بسم الله الرحمن الرحيم

القوميّون والليبراليّون وتهميش الشيعة

نبيـل الكرخي

في بادرة واضحة لتطبيق سياسة تهميش الشيعة التي تناضل القوى القومية والليبرالية في العراق لتطبيقها من جديد في العراق ، أعلنت وسائل إعلامها خبر إعلان ثبوت هلال شهر رمضان الذي بثه ديوان الوقف السني ، وقد تمت صياغة الخبر كالاتي :

(أعلن العراق إن يوم  الثلاثاء  الرابع من كانون اول  غرة شهر رمضان المبارك)

فأصبح ديوان الوقف السني عنواناً للعراق وأصبح الشيعة في العراق مغيبين ومهمشين ، وهم يعلمون ان ديوان الوقف السني يمثل أقلية في العراق ، ويعلمون أن الشيعة قد أعلنوا أن يوم الأربعاء الخامس من كانون هو غرّة شهر رمضان المبارك. إذن فالهدف هو إعادة التسلط للأقلية السنية وإعادة الأكثرية الشيعية لعالم التغييب والتهميش.

هذا الخبر تمت إذاعته من قبل وسائل الإعلام المعادية للتشيع ، وقد سمعته من فضائية الشرقية وغيرها أيضاً !

وهذا هو حقيقة مطالب القوميين والليبراليين وهو تغييب الشيعة وتهميشهم من جديد وإعادة تسلطهم تحت غطاء سني وضرب كل المفاهيم والخطوات الديمقراطية عرض الحائط. وهو ما حصل في الفترة الماضية من التأريخ الأسود الذي حكم فيه القوميون البلاد الإسلامية الناطقة بالعربية ، والتي أدى حكمهم فيها إلى سلب فلسطين وضياع أجزاء كبيرة منها بيد الصهاينة ، وتقسيم البلاد إلى دويلات ضعيفة تتوزع فيها الثروات بشكل غير عادل !

اليوم لو قلنا للحكام القوميين العرب ألستم تدّعون أن شعار الوحدة هو احد اهم شعاراتكم ، وما زال الحكام العرب يدّعون هذا ويدّعون حملهم للفكر القومي ودفاعهم عنه ، لو قلنا لهم لماذا لا تدخلون في إتحاد كونفدرالي بحيث يبقى كل حاكم مستمر في حكم المنطقة التي يحكمها الآن هو وأحفاده ولكن يتم توزيع الثروات في مناطقكم على جميع دول الإتحاد بالتساوي لما وجدت أحداً منهم يقبل ذلك ولضربوا بكل المفاهيم والشعارات القومية بعرض الحائط ، فالقومية العربية فضلاً عن كونها مفهوم زائف فهي شعار يتخندق خلفه الحكام العرب من أجل البقاء في سلطانهم وإستنزاف ثروات شعوبهم ، ولذلك فهم يخافون من أي شعار جديد ومن أي مفهوم جديد يظهر في المنطقة ، ولذلك فهم يخشون أشد الخشية من التجربة العراقية والديمقراطية النامية فيه ، وهم رغم أرتدائهم الزي القومي ومحاولتهم الفاشلة في رفع شعارات ديمقراطية لم يصدر عنهم بخصوصها ما يدل على نية لتطبيقها ، فهم لم يتمكنوا من نزع الزي الطائفي الذي يرتدوه والذي توارثوه جيلاً بعد جيل ، فلذلك ترى أن هناك عوامل عديدة مجتمعة تسيّر الفكر القومي وتصب في إتجاه رفض التجربة العراقية الحديثة.

هذا الصراع بين التشيع والقومية العربية هو صراع كسر العظم إذا صح التعبير ، فلا يمكن التعايش بين القومية العربية وبين التشيع بسبب ما تحمله القومية العربية من صفات تتمثل بالتعالي على الآخرين وكذلك الطائفية البغيضة التي تغلفها والتي أكتسبتها من البيئة السنية التي نمت فيها. ورغم أن التشيع في العراق لديه مشترك مع القومية العربية وهو أن الإنسان العربي هو محور نشاطهما وكسبهما ، إلا ان التشيع لا يمكن أن ينسجم مع القومية العربية أو أن يسير معها بخطوات متحدة بسبب التوجه الرئيسي للقوميين برفض الدين من كل مفاصل الحياة.

فالقوميون يحملون حقداً مركباً ضد التشيع ، حقد من جهة رفضهم لكل فكر غير فكرهم وعدم قدرتهم على التعايش معه ، وحقد من نتاج الطائفية الموروثة ، وحقد نتيجة رفضهم للدين وإعتباره مظهر رجعي ومتخلف ، ولم يشفع للشيعة في العراق كونهم عرباً ، فليس المهم عند القوميين أن تكون عربياً بل المهم أن يكون لك فكر قومي ، وهو فكر علماني رافض للدين.

فترى نفس الأطراف التي تحاول إعادة تهميش الشيعة وتغييبهم ، تحاول ان تنسبهم للخضوع للسيطرة الإيرانية ، وأنهم قوم لا حول لهم ولا قوة سوى الخضوع للـ "مخطط الإيراني" على حد تعبير القوميين والليبراليين العرب !

و"المخطط الإيراني" الذي يتحدث القوميون عنه هو كما يدّعون محاولة إيران للتوسع على حساب الدول العربية وإعادة إقامة الإمبراطورية الساسانية ! ولكن لو راجعنا كل الأحداث التي حصلت في الأربعين سنة الأخيرة فسوف نجد أن الأمر معكوس وأن القوميين العرب هم الذين يحاولون التوسع على حساب إيران وهو الذين يحاولون إقامة إمبراطوريتهم التي تمتد من المشرق إلى المغرب العربي لتكون وريثة للدولة الإسلامية التي كانت قائمة في عهد العباسيين ومن قبلهم الأمويين.

فهل يملك القوميون العرب حق إقامة دولة واحدة تمتد من الخليج الإسلامي إلى المحيط الأطلسي ! بكل تأكيد فهم لا يملكون مثل هذا الحق فهم ليسوا ورثة شرعيين للدولة الإسلامية ، فمتى أصبح من حق العلمانيين وراثة دولة إسلامية ؟! نعم فهذه حقيقة ، إذ لم يكن للقومية العربية في يوم من الأيام دولة ولن يكون في المستقبل ، فالفكر القومي ليس بفكر بناء وليس بفكر تقدمي كما يزعمون بل هو فكر مبني على رفض الآخر وإزدراءه والتعالي على الآخرين ، وهو فكر مبني على رفض الدين ونبزه بالرجعية والتخلف. وبعد ذلك يحاولون خداع المسلمين بقولهم أنهم يرفعون شعار الوحدة وإعادة أمجاد الدولة "العربية الإسلامية" في زمن العباسيين والأمويين ، ولكن القوميين لم يجرؤا أن يبينوا لنا السبب الذي يدفعهم لمخالفة آيديولوجيتهم بمحاولتهم إعادة أمجاد الدولة "العربية الإسلامية" ! مع أنهم ينبزون الإسلام بالرجعية والتخلف !؟

فمن غير السائغ العتب على القوميين والعلمانيين العرب لنبزهم الإسلام بالتخلف والرجعية وذلك لأن مؤسسي الفكر القومي العربي والفكر العلماني العربي كانوا من غير المسلمين فلا نتوقع منهم إحترام للإسلام وهم قد أسسوا فكراً قومياً وعلمانياً مضاداً للإسلام ، ومن أجل هدم الإسلام. نعم فأهم مؤسسي الفكر القومي هم بطرس البستاني وناصيف اليازجي وسليم البستاني وأنطوان سعادة وميشيل عفلق ومنيف خوري وجورج عبد المسيح.

وكذلك فإنّ أوائل العلمانيين في المشرق العربي كانوا من المسيحيين الذين درسوا في المدارس التبشيرية في سوريا نهاية القرن الماضي وأوائل هذا القرن وأشهرهم : شبل شميل وفرح أنطون ويعقوب صروف وجورجي زيدان وسلامة موسى ونيقولا حداد ، وأيضاً ميخائيل نعيمه ، وجبران خليل جبران. بل إنَّ أول من ترجم مصطلح Laïcité  بالعلمانية هو المصري المسيحي لويس بقطر، أحد مترجمي الحملة الفرنسية، في معجم فرنسي ـ عربي طبع لأول مرة في آذار 1828م.

فالقومييون العرب ينطبق عليهم المثل القائل "رمتني بدائها وأنسلّت" فهم يتهمون إيران بالتوسع بينما نجدهم هم من يدعم الحركات الإرهابية في الأحواز ويحرّضون العرب في تلك المنطقة على الإنفصال ويحلمون بضم الأحواز إلى خارطة وطنهم العربي الموهوم ، ويطبعون خرائط للوطن العربي تضم الأحواز في مخالفة واضحة لكل الأعراف والقوانين الدولة ومباديء حسن الجوار.

بالله عليكم متى كان للعرب وطن يمتد إلى المحيط الأطلسي ! ألم يصلوا إلى تلك الأراضي بعد أن أعتنقوا الإسلام ؟ فهل وصلوا إليه بفضل القومية الزائفة أم بفضل الإسلام الذي أعتنقوه ؟! ومع ذلك يرفضون الإسلام ويسمونه تخلفاً ورجعية ! فليرنا القوميون العرب ماذا يمكن أن يقدموه للعرب أفضل مما قدمه الإسلام إليهم.

فماذا قدمت القومية العربية للعرب ؟ لقد أضاعوا فلسطين وقدّموها للصهاينة ، هي والقدس الشريف ، وأسسوا أكثر من عشرين دولة بدلاً من دولتهم الواحدة التي يحلمون بها ، وهذه هي إحدى المغالطات التي يبثونها بين الناس ، فالقوميون يدّعون أنهم يناضلون من أجل توحيد الدول العربية ، ويتغافلون عن أنهم السبب في تأسيس كل هذا العدد من الدول العربية بعد أن كانت دولة واحدة قبل أن يتعاونوا مع البريطانيين وأدخلوهم إلى بلاد العرب فيما أسموه بـ "الثورة العربية الكبرى" سنة 1916م.

وماذا أيضاً ، لقد أسسوا أنظمة حاكمة إضطهدت العرب وألقت بهم في قعر السجون المظلمة بعد أن مارست معهم شتى صنوف التعذيب.

 فليست إيران هي التي أدخلت بريطانيا إلىالحجاز ولا إلى فلسطين والعراق وبلاد الشام ، بل القوميون العرب هم الذين فعلوا ذلك ، فلماذا يريد القوميون العرب أن يحمّلوا إيران مسؤولية جرائمهم التي ارتكبوها بحق العرب طيلة سنوات القرن العشرين!

 والآن بعد ان أتضح فشل القومية العربية في خداعها للعرب وسلبهم تمسكهم بالإسلام ، تظهر مؤامرة جديدة لإحلال الفكر العلماني والليبرالي محل الفكر القومي العربي في بلاد العرب لتمارس نفس الدور المعادي للإسلام. وتسير بنفس المنطلقات الفكرية القائمة على نبز الإسلام بالتخلف والرجعية ، وأخذت تكرر نفس الإتهامات تجاه إيران من أجل إختلاق عدو وهمي كما كان القوميون العرب يفعلون فتظهر هناك قضية جديدة تحرف الفكر العربي عن قضيته الإسلامية الرئيسية في فلسطين لصالح قضايا وهمية وجانبية. فالمخطط الواحد وإن تعددت تسميات من يقوم بالتنفيذ !

 

الصفحة الرئيسية