بسم الله الرحمن الرحيم

31 آذار : ولادة شيوعية أم إنتصار إسلامي !

نبيـل الكرخي

تذكر الأدبيات الحديثة للحزب الشيوعي العراقي أن الحزب المذكور قد تأسس في 31 آذار 1934م ، ولكن يبدو أن هذا التاريخ غير دقيق نتيجة فقدان الحزب الشيوعي للسجلات التي تدعم قوله وسكوت المصادر الشيوعية القديمة عن هذه النقطة !

الرواية الشيوعية تقول أنه في 31 آذار 1934م تأسست "لجنة مكافحة الإستعمار" وهذه اللجنة هي النواة أو الواجهة للحزب الشيوعي العراقي ، وكان عاصم فليح هو أحد مؤسسي هذه اللجنة وهو أول سكرتير للحزب الشيوعي العراقي ، لكن ما يناقض هذه الرواية هو أن عاصم فليح المذكور لم يعد من موسكو ـ حيث كان يتدرب في (الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق) ! ـ إلا في 18 آب 1934م ، فكيف يتسنى له تأسيس اللجنة المذكورة في ذلك التاريخ ؟!

أما "الموسوعة السوفيتية" فقد ذكرت في طبعتها للعام 1953م إنَّ العام 1932م هو عام ولادة الحزب الشيوعي العراقي ! وكذلك ذكرت صحيفة "أتحاد الشعب" بعددها المؤرخ في 20 شباط 1959م إن تاريخ التأسيس يعود للعام 1932م ! في حين يؤكد زكي خيري وهو عضو اللجنة المركزية للحزب المذكور في نهاية الخمسينيات وأحد أعضاء "لجنة مكافحة الإستعمار" المذكورة أن هذه اللجنة قد تأسست في نيسان 1934م وإنَّ أسم "الحزب الشيوعي العراقي" قد ظهر كاملاً لأول مرة في تموز 1935م ! ويبدو أن "لجنة مكافحة الإستعمار" هي ليست أول تنظيم شيوعي في العراق حتى تكون لها ميزة الولادة دون سائر الفعاليات الشيوعية ، فقد كانت هناك جماعة (متدارسي الأفكار الحرة) وهي جماعة شيوعية بزعامة حسين الرحال والتي أصدرت صحيفة نصف شهرية بأسم"الصحيفة" في تشرين الثاني 1924م ، ففي الحقيقة ليست هناك ميزة للإحتفال بولادة "لجنة مكافحة الإستعمار" دون سواها من الواجهات الشيوعية ، يضاف لذلك أن أسم الحزب الشيوعي العراقي لم يظهر إلى الوجود ـ كما مرَّ آنفاً ـ إلا بعد تموز 1935م.

ومما يدعم القول بخطأ التأريخ المذكورة إنّ فهد (يوسف سلمان) الذي اعاد تأسيس الحزب الشيوعي العراقي سنة 1939م وإلى ان تم إعدامه في شباط 1949م لم يتحدث أبداً عن الحزب الشيوعي سنة 1934م ولا عن أعضاء قيادته ونشاطهم فضلاً عن أنه قد أستبعد من الحزب المذكور في التأسيس الجديد كل الشيوعيين الذين حضروا وساهموا في تأسيس "لجنة مكافحة الإستعمار" ، ولذلك لم يحتفل الحزب الشيوعي في عهد فهد بتأريخ تأسيسه في 31 آذار 1934م مطلقاً !

فلنتقدم في الزمن الآن إلى تأريخ 31 آذار 1980م ، وهو تأريخ إصدار صدام المجرم لقانون إعدام كل المنتمين لحزب الدعوة الإسلامية وكل المروجين لأفكاره ! أي إنه قانون إعدام لكل اعضاء التيار الإسلامي الشيعي من حزبيين ومستقلين ، تصوروا أن التيار الإسلامي بكافة أحزابه ومستقليه يتم الحكم عليه بالإعدام وبأثر رجعي ! فهو قانون لم يشهد له التأريخ مثيلا ، هو قانون يراد منه إعدام الإسلام في العراق عقيدةً ومنهجاً.

من الملفت للنظر ان النظام البعثي المقبور كان يقوم فعلاً بإعدام المسلمين في العراق من حزبيين ومستقلين تحت ذرائع شتى ، فلماذا يحتاج فجأة لإصدار قانون مثل هذا ؟!

إن صدور قانون إعدام الإسلاميين سيء الصيت ما هو إلا إعلان رسمي من قبل النظام المقبور بأنه يريد القضاء على الإسلام في العراق ، ولا يمكن فهم هذا القانون بغير هذا التصور ، فكان قانوناً إرهابياً تبعته سلسلة إجراءات شرسة ظن النظام القبور أنها قادرة على الوصول لمبتغاه ، كما ظن من سبقه من الطغاة خطأً بقدرتهم على القضاء على الإسلام المحمدي الأصيل ، فكانت الإعتقالات والمحاكمات الصورية والإعدامات بالشنق والرصاص وأحواض التيزاب والتفجير ، وكان هتك الأعراض والتعذيب والتغييب في قعر السجون والزنزانات الضيقة المظلمة ، حيث لا ليل ولا نهار ، وكثير جداً من تفاصيل الحياة اليومية المريرة للسجناء الذين لا ذنب لهم إلا أن قالوا "ربنا الله" وكفروا بعقيدة عفلق وولاءه ، آلاف من المسلمين واجهوا هذا المصير ، ولكن ماذا كانت النتيجة ، هل استطاع نظام صدام المجرم ان يقضي على التيار الإسلامي أو أن يحجم الوعي الإسلامي أو أن يحول بين الشعب العراقي الجريح وبين يقظته الإسلامية العارمة ؟ كلا لم يستطع أن يفعل أياً من ذلك ، ففي الوقت الذي كان الحزب الشيوعي فيه يتحالف مع نظام صدانم المجرم في السبعينيات كان المسلمون في العراق يرتقون أعواد المشانق ويفتحون صدورهم لرصاص إعدامات النظام البعثي المقبور ،  وفي الوقت الذي تمكنت فيه الأجهزة الأمنية للنظام البعثي المجرم من إعتقال وتفتيت كل الخلايا الشيوعية داخل العراق في نهاية السبعينيات ، نجد إنَّ تلك الأجهزة الأمنية نفسها وقد عجزت عن فعل نفس الأمر تجاه اليقظة الإسلامية للشعب العراقي الجريح ، فبقي الصراع مستمر بين المسلمين (الحزبيين والمستقلين) وبين الأجهزة الأمنية البعثية وحتى إنهيارها عند سقوط الصنم في نيسان 2003م.

إنَّ تاريخ 31 آذار يمثل إنتصاراً إسلامياً ، إنتصار للإرادة الإسلامية وإنتصار لليقظة الإسلامية للشعب العراقي الجريح ، بنفس منهج إنتصار الدم على السيف ، فالمنهج الحسيني للشعب العراقي المظلوم هو الذي جعل من تاريخ 31 آذار رمزاً للإنتصار الإسلامي يحق لكل الشرفاء تذكره والإحتفال به وبآلاف الشهداء والمناضلين الذين قدموا حياتهم من أجل ولائهم للإسلام ورفضهم لكل الولاءات الأخرى.

 

الصفحة الرئيسية