بسم الله الرحمن الرحيم

"الوهم الشيعي" نموذج لأوهام أعداء الشيعة

نبيـل الكرخي

لا نريد أن يكون الكلام مكرراً ونحن نتحدث عن مؤامرة ضد الشيعة واضحة المعالم بمناسبة إستنشاقهم نسائم الحرية وحصولهم على إستحقاقهم الطبيعي في السيادة على العملية السياسية في العراق بصورة طبيعية بإعتبارهم أغلبية أبناء الوطن ، ولا نريد أن نكرر الحديث عن مؤامرة حول الشيعة تزداد شراستها كلما مرّ العراق بمرحلة حاسمة ومصيرية ، وكما حصل في الإنتخابات التي حصلت في كانون الثاني الماضي وكما حصل حين أصدرت المرجعية الدينية العليا المباركة فتواها الرشيدة بعدم وجود شرعية لقوات الإحتلال لكتابة دستور العراق أو تعيين من يكتبون الدستور. واليوم نجد الهجمة الشرسة ضد الشيعة تتكرر وهم في أهم مرحلة من مراحل حياتهم ووجودهم في العراق ، مرحلة كتابة الدستور الدائم ، هذا الدستور الذي ضحى المسلمون في العراق من أجله أبلغ التضحيات ، ولهم في المطالبة به تاريخ يمتد لعشرات السنين المريرة التي نتمنى أن يقوم بعض المختصين بالتصدي لتوثيقها نظراً لأهمية المسألة ، ومازالت كلمات الشهيد السيد محمد باقر الحكيم خالدة وهو يطالب من على المنابر الحسينية بدستور عراقي مبني على العقيدة الإسلامية وذلك حين كان يمثل والده المرجع الراحل الإمام السيد محسن الحكيم (قدس سره) في الإحتفالات الدينية في بداية الستينيات ، حيث قال في إحدى خطبه سنة 1964م :

(... في هذا الوقت الذي تتوفر الحكومة فيه على وضع دستور جديد للبلاد عن ضرورة إشادة هذا الدستور على قاعدة العقيدة الإسلامية ونظرتها إلى الكون والحياة ... وبهذا الدستور النابع من عقيدة الأمة وأهدافها يمكن أن يحل التناقض المستقطب بين ما يتبناه المسلمون من أفكار وعقائد وبين ما يفرض عليهم من أنظمة وقوانين وأفكار وهذه الأشياء التي جاء بها الإستعمار من أجل تغطية ما يمكن أن يحدث من فراغ عقائدي عند إزاحة الإسلام عن المجالات الحقيقية للمجتمع).

هذه بعض أبعاد العلاقة بين الشيعة والدستور وهي علاقة عميقة في الزمن وفي المحتوى العقائدي كما ألمحنا آنفاً ، فمن أجل فصم هذه العلاقة وتحطيمها وتمزيق كل جهود الشيعة طيلة تلك السنوات المريرة الماضية وتضييع تضحياتهم الجسيمة من أجل هذا الهدف المصيري ، نجد أن هناك هجمة جديدة تستهدف الشيعة خصوصاً من أجل حرف توجههم نحو هدفهم المصيري وإلهائهم بمواضيع شتى بغية تفويت الفرصة عليهم بكتابة دستور يحترم الإسلام ويحترم الهوية الإسلامية للشعب العراقي ويحافظ عليها ، دستور يمنع سن أي تشريع أو قانون يخالف الشريعة الإسلامية المقدسة ، لكي يكتب الدستور بحسب الإملاءات الأجنبية بعد أن تكون الفتن قد عملت دورها في تشتيت الشيعة وإضعافهم ومنعهم من الوقوف بحزم ضد كتابة دستور لا يخدم الواقع الإجتماعي والثقافي والديني لغالبية أبناء الشعب العراقي.

هذه الهجمة في جانب منها نجده في ما يتم نشره من مقالات في بعض المواقع على شبكة الأنترنيت بغية إشاعة البلبلة بين المسلمين والشيعة خصوصاً ، حيث يتم إثارة مواضيع عقائدية بطريقة تشكيكية لغرض إبعاد المسلمين عن التمسك بدينهم وبحقهم في كتابة دستور يمثلهم ، فأحدهم وقد أتخذ لنفسه أسماً شيعياً أو قد يكون هو أسمه الحقيقي وإن كانت عقيدته منحرفة عن التشيع نحو الماركسية أو الليبرالية أو السلفية أو غيرها من العقائد الضالة ، وقد كتب سلسلة مقالات في موقع كتابات تتحدث عما أسماه "الوهم الشيعي" وقبله ظهر العديد من الكتاب الذين تطاولوا على مذهب الشيعة على صفحات الأنترنيت بعد أن عجزوا عن مجابهة العلماء في ميادينهم العلمية المعتادة ، ورغم أن العديد من الأخوة المسلمين يقومون بالرد على تلك المقالات إلا أن هناك من يغض النظر عن الردود الإسلامية والتوضيح والبيان الذي تحمله ويصر على طرح الشبهة بعد أن علم تهافتها وذلك من أجل إدامة الفتنة ، فظهر مقال في موقع كتابات بعنوان : (ما هو رأي العلماء و المفكرين في موضوع الاجتهاد والتقليد ؟) وهو يرشد القاريء لمقال سابق بعنوان : (تقليد المراجع غير شرعي وليس بواجب وغير مبرء للذمة بقلم د.زين العابدين الأمارة ) ، ويطرح المقالان المذكوران مجموعة تساؤلات متهافتة هي أقرب لأسئلة يراد منها إيصال فكرة بعينها ، فكرة تشكيكية في التشيع ، وفكرة لإيجاد حاجز في أذهان المسلمين الشيعة بينهم وبين قياداتهم المرجعية الواعية ، فلا يمكن أن يكون هدف من يتناول موضوع الإجتهاد والتقليد هدفاً سليماً وبريئاً بعد أن تم تناول هذا الموضوع بمئات الكتب والمؤلفات لعلماء الشيعة الذين تناولوا كل تفاصيل المسألة ، وبعد كل هذا يتم التغاضي عن كل هذه الثروة العلمية الشيعية لتظهر مقالات تحاول التشكيك في صحة تقليد مراجع الدين أو جدوى تقليدهم ! فنقول ببساطة شديدة لمن يكابر ويحرض المسلمين محاولاً فتنتهم عن دينهم أن تقليد المرجع هو من البديهيات الإنسانية كما هي بديهية مراجعة الطبيب عند الشعور بالمرض وبديهية التحكيم عند القاضي عند حصول المخاصمة ، وبديهية اللجوء للمعمار لتصميم دار ، فمن يبحث عن الحكم الشرعي فلا بد له أن يلجأ لذوي الإختصاص ، وهذه هي سنة الحياة التي أتفقت عليها كل البشرية من مؤمنين وملحدين ومشركين ، أي مراجعة ذوي الإختصاص عند بروز حاجة للمراجعة.

وكما هو معتاد فقد أراد مثيروا الفتنة حشر أسم السيد الشهيد محمد باقر الصدر بأية صورة كانت ليداعبوا عواطف بعض المسلمين من المتعلقين بهذا السيد الجليل والمرجع العظيم تعلقاً عاطفياً ، وقد فاتهم أن الإجتهاد والتقليد هو من أبرز قواعده في التعبد بل لقد ذهب هذا المرجع الكبير في كتابه (الإسلام يقود الحياة) إلى أن خط المرجعية العليا الذي يمثل خط الشهادة هو خط حتمي الوجود في عصر الغيبة الكبرى ، لأنه الإمتداد لخط الأئمة المعصومين عليهم السلام ، فلا يمكن التخلي عن المرجعية العليا المباركة أو التخلي عن دورها القيادي للدين والمجتمع لأن هذا التخلي هو بمثابة التخلي عن منهج الأئمة عليهم الصلاة والسلام أي تضييع بيعة الغدير وتضييع الأمر الإلهي الذي يعصم المسلمين من الضلال.

وأما صاحبنا كاتب (الوهم الشيعي) فما اصعب حاله وهو يتصادم مع مذهب شهد له أعداءه بالحيوية ومجارات العقل ، فكم من عنزٍ قد نطح جبلاً دون أي فائدة ، فلربما توهم بأنه قد حقق ما عجز عنه أبن تيمية وغيره من أساطين النواصب الذين جهدوا في محاربة التشيع قتلاً وبطشاً وتأليفاً لعشرات المجلدات ضد الفكر الشيعي دون جدوى ، فما نجد في مقاله (الوهم الشيعي) سوى وهم كاتبه فحسب ، وهو يتصور أن ما أورده فيه طعن بمذهب الشيعة وهو إنما يفضح ضآلة تأليفه ، حتى أنه بدأ الحلقة الأولى من مقاله المذكور بكذبة حين قال : [(لو يتسع العنوان لقلنا { الوهم الشيعي العراقي ! } ، لكننا ، وكالعادة ، لا نملك المكان الوافر لكتابة حتى عنوان كامل لسطورنا!)] ، مع أن المكان يتسع لأكثر من الكلمة التي امتنع عن كتابتها ، وهذه عناوين مقالات الكتاب في الموقع نفسه تشهد على سعة المكان الذي أدعى ضيقه !

حسناً نجد أنه يمكننا وببساطة تلخيص ما ورد في سلسلة مقالاته وكالآتي :

ـ الحلقة الأولى : يدعو فيها لترك التشيع ونبذه لأنه لم يجلب للشيعي سوى الخوف والقتل والمطاردة ، مع التشكيك في عصمة الأئمة عليهم السلام والتشكيك في احقية موقفهم التأريخي.

ـ الحلقة الثانية : يشكك في جدوى الإنتظار ، أي إنتظار قيام دولة قائم آل محمد (صلى الله عليه وآله).

ـ الحلقة الثالثة : يدعو فيه لإزالة القدسية عن رجل الدين.

ـ الحلقة الرابعة : يدعو فيه لرفض الأحزاب ورفض المنهج الثوري لدرجة أنه أنتقد زيد الشهيد عليه السلام وكذلك أنتقد السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قدس سره) بسبب تحركهما الثوري.

 

هذا مجمل ما أحتوته سلسلة مقالاته (الوهم الشيعي) ، وكما هو معلوم فأن الكثير مما ورد فيها هو أمور قد أستغرقت مناقشتها والردود حولها عشرات المجلدات من قبل علماء ومفكري الشيعة قديماً وحديثاً ، فنقول بإختصار :

 

ـ فيما يخص الحلقة الأولى : إذا كان خوف القتل والبطش والمطاردة هي أمر مرتبط بالتشيع ولم يكن مقتنعاً بأن يعيش مثل هذه الحياة فما عليه سوى أن يترك التشيع ويعتنق أية عقيدة أخرى ليس فيها خطورة ، فالمسألة بسيطة ولا تحتاج لكثير معاناة ! فهو قد أخطأ وهو يتصور ان الطواغيت قد أستعدوا الشيعة لأجل تشيعهم فحسب ! أما نحن فلا نتصور ان الحكومات الطاغوتية يمكن أن ترضى سوى عن عقيدة "البارات والليالي الحمراء" لأن التجارب أثبتت أنه ليس الشيعي وحده هو المطارد بل جميع من رفضوا سلطة الطاغوت من حيث طاغوتيته وجميع من رفضوا حكم الطاغوت من حيث تفرده بالسلطة ، وكل من رفضوا وجود الطاغوت من حيث تعارضه مع مبادئهم وسياساتهم ومناهجهم ، كل هؤلاء تعرضوا للقتل والتعذيب والبطش والمطاردة وإنْ أختلفوا في دينهم ومعتقدهم ، وإن كان الشيعة قد نالوا النصيب الأوفر من هذا.

إنَّ الصراع بين الشيعة والأنظمة الطاغوتية عبر التأريخ هو إمتداد لإيمان الشيعة بالإسلام الذي يضحي جميع المسلمين من أجله ، وأما إذا ذهب كاتب مقال "الوهم الشيعي" إلى أن الإسلام لا يستأهل التضحية ولا يجب ان نتخلى عن راحتنا من أجله ، فنحن نختلف معه في هذا التصور لأن الإسلام في نظرنا هو وجودنا وقيمتنا الإنسانية التي تستأهل التضحية والفداء من أجلها بالغالي والنفيس. فنحن نعيش بالإسلام وللإسلام.

 

ـ فيما يخص الحلقة الثانية : بخصوص الإنتظار وإنتقاده له ، فنحن نقول له أنه لا عليه أن ينتظر ، إذن فليرنا ماذا سيفعل أكثر مما فعله المنتظرون ، وعليه أن يعلم أن من عباقرة الدنيا ومؤسسي معظم العلوم الحديثة والقادة الثوريين منهم مَنْ كان مِنَ المنتظرين وبدون أي مبالغة ، فالشيخ نصير الدين الطوسي هذا العلامة الجليل الذي برع في مختلف العلوم كالفلك والرياضيات والطب وغيرها من العلوم التي خدمت الإنسانية وقدمت نظرياتها التي أصبحت أساساً لتقدم العلوم بعد عصره ، هذا العلامة إنما كان من المنتظرين ، والسيد الإمام الخميني (قدس سره) الذي قاد أعظم ثورة إسلامية في العصر الحديث إنما كان من المنتظرين ، وكان يقول عن نفسه بما مضمونه أن روحه فداء لتراب مقدم صاحب الزمان عجّل الله فرجه الشريف ، والسيد الشهيد محمد باقر الصدر (قدس سره) فيلسوف العصر ونابغة العلماء كان من المنتظرين ، فالإنتظار لا يعني الجمود وإهمال الواجب الشرعي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، كما توهم كاتب المقال.

 

ـ فيما يخص الحلقة الثالثة : بخصوص قدسية رجل الدين فكاتب المقال لا يعلم أن الشيعة لا يرجعون إلى مراجعهم إلا إذا أتصفوا بإبتعادهم عن المعاصي وتجنبها وأن أي رجل دين يرتكب معصية لا يجوز تقليده والرجوع إليه ، وهذه المسألة مذكورة بتفاصيلها في جميع الرسائل العملية للعلماء والحاوية على فتاواهم ، فالكاتب لم يأتِ بشيء جديد ، إنما هو يريدنا أن نترك أتباع وتقليد كل المؤهلين من المراجع الكرام ما دام هناك واحد فقط أو بضعة أفراد قلائل من المحسوبين عليهم قد أساؤوا وصدرت عنهم بعض المعاصي. فتصبح الأمة وفقاً لمنهج كاتب المقال بلا قيادة دينية واعية فيتحقق ما يريده أعداء الإسلام وما سعوا إليه منذ عشرات بل مئات السنين من فصل بين الأمة وقياداتها العلمائية الواعية.

 ـ فيما يخص الحلقة الرابعة : وأما إنتقاد المنهج الثوري والأحزاب الإسلامية فهو عين ما يقرّ أعين أعدائنا ، فالإسلام الذي يأمرنا بإعداد القوة ورباط الخيل لإرهاب العدو ورد كيدهم يريد كاتب المقال تبديله إلى دين ليس فيه أي إعداد للقوة وليس فيه أي مفهوم ثوري ولا يعتمد على التضحية لأن الحياة في نظره جميلة وسهلة ولا تحتاج إلى كل هذا العناء ، ففي نظر كاتب المقال ليس هناك مبرر للتمسك بالتشيع ما دام يجلب الخوف والمطاردة وليس هناك مبرر للتمسك بالإسلام ما دامت الحياة جميلة ولطيفة من دونه وهي مليئة بالمغريات والشهوات ، فماذا يريد أعدائنا منّا غير هذا !؟

 فـ "الوهم الشيعي" إنما هو وهم أعداء الشيعة في تمكنهم من النيل من الإسلام المحمدي العظيم الذي يحمله الشيعة وينادون به ويدعون الناس إليه ، فالشيعة مصرّون على التضحية بأموالهم وأنفسهم ، مصرّون أن يعيشوا مطاردين مشردين يعانون كل مرارات الحياة ، وهم ماضون على خطى سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين عليه السلام دون أن يكلّوا أو يملّوا ، منتظرين الفرج بثبات وإطمئنان وعاملين بصمت في سبيل الإسلام ، آمرون بالمعروف وناهون عن المنكر ، ثوريون كما كان أئمتهم صلوات الله عليهم ، كما كان الإمام علي بن أبي طالب عليهما السلام ثورياً ، وكما كان أبنه الإمام الحسن عليه السلام ثورة صامتة وعمل صامت ، وكما كان الإمام الحسين عليه السلام يعمل في صمت لمدة عشر سنوات قبل ثورته الخالدة ، وهي نفس ثورية زيد الشهيد عليه السلام الذي حمل السيف وقاتل داعياً للرضا من آل محمد (صلى الله عليه وآله) ، ونفس ثورية السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قدس سره) الذي ضحى بدمه الطاهر من أجل إستنهاض العراقيين وبث اليقظة في الأمة ، من أجل أن تستثمر الجماهير دمه الشريف في مسيرتها نحو الإسلام العزيز في دولةٍ كريمة.

 

الصفحة الرئيسية