بسم الله الرحمن الرحيم

كامل النجار والكونفدرالية

نبيـل الكرخي

فجأة أقحم الدكتور كامل النجار موضوع "الكونفدرالية" في رده على مقالتي الموسومة (كامل النجار والفدرالية) ، وكنت أظن أن الدكتور النجار قد توقف عن أسلوبه في المراوغة والهروب من الزاوية الضيقة التي يوضع فيها نتيجة أفكار خاطئة يحملها ، وإذا به يصر على إتباع هذا الأسلوب ، وهو ما يسمى في العربية (الحيدة) أي أنه يحيد عن الموضوع إلى موضوع آخر تهرباً.

 

 ففي مقال للدكتور النجار بعنوان (الفدرالية ليست مبهمة يا سعد مواحان) قال فيها ما نصه : [(والأغرب من كل هذا أن أحد أفراد الوفد سأل رأي المرجعية حول الفدرالية، فأجاب سماحته " بأن الفدرالية لا زالت مبهمة وغير واضحة المعالم ولا نعرف ماهيتها وما المراد بها." قول في منتهى الغرابة إذا عرفنا أن الفدرالية مطبقة في أمريكا منذ أكثر من مائتي وخمسين عاماً، وفي ألمانيا الغربية منذ الحرب العالمية الثانية، وقد طبقت قبل ذلك في المجتمعات الأغريقية القديمة. ربما اختلط الأمر على سماحته وكان قد قصد " الشورى " التي لم تطبق حتى الآن ولا نعرف عن ماهيتها شيئاً)]

فرددتُ عليه في مقال بعنوان (كامل النجار والفدرالية) بقولي :

(وتطرف كاتب المقال وهو يتناول موضوع الفدرالية فاعتبر أن تطبيق الفدرالية في أمريكا وألمانيا هو مبرر كافي لكي تعرف البشرية جمعاء معنى الفدرالية ، مع ان الحقوقيين أنفسهم يصنفون للفدرالية أنواع ودرجات ، وينصون على التقارب الكبير بين بعض الدرجات القصوى من اللامركزية (وهي الأقليمية السياسية) وبين الفدرالية ، ويشيرون إلى أن الفدرالية الأمريكية تختلف عن الفدرالية الألمانية ، فلكل منها نظام فدرالي خاص بها ، فالفدرالية الأمريكية هي فدرالية رئاسية بينما الفدرالية الألمانية هي فدرالية برلمانية ، فالإدعاء بأن النظام الفدرالي الألماني هو نظام مستنسخ من النظام الفدرالي الأمريكي إنما يدل على سذاجة في فهم القوانين الدستورية ،  ولمعرفة المزيد عن الفدرالية ننصح كاتب المقال بالرجوع للمصادر المتخصصة في القوانين الدستورية ، ومن جهة أخرى فإن الفدرالية في العراق ما زالت مجهولة المعالم ، ولا يصح الإدعاء بخلاف هذا ، فما زلنا نجهل ما هي طبيعة الفدرالية وما هي علاقة الأقاليم بعضها ببعض وعلاقتها مع الحكومة الفدرالية ، وكيفية سن القوانين وتوزيع الثروات والإشتراك بالحقوق والواجبات بين الأقاليم ، وتحديد صلاحيات الحكومة الفدرالية والحكومة المحلية للأقليم ، فما زال كل ذلك مجهولاً ، ومع ذلك يرفض كاتب المقال القول "بأن الفدرالية لا زالت مبهمة" !).

ولكن الدكتور النجار رد على هذا النص بجوابٍ حادَ فيه عن الموضوع الأصلي فقال : [(وأنا أترفع بنفسي هنا أن أصف السيد الكرخي بالسذاجة، كما وصفني هو للمرة الثانية في تعقيبه هذا، وأود أن أشرح له الفدرالية والفرق بينها وبين الكونفدرالية)] ، عجباً فما الداعي لذكر الكونفدرالية سوى ما عرفه من خطأه في تناوله لموضوع الفدرالية فحاد عن الموضوع الأصلي وحشر أسم (الكونفدرالية) حشراً بدلاً من أن يعترف بخطأه على الأقل بعد أن عزَّ عليه أن يوصف بالسذاجة !

 

ثم أردف الدكتور النجار في مقاله المذكور قائلاً : [(أما قول الكرخي  " إن الفدرالية الأمريكية هي فدرالية رئاسية بينما الفدرالية الألمانية هي فدرالية برلمانية " فقول مغلوط لأن المستشار الألماني هو بمثابة الرئيس الأمريكي، ولكل من البلدين برلماناتها. ففي أمريكا هناك مجلس الشيوخ ومجلس النواب وهما البرلمان الأمريكي الذي يعادل البرلمان الألماني المركزي)] ، فالموضوع لا يتعلق بوجود برلمانات في كلا البلدين أو عدم وجودهما ، ولا بكون الرئيس الأمريكي كالمستشار الألماني من حيث أنهما يعتبران الشخص الأول في البلاد ، ولكن الموضوع يتعلق في كيفية إنتخاب الرئيس الأمريكي وإختلاف ذلك عن كيفية إنتخاب المستشار الألماني ، وكذلك في صلاحيات كلاً منها ، فالرئيس الأمريكي ينتخب بالإقتراع السري المباشر من قبل الشعب الأمريكي ، أما المستشار الألماني فإنَّ الشعب الألماني ينتخب المجالس التشريعية والتي بدورها تنتخب المستشار ، فإنتخاب المستشار الألماني يكون بطريق غير مباشر.

والدكتور كامل النجار لا يعلم الفرق بين النظام البرلماني والنظام الرئاسي ، ولا نلومه على عدم المعرفة المذكورة بل نلومه لتصديه لأمر لا يعلمه ولا يعلم تفاصيله مما أدى إلى تكرر أخطاءه فيه.

فرجال القانون والسياسة يعلمون أن الأنظمة الديمقراطية في العالم تقسم بصورة عامة إلى قسمين هي الأنظمة البرلمانية والأنظمة الرئاسية ، ففي الدولة ذات النظام البرلماني هناك ثلاثة هيئات هي :

1.    المجالس التشريعية.

2.    رئيس الدولة.

3.    رئيس الحكومة ( أي رئيس الوزراء).

أما في الدولة ذات النظام الرئاسي فهناك هيئتان فقط هما :

1.     المجالس التشريعية.

2.     رئيس الدولة ، الذي يكون هو نفسه رئيساً للحكومة.

وفي النظام البرلماني ينتخب الشعب رئيس الدولة بطريق غير مباشر حيث أن الشعب ينتخب البرلمان وهو بدوره ينتخب رئيس الدولة. ويعين رئيس الجمهورية رئيس الوزراء الذي يحتاج للحصول على القبول والثقة من البرلمان.

أما في النظام الرئاسي فإنّ الشعب ينتخب رئيس الدولة بالإقتراع السري المباشر ، ورئيس الدولة هو الذي يؤلف الحكومة ويكون مسؤولاً عن سياسة البلد لأربع أو خمس سنوات وبحسب ما ينص عليه الدستور من مدّة.

وكما هو واضح ففي الدولة ذات النظام الرئاسي تكون صلاحية رئيس الدولة أوسع بكثير مما هي عليه في الدولة ذات النظام البرلماني.

هذا بيان عام للفرق بيبن النظامين الرئاسي والبرلماني ، وهناك العشرات من التفاصيل في الموضوع بخصوص هذين النظامين ، كما أنه هناك نظام خليط بين الرئاسي والبرلماني تسير عليه بعض دول العالم ، منها بعض الدول الكبرى كفرنسا على سبيل المثال.

فنحن لم نتحدث عن الكونفدرالية التي أقحمها الدكتور النجار بدون سبب وجيه !!

 

وحاول الدكتور كامل النجار تغيير معنى كلامه المسيء بخصوص ثورة الإمام الحسين عليه السلام فلم يزدد في محاولته المذكورة إلا سوءاً على سوء ، فقال : [(واعترض السيد الكرخي على استعمالنا لكلمة " نتقيأ " تاريخ ثورة الحسين، وقال إن اللفظ ليس لائقاً لوصف معتقدات الغير. وأنا لم أصف معتقدات الغير بالتقيؤ، وإنما وصفت عملية الحشو المتكرر لأذهاننا بثورة الحسين، وهذا لا يختلف عن حشو المعدة بالطعام، الذي ربما يكون من أطيب الأنواع، لكنه في النهاية يقود إلى التقيؤ عندما تمتلئ المعدة)] ، ونسي الدكتور النجار أن المعدة المريضة هي التي تتقيّأ الطعام أما السليمة فهي تهضمة وترسله إلى الأمعاء ، فإذا كانت معدته مريضة فعليه أن يعالجها عند طبيب آخر ، طبيب جيد هذه المرّة ، بدلاً من أن يسب الطعام ويشتمه مع أنه من أطيب الأنواع على حد تعبيره ! وإعتراضنا الآخر في هذه النقطة كان حول مقارنة الدكتور النجار في مقاله السابق لعملية التقيؤ بعملية الإجترار للبهائم وقلنا له أن العمليتين مختلفتين لا تصح بينهما مقارنة : (فالتقيء هو خروج الطعام من المعدة إلى خارج الجسم عن طريق الفم ، بينما إجترار البهائم للطعام في معدتها هو جزء من عملية الهضم اليومية لها ، فلا وجه للمقارنة لا من حيث الوظيفة ولا من حيث النتيجة).

وأصر الدكتور النجار فقال : [(أما عملية التقيؤ فليس فيها امتهان لكرامة الإنسان لأنها عملية فسيولوجية طبيعية تحدث في الإنسان الصحيح والمريض وتحدث للحيوان كذلك)] ، فهي عملية فسيولوجية عندما تحدث فسيولوجياً ، وأما حين نصف تأريخاً يعتز به الآخرون ويقدسونه بأنه تقيؤ فلا نظن أن المسألة لها علاقة بالفسيولوجيا. فهل يرضى الدكتور كامل النجار أن نقول عنه أنَّه يتقيّء مقالاته ؟!!

فنحن نجد أن المناسب للدكتور كامل النجار ان يعتذر للملايين من الشيعة عن وصفه تفاصيل ثورة مقدسة عندهم بوصفٍ مهين بعيد عن شروط الحوار المتحضر. 

 

وحين تحدثنا عن عدم التعارض بين التقدم العلمي وبيم المعتقدات الدينية للأمم والشعوب والمجتمعات وضربنا مثلاً بالغرب الذي يتقدم في مجال الفضاء ومع ذلك ينتج أفلاماً تتحدث عن آلام المسيح ومعاناته ، فإذا بالدكتور النجار يحيد عن الموضوع ويتحدث عن مواضيع لا علاقة لها بالمسألة فقال : [(ثم أن العلماء الذين أرسلوا المركبة الفضائية ليسوا هم نفس الذين أخرجوا فيلم آلام المسيح، فالفيلم كتبه وأخرجه ممثل أسترالي يؤمن بالمسيحية)] ، فهل يتوقع الدكتور النجار أن يترك علماء الفضاء إختصاصاتهم ويتجهوا نحو إخراج الأفلام !!

وكون كاتب ومخرج الفلم أسترالياً ومسيحياً لا يعني شيء ما دمنا نتحدث عن عدم التعارض بين التطور العلمي والمعتقدات في الغرب. ولماذا لا يذكر الدكتور النجار ان منتج الفلم أو موزعه كان مسلماً وهو التونسي طارق بن عمّار، أليس للإنتاج دور في نجاح الفيلم ؟!

وأما نظرية التطور فلا تتحدث عن حجم مخ الإنسان ومقارنته مع الحيوان بقدر ما تتحدث عن تطور الإنسان ونشوءه بعد تطوره من القردة !!! فالأمر ليس كما ذكره الدكتور النجار ! ولست ُ أنا من ربط بين نظرية دارون وبين الإلحاد بل النظرية نفسها تتناقض مع الأديان السماوية فتمسك بها الملحدون وروّجوا لها من أجل إبطال الأديان.

 

وكعادته في إنكار الحقائق ، أنكر الدكتور كامل النجار هذه المرّة أن يكون من بين علماء وكالة ناسا للفضاء علماء مسلمون مستنداً في ذلك إلى إدعاءه الضمني لعلم القيافة فقال : [(وفي ادعاءٍ لا تسنده الحقائق يقول الكرخي: " ومن جهة أخرى نقول للدكتور النجار أن وكالة "ناسا" الفضائية يعمل بها العديد من العلماء المسلمين ، من جنسيات مختلفة ، مصرية وغيرها ، فالعقل الذي أرسل تلك المركبة الفضائية ليس عقلاً رافضاً للإسلام أو للمعتقد الديني بصورة عامة ، وإنْ كان من نتاج المدنية الغربية " وهذا مجرد تمني. فالذين رأوا مركز المراقبة في ناسا عندما اجتمع العلماء ليشاهدوا لحظة الارتطام رأوا وجوهاً غربية بحتة)] ، وهي دعوى جديدة للدكتور كامل النجار ، وأعني معرفته لعلم القيافة !!!

ونقول أيضاً بأن الدكتور فاروق الباز هو مدير وكالة ناسا للفضاء وكان قبل ذلك مسؤولاً عن الإستشعار عن بعد في الوكالة المذكورة أي المسؤول عن تحديد مواقع المركبة الفضائية وأين تنزل ومتى وكيف وما هي حساباتها. وكذلك من بين المسلمين في وكالة ناسا للفضاء يبرز مصطفى شاهين وهو رئيس قسم الدفع النفاث في الوكالة المذكورة.

 

ويتسائل الدكتور كامل النجار بسذاجة متعمدة عن ثورة الحسين (عليه السلام) فقال : [(وحتى لو كان هناك علماء مسلمون ، فإنهم لم يصلوا إلى مستوى علماء ناسا باجترارهم تفاصيل ثورة الحسين كل يوم ، ولا يعني كونهم مسلمين أنهم يؤمنون بكل ما يؤمن به الكرخي. وهل استعمل هؤلاء العلماء تاريخ ثورة الحسين في حساباتهم التي أوصلتهم إلى المذنّب المقصود)] ، فالدكتور النجار يبدو أنه لا يؤمن بالتخصص ، وإلا فلماذا يطلب من رجل دين أو دارسٍ للتأريخ أن يكون ناجحاً ومتقدماً في علوم الفضاء وما هو وجه الربط بين التأريخ وعلوم الفضاء ؟! فهل يريد الدكتور النجار من العلماء أن يكونوا فارغين من المعتقدات والقيم والمباديء السامية ؟! وهل من شروطه لطلب العلم أن يكون العالم ملحداً !!

 

والدكتور النجار يأنف أن نصفه بالسذاجة بينما لا يقلقه أبداً أن يصف مقدسات الآخرين بوصف بعيد عن الذوق مثل أستعماله مفردات "الإجترار" و"التقيؤ" في وصف ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) ، وقد قيل فيما مضى : "وكل إناءٍ بالذي فيه ينضحُ" !

فإنْ لم يكن الدكتور النجار يعلم ذلك فيما مضى فليعلمه الآن : فالحديث عن ثورة الحسين (عليه السلام) هو حديث مقدس عندنا تقام له المجالس وتنفق من أجله الأموال ، ولا نسمح لأيٍ كان بأن يتطاول عليه.

 

وقال الدكتور النجار : [(والسيد الكرخي هنا يعارض من أجل المعارضة، فهو يعلم كما يعلم غيره، أن تكرار قصة ما حدث في السقيفة وشتم الشيعة للخلفاء الراشدين غير الإمام علي، يؤجج الخلاف بينهم وبين السنة، تماماً كما يؤجج الخلاف بينهم أقوال السنة وفتاواهم عن الشيعة)] ، أما شتم الشيعة للخلفاء الثلاثة فلم نقترفه في أيٍ من مقالاتنا ، وأما إنتقادهم والتذكير بما حدث في السقيفة وما جرّه على الأمة الإسلامية من ويلات فهو أمر جائز لبيان سبب المشاكل التي أحاطت بالأمة الإسلامية وكيفية معالجتها.

 

وقال الدكتور النجار : [(ولا ندري لماذا طلب النبي من علي ان ينام علي سريره وهو كان يعرف مسبقاً أنه سوف يرمي التراب في وجوه الذين تجمهروا خارج داره فيعميهم فلا يروه وهو خارج. فلماذا احتاج أن ينام شخص في سريره وكان بإمكانه أن يرمي في وجوههم حفنة أخرى من التراب إذا اكتشفوا أنه ليس بالمنزل وتابعوه؟ ثم أن النبي لو كان قد طلب من عمر بن الخطاب أو أبي بكر أو بلال أن ينام في سريره لفعل. ثم ما يدريك أنه نام مطمئناً وبلا سلاح؟ من كان معه بالغرفة حتى عرفنا أنه نام مطمئناً؟ وإذا كان الموضوع موضوع تضحية، فهناك آلاف من الرجال ضحوا بنفسهم وماتوا في سبيل نصرة الإمام علي في صفين، فلماذا لا نهلل ونكبر يومياً بتضحياتهم الجسيمة من أجل الإسلام؟)] ، فيبدو أن الدكتور كامل النجار لم تتكون صورة واضحة لديه عما جرى ليلة الهجرة ، فالأسئلة والإشكالات التي طرحها هي :

ـالأولى قوله : [(فلماذا احتاج أن ينام شخص في سريره وكان بإمكانه أن يرمي في وجوههم حفنة أخرى من التراب إذا اكتشفوا أنه ليس بالمنزل وتابعوه؟)]

الجواب : فموضوع رمي التراب على رؤوس المشركين إنما كان في بداية الليل لكي يتمكن النبي (صلى الله عليه وآله) من الخروج من الدار الذي وقف المشركون ببابه إنتظاراً لتهيؤ الفرصة للإنقضاض عليه. وأما مبيت الإمام علي (عليه السلام) فإنما كان لإيهام المشركين المستمرين في مراقبة الدار طيلة الليل وهم يرصدون تحركات النبي (صلى الله عليه وآله) إنتظاراً لساعة الصفر في الليلة نفسها ، أن النبي (صلى الله عليه وآله) ما زال في الدار ولم يغادرها. واما جميع الخطوات الأخرى فلكل منها دلالات وفوائد وإشارات مهمة ، ففي كل مرحلة وفعل في الهجرة النبوية المباركة هناك حكمة وفائدة ، ففي مبيت الإمام علي عليه (السلام) فوائد قيّمة عديدة ذكرنا بعضاً منها في مقالنا السابق ، ويمكن أن نضيف ما قاله عبد الكريم الخطيب (وهو من أهل السنة) في كتابه الموسوم (علي بن أبي طالب) ما نصّه : (أهذا الذي كان من علي في ليلة الهجرة ، إذا نظر إليه في مجرى الاحداث التي عرضت للامام علي في حياته بعد تلك الليلة ، فإنه يرفع لعيني الناظر إمارات واضحة ، وإشارات دالة على أن هذا التدبير الذي كان في تلك الليلة لم يكن عارضا بالاضافة إلى علي ، بل هو عن حكمة لها آثارها ومعقباتها ، فلنا أن نسأل : أكان لالباس الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، شخصيته لعلي تلك الليلة ما يوحي بأن هناك جامعة تجمع بين الرسول وبين علي أكثر من جامعة القرابة القريبة التي بينهما ؟ . وهل لنا أن نستشف من ذلك أنه إذا غاب شخص الرسول كان عليا هو الشخصية المهيأة لان تخلف ، وتمثل شخصه ، وتقوم مقامه ؟ . وأحسب أن أحدا قبلنا لم ينظر إلى هذا الحدث نظرتنا هذه إليه ، ولم يقف عنده وقفتنا تلك حتى شيعة علي) ، وهو نص بحاجة إلى تأمّل كبير لا سيما وهو يصدر عن واحدٍ من اهل السنة.

فاقتراح الدكتور كامل النجار بإستبدال مبيت الإمام علي عليه السلام برمي التراب هو أمر لا معنى له !

 

ـ الثانية قوله : [(أن النبي لو كان قد طلب من عمر بن الخطاب أو أبي بكر أو بلال أن ينام في سريره لفعل)]

الجواب : وهذا من عجيب إقتراحات الدكتور النجار ، لأنه فيما يبدو لم يقرأ تاريخ المسلمين في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) جيداً وبتعمق ، فهناك حوادث تنص على أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يأمر ولم يكن أبو بكر ولا عمر يمتثلون لأمره ! وعلى فرض إمتثالهما لأمر النبي (صلى الله عليه وآله) فما ادراك أنهما كانا سيؤديان الأمر بالمستوى المطلوب ويؤديان ما أئتمرا به بصورة كاملة ، وسيرتهما فيها ما يدل على هذا ! 

 

ـ الثالثة قوله : [( ما يدريك أنه نام مطمئناً وبلا سلاح؟ من كان معه بالغرفة حتى عرفنا أنه نام مطمئناً؟)]

الجواب : المهم أنه (عليه السلام) نام في فراش النبي (صلى الله عليه وآله) ، ومحاولة حرف النقاش نحو مواضيع جانبية عقيمة هي محاولة فاشلة. فشجاعة علي (عليه السلام) وإقدامه على الأمور الجسورة وإقتحامه للصعاب كما هو واضح من سيرته أيام النبي (صلى الله عليه وآله) تجعلنا واثقين بأنه كان مطمئناً نائماً لا يهمه أمر المشركين بعد أن أخبره النبي (صلى الله عليه وآله) بأن في نومه نجاة للرسول (صلى الله عليه وآله) وإنتصاراً للإسلام من مكيدة الكفار.

 

ـ الرابعة قوله : [(وإذا كان الموضوع موضوع تضحية، فهناك آلاف من الرجال ضحوا بنفسهم وماتوا في سبيل نصرة الإمام علي في صفين، فلماذا لا نهلل ونكبر يومياً بتضحياتهم الجسيمة من أجل الإسلام؟)]

الجواب : لأن العبرة بنوعية التضحية وليست بكميتها ، فالكثيرون من المسلمين جاهدوا وصدقوا في جهادهم ولكن ليسوا جميعاً كان يمكنهم أن يتحملوا أعباء المبيت في فراش النبي (صلى الله عليه وآله) ، ومثل هذا الأمر ، قول النبي (صلىالله عليه وآله) بحق الإمام علي عليه السلام يوم الخندق بعد بروزه لقتال عمرو بن عبد ود وقتله له : (لضربة علي خير من عبادة الثقلين).

 

وقال الدكتور النجار : [(وانتقل السيد الكرخي إلى الادعاء بأني أتهجم على الإسلام عندما قلت إن العقيدة كلها مبنية على الخوف من العذاب بدل الإيمان بالله حباً له، فقال الكرخي: " وهكذا يختلط الحابل بالنابل ، وما يهمنا قوله أنَّ الإسلام لم يُبْنَ على الخوف وحده بل بني على الترغيب أيضاً ، الترغيب بنعيم الآخرة وأنهارٍ من عسل مصفّى وخمر وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون ، فللترغيب جانب أساسي في الإسلام ، ومأساة العالم الإسلامي ليست بسبب الخوف من جهنم ! بل بسبب الإنحراف الذي حصل في تطبيق الإسلام أبتداءاً من بيعة الفلتة في سقيفة بني ساعدة ، وأما حب الله عزَّ وجل فهو جزء التعاليم الإسلامية ضمن الترغيب والترهيب الذي ذكرناه ، وقد أشار القرآن الكريم إلى حب الله سبحانه ، ووضع أساس هذا الحب بقوله تعالى : (( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم )) ، ونقول للسيد الكرخي إن الترغيب بأنهار من خمر وعسل ليس سبباً كافياً للإيمان لأن العسل والخمر في متناول الجميع في هذه الحياة، فما الذي يغريهم بالإيمان ليجدوا زيادة في الخمر الذي حرمه عليهم الإسلام. والآية التي ذكرها السيد الكرخي عن حب الله فواحدة من ثلاثة آيات فقط في القرآن، حسب علمي، تذكر الحب بينما يحتوي القرآن على عشرات الآيات التي تنذر الكافرين بعذاب أليم، مثل:

يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وتري الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ( الحج 2)

يوم يسحبون في النار علي وجوههم ذوقوا مس سقر ( القمر 48)

يوم نقول لجهنم هل امتلاتِ فتقول هل من مزيد ( ق 30)

وجوه يومئذ خاشعة. عاملة ناصبة. تصلى ناراً حامية. تسقى من عين آنية. ليس لهم طعام إلا من ضريع. لا يسمن ولا يغني من جوع ( الغاشية 2-7)

كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب ( النساء 56)

 فيتضح من هذه الآيات مدى الخوف والرعب الذي يصاب به من يقرأ القرآن فلا يسعه إلا أن يؤمن خوفاً من هذا العذاب. ولا يؤمن لأنه يحب الله. وكان لا بد للسيد الكرخي من أن يذكر بيعة السقيفة التي هي بمثاية مسمار جحا للشيعة، كل شئ رديء في الإسلام يرجع إلى السقيفة)] ، فأما العسل والخمر فليست جميعها في متناول الجميع ، وحتى اللذين يتناولون الخمر لا يستطيعون تناول جميع أنواعها ، فهناك أنواع فاخرة من الخمر ذات أثمان مرتفعة يعجز معظم المدمنون عن تناولها ، ويكتفي معظم اللذين يشربون الخمر على تناول الأنواع الشعبية ، ففي المناطق المسيحية في العراق يتم تصنيع الخمر في البيوت لأن ثمنه أرخص من الخمر المستوردة ، وتجد أن معظم المدمنين في العراق يتناولون خمراً يتصف بأن الكمية القليلة منه تحدث تأثيراً عظيماً مع أن ضررها على دماغ الإنسان فادح وتؤدي إلى زيادة نسبة حدوث جلطات في الدماغ ! ولكن غرّهم رخص ثمنها مقارنة مع بقية الأنواع الأخرى !! أما الأنواع الفاخرة التي يتم صنعها من العنب أو من الفواكه فلا يستطيع أي مدمن أن يشربها لغلاء ثمنها ، فإذا علم أولئك المدمنون أن هناك خمراً هو ألذ وأشهى من أغلى أنواع الخمر التي توصل الإنسان لصنعها وأنهم سيحصلون عليها بكميات كبيرة جداً "أنهار من الخمر" ، فبالتأكيد سيكون ذلك ترغيباً لهم للحصول عليها. فقول الدكتور النجار أن الخمر في متناول الجميع ليس بصائب.

ويزداد عدم صواب كلام الدكتور النجار ما نعرفه عن إرتفاع ثمن العسل ، فالكيلوغرام الواحد منه يصل ثمنه في العراق إلى حوالي سبعة باونات (£7) أي ما يقارب 12 دولار وهي الأنواع الفاخرة وغير المغشوشة من العسل ذات التغذية الطبيعية ، وأما الغذاء الملكي الذي تنتجه ملكة النحل فهو أغلى من ذلك بكثير. ولا يستطيع معظم الناس شراءه ، فإذا علموا ان هناك أنهاراً مجانية من العسل يمكنهم أن يحصلوا عليها وهو عسل بنوعية أفخر وألذ وأكثر هناءاً من عسل الدنيا وبكميات كبيرة جداً منه ، أنهاراً من العسل ، أليس في ذلك ترغيباً لهم.

 

واما النص الذي ذكرناه آنفاً والذي يقول الدكتور النجار فيه : [(والآية التي ذكرها السيد الكرخي عن حب الله فواحدة من ثلاثة آيات فقط في القرآن، حسب علمي، تذكر الحب بينما يحتوي القرآن على عشرات الآيات التي تنذر الكافرين بعذاب أليم)] ، فالقرآن الكريم مليء بالآيات التي تتحدث عن الحب ، نذكر منها على سبيل الأختصار :

ـ (( فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ))

ـ (( والذين آمنوا أشد حباً لله))

ـ (( إنَّ الله يحب المحسنين ))

ـ (( إنَّ الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ))

ـ (( فإنَّ الله يحب المتقين ))

ـ (( والله يحب الصابرين ))

ـ (( إنَّ الله يحب المتوكلين ))

ـ (( إنَّ الله يحب المقسطين ))

ـ (( إنَّ الله لا يحب المعتدين ))

ـ (( والله لا يحب الفساد ))

ـ (( إنَّ الله لا يحب الخائنين ))

ـ (( إنه لا يحب المستكبرين ))

ـ (( إنه لا يحب الظالمين ))

ـ (( إنه لا يحب الكافرين ))

وآيات أخرى غيرها. فعدد الآيات أكثر من الثلاث التي ذكرها الدكتور النجار. فالمسلم يحب الله ويطمع في ان يحبه الله عزّوجل ، وقد بيّن الله سبحانه صفات من يحبهم منها قوله (( فاتبعوني يحببكم الله )) ومنها هذه الآيات التي تبين الأصناف من الناس الذين يحبهم الله سبحانه والذين لا يحبهم.

واما الآيات الأخرى التي تتحدث عن الترغيب فهي كثيرة ولا تقتصر على الخمر والعسل ، وإنْ كان فيهما ترغيب عظيم ، منها :

ـ (( على سرر موضونة * متكئين عليها متقابلين * يطوف عليهم ولدان مخلدون * بأكواب وأباريق وكأس من معين * لا يصدعون عنها ولا ينزفون * وفاكهة مما يتخيرون * ولحم طير مما يشتهون * وحور عين * كأمثال اللؤلؤ المكنون * جزاء بما كانوا يعملون * لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما * إلا قيلا سلاما سلاما * وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين * في سدر مخضود * وطلح منضود * وظل ممدود * وماء مسكوب * وفاكهة كثيرة * لا مقطوعة ولا ممنوعة * وفرش مرفوعة * إنا أنشأناهن إنشاء * فجعلناهن أبكارا * عربا أترابا )) من سورة الواقعة.

ـ (( فهو في عيشة راضية * في جنة عالية * قطوفها دانية * كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الايام الخالية )) من سورة الحاقة.

ـ (( إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا * فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا * وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا * متكئين فيها على الارائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا * ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا * ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا * قواريرا من فضة قدروها تقديرا * ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا * عينا فيها تسمى سلسبيلا * ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا * وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا * عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا * إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا )) من سورة الدهر.

وهكذا ترى أنَّ الترغيب في القرآن الكريم لم يقتصر على الخمر والعسل وكما ذكرنا آنفاً.

 

وحين قلنا (فإنَّ الدكتور كامل النجار لا يريد لرجل الدين المسلم أن يتخلى عن التدخل بالسياسة فحسب والتي هي من صميم وظيفته بل يريده أن يتخلى حتى عن التدخل بالدين ومسائل العقيدة ! فيريد أن يوجد نموذجاً جديداً وهو (رجل دين لا يتحدث بالدين) !!!) فرد الدكتور النجار بقوله : [(وانتقادي لرجل الدين لتحدثه عن ثورة الحسين هو انتقاد من يريد لرجل الدين أن يتحرك مع الزمن ولا يتقوقع في التاريخ. عليه بالاجتهاد والإتيان بما يفيد الناس في عصرنا هذا وليس الرجوع إلى القرن السابع)] ، فهو يصر على التدخل في الدين وفي شؤون رجال الدين ، وهذا هو حقيقة حال جميع الملحدين والعلمانيين. فمن هم المتقوقعون في الدين !! هل هم رجال الدين الشيعة الذين لم يتركوا باباً للمعرفة إلا وطرقوه ، فهل بخلوا في مؤلفاتهم عن مناقشة السياسة والإقتصاد والفلسفة والإجتماع ! وهل نحن نحتاج حقاً لذكر العديد من مؤلفات علماء الشيعة في هذا المجال !!

 

وقال الدكتور النجار : [(فبدل الافتخار بمقاومة الناصرية كان يجب على الكرخي أن يشكر الأمريكان على إزاحة صدام ثم يطلب منهم مغادرة العراق)] ، فنحن نشكر الله سبحانه على نصره لعباده بأن أزاح عنهم ظلم الطاغية المجرم صدام بعد أن سلّط عليه الأمريكان الذين طالما دعموا نظام حكمه وساندوه ، وإذا بهم ينقلبون عليه ويستغفلوه. وأما الطلب منهم بمغادرة العراق ، فنحن وبقية أبناء الشعب العراقي في داخل العراق وخارجه قد إنتخبنا جمعية وطنية ووضعنا فيها ثقتنا وهي المسؤولة عن الطلب من القوات الأمريكية بالمغادرة في الوقت المناسب.

 

وختم الدكتور النجار بقوله : [(وكنت قد اعتقدت أن السيد الكرخي قد ارتقي بأسلوبه الكتابي بعد مقالته الأولى التي تهكم فيها عليّ ورمز إليّ  ب " المدعو كامل النجار " وذكرته وقتها أن القرآن يقول " وجادلهم بالتي هي أحسن ")] ، وقد نسي الدكتور النجار انه ذكّرني بقوله تعالى : (( وجادلهم بالتي هي أحسن )) في المقال المذكور حين نسبته إلى الجهل بفعل ما ذكره من أخطاء وليس لإستخدامي لفظة (المدعو) ! وعجباً له أليس يُدعى كامل النجار أم ماذا ؟

وأما الإرتقاء بالأسلوب الكتابي فالجدير بأن يُنصَح به من يشتم الآخرين ومقدساتهم في مقالاته بأن يصفها بالتقيؤ والإجترار. أليس كذلك ؟!

 

 

 مقالات ذات صلة :

·        شذرات من نور العلماء ـ سعد موحان

http://kitabat.com/i6162.htm

 

·        الفدرالية ليست مبهمة يا سعد مواحان ـ د. كامل النجار

http://kitabat.com/i6239.htm

 

·        كامل النجار والفدرالية ـ نبيـل الكرخي   

http://kitabat.com/alkarki_38.htm

 

·        نبيـل الكرخي والفدرالية ـ د. كامل النجار    

http://kitabat.com/i6638.htm

 

الصفحة الرئيسية