بسم الله الرحمن الرحيم

الإسلام والقومية العربية ... ( 2 )

نبيـل الكرخي

آلمني كثيراً مقال بعنوان (الإسلام والقومية العربية) بقلم الأخ حميد عوّاد العتابي في صحيفة الدعوة الناطقة بأسم حزب الدعوة الإسلامية – تنظيم العراق ، العدد المرقم 72 بتاريخ 21 نيسان 2004م ، إذ إنَ كاتب ذلك المقال فيما يبدو لا يدرك حقيقة الخطر القومي وحقيقة إستخدام المفهوم القومي من أجل محاربة النهضة الإسلامية ، والخطر القومي يشمل خطر جميع القوميات وليس القومية العربية فحسب ، إذ إنَّ تفضيل الأكراد للإنتماء القومي على الإنتماء الإسلامي هو مشكلة وخطر يجب تداركه من قبل المسلمين ، وكذلك الحال لبقية القوميات التركية والفارسية والهندية والصينية وغيرها ، فليس المقصود هو إضعاف الكيان العربي أو محاربة اللغة العربية ، بل المقصود هو العودة للإنتماء الصحيح الذي أعطى للعرب قيمتهم الحضارية وهو الإنتماء إلى الإسلام ، ولا يمكن أن ينكر فضل الإسلام في إعطاء العرب دورهم الريادي بين الأمم بأسمه وأسم الدعوة إليه.

نحن لا نجهل إنَّ الموروث العربي التاريخي والحضاري والتراثي لم يحتوِ على مفردة (القومية العربية) بل إنَّ هذا المصطلح تم إيجاده في القرن التاسع عشر الميلادي على يد بطرس البستاني وغيره من دعاة القومية العربية ، وبدعم خفي من أعداء الدولة العثمانية المسلمة بهدف تفتيتها من خلال إيجاد ثورات وفتن داخلية تنهكها ، ثم كانت خيانة الشريف الحسين بن علي للدولة العثمانية وللإسلام بأن تحالف مع الإنكليز وأدخلهم بلاد العرب تحت وهم قومي ووهم أكبر هو تأسيس دولة عربية مستندة لركيزة قومية ، ولأن الخيانة لا تنتج سوى الفشل فقد فشل مخططه المشبوه ، وبقيت الدعوة القومية سلاح بيد أعداء الإسلام يغذوه ويستعملوه أنّى شاؤوا لمحاربة النهضة الإسلامية وحركات التحرر الدينية.

فمن يدعو للتخلص من الشعور القومي العربي فعليه أن يدعو لإستبداله بالشعور الإسلامي وبالعودة إلى المفاهيم الصحيحة ونبذ المصطلحات التي أوجدها أعداء الإسلام ، ولقد دلّت التجارب على إنَّ الأنظمة العربية التي كانت تحمل شعار القومية كانت في نفس الوقت تعمل جاهدة للقضاء على النهضة الإسلامية وتعمل على ضرب وتدمير حركات التحرر الإسلامية ، فالنظام الملكي في العراق وريث الخيانة للعثمانيين بدأ عهده بنفي علماء المسلمين في العراق ، وجمال عبد الناصر داعية القومية العربية قتل سيد قطب وإضطهد الأخوان المسلمين ، وأما النظام العفلقي المدافع الشرس عن القومية العربية فحدِّث ولا حرج عن تقتيله للعلماء والمسلمين والفتك بحركات التحرر الإسلامية والقضاء على النهضة الإسلامية. فالخلاصة المستفادة من وقائع التاريخ إنَّ الأنظمة القومية العربية هي أنظمة معادية للإسلام ، هذا من الناحية السياسية.

أما من الجانب التحقيقي للتاريخ ، فالمستفاد بعد دراسة الوثائق والمصادر التاريخية إنَّ العرب كانوا قبل الإسلام يفتقدون للشعور القومي ، ويعود ذلك حسب إحدى النظريات إلى كونهم ينتمون إلى اصول قومية متعددة عاشت في جزيرة العرب وانصهرت في بوتقة الظروف البيئية والإقتصادية لشبه الجزيرة العربية فتكونت القبائل العربية ، وإنَّ تعدد اصولها القومية هو الحافز لها لظهور العصبية القبلية بينها ، فمصطلح "القومية العربية" هو مصطلح وهمي ليس له وجود تاريخي.

أما بقية القوميات المعتنقة للإسلام فمن المحزن ما نجده اليوم من إعتزازها بإنتمائها القومي على حساب إنتمائها الإسلامي ، وإنَّه لمن العار على المسلمين أن يُمجِّدوا لغة ويعتزون بها ويتداولونها بل ويعملون على نشر تداولها وهي ليست لغة إسلامية ، ونحن نعرف إنَّ اللغة الإسلامية الوحيدة هي اللغة العربية ، فما هي قيمة اللغات غير الإسلامية وماذا سيستفيد أولئك المسلمون وهم يستعملون لغة غير لغة دينهم ! إنَّ مشكلة إستعمال اللغات غير العربية من قبل القوميات المسلمة هي مشكلة وخطر آخر إلى جانب مشكلة وخطر القومية العربية ، لأن أعداء الإسلام يريدون تفعيل وإحياء ونشر تلك اللغات لتكون حاجزاً بين المسلمين من غير العرب وبين فهم نصوص دينهم وبالتالي حاجزاً بين المسلم وبين فهم متطلبات دينه بالشكل الصحيح الذي يفعل الحركة النهضوية ويعمل على إستمرار نشر الإسلام بين شعوب الأرض.

إنَّ "القومية العربية" وهم وكذبة كبيرة علينا أن نعمل جميعاً على كشفها ومحاربة دعاتها نصرة للإسلام الذي به أصبحنا أسياداً للعالم ذات يوم.

 

الصفحة الرئيسية