بسم الله الرحمن الرحيم

الإسلام والقومية العربية ... ( 1 )

نبيـل الكرخي

لم يكن نظام الطاغية المقبور يسمح بحرية التعبير عن المشاعر والفكر الإنساني تجاه مختلف القضايا الحيوية ، ومن ابرز محرماته الخوض في المسألة القومية وحقيقة الشعور القومي للعرب وجدوى القومية العربية ، وذلك لأن الفكر الانهزامي لنظام الطاغية المقبور لم يكن يصمد أمام حقائـق التاريـخ أولاً ولم يكن يصمد أمام الفكر الإسلامي ثانياً .

وعبثا حاول النظام المقبور إقناع الجماهير بعدم التعارض بين القومية العربية وبين الإسلام ، وعبثاً حاول زرع فكرة (العروبة البديلة عن الإسلام) في الضمير العراقي الإسلامي ، لأننا نجزم وبوضوح شديد بان الضمير العراقي الإسلامي لم يكن يستشعر مفهوم (العروبة) ولم يكن يرضى ان تكون (العروبة) بديلا عن الإسلام ولا في منزلة أعلى منه أو مساوية له ، فالارتباط الديني والأخلاقي بين الإنسان العراقي وبين الإسلام كان حاجزا حقيقيا منع من اكتساب (العروبة) شرعية مزيفة .  نعم نحن عرب ونعتز بعشائرنا في جنوب العراق وغربه وفراته الأوسط وشماله ولكن انتمائنا واعتزازنا بأصولنا العربية لا يعني أن يدفعنا لجعل تلك الأصول العربية (العروبة) بديلا عن الإسلام أو جعل (العروبة) في موقف الند من الإسلام ، لان للإسلام الفضل الأول في إعطاء عروبتنا مكانتها اللائقة ولولا الإسلام لما كانت للعروبة قيمة تذكر .

وطالما حاول نظام الطاغية المقبور تشويه حقائق التاريخ ، ومن ضمن سياقه هذا كان كثيراً ما يطرح مزاعمه القائلة بتفضيل العرب على باقي القوميات من حيث انهم كانوا نواة للإسلام وحملةً لراية الإسلام قبل غيرهم من القوميات ، وان جميع القوميات يجب ان تخضع وان تكون تبعاً للعرب وقيادتهم بحسب مزاعمه ، وقد استمد الطاغية دعوته هذه من الدعوة التبشيرية الصليبية للمقبور عفلق .

ولكي نزيل الالتباس ونفضح الأفكار العفلقية للطاغية الهارب ، نؤكد على بعض الحقائق التاريخية المرتبطة فيما بينها :

ان العرب بمجموعهم في شبه الجزيرة العربية لا يمثلون قومية واحدة بل هم في حقيقتهم خليط من القوميات والأصول المتعددة التي عاشت في بيئة شبه الجزيرة العربية ، كالآراميين والاموريين والاسماعيليين والسبائيين والقضاعيين والمعينيين والهكسوس والكلدانيين والآشوريين وغيرهم ، ورغم انصهار القبائل العربية في بوتقة الحياة الصحراوية الا أنها لم تتوحد في شعور قومي مزيف وبقيت كل قبيلة تعتز بقوميتها وتفضلها على باقي قوميات القبائل العربية ، وهذا هو أساس العصبية القبلية عند العرب ، إذن تعدد الأصول القومية للعرب كان الأساس في نشوء العصبية القبلية وبمرور الزمن أصبحت العصبية القبلية هي المحرك الأساس للعربي في ظل شعوره بعدم الانتماء لقومية واحدة .

وعندما جاء الإسلام كان اختيار العرب كنواة لحمل رسالته له ارتباط وثيق بحقيقة فقدان الشعور القومي الموحد للعرب واتصافهم بالعصبية القبلية النابعة من تعدد أصولهم القومية فكانت ثمار اختيار الإسلام للعرب كنواة لحمل الرسالة هي :

*النجاح الباهر للإسلام في تغيير فقدانهم للشعور القومي الموحد نحو الشعور بالانتماء الإسلامي والقضاء على التفرقة العنصرية التي كانت تسود القبائل العربية نتيجة تعدد أصولها القومية واستبدالها بالشعور بالوحدة والمصير المشترك في ظل الإسلام .

*تقديم العرب كنموذج لبقية الأمم والشعوب يدل على عظمة الإسلام وجدوى الالتزام بمبادئه العظيمة ، فالعرب قبل الإسلام كانوا من اكثر الشعوب تفرقا وتمزقاً نتيجة تعدد أصولهم القومية ، هذا التفرق والتمزق تم محوه كليا في ظل الإسلام وهو تغيير اجتماعي لم يكن بالإمكان الحصول عليه لو لا مبادئ الإسلام العظيمة ، فهذا هو النموذج الإعجازي الذي قدمه الإسلام لبقية الأمم والشعوب تمهيدا لنشر مبادئه العظيمة فيها .

*أن اختفاء الندية بين العرب وبين بقية الأمم والشعوب من حيث المفهوم القومي كان من الأسباب التي جعلت الإسلام يختار العرب كنواة لحمل الرسالة ، حيث أن اختفاء الشعور القومي للعرب وبروز العصبية القبلية منع العرب من الاصطدام الحضاري ببقية القوميات المجاورة ومنع تفاخرهم عليهم ، على النقيض من اليهود الذين كانوا يمتلكون شعورا قوميا عارما ويعتبرون أنفسهم الشعب المختار وينظرون لبقية القوميات نظرة ازدراء ، لهذا كانت الحكمة الإلهية بان يكون آخر الأنبياء (صلى الله عليه وآله) من العرب وليس من اليهود ، مما فسح المجال لبقية القوميات للدخول بالإسلام عن قناعة بمبادئه في ظل غياب الندية والعصبية القومية ، حيث أشار القرآن الكريم إلى أن من بين أسباب امتناع الإنسان من الإقناع بالحق هو ( العزة بالإثم )والنابعة  في اغلب الأحيان من الشعور بالعلو على بقية الناس وعدم الإذعان للآخرين حتى وإن كان الحق معهم ، فالعزة بالأثم كانت مفقودة بين بقية القوميات وبين العرب بسبب عدم وجود الندية بينهم لفقدان العرب للشعور القومي الموحد نتيجة تعدد أصولهم القومية.

هذا هو الجواب عن كون العرب هم نواة حملة الإسلام ولغتهم هي لغة القرآن ، وهي أسباب لا تخدم مفهوم القومية العربية المزيف ، إذ لم يكن للعرب في يوم من الأيام شعور قومي ولم يكن للعرب قيمة بغير الإسلام .       

 

الصفحة الرئيسية