولس واتهامه بتحريف رسالة المسيح هو تأكيد لحقيقة وجود خلاف عقائدي بين أكابر الرسل وهم تلاميذ المسيح وبين بولس ، وهذا الخلاف العقائدي  له شواهد كثيرة ومعتبرة في العهد الجديد .

1.  الخلاف بين بطرس وبولس :

 اتهم بولس كلا من بطرس وبرنابا بالرياء[27]، وكذلك اختلف بولس مع بطرس في شأن المعمودية ، وسنتطرق بشيء من التفصيل إلى هاتين المسالتين في الفقرتين الآتيتين على التوالي.

2.  الخلاف بين برنابا وبولس :

قال برنابا في مقدمة إنجيله : ( أيها الأعزاء إن الله العظيم العجيب قد افتقدنا في هذه الأيام الأخيرة بنبيه يسوع المسيح برحمة عظيمة للتعليم والآيات التي اتخذها الشيطان ذريعة لتضليل كثيرين بدعوى التقوى مبشرين بتعليم شديد الكفر داعين المسيح ابن الله ورافضين الختان الذي أمر به الله دائما ومجوزين كل لحم نجس ، الذين ضلَّ في عدادهم بولس الذي لا أتكلم عنه إلا مع الأسى وهو السبب الذي لأجله اسطر ذلك الحق الذي رايته وسمعته إثناء معاشرتي ليسوع لكي تخلصوا ولا يضلكم الشيطان فتهلكوا في دينونة الله ، وعليه فاحذروا كل أحد بتعليم جديد مضاد لما اكتبه لتخلصوا خلاصا أبديا ) ، وورد مثل هذا في خاتمة إنجيله .

فبذلك نجد إن الخلاف بين برنابا وبولس هو خلاف عقائدي نتيجة ثبات برنابا على عقيدته التي تعلمها من المسيح وانحراف بولس نحو تعليم جديد لم يبشر به يسوع المسيح ، واما رواية العهد الجديد حول سبب الاختلاف بينهما فهي رواية غير مقبولة وسوف نستعرضها الآن ونبين أسباب عدم قبولنا لها :

 قال لوقا في أعمال الرسل : ( وبعد بضعة أيام قال بولس لبرنابا : " لنعد فنفتقد الاخوة في كل مدينة بشرنا فيها بكلام الرب ونرى كيف أحوالهم " ، فأراد برنابا أن يستصحب يوحنا الذي يلقب بمرقس ورأى بولس أن لا يستصحب من فارقهما في بمفيلية ولم يكن معهما في إبان العمل ، فتنازعا حتى فارق أحدهما الأخر فاستصحب برنابا مرقس وأبحر إلى قبرس واما بولس فاختار سيلا ومضى بعد أن استودعه الاخوة نعمة الله فطاف سورية وقيلقية يثبت الكنائس ، وقَدِمَ دربة ثم لسترة )[28] .

ولنناقش الآن هذه الرواية :

·  إن مرقس واسمه يوحنا هو كاتب الإنجيل الثاني المشهور باسمه في العهد الجديد ـ بحسب التقليد المسيحي ـ وكان مرقس أحد وجهاء كنيسة أورشليم ومن كبار المبشرين بالإنجيل ! وهو الذي انشأ كنيسة الإسكندرية وقتل فيها سنة 68م [29]، ومن ذلك نستنتج إن انفصاله عن رحلة برنابا وبولس في بمفيلية وعودته إلى أورشليم لابد وأنها كانت لمصلحة الإنجيل ، في حين إن الرواية المذكورة تشير إلى انه قد تركهم تقاعساً وتكاسلاً عن خدمـة الإنجيل وهذا ما لا يمكن لأي مسيحي أن ينسبه إلى مرقس .

·  إن هناك علاقة حميمة كانت تربط بولس مع مرقس حيث نجد إن بولس قـد وصف مرقس بصفـة المعاون له في التبشير وذلك في رسالته إلى فيلمون ( 24 ) ، وأقام مرقس مع بولس في أثناء اسر بولس في روما سنة ( 61-63 )م وذكره بولس في رسالته إلى أهل كولسي (10:4) ووصفه بأنه أحد الذين عملوا معه في سبيل ملكوت الله ، وطلب بولس من تيموثاوس في رسالته الثانية إليه (11:4) اصطحاب مرقس إليه في أسره الثاني في روما سنة 66م .

·  قال بولس نفسه في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس (6:9) : ( أم أنا وبرنابا وحدنا لا يحق لنا أن نمتنع عن العمل ؟ ) ، فهو إذن يرى إن الامتناع عن العمل من حق الرسل وخدم الإنجيل ، فمن المستبعد أن يختلف بولس مع برنابا من اجل مزاعم امتناع مرقس عن العمل معهم ، إذ إن الخلاف بينهما اعمق من هذا .

 

3.  الخلاف بين أبُلُّس وبولس :

   قال بولس في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس (4:3) : ( وإذا كان أحدكم يقول أنا مع بولس والآخر : أنا مع أَبُلُّس ، أ لـيس في ذلك دليل على إنكم بشر ) ، وفي نفس الرسالة (12:16) : ( أما أخونا أَبُلُّس فقد ألححت عليه كثيرا أن يذهب إليكم مع الاخوة فأبى بإصرار أن يأتيكم في الوقت الحاضر ، وسيذهب عندما تسنح له الفرصة ) .

ولم يذكر بولس سبب رفض أَبُلُّس التعاون معه ، وبدت هذه الجملة الأخيرة وكأنها وشاية عن أَبُلُّس .

وقد أشار لـوقا ـ وهو تلميذ بولس ـ في أعمال الرسل إلى الخلاف بين أَبُلُّس وبولس فقال : ( وقدم أفسس يهودي أسمه أَبُلُّس من أهل الإسكندرية فصيح اللسان متبحر في الكتب وكان قد لُقِّن طريقة الله وأخذ يتكلم بقلب مضطرم ويُعلِّم ما يختص بيسوع تعليما دقيقا ولكنه لم يكن يعرف سوى معمودية يوحنا فشرع يتكلم في المجمع بجرأة ) ،إلى أن يقول : ( فقد كان يرد على اليهود علانية ردا قويا مبينا من الكتب إن يسوع هو المسيح ، وبينما أَبُلُّس في كورنثوس وصل بولس إلى أفسس بعدما جاز أعالي البلاد فلقي فيها بعض التلاميذ فقال لهم : هل نلتم الروح القدس حين آمنتم ؟ قالوا : لا ، حتى إننا لم نسمع إن هناك روح قدس ، فقال : فأية معمودية أعتمدتم ؟ قالوا : معمودية يوحنا ، فقال بولس : إن يوحنا عمد معمودية التوبة طالبا من الشعب أن يؤمنوا بالذي يأتي بعده أي يسوع ، فلما سمعوا ذلك اعتمدوا باسم الرب يسوع ووضع بولس يده عليهم ! ) .

   من هذا النص نستنتج إن أَبُلُّس كان متعمقا في دراسة الإنجيل وتعاليم يسوع المسيح ومن هذه صفاته لا يخفى عليه أمر المعمودية ، وحيث انه كان يعمد بمعمودية يوحنا فهذا يدل على إنها نفسها معمودية المسيح وان المسيح لم يغيِّرها أو يأمر بتغييرها بعده ، وكان بطرس يعمد بمعمودية يوحنا أيضا ( أي التعميد بالماء ) فقد روى لوقـا عنه في أعمال الرسل (47:10) : ( فقال بطرس : أيستطيع أحد أن يمنع هؤلاء من ماء المعمودية وقد نالوا الروح القدس مثلنا ) ، وفيليبس عمد وزير ملك الحبشة بالماء أي بمعمودية يوحنا[30]، فهي إذن معمودية أكابر الرسل تلاميذ المسيح والتي أبدلها بولس بمعمودية جافة ! بوضع اليد فقط[31].

 

4.  الخلاف بين يعقوب وبولس :

        هو يعقوب أخو الرب كما أطلق بولس هذا الاسم عليه[32]، ورد ذكره في إنجيل متى (55:13) من بين اخوة يسوع المسيح ، وفي العهد الجديد رسالة باسمه ، وصار رئيس كنيسة أورشليم بعد ترك بطرس لها[33]، وقيل انه يعقوب بن حلفي أحد التلاميذ الاثني عشر[34]، يروي لوقا في أعمال الرسل (15: 19و20و28) إن يعقوب هذا هو الذي اقترح عدم إلزام المؤمنين من أصل وثني ( غير يهودي ) بالعمل بالشريعة ( التوراة ) وان مجمع سنة 50م قد اخذ برأيه.

        وفي المقابل فان يعقوب هذا كان من اشد المدافعين عن مسالة وجوب إلزام المؤمنين من اصل يهودي بالعمل بالشريعة ( التوراة ) ورسالته في العهد الجديد والتي وجهها إلى المؤمنين من بني إسرائيل طافحة بهذه الدعوة ، ومما جاء فيها : ( وقد يقال : أنت تؤمن وأنا اعمل ، فارني إيمانك من غير أعمال أُرِكَ بأعمالي أيماني ، أنت تؤمن بان الله واحد فقد أصبت وكذلك الشياطين تؤمن به وترتعد ، أتـحب أن تعلم أيها الأبـله إن الأيمان من غيـر أعمال شيء عقيم )[35].

        لكننا نجد إن بولس وهو من اصل يهودي قد تخلى عن العمل بالشريعة ( التوراة ) واتخذ لنفسه شريعةً جديدةً وديناً جديداً ، وهو يعترف بذاك عن نفسه فيقول : ( وصرت لأهل الشريعة من أهل الشريعة وان كنت لا اخضع للشريعة )….( مع إن لي شريعة من الله بخضوعي لشريعة المسيح )[36].

  

أعتراف بولس بوجود الخلاف مع أكابر الرسل :

   وللتأكيد على ما ورد في إنجيل برنابا من وجود الخلاف العقائدي بين برنابا وبولس فقد وردت في رسائل بولس العديد من الاعترافات الصريحة المباشرة وغير المباشرة بوجود مثل تلك الخلافات بينه وبين تلاميذ المسيح الذين أطلق عليهم هو نفسه اسم " أكابر الرسل " ، وسوف نستعرض تلك الاعترافات حسب تسلسلها الزمني وكالآتي :

 

1. رسالة بولس الأولى إلى أهل تسالونيكي…كتبها حوالي (51-52)م.

      افتتحها بذكر اسمه واسم معاونيه سلوانس ( سيلا ) وتيموثاوس ، أما سلوانس فهو من اصل غير يهودي ( اصل وثني )[37]، واما تيموثاوس فهو من أم يهودية وأب يوناني[38]، ولم يذكر بولس في هذه الرسالة أياً من تلاميذ المسيح مثل بطرس وبرنابا ويعقوب وغيرهم ، وهذا يدل على انه لم يكن على نفس منهجهم الفكري والعقائدي وإلا لكان ذكرهم جميعاً ولتحدث باسمهم جميعا لاسيما وانهم اقدم منه إيماناً وهم الشهود على التعاليم الحقيقية التي جاء بها يسوع المسيح ، وعدم ذكره أسمائهم في جميع رسائله هي ظاهرة جديرة بالاهتمام لأنـها تؤكـد ما ذكرناه من الخلاف بينه وبينهم .

 

2. رسالة بولس الثانية إلى أهل تسالونيكي…كتبها حوالي (51-52 )م .

   أفتتحها أيضاً بذكر اسمه واسم سلوانس ( سيلا ) واسم تيموثاوس فقط دون الإشارة إلى غيرهم من الرسل والتلاميذ .

 

3. رسالة بولس إلى أهل غلاطية …كتبها حوالي سنة 54م.

   افتتحهـا بولس بذكر اسمه فقط ، وذكـر فيـها صراحة وجود مخالفـين لـه فـي العقيدة فقال : ( عجبت لسرعة تخليكم هذه عن الذي دعاكم بنعمة المسيح وانصرافكم إلى إنجيل آخر وما هناك إنجيل آخر بل هناك قوم يلقون البلبلة بينكم وبغيتهم أن يبدلوا إنجيل المسيح )[39].

 

4. رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس…كتبها في ربيع سنة 57م.

   ذكر فيها صراحة وجود مؤمنين لا يعترفون بصلب المسيح كما هو حال برنابا في إنجيله ، فقال: ( لان الكلام على الصليب حماقة عند الذين يسلكون سبيل الهلاك )[40] .

 

5. رسالة بولس الثانية إلى أهل كورنثوس…كتبها في خريف سنة 57م.

   يذكر فيها بولس صراحة وجود دعوات مخالفة لدعوته من بين أكابر الرسل ، قال :  ( فلو جاءكم أحد يبشركم بيسوع آخر لم نبشركم به ويعرض عليكم روحا غير الذي نلتموه وأنجيل غـير الـذي قبلتمـوه لاحتملتموه أحسـن احتمـال ، وأرى أني لست أقل شأناً من أولئك الرسل الأكابر  )[41]، فبين إن أصحاب الدعوات المضادة هم أكابر الرسل تلاميذ يسوع المسيح ومنهم بطرس ويعقوب وبرنابا وأَبُلُّس ثم اخذ يشتم أكابر الرسل تلاميذ المسيح فقال : ( لان هؤلاء القوم رسل كذابون وعَمَلَة مخادعون يتزيون بزي رسل المسيح ولا عجب فالشيطان نفسه يتزيا بزي ملاك النور فليس بغريب أن يتزيا خدمه بزي خدم البر ولكن عاقبتهم تكون على قدر أعمالهم )[42]، ثم يعود ليبين إن أصحاب الدعـوات المخالفـة لدعوتـه هم أكابر الرسل فيقول : ( فكان من حقي عليكم أن تُعَظِّموا شأني ولستُ أقلُ شأناً من أولئك الرسل الأكابر )[43] .

ويشير بولس الى ان اصحاب الدعوات المخالفة لدعوته قد حققوا نجاحاً ادى الى فقدانه نفوذه العقائدي في اسيا حيث يقول : ( فانّا لانريد أيها الاخوة ان تجهلوا الشدَّة التي ألمَّت بنا في اسيا فثقُلَت علينا جداً وجاوزت طاقتنا حتى يئسنا من الحياة )[44] .

 

6. رسالة بولس الثانية إلى تيموثاوس..كتبها حوالي سنة 66م ، قبل مقتله بسنة واحدة.                 

 يعترف فيها بحدوث الانشقاق بينه وبين تلاميذ يسوع المسيح وهم كنيسة أورشليم وكنيسة إنطاكية فيقول : (أنت تعرف ان جميع الذيـن في اسـيا تخلّو عني ومنهم فيجلُّسُ وهرموجينيس )[45] .

 

  وهكذا يتضح جلياً وجود الخلاف العقائدي بين أكابر الرسل وبين بولس ، بين الذين رأوا يسوع المسيح وامنوا به من جهة وبين من اضطهد يسوع وحاول صلبه وقتله ثم زعم الأيمان بألوهيته المزعومة من جهة أخرى .

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

                  المقدمـة

                  الفصل الأول ـ حيـاة برنابـا

                  الفصل الثاني ـ إنجيل برنابـا

                  الفصل الثالث ـ شبهات حول إنجيل برنابـا

                  الفصل الخامس ـ ساعـاة النجـاة

                  الفصل السادس ـ نشوء عقيدة تأليّه المسيح

                  الفصل السابع ـ نظرة على الطبعات الحديثة للكتاب المقدس

                  الفصل الثامن ـ بحوث في الكتاب المقدس

                  المصـادر

 


[1] العهد الجديد ( بولس باسيم ) ـ ص 575  .

[2] أعمال الرسل ( 11:9) .

[3] رسالة بولس إلى أهل روما ( 1:11) .

[4] أعمال الرسل (9:13) .

[5] العهد الجديد ( بولس باسيم ) ـ ص 575  ، و أعمال الرسل (3:22) .

[6] أعمال الرسل (5:26) و (6:23) ورسالة بولس إلى أهل غلاطية (14:1) .

[7] العهد الجديد ( بولس باسيم ) ـ ص 1023  .

[8] أعمال الرسل (3:18) .

[9] رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس ( 1:9) ، قال فيها : أو ما رأيت ربنا يسوع ؟  .

[10] انظر مثلا إنجيل متى (12 : 9ـ14) .

[11] إنجيل متى (12 : 14 ) وانجيل يوحنا  ( 11: 46 ـ 54 ) . 

[12] أعمال الرسل (26 : 9ـ12) و (22: 19ـ21) .

[13] أعمال الرسل (3:8) .

[14] إنجيل متى (11:4) وانجيل برنابا (5:14) .

[15] أعمال الرسل (9: 4و5) و (22: 7و8) و (26: 14و15) .

[16] رسالة بولس إلى أهل غلاطية (2 :1و2) .

[17] إنجيل يوحنا (20:18) .

[18] أعمال الرسل ( 15: 25 و27 و30) .

[19] رسالة بولس الأولى الى أهل كورنثوس (23:1) .

[20] أعمال الرسل (9:13) .

[21] صموئيل الأول (1:13) .

[22] إنجيل متى (37:27) .

[23] العهد الجديد ( بولس باسيم ) ـ ص575 .

[24] رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس (6:15) .

[25] رسالة بولس إلى أهل كولسي (11:4) .

[26] رسالة بولس الثانية إلى تيموثاوس (9:4) .

[27] رسالة بولس إلى أهل غلاطية (2 : 11ـ14 ) .

[28] أعمال الرسل ( 15 : 36 ـ 16 : 1 ) .

[29] العهد الجديد ( المطبعة الكاثوليكية ) ـ ص 103 .

[30] أعمال الرسل (38:8) .

[31] أعمال الرسل (6:19) و الرسالة إلى العبرانيين (2:6) .

[32] رسالة بولس إلى أهل غلاطية (19:1) .

[33] العهد الجديد (بولس باسيم) ـ ص511 الهامش .

[34] المصدر السابق ـ ص 892 .

[35] رسالة يعقوب (2: 18ـ20) .

[36] رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس (9: 19ـ23).

[37] يدل على ذلك إن بولس لم يذكره مع من ذكرهم من اتباعه الذين هم من اصل يهودي في رسالته إلى أهل كولسي ( 4: 10و11) ، بالإضافة إلى إن لديه

   اسمين غير يهوديين .

[38] أعمال الرسل ( 16: 1-3 ) .

[39] رسالة بولس إلى أهل غلاطية ( 1: 6و7 ) .

[40] رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس (18:1) .

[41] رسالة بولس الثانية إلى أهل كورنثوس (11: 4و5 ) .

[42] رسالة بولس الثانية الى أهل كورنثوس (1: 13-15 ) .

[43] رسالة بولس الثانية الى أهل كورنثوس ( 12: 11 ) .

[44] رسالة بولس الثانية الى أهل كورنثوس (8:1) .

[45] رسالة بولس الثانية إلي تيموثاوس ( 1: 15 ) .

 

الصفحة الرئيسية