بسم الله الرحمن الرحيم

مستقبل العراق وإنقلاب 14 تموز

نبيـل الكرخي

يكاد يكون السياسيون والمثقفون العراقيون مجمعون على ضرورة بناء مستقبل العراق بحيث يكون هذا البناء معتمداً على أسس وثوابت لايجب تغييرها لأنها تصب في مصلحة جميع العراقيين ، ومن تلك الأسس والثوابت أن يكون نظام الحكم ديمقراطياً وأن يكون تداول السلطة سلمياً وفقاً لصناديق الإقتراع ، وأن يتم منع أي إنقلابات عسكرية تؤدي إلى عودة الأنظمة الشمولية والتفرد بالسلطة.

ورغم الإتفاق بين السياسيين والمثقفين العراقيين في عصرنا الحاضر على هذه القضايا وسعيهم لتثبيتها في الدستور وتوعية الجماهير لها ، إلا أن بعض السياسيين والمثقفين يندفعون نتيجة عواطفهم المرتبطة بذكريات الماضي ونتيجة منطلقات فكرية وسياسية يحملونها لها جذور في مستنقع مآسي العراق لا يريدون التنازل عنها ولا إدانتها ، رغم معاناة الشعب العراقي الطويلة منها.

ونتيجة لما مرَّ ذكره نجد أن العديد من القوى السياسية والمثقفين العراقيين يحتفلون بذكرى إنقلاب 14 تموز الذي جرَّ الويلات والخراب على الشعب العراقي وأدخل البلاد في نفق مظلم لم ينتهي إلا بثورة الأصبع البنفسجي الشعبية في كانون الثاني الماضي ، والأكثر غرابة أن يكون هذا اليوم يوم عطلة رسمية في البلاد ويوافق على جعل هذا اليوم يوم عطلة لتمجيد ذكرى هذا الإنقلاب أشخاص وسياسيون متصدون للعملية السياسية ، أشخاص يريدون أن تكون الديمقراطية والتداول السلمي هي الأساس في المستقبل السياسي للبلاد ، فأي مفارقة مقلقة هذه تكشف عن ضيق في أفق العديد من السياسيين والمثقفين ، فكيف يمكن أن يكون هناك تداول سلمي للسلطة وكيف سيشيعون بين أبناء الشعب هذه المفاهيم وهم يحتفلون ويدعمون الإحتفال بيوم إنقلاب عسكري ضد السلطة القائمة آنذاك ، كيف يمكن أن يدّعوا أنهم دعاة الديمقراطية في حين أنهم يروجون للمفاهيم الإنقلابية والتفرد بالسلطة ، ثم يتجهون لتمجيد قائد الإنقلاب فينصبون له تمثالاً في أحد ميادين بغداد رغم أنه قد أشتهر بنظامه الشمولي وتفرده بالسلطة ، ويقولون بعد ذلك أنهم ديمقراطيون وأنهم دعاة للسلم ولمشاركة جميع أطياف الشعب في العملية السياسية وتداول السلطة ، فأي أزدواجية فكرية يملكونها وأي أزدواجية سياسية يسيرون وفقها ، وأي أزدواجية في مخططهم لمستقبل العراق بل أي صورة مبهمة يضعونها للمستقبل ويوجهون أبناء الشعب تجاهها.

فهل هو قدر بغداد أن تحتضن تماثيل أعدائها وأعداء الشعب ، فبعد أن أزيلت جميع تماثيل الطاغية صدام نجد أن هناك العديد من تماثيل أعداء الشعب ما زالت باقية شاخصة ، فتمثال أبي جعفر الدوانيقي الذي تلقب بالمنصور بعد إنتصاره على العلويين ما زال قائماً في إحدى ساحات بغداد متحدياً مشاعر غالبية أبناء الشعب العراقي ، وتمثال وزير الدفاع السابق عدنان خير الله ما زال شاخصاً في ساحة أخرى ، رغم أن جريمة حلبجة وعملية الأنفال سيئة الصيت قد حصلتا وهو وزير للدفاع لكن أحداً من أبناء الشعب العراقي ولا سيما الأكراد لم يلتفت لخطر وجود تمثاله المقيت بل لم يوجه له أي لوم على تلك الجرائم. وأيضاً في هذه الأيام يتم نصب تمثال لطاغية آخر ومؤسس نظام دكتاتوري مقبور هو الزعيم عبد الكريم قاسم الذي قاد إنقلاباً عسكرياً جعل العراق يمر في مرحلة عدم أستقرار دفع أبناء الشعب ثمناً غالياً جداً لها من دمائهم وأموالهم وشرفهم.

ولسنا اليوم بصدد تعداد الجرائم التي أرتكبها عبد الكريم قاسم تجاه أبناء الشعب ولا بصدد تذكر تلك الجرائم التي لم ننساها أصلاً ، ولسنا أيضاً نريد الخوض في الموازنة بين جرائم عبد الكريم قاسم وحسناته التي قد يصح له القليل منها ، ولكن ما نطلبه اليوم من السياسيين والمثقفين العراقيين أن يكونوا أكثر وعياً وأنفتاحاً على الآخرين من أبناء الشعب وأن لا تقودهم المصالح الضيقة أو الرؤى القاصرة لتأسيس مفاهيم مضطربة ومزدوجة في العصر العراقي الجديد تسيء لهذا العصر وتسيء لأبناء الشعب من جديد.

ومن المؤسف أن نشاهد في فضائية العراقية خبراً مصوراً حول إحتفالية في ذكرى إنقلاب 14 تموز أقيم في بغداد تحت ذريعة ذكرى تأسيس الجمهورية العراقية ، ونحن نقول إنَّ هذه الذريعة ساقطة من الإعتبار لأن الجمهورية الفدرالية التي يتم تأسيسها اليوم ليست إمتداداً للجمهورية التي أسسها عبد الكريم قاسم ، فتلك الجمهورية والأنظمة التي تبعتها في إستلام السلطة بطريقة إنقلابية مقيتة قد ولّى عهدها ، وهذه الجمهورية الفدرالية الفتية تؤسس على أنقاض إحتلال أجنبي بغيض هو الإحتلال الأمريكي والقوات المتحالفة معه ، فهي جمهورية فدرالية منقطعة السند والإمتداد عن الجمهورية التي أسسها عبد الكريم قاسم ، فلا مبرر للإحتفاء بعبد الكريم قاسم تحت ذريعة الإحتفاء بتأسيس الجمهورية ، وعلى الذين يحتفلون بإنقلاب 14 تموز أن يكونوا أكثر شجاعة في الإعتراف في سبب إحتفالهم بتأسيس ذلك النظام الجمهوري المجرم فهم أما يحملون إمتداداً فكرياً يلتقي مع أفكار عبد الكريم قاسم وطريقته الفردية في الحكم وقمع أبناء الشعب ، هذه الأفكار يحملها فيما يبدو بعض أفراد عائلته وأصدقاءه الذين وجدوا الفرصة مناسبة لإستغلال أسم عبد الكريم قاسم من أجل تحصيل مآرب سياسية ، وأما من الشيوعيين الذين تمكنوا في عهد عبد الكريم قاسم من أن يجدوا متنفساً لهم بعد إضطهادهم الشديد في العهد الملكي ، فحانت فرصتهم في عهد عبد الكريم قاسم في الفتك بأبناء الشعب وإستحداث طرق جديدة في القتل والفتك هي طريقة السحل التي بدأوا إستخدامها في الموصل وكركوك ومناطق عديدة من العراق الجريح ، وهم أول من أستحدث شعارات في المظاهرات تتحدث عن القتل والإعدام ، منها :

ـ "أعدم أعدم لتكول ما عندي وقت"

ـ "ما كو مؤامرة تصير .. والحبال موجودة"

ـ "أعدم أعدم يا كريم .. العملاء المسجونين"

وعلى حد علمي لم يكن هناك نظير لهذه الشعارات الشيوعية الدموية في مظاهرات الأطراف السياسية الأخرى قبل أستيلاء الشيوعيين على الشارع العراقي في عهد عبد الكريم قاسم.

 ومن جهة أخرى فإن النظام السياسي الذي أسسه عبد الكريم قاسم هو نظام دكتاتوري حيث تفرد بالسلطة لنفسه ، فأصبح  رئيساً للوزراء مدى الحياة ، وهو في نفس الوقت القائد العام للقوات المسلحة وهو وزيرالدفاع وكالة ، وله وحده صلاحية تعيين الوزراء ! فلم يكن الشعب هو مصدر السلطات ، بل ولم يعد هناك أي دور لرئيس الجمهورية في عهده ، حيث كان هناك مجلس سيادة يتكون من ثلاثة أشخاص هم الفريق الركن محمد نجيب الربيعي (رئيساً) والعقيد الركن خالد النقشبندي والشيخ محمد مهدي كبة ، فأصبح هذا المجلس صورياً ليس له صلاحيات حقيقية بسبب تفرد عبد الكريم قاسم بالسلطات ، كما جمع عبد الكريم قاسم لمجلس الوزراء السلطتين التشريعية والتنفيذية ، أي أصبحت هاتين السلطتين بيد عبد الكريم قاسم وحده من الناحية العملية. فمثل هذا النظام لا يشرف العراقيين ـ الذين يريدون تأسيس نظام ديمقراطي يتم تداول السلطة فيه سلمياً ـ للإحتفال به.

 فالإحتفال الرسمي بذكرى إنقلاب عبد الكريم قاسم هو جريمة بحق مستقبل العراق ، وإستخفاف بمشاعر الآلاف من أبناء الشعب الذين عانوا ويلات ظلم عبد الكريم قاسم وجرائمه في الموصل وكركوك ، وكل الجرائم التي وقعت في حكمه بتوجيه وقبول منه أو بتقصير مباشر منه في عدم محاسبة الجناة.

إنها جريمة بحق الملايين من أبناء الشعب الذين يصبرون ويضحون وهم ينتظرون اليوم الذي يبدأ به مستقبل العراق المشرق على أسس الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة.

 فكفى إنقلابات عسكرية وكفى تمجيداً لسياسة الإنقلابات العسكرية والتفرد بالسلطة.

 

الصفحة الرئيسية