بسم الله الرحمن الرحيم

الحزب الشيوعي العراقي وحركة مايس 1941م

نبيـل الكرخي

تقسّم الحرب العالمية الثانية وفق المنظور الشيوعي العراقي إلى مرحلتين :

المرحلة الأولى : وهي المرحلة ما قبل الإجتياح الألماني للإتحاد السوفيتي ، أي الفترة من 1939م إلى 22حزيران 1941م ، وكانت الحرب فيها مجرد "حرب إمبريالية" من النوع الكلاسيكي ، أي حرب لإعادة تقسيم المستعمرات ومناطق النفوذ.

المرحلة الثانية : وهي المرحلة من 22حزيران 1941م وإلى نهايتها في سنة 1945م فقد أصبحت الحرب "حرب تحرير" بقدر ما كان الأمر يتعلق بالإتحاد السوفيتي.

وحين سارت قوات العقداء الأربعة يوم 1 نيسان 1941م ونصبت رشيد عالي الكيلاني رئيساً للوزراء ، وبعد أن بدأت الحرب البريطانية في 2 آيار من السنة المذكورة أصدر الحزب الشيوعي بياناً يدعو الناس فيه إلى الإلتفاف حول نظام وزارة الكيلاني وتقديم الدعم لها ضد البريطانيين.

لكن ما إن بدأ الإجتياح الألماني للإتحاد السوفيتي في الحرب المذكورة بعد اقل من شهرين من التصريح المذكور ، وإذا بالحزب الشيوعي العراقي يغير موقفه كلياً من بريطانيا وإحتلالها للعراق ، فنجده وقد أعتبر الجيش البريطاني جيش تحرير ، نظراً لدخول الإتحاد السوفيتي في التحالف مع بريطانيا ضد ألمانيا ، وأخذ الحزب الشيوعي العراقي يعمل جاسوساً للبريطانيين ضد أنصار ألمانيا في العراق فيعمل على تعقبهم وتقديم أسمائهم إلى دائرة الإستخبارات البريطانية عن طريق الياس حداد ـ زوج اخت فهد مؤسس وقائد الحزب الشيوعي العراقي ـ والذي يعمل في دائرة الإستخبارات المذكورة ، وقد بلغ تعاون الحزب الشيوعي العراقي مع البريطانيين في تلك الحرب لدرجة أن فهد مؤسس وسكرتير الحزب المذكور يقول في تقريره الذي قدمه إلى اللجنة المركزية في إجتماعها المنعقد في 7 / 5 / 1942م : (ولذلك فإنّ علينا أن نساعد الجيش البريطاني في العراق بكل طريقة ممكنة ، وأن نسهل خصوصاً نقل المواد العسكرية بواسطة السكك الحديد) إلخ.. ، هذا مع الإلتفات إلى نقطة مهمة وهي أن الحزب الشيوعي العراقي في تلك الفترة لم يكن لديه ظهور علني أو نشاط مرخص فيه من قبل السلطات ، بل كانت السلطات تشن حملات إعتقالات ضد الحزب المذكور رغم مواقفه المؤيدة للنظام الملكي وللبريطانيين خصوصاً ، وهو الأمر الذي لم يدفع الحزب الشيوعي العراقي لتغيير موقفه من البريطانيين بل بقي على دعمه لهم ومساعدته لهم خضوعاً لإنتمائه الأممي وتسييره من قبل الإتحاد السوفيتي ! الأمر الذي دفع الحزب الشيوعي العراقي للإعتراف بخطأ دعمهم لحركة رشيد عالي الكيلاني وذلك عبر صحيفتهم "القاعدة" في حزيران 1943م ثم تجرّأ فهد وأدان تلك الحركة الوطنية العراقية وذلك في كونفرنس الحزب الأول في آذار 1944م واصفاً إياها بالمغامرة المتهورة ، ثم وصفتها صحيفة القاعدة بأنها "فاشية" و"مجرمة" وذلك في عددها الصادر في 3 نيسان 1953م ، فإذا قلنا بأن إساءة فهد لحركة مايس الوطنية التحررية إنما كان وفقاً لمقتضيات المرحلة وفق تقييم الحزب الشيوعي العراقي ـ تمسكاً بسياسته الذيلية للإتحاد السوفيتي ـ فلماذا أستمر الحزب الشيوعي العراقي في موقفه المعادي لهذه الحركة الوطنية ليصفها بالفاشية والمجرمة بعد إنتهاء تلك الحرب بثمان سنوات ـ أي سنة 1953م ـ لولا السياسات الخاطئة التي كان يسير عليها قادته المحليين والأمميين ! فكان موقفه السلبي من الحركة الوطنية المذكورة إنما يراد منه التزلّف والتذلل للسلطات الحاكمة في تلك الفترة ، وإصراراً منه على أخطاء الماضي.

 وهناك نقطة هامة أخرى وهي النسبة العالية للعمال والموظفين في السكك الحديد العراقية من أعضاء وأنصار الحزب الشيوعي العراقي ، وما هذا إلا بتوجيه خفي من قبل بريطانيا نتيجة موقف الحزب المذكور في رعاية مصالحها أثناء الحرب العالمية الثانية ، لا سيما في موضوع نقل البضائع والمواد العسكرية البريطانية بواسطة السكك الحديد والمراقبة التي تكفل بها الحزب الشيوعي العراقي لمنع حدوث حوادث تخريب في السكك الحديد من أجل الحفاظ على المصلحة البريطانية المذكورة في الحرب العالمية الثانية ، لذلك فقد نشطت دائرة الإستخبارات البريطانية في نشر الفكر الشيوعي بين عمال السكك الحديد ، وهو الأمر الذي ألقى ظلاله على بعض عمال السكك الحديد... وإلى اليوم.

 

 الصفحة الرئيسية