بسم الله الرحمن الرحيم

العروبة والقومية.. وجامعة الدول العربية

نبيـل الكرخي

جملة واحدة في مسودة الدستور العراقي الدائم أخافت القوميين العرب وجعلتهم يتراجفون ويتسابقون إلى التصريح برفض الدستور ، والمادة تقول : (العراق بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب ، وهو جزء من العالم الإسلامي ، والشعب العربي فيه جزء من الأمة العربية) ، فهم يريدون أن يكون كل الشعب العراقي جزء من الأمة العربية ، أي أن يكون الأكراد والتركمان والسريان جزءاً من الأمة العربية رغماً عن أنوفهم ! وهو نفس منطق صدام المجرم الذي كان يجبر المسيحيين والتركمان وغيرهم من الأقليات على تثبيت القومية العربية لهم ويمنعهم من أن يذكروا إنتماءاتهم القومية الحقيقية أي كلدان أو آثوريين أو تركمان ويمنعهم من أن يطلقوا على أبنائهم أسماء غير عربية !

ويزعم القوميون العرب أن في هذه الجملة في الدستور تهديداً لعروبة العراق ! متوهمين أن العروبة هي إنتماء ضعيف لدرجة أنه يمكن لجملة في الدستور أن تقضي عليها أو تهددها !!؟

ألم يسأل القوميون العرب أنفسهم لماذا مازالت القومية الكردية صامدة في تركيا رغم مرور عشرات السنين على تجاهلها من قبل النظام العلماني التركي والذي يمنع الأكراد من أستعمال لغتهم وأرتداء زيهم القومي ويمنعهم من كل مظاهرهم القومية ومع ذلك لم يفلح تجاهل الدستور التركي لهم ولا تضييق النظام العلماني التركي عليهم في محو الهوية الكردية للشعب الكردي هناك ، فهل القومية الكردية أقوى وأكثر أصالة من العروبة !؟ بالتأكيد فإن الجواب بالنفي.

أخطأ القوميون العرب في تصورهم بأن العروبة يمكن أن تتأثر ببضع كلمات تكتب هنا أو هناك ، متناسين أن العروبة هي شعور وإنتماء وأخلاق ، وهذا الأمر يجعل من العروبة أمراً مرتبطاً بكل عربي بصميم شخصيته وتكوينه وإنتمائه ولا يمكن لأي قوة أن تسلبه شعوره بعروبته. وما تلك المخاوف التي يطلقها القوميون العرب إلا بسبب ضعف ثقتهم بالعروبة ، وهذا الضعف ينبع من قصور في فهمهم للعروبة ومعناها ، ففي الحقيقة فإن القوميين العرب لا يفهمون العروبة ومعناها.

إنَّ التطبيق العملي للعروبة في نظر القوميين العرب هو أن تنتمي الدولة لجامعة الدول العربية وتوضع خارطتها ضمن خارطة الوطن العربي ، فالدولة التي تحمل هاتين الصفتين هي دولة عربية ومن لا تحملهما فهي دولة غير عربية ، ولذلك لم تكن موريتانيا والصومال ضمن الدول العربية ولا ضمن خارطة الوطن العربي قبل سنة 1977م ـ على ما أذكر ـ والطابع البريدي الذي أضع صورته في نهاية المقال يشير إلى هذه الحقيقة ، فهو قد صدر سنة 1970م في ذكرى تأسيس حزب البعث المقبور أي أنه طابع صادر عن جهة قومية ومع ذلك لا نجد ضمن خارطة الوطن العربي لا الصومال ولا أرتيريا ولا جيبوتي ولا موريتانيا ، إذن مادامت خارطة العراق ستبقى ضمن خارطة الوطن العربي وما دام العراق سيبقى ضمن جامعة الدول العربية إذن فهو دولة عربية ولا خوف عليه من تلك الجملة اليتيمة في الدستور العراقي الدائم والتي تمّ تغييرها أخيراً نتيجة ضغوط القوميين العرب في هذا الإتجاه.

فهل أن القوميين العرب خائفون من تلك الجملة اليتيمة في الدستور نتيجة ضعف ثقتهم بالعروبة فحسب أم يضاف لهذا الخوف حب الإستعلاء الذي يتملك القوميين العرب الذين تلقفوا مقولة أبن تيمية بتفضيل جنس العرب على بقية الشعوب !؟ وجعلوها دستورهم الدائم.

 

الصفحة الرئيسية