بسم الله الرحمن الرحيم

وطن مذبوح وشعب مسفوح

نبيـل الكرخي

يمكن تمييز الدم المسفوح للشعب العراقي الجريح إلى إطارين : دم مسفوح من أجل تحقيق قيم عليا ومباديء شريفة عبر التضحيات التي قدمها ابناء هذا الوطن العزيز ، ودم مسفوح ظلماً وعدواناً لأبرياء آمنين لم يقترفوا ما يمكن أن يُجَرّموا من أجله حتى وفق القوانين الظالمة ومع ذلك تعرضوا للقتل والذبح !

وعبر المسيرة النضالية الطويلة لجماهير شعبنا المناضل منذ تأسيس الدولة العراقية في العشرينات من القرن المنصرم ، نجد هذا الشعب العظيم في بلاد الرافدين وهو ينزف دماً تحت ذرائع شتى ، ونظراً لكثرة السفاحين الذين أجرموا بحق هذا الوطن نجد الشعب العراقي المذبوح وقد توقف عن إطلاق لقب "السفاح" على المجرمين الذين يسفكون دمه لكثرتهم ، ولم يعد الأمر كما في الماضي حين أطلق على الخليفة العباسي أسم "أبو العباس السفاح" لكثرة ما قتل من المسلمين ، حيث يبدو أن الخليفة المذكور كان نموذجاً متقدماً لسفك الدماء من بين أقرانه ـ كماً لا نوعاً ـ في عصره وليس كما هو الحال اليوم حيث كثر السفاحون ، فلم يقل أحد : " عبد الإله السفاح" ولا "عبد الكريم السفاح" ولا "صدام السفاح" ، فأصبح القتل لهذا الشعب مسفوك الدم أمراً إعتيادياً لا يلتفت إليه أحد ولا يجرّم بسببه أحد ؟!

ومن المؤسف ان هناك شاعراً عراقياً ـ أكن له التقدير والإحترام ـ ظهر على شاشة إحدى القنوات الفضائية العراقية في ذكرى إعدام عبد الكريم قاسم ـ بصوته لا بصورته ـ وهو يتحدث عن عبد الكريم قاسم بحب وتمجيد وولاء ، والمشكلة لا تتعلق بالشاعر المذكور فقط بل بنظرة عامة لقطاع من المثقفين العراقيين يشتركون مع الشاعر المذكور في ولائه المذكور وذلك بسبب إغفالهم ما فعله عبد الكريم قاسم بالشعب العراقي الجريح ، صحيح أنه لم يبنِ قصوراً ولم يسرق من أموال العراق ، ولكنه أيضاً لم يتوقف عن الفتك بالعراقيين وتقتيلهم ، وما حصل من مجازر فتكت بالأبرياء من أبناء الشعب تحت ذريعة توجههم القومي ! كانت بموافقة منه ، فظهر في عهده أسلوب جديد من الفتك بالعراقيين وهو أسلوب "السحل" في الشوارع حتى الموت ، وأسلوب "التعليق على اعمدة الكهرباء" حتى لم يعد يذكر العهد القاسمي إلا وتذكر تلك الجرائم لتكون إحدى أبرز سماته.

وربما يحاول "أنصار" عبد الكريم قاسم الدفاع عن شراكته في تلك الجرائم مستندين إلى خطابه اليتيم في كنيسة مار يوسف في 19 تموز 1958م الذي ادان فيه تلك العمليات الإجرامية ، ولكننا ـ أيها الإخوة والأخوات ـ نتحدث عن الجرائم العشوائية التي حصلت عقب فشل ثورة الشواف في آذار من السنة المذكورة والتي تمت بموافقة عبد الكريم قاسم ، تلك المجازر الوحشية التي لم يدنها عبد الكريم قاسم ولا أحد من أعوانه طيلة حكمه ، واما ما قام عبد الكريم قاسم من إستنكار وإدانة فهو يخص هجمة وحشية جديدة تمثلت بمجازر  حصلت في كركوك في منتصف تموز من نفس السنة ـ حين تزامنت فيها ذكرى إنقلاب تموز مع يوم عاشوراء ـ فتميّز عهد عبد الكريم قاسم بظهور نوع جديد من السفاحين ، نوع لم يعتد عليه شعبنا المظلوم ، ففي العهد المذكور لم يعد رجل الدولة هو الذي يذبح فقط ولا الحزب الحاكم هو الذي يسفك الدم فقط ، بل ظهر حزب من خارج السلطة أنتهج منهج الذبح وسفك الدماء ، والسحل والتعليق على الأعمدة ، ذلك هو الحزب الشيوعي العراقي الذي قام بكل المجازر التي تحدثنا عنها آنفاً في العهد المذكور.

وأما البعثيون فمعروفة جرائمهم ، في سنة 1963م وما بعدها ، لا سيما بعد إنقلاب تموز الأسود 1968م ، والذي فاقوا فيه كل احد من السفاحين ، فكان أسلوب القتل بأحواض التيزاب والقتل بالتفجير والقتل بـ"الثرّامة" فضلاً عن الإعدامات شنقاً ورمياً بالرصاص.

أما اليوم فقد انتقلت سلطة القتل إلى القوات الأمريكية التي تقتل الأبرياء "خطأً !" في كل يوم دون رقيب ، وأنتقلت عمليات القتل أيضاً إلى قرار المنظمات التكفيرية التي تفتك بأبناء الشعب يومياً بمجازر وإغتيالات وبأسلوب الذبح وقطع الرؤوس الذي يضاف إلى الأساليب الإجرامية الجديدة التي لم يكن يعرفها مجتمعنا العراقي ، كما هو حال أسلوب السحل الذي أنتجته بعض المنظمات والخلايا الشيوعية وأسلوب التفجير والثرّامة البعثية.

وهكذا كثر السفاحون وتنوعت طرق القتل وكثرت دماء الأبرياء المسفوكة بتلك الأيادي الآثمة ، ونحن في تذكيرنا بما فعله السفاحون إنما نرجو من المثقفين العراقيين أن يتوجهوا لإدانة الجريمة في كل عهد ، وأن يتوقفوا عن تمجيد الأحزاب والشخصيات التي تلوثت أيديها بدماء الشعب العراقي الجريح ، وأن يؤسسوا لمفاهيم وطنية وإنسانية جديدة وشريفة تعتمد إدانة الجريمة والمجرمين مهما كانت جلدتهم ومهما كان إنتمائهم ، فشعار "وطن حر وشعب سعيد" الذي أستورده الحزب الشيوعي العراقي من نظيره السوري إنما هو في حقيقة تطبيقه : "وطن مذبوح وشعب مسفوح" ، فكفى تقتيلاً بهذا الشعب المظلوم ، وكفى تمجيداً لأولئك المجرمين.

 

الصفحة الرئيسية