بسم الله الرحمن الرحيم

الطرق الطبيعية في بلوغ المرجعية الدينية

نبيـل الكرخي

أشترط السيد الشهيد محمد باقر الصدر ضمن شروط المرجع الذي يتولى شؤون الأمة أن تكون مرجعيته في الأمة بالطرق الطبيعية ، فقال في رسالته الموسومة (لمحة فقهية تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية في إيران) سنة 1979م والمطبوع ضمن كتاب (الإسلام يقود الحياة) ما نصه : ( أن تكون مرجعيته بالفعل في الأمة بالطرق الطبيعية المتّبعة تأريخياً ) ، فهذا النص يحمل قاعدة جليلة سار عليها مذهب التشيع منذ ظهور الحاجة إلى المراجع في عصر الغيبة الكبرى ، وهي القاعدة التي حمت هذا المذهب العظيم من الإنحراف وراء الدعاوى الباطلة وحمته من تسلق أدعياء العلم نحو القيادة المرجعية ، بعد أن تعهد الله سبحانه بحماية دينه وحماية الدعاوى الحقة وإبطال الدعاوى الباطلة ، فقال تعالى : (( فأما الزبد فيذهب جفاءاً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض )).

وحين نتتبَّع سيرة علمائنا الأبرار والقيادات المرجعية التي قادت الأمة الإسلامية ضمن إطار التشيع لوجدنا أن مسألة الطريق الطبيعي للوصول للمرجعية هو مما تسالم عليه أساطين وعلماء مذهب التشيع ، ومن أبرز مواصفات الطريق الطبيعي المذكور هو قضاء فترة طويلة في الدرس والبحث على يد أساتذة أكفاء حتى بعد أن ينال الفقيه مرتبة الإجتهاد فإنه يستمر بالحضور عند الأساتذة الأكفاء ويستمر بالبحث والدرس لفترة سنوات طويلة ، فالسيد الشهيد محمد باقر الصدر (قده) درس ( 13 ) سنة عند السيد الخوئي (قده) ورغم نبوغه المبكر فأنه لم يتصد للمرجعية في حياة السيد محسن الحكيم (قده) بل عمل وفق متطلبات مرجعية السيد محسن الحكيم (قده) ، ومواقفه الداعمة والمساندة لمرجعية السيد الحكيم (قده) مشهورة في الكتب التي تناولت فترة الستينيات من تاريخ الحركة الإسلامية الشيعية في العراق ، وبعد وفاة السيد محسن الحكيم (قده) سنة 1970م لم يتصد السيد الشهيد للمرجعية بل أرجع الناس إلى مرجعية أستاذه السيد الخوئي (قده) رغم مرور حوالي (22) سنة على بلوغة الإجتهاد ، ولم يتصد للمرجعية إلا في سنة 1976م أي بعد حوالي (27) سنة من بلوغه الإجتهاد.

وبخصوص الطرق الطبيعية المتبعة تأريخياً يقول الشهيد السيد محمد باقر الحكيم (قده) وهو يتحدث عن السيد الإمام الخميني (قده) : (ومن هنا نجد الامام يحرص في هذا المجال أولاً على تطوير الحوزات العلمية باتجاه تكاملها الأصيل ، فلابد لها من أن تستمر في منهجها العلمي الذي يعبر عنه انه منهج صاحب الجواهر والشيخ الأنصاري ، هذين العلمين الكبيرين الذين رسما المنهج للحوزات العلمية في المائة والخمسين سنة الماضية) ، فتأكيد أعاظم الفقهاء على هذا السلوك أي أتباع الطرق الطبيعية أتى من نظرة سديدة وصائبة لمجمل التأريخ الشيعي والمسيرة المرجعية فيه وعلاقتها مع السلطات الظالمة وموقعها الديني بإعتبارها الإمتداد الحقيقي لخط الإمامة والنيابة العامة للإمام (عجّل الله فرجه) ، وقد نجح التمسك بهذا المنهج في كشف العديد من أدعياء العلم الذين يروجون لأنفسهم بأنهم فقهاء الأمة ومفكريها ويثيرون البلبلة بين المؤمنين رغم أنهم لم يتبعوا الطرق الطبيعية المتبعة تأريخياً في بلوغ المرجعية وليس لديهم العلمية الفقهية التي تؤهلهم لبلوغ المراتب التي أدعوا تمثيلها. ولسنا بصدد تعداد أسماء لبعض أهل الأهواء الذين أدعوا العلم والفقاهة زوراً وأسسوا لهم بعض المؤسسات بأموال مجهولة المصدر ، فكل بنيانهم سوف يخر عليهم لأن هناك آية قرآنية وسنّة من سنن التأريخ تضمن لنا زوالهم وإندثارهم ، وهـي قوله تعالى : (( فأما الزبد فيذهب جفاءاً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض )).  

 

الصفحة الرئيسية