بسم الله الرحمن الرحيم

جواب لسؤال حول التقليد

نبيـل الكرخي

في البدء أشكر الأستاذ عبد الرزاق الوكيل على مناقشته القيمة لمقال (الوهم الشيعي ، وأوهام أعداء الشيعة) ، وأجد أن مناقشته للمقال المذكور في مقاله الموسوم (المجتهدون بين الرسالة العملية والرسالة الفكرية) هي مناقشة جديرة بالإهتمام ، ولكي نسلط الضوء على جوهر فكرته نطرح السؤال الآتي :

هل هناك فرق بين الرسالة العملية و"الرسالة الفكرية" للمجتهدين ؟

وفي الحقيقة أريد أن أصيغ السؤال بصياغة أخرى وهي :

هل يصح التمييز بين الرسالة العملية و"الرسالة الفكرية" للمجتهدين ، وهل للـ "رسالة الفكرية" خصوصية منقطعة عن الرسالة العملية ؟

في تقديري أن "الرسالة الفكرية" إنما تنبع من الرسالة العملية وتتخذها أساساً لها ، فعلى سبيل المثال نجد أن ما نصت عليه الرسالة العملية من تحريم للربا هو الذي دفع المفكرين الإسلاميين للخوض في تفاصيل الإقتصاد الإسلامي وضوابطه ومجاراته للنظم الإقتصادية العالمية ، وما نصت عليه الرسالة العملية من أمر بالمعروف ونهي عن المنكر هو الذي دفع المفكرين في الحركات الإسلامية لطرح نظرياتهم السياسية في العلاقة مع السلطات الحاكمة ، وأمثلة عديدة يمكن أن نجدها تبين بوضوح أن الأصل في التدين هو عمل الإنسان في الرسالة العملية وإلتزامه بتطبيقها ، وبسبب هذا التطبيق أنطلق المفكرون في بيان نظرياتهم الإسلامية التي توضح الفكر الإسلامي ونظرته لتطور الحياة ، وفي رد المفكرين للشبهات التي يطرحها خصوم الإسلام. ولذلك فإن العنوان الذي أختاره أخونا الأستاذ عبد الرزاق الوكيل وما ذكره في مقاله قد يوحي بوجود فاصل بين الرسالتين المذكورتين ، أو أهمية للـ "رسالة الفكرية" على حساب الرسالة العملية ، وهو الأمر الذي نجده مجانب للصواب.

 أما الفكرة القيمة التي ذكرها الأستاذ عبد الرزاق الوكيل بقوله : [(نحن بحاجة الى رسالة فكرية وثقافية بأن يكون لدينا مجتهدون في الفكر من العلماء وآخرون في الفقه، فهذا هو الشهيد محمد باقر الصدر عندما أخرج رسالته الفكرية الممثلة في كتاب فلسفتنا وأقتصادنا والأسس المنطقية في الأستقراء أفاد بها الأمة ولكنه قبل أستشهاده بسنوات أخرج جزأ  واحدا من رسالته العملية الفتاوى الواضحة، لأن عدم وجود رسائل عملية كثيرة لم تكن محل أبتلاء، فهن متشابهات ما عدى بعض المسائل الخلافية)] ، فهو كلام رائع ومفيد غير أن أننا نجد أنه يحتاج للقليل من التوضيح والتعديل ، فأما مسألة إصدار السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قده) لجزء واحد من رسالته (الفتاوى الواضحة) فهو يعود إلى أن الوقت لم يكن متاحاً له لإصدار الأجزاء الأخرى بسبب مقتله من قبل السلطة البعثية العفلقية ، مع العلم أن الفتاوى الواضحة تحتاج لجهد وتأليف لأن السيد الشهيد قد كتبها بطريقة جديدة وأبواب مختلفة عن بقية الرسائل العملية ، والذي يدل على إهتمام السيد الشهيد (قده) بالرسائل العملية هو أمران : الأول إهتمامه بإصدار تعليقة على الرسالة العملية للسيد محسن الحكيم (قده) والموسومة (منهاج الصالحين) ، والثاني إهتمامه بإخراج صياغة جديدة وبلغة مبسطة وعصرية للرسالة العملية فكان إصداره للجزء الأول من رسالته العملية (الفتاوى الواضحة). فالإهتمام بالرسالة العملية هو من صميم إهتمام أعاظم المراجع لأن الرسالة العملية هي الأساس في كل المسيرة الدينية الحياتية للمسلم الشيعي ومن ثم في مسيرته الفكرية. وأما الفكرة التي ذكرها الأستاذ عبد الرزاق الوكيل في النص السابق فأجدني مختلفاً معه في ما ذكره ، فلسنا اليوم بحاجة لظهور مفكرين جدد ـ وإنْ كنّا نتمنى ظهورهم بصورة مستمرة ففي وجودهم مصدر قوة للأمة ـ  بقدر حاجتنا لدراسة وأستيعاب وتطبيق ما جاء به المفكرون الذين نمتلك اليوم نتاجهم الفكري ونحترمه ونقدسه ولكن لا نعمل به ولا نهتم به على النحو المطلوب ، فما هي فائدة ظهور مفكر جديد ما دمنا لن نعمل على تحويل فكره لواقع عملي ملموس في الحياة ، فما بين أيدينا من فكر السيد الشهيد (قده) فيه غنى في بعض المجالات مثلاً في المجال العقائدي والمجال الإقتصادي ، ولكن كم مؤمن وكم منظمة أستطاعت أن تدرس فكر السيد الشهيد وأن تحوله إلى واقع عملي ملموس ، رغم وجود العديد من الجهات التي تدعي وراثتها لفكر السيد الشهيد (قده) وتبنيها له ، ولكنه تبني مكذوب لأنهم لم يسيروا وفقاً لفكره ورؤيته ، وأبسط مثال نذكره لشرح الفجوة بين فكر السيد الشهيد (قده) وبين الواقع اليومي ، هو ما ذكره السيد الشهيد (قده) من وجوب إحترام متطلبات المرجعية العليا وعدم إحداث ما يوجب الفرقة بين المؤمنين وبين مرجعيتهم العليا ، وذلك في فتوى شهيرة صدرت سنة 1976م وقد جاء فيها ما نصه : (وقد جرى ديدن العلماء على التمييز بين الأمرين : بين الإفتاء وإصدار ما يتضمن ذلك لمن يحتاج إليه في عمله الديني الشخصي وبين الإلتزام بمتطلبات المرجعية العليا وصيانتها. ونحن نرى لزوم التمييز بين هذين الأمرين فلا يجوز الخلط بينهما ولا يجوز مس مقام المرجعية العليا ، ولا يجوز أي عمل يقصد به تفتيت الشمل المجتمع للمؤمنين على مرجعيتهم العليا وتمزيق كلمتهم) ، ولكن كم إنسان طبّق هذه الفتوى ، وفي عالمنا اليوم كم مسلم حوّل هذه الفتوى إلى واقع عملي فامتنع عن الإساءة للمرجعية العليا التي يختلف معها في الرؤى ، وكم من إساءات صدرت من قبل جهات تدعي وراثة فكر السيد الشهيد (قده) وتتحدث بأسمه وهي تسيء يومياً إلى المرجعية العليا وتحاول زرع الشقاق بينها وبين المسلمين !

فما نحتاجه في الواقع هو تحويل أفكار المفكرين إلى واقع وتطبيق ، وهو دور مؤسسات المجتمع المدني ، من منظمات وجمعيات ثقافية وإسلامية وهو دور المساجد ودور الخطباء في المجالس الحسينية ، فنحن لدينا كم هائل من الفكر الإسلامي النقي والسليم ولكننا لا نجد من يطبقه على نحو واسع بصورة متوازنة مع سعة المجتمع.

وفي نفس الإطار نجد أن العديد من المؤمنين وهم بعيدون عن الإستفادة من التقدم في وسائل الإتصال ، وبعيدون عن الإستفادة من شبكة الأنترنيت ، فهناك مواقع إسلامية عديدة يمكن التحاور معها في مختلف القضايا والوصول لتلك المواقع سهل ويسير ، ولكن العديد من المؤمنين يعرضون عن الإستفادة من وقتهم بدخول تلك المواقع والحوار معها والحوار مع الآخرين فيها من أجل الإقناع والإقتناع ، فنحتاج للمزيد من الوعي بين المسلمين لتنظيم فكرهم ووقتهم والسعي الجاد لطرح المشاكل والشبهات وإيجاد الحلول لها ، أما غير المخلصين والمدفوعي الأجر فمنهجهم معروف وواضح ، فتراهم يكتبون مقالات مليئة بالشبهات والفبركة من أجل زعزعة إيمان المسلمين وتشتيت صفوفهم ، فمنهج من يريد الإصلاح واضح ومنهج من يريد الإفساد واضح. ولا نتصور أن هناك أي دعوة إصلاحية في مقال الأستاذ فاضل عباس (الوهم الشيعي) بحلقاته الستة.

وأما السؤال الذي طرحه الأستاذ عبد الرزاق الوكيل في نهاية مقاله وهو : [( ماذا يترتب لو لم يقلد المكلف مجتهدا بعينه وأنما يأخذ من أي مجتهد حيا كان أو ميتا حلا لمسألة ما، أي التبعيض في كل المسائل وليس في تلك التي فيها تأمل أو أشكال أو ما يرتبط بأحد أنواع الأحتياط، على ضوء طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى، وفأن مع العسر يسرا ،أن مع العسر يسرا ، وما أرسلناك ألا رحمة للعالمين وقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر، كذلك مبدأ أن الناس أحرار ما داموا عبيدا لله كما يريد جل شأنه في الثوابت، وأن التعددية من سمات الحياة في جميع مفاصلها وأن الله لم يخلقنا لينتقم منا وصعب ويعقد الأمور )] ، فنجيب عنه بالآتي : إنَّ طرق تحصيل الحكم الشرعي للتعبد به هي ثلاث طرق ، الإجتهاد والتقليد والإحتياط ، وحيث أن الإجتهاد والإحتياط لا يتاتيان لكل أحد من المسلمين بسبب ظروف الحياة ، فلا يبقى سوى طريق التقليد لكي يسلكه عامة المسلمون ،

ـ وحيث أن المجتهدين مختلفون فيما بينهم حول تقليد المجتهد الأعلم فمنهم من يوجبه ومنهم من لا يوجبه أي يجوز تقليد الأعلم وغير الأعلم ، فالمقدار المتيقن هو تقليد الأعلم لأن الذي لا يوجب تقليد الأعلم لا يمنع منه ، فيشترك الطرفان من يوجب تقليد الأعلم ومن لا يمنع تقليد الأعلم في أن المقدار المتفق عليه هو تقليد الأعلم ،

ـ ونفس الأمر بالنسبة لتقليد المجتهد الحي وتقليد الميت ، فهناك مجتهدون يوجبون تقليد الحي إبتداءاً ، وهناك مجتهدون يجوزون تقليد الميت إبتداءاً ولكنهم لا يمنعون من تقليد الحي إبتداءاً ، وبذلك يكون المقدار المتيقن الذي تبرأ الذمة فيه هو تقليد الحي إبتداءاً.

ـ ونفس الأمر بالنسبة للتبعيض ، فهناك مجتهدون يمنعون من التبعيض إذا أختلف المجتهدون في الأعلمية وهناك مجتهدون يسمحون في التبعيض وإنْ أختلف المجتهدون في الأعلمية ولكنهم لا يوجبون التبعيض ، فالمقدار المتيقن الذي تبرأ الذمة به هو منع التبعيض مع إختلاف المجتهدين في الأعلمية.

وأتصور أن في هذا المقدار من التوضيح جواب كافٍ للأستاذ عبد الرزاق الوكيل على سؤاله الذي ختم به مقاله.

 

الصفحة الرئيسية