بسم الله الرحمن الرحيم

الإسلام والقومية العربية ... ( 3 )

نبيـل الكرخي

إذا كان الإسلام هو مصدر عزة العرب فهو كذلك بالنسبة للمسلمين من غير العرب بدرجة متساوية ، وإذا كانت السلطات الغاشمة التي حكمت بأسم الإسلام قد شوهت تطبيق الإسلام ، وأدعت للإسلام ما ليس فيه ، فلا يجوز بأي حال من الأحوال ان نغض الطرف عن تشخيص مكمن الخلل ، وندعي أن الإسلام هو الذي اخطأ بل علينا أن نتحلى بالشجاعة ونقوم بمسؤوليتنا في إعلان ما نجده حقاً ، فعمر بن الخطاب والأمويون والعباسيون لا يمثلون إلا أنفسهم ولا يمكن حمل تصرفاتهم حملاً قسرياً على الإسلام ، فإذا كانت في نفوس المذكورين نزعة من تعصب قبلي لصالح قبائلهم وعشائرهم فعلينا تشخيص ذلك بكل دقة بدلاً من أن يستغل الموقف لصالح أفكار معينة مخالفة للإسلام ، تنتهز الفرصة للتشنيع على الإسلام بما ليس فيه.

وإذا كان البعض يرى أن عمر بن الخطاب أو الأمويين أو العباسيين قد أستأثروا بالسلطة لأنفسهم على حساب غير العرب ، فالمذكورين قد أستأثروا بها عن أصحابها الشرعيين المنصوص عليهم وخالفوا نصوص الشريعة الإسلامية وذلك حين نقضوا بيعة الغدير وعيّنوا أبي بكر بن أبي قحافة خليفة للمسلمين. ثم ماذا ينتظر المسلمون من خلفاء بني أمية وقد جاهروا في مخالفة الإسلام ومعاداته ، فشربوا الخمر جهرة ومزق بعضهم المصحف وقتل الآخر أبن بنت نبيه (صلى الله عليه وآله) ، وغدروا وخانوا وأعتدوا على النساء والحرمات وهتكوا حرمة المدينة المنورة وهتكوا اعراض فتياتها (أكثر من ألف فتاة في وقعة الحرة في زمن يزيد بن معاوية) ، فهل يقال لمثل هؤلاء انهم كانوا يطبقون الإسلام ، أم هل تؤخذ أفعال هؤلاء على أنها نموذج للإسلام ! فإذا كانوا يفعلون هذا بنظرائهم من العرب ، فهل نعتب عليهم لإسائتهم التصرف مع الآخرين من غير العرب ؟!

فلنكن دقيقين ومنصفين في أحكامنا ولا نحمّل الإسلام أخطاء المسلمين مهما كانوا ومهما علت منزلتهم الدنيوية عند بعض اتباعهم.

فإذا كان الأعاجم محتقرين في زمن دولة بني امية على حد قول الدكتور علي الوردي في كتابه وعاظ السلاطين ، فإن ذلك يشمل الكتلة السياسية الحاكمة ومن يتأثر بها ويواليها من عامة الناس ، فالمشكلة ليست في الإسلام أيها الأخوة ، بل فيمن وضع نفسه واجهة لقيادة الدولة الإسلامية إغتصاباً من أصحابها الشرعيين.

واما القول بأن القومية العربية بدأت مع بداية الإسلام فهو وهم آخر ، بل الصحيح هو أن العصبية القبلية هي التي أستمرت في نفوس بعض المسلمين وأدت اول الأمر إلى نقض بيعة الغدير ، ثم ما تلاها من ويلات بحق المسلمين من العرب وغيرهم ، ومن مظاهر تلك العصبية القبلية هو النزاع القبلي الذي ظهر في دولة بني امية بين المضريين واهل اليمن ، فلو كان مظهر الدولة قومياً لما وجدنا من يشعل فتيل مثل هذا النزاع ، لقد كانت الدولة قائمة على العصبية القبلية ، ونحن نعلم أن هناك فرقاً شاسعاً بين القومية والعصبية القبلية.

أما القومية العربية التي ظهرت في القرن التاسع عشر والتي يحاول أصحابها أن يجدوا لها جذوراً في التاريخ الإسلامي فهي عقيدة علمانية قبل كل شيء ، وعلمانيتها جزء من شخصيتها بل من أسباب وجودها ، إذ لولا هذه العلمانية فيها لما أحتيج إلى إيجادها. ولا يمكن القول بأن المسلمون في عصر بني أمية كان لديهم شعور قومي لمجرد أنهم كانوا يزدرون القوميات الأخرى ، بل أن كل الشواهد التأريخية تؤكد وجود العصبية القبلية المشوبة بالنظرة العنصرية لديهم في ذلك العصر ، وأما القومية العربية فقد وجدت طريقها متأخرة جداً.

ومع الأسف فقد تصدى البعض للدفاع عن القومية العربية بما توهموا أنه دليل على صحة ما يقولون ، حتى أن أحدهم أدعى أدعاءاً عجيباً حيث قال : (فلم يحدث في تاريخ الإسلام على مدى أربعة عشر قرناً من الزمان أن زمام الحكم كان في يد أحد من الموالي. فأين إذاً المساواة بين المسلمين التي يتشدق بها الإسلامويون؟) ، فأين ذهبت القرون التي حكم بها الخلفاء العثمانيون لقسم كبير من بلاد المسلمين وأصبح العرب جزءاً من رعاياهم !؟ ولماذا يتم تجاهل دور المماليك وحكمهم لمصر ، ودورهم الهام في التصدي للتتار وإيقاف زحفهم في عين جالوت ، ولماذا يتناسون أن صلاح الدين الأيوبي الذي حكم بلاد الشام ومصر كان من الأكراد ، ولماذا يتم تناسي حكم محمد علي لمصر في القرن التاسع عشر ، لماذا يتم تجاهل كل هذا وغيره من قبل بعض دعاة القومية العربية !؟ هل هذا التجاهل ينبع من رغبتهم في إتهام الإسلام بما ليس فيه أم في رغبتهم بإنكار الدور الحضاري للقوميات الأخرى المسلمة تعصباً لقوميتهم العربية الزائفة !؟

فأين كانت القومية العربية قبل الإسلام وما هي مظاهرها ، ولماذا كان العرب من أبعد العالمين عن الحضارة بين من يجاورهم من الأمم ، يتقاتلون ويسفكون دمائهم من أجل سباق خيل ! حتى جاء الإسلام ورفع من مكانتهم ، وصنع لهم الحضارة التي يفتخرون بها ، ولكن بعضهم بدلاً من أن يفتحوا صدورهم وعقولهم للإسلام نجدهم يحاولون الإستيلاء على الإسلام ومسخه وتسخيره لمصالحهم الضيقة من خلال تفعيل العصبية القبلية والنظرة العنصرية للقوميات الأخرى التي تشترك معهم في الدين والوطن.

فأي قومية عربية هذه التي يزعمون ؟! هل سمعتم بجماعة من الناس يدّعون أنهم قومية واحدة وليس لهم أصل واحد ، ليس لهم جد واحد يجمعهم ، بل أجداد متفرقون معروفون ومجهولون ، فمنهم عدنان وقحطان وقضاعة وثقيف وشمر والكلدانيون والأكديون والأراميون والإسماعيليون وطسم وجديس والهكسوس وأقوام عديدة اخرى من أصول مختلفة يجمعها العيش في شبه الجزيرة العربية ، فلا تغتروا بما يقوله النسابون العرب من إجتماع أصول العرب في عدنان وقحطان ثم محاولة التقريب بين نسبيهما ، محاولةً منهم لطمس حقيقة تنوع أصول العرب ، فما أنساب العرب في الجاهلية إلا أكاذيب ليس لها قيمة ، ولا يصح منها إلا القليل القليل ، فالعرب لم يكن لهم شعور قومي لأنهم ليس لهم أصل مشترك ، ولم يفكروا يوماً بأنهم قومية واحدة إلا في القرن التاسع عشر عندما تم تلقينهم بالفكر القومي من قبل أساتذتهم الأنكليز.

وأما دعوى الجمع بين القومية العربية والإسلام ، وأنه لا تعارض بين كون الشخص قومي ومسلم ، فهي دعوى متهافتة إذ لا يمكن الجمع بين النقيضين ، فالإسلام ينادي بأنه لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى ، والقومية العربية ـ بحسب تعريف (المنجد العربي) الذي يمتلكه صاحبنا داعية القومية العربية ، وربما يكون قد أستعاره ! ـ هي (مبدأ سياسي اجتماعي يُفضّل معه صاحبه كل ما يتعلق بأمته على سواه مما يتعلق بغيرها) ، فكيف تريد الجمع بين التفضيل وعدم التفضيل !!  

واما جمال عبد الناصر ، ففعله لا يختلف عن أي طاغ يمتلك سلطة يضطهد بها الآخرين ، فما ينسب للأخوان المسلمين من محاولتهم إغتيال جمال عبد الناصر لا يجيز له ما فعله بالجماعة كلها ، فكيف يعاقب من لم يقترف الجريمة ؟ بل الحق أن جمال عبد الناصر كان يضطهد الجماعة كلها بسبب الإختلاف الفكري والعقائدي بينهما وليس بسبب محاولة إغتيال. والأخوان المسلمين ليسوا مجرد جماعة سياسية بل هم جماعة عقائدية دينية ، شمولية فكرها نابع من شمولية الإسلام الذي تعتنقه ، والسياسة هي جزء من تلك الشمولية. ومعاداة جمال عبد الناصر للإسلام أوضح من يُحتاج لتوضيحها ، حيث تجده يسارع لدعم الإنقلاب العسكري في اليمن ضد الدولة الدينية القائمة هناك ، وتجده يضطهد التيارات الإسلامية في مصر ويحاول القضاء عليها ، وجريمته الشنيعة في قتل سيد قطب ، بل يكفيه تبنيه للقومية العربية وهي ذات مبدأ علماني واضح المعاداة للإسلام ، فمن يدعي عدم معاداة جمال عبد الناصر للإسلام فكأنما يضع رأسه في الرمال لكي لا يرى الحقيقة.

ويقول ذلك الداعية للقومية العربية : (وكثير من المسلمين العاديين كانوا وما ظلوا معادين للإخوان المسلمين) ، ولعله لم يحسن التعبير ، فمن يختلف معي بالرأي لا يعني أني أعاديه ، ولكل إنسان حقه في إتخاذ الفكرة التي يجدها مناسبة ، فهل علينا أن نعادي من يخالفنا في رأيه ! بل لعل قوله هذا يكشف عن عقلية القوميين العرب الذين أعتادوا على الفتك بخصومهم ، لا سيما الحكام العرب القوميين الذين ملأوا السجون وأرسلوا إلى المقابر آلافاً من خصومهم السياسيين ، فمنهجهم واحد وهو العداء لكل من يخالف فكرهم ، وهذه واحدة من "حسنات" القومية العربية !

 

الصفحة الرئيسية