بسم الله الرحمن الرحيم

إستهداف إيران .. من عمر إلى بوش

نبيـل الكرخي

طالما كان البعثيون يرددون في وسائل إعلامهم المنحلّة مقولة الخليفة الثاني عمر بن الخطاب : (وددت أن بيننا وبين فارس جبلا من نار لا يصلون إلينا منه ولا نصل إليهم ) ، لاسيما في إثناء حرب العدوان البعثي على جمهورية إيران الإسلامية في الثمانينيات من القرن العشرين الميلادي ، وحيث أن عمر بن الخطاب كان قد قال مقولته تلك ـ فيما روي عنه ـ فإن ذلك يكشف لنا أنَّ مسألة العداء لإيران هي مسألة موغلة في القدم وليست وليدة الثورة الإسلامية فيها.

ترى ماذا كانت ستكون عليه منطقة الشرق الأوسط لو تحققت أمنية عمر بن الخطاب ، أي أن يكون هناك جبل من نار بين العراق وإيران ، أي بمعنى آخر أن تكون حدود بلاد المسلمين إلى العراق فحسب ، معنى هذا إننا سنخسر كل المناطق والبلاد الإسلامية لصالح أعداء الإسلام ، فلن يكون هناك إسلام في إيران ولا في باكستان ولا في إفغانستان ولا في الهند ولا في بنغلادش ولا في الصين ولا في دول طاجكستان ولا تركمانستان ...إلخ ، كان المسلمون سيفقدون العمق الستراتيجي لهم في قارة آسيا كلها ، كانت ملامح الحضارة الإسلامية ستتغير كلياً لأن معظم العلماء والفلاسفة والفقهاء المسلمين هم من تلك البلاد الآسيوية ، وملامح فقه أهل السنة كان أيضاً سيتغير لأن معظم فقهائهم هم من الفرس فمنهم أبو حنيفة والبخاري ومسلم والرازي وإبن ماجة والترمذي و....إلخ ، بل إنَّ سيبويه أبرز علماء اللغة العربية أيضاً كان فارسياً !

لو تحققت أمنية عمر بن الخطاب فإن الإسلام كان سيكون ديناً قومياً خاصاً بالعرب ، ولأمتنع عن الإنطلاق نحو العالمية ليكون ديناً عاماً لكل البشرية ، ولكانت أمريكا والكيان الصهيوني اليوم أكثر سعادة بسبب عدم إنتشار الإسلام في بلاد الغرب وقارة أمريكا وقارة آسيا.

حسناً لم يحدث ذلك الجبل الناري ، ولكن منذ اليوم الذي أنطلقت فيه تلك الأمنية العمرية وإلى اليوم نجد الكثير من الأشخاص والقوى تحاول أن تطبق نظرية عمر بن الخطاب في إيجاد حاجز حقيقي أو على أقل تقدير نفسي بين إيران والعراق ، ولقد تنوعت مظاهر الأمنية العمرية عبر التاريخ وبإختلاف السلطات التي حاولت تطبيقها والظروف التي واجهتها ، فتارة يتم إثارة النعرة القومية العربية ضد إيران ، والنعرة القومية الفارسية ضد العرب ، وتارة يستخدمون عنصر التعصب المذهبي في صراع طويل بين الدولتين الصفوية والعثمانية ، مؤامرات كثيرة ومتنوعة يصعب إحصاءها ، حتى إذا وصلنا إلى العصر الحاضر ، وبدأ العدوان البعثي ضد الجمهورية الإسلامية في حرب الثمان سنوات من أجل إسقاطها وإعادة نظام الشاه المقبور ، بدأ العفلقيون يستخدمون الورقة القومية تارة والمذهبية تارة أخرى ، وأصبحت مشاكل العراق والعرب جميعاً مصدرها إيران بصورة مفاجئة ، وأصبحت إيران هي العدو الأول للعراق وللعرب وللقومية العربية وللوجود العربي كله لدرجة أن بدأ النظام الصدامي يضع التماثيل والنُصُب في بغداد والبصرة وهي تشير بيد العداء تجاه إيران ـ كما هو حال النصب أمام وزارة الدفاع في باب المعظم في بغداد وتماثيل القادة العسكريين المقبورين على ضفاف شط العرب في البصرة ـ وطبعا إذا كانت النُصُب والتماثيل تتجه بالعداء لإيران فهي تدير ظهرها للكيان الصهيوني ، فهذا في الشرق وذلك في الغرب ، وفعلاً لم يعد الكيان الصهيوني واقعاً هو العدو الحقيقي للعراق والعرب بل إيران ، وذلك أيام حكم الطاغية المُنتهك ـ لدرجة أنَّ تلفزيون الشباب سيء الصيت الذي يملكه المقبور عدي ، كان حين يفتتح برامجه في منتصف التسعينيات يبث برنامجاً لمدة عشر دقائق يومياً حول حرب الثمان سنوات مع إيران التي دارت في الثمانينيات ، وقد أطلق على ذلك البرنامج أسم (لكي لا ننسى) ! في نفس الوقت الذي كان فيه ملايين العراقيين يعانون من الحصار والمشاكل الإقتصادية والبطالة ونقص الأدوية ، في ذلك الوقت لم يكن لدى القيادة العفلقية من شاغل سوى أن تعلن عدائها لإيران وتدير ظهرها للكيان الصهيوني.

وأنقضى ذلك العهد العفلقي المظلم ، وبدأ عهد جديد ، عهد الحرية ، لكن الأمنية العمرية ما زالت تجد طريقها للقبول من قبل السلطات الجديدة ، إذ تفاجىء العراقيون بوزير الدفاع الجديد ـ خليفة المجرمَين عدنان خير الله وسلطان هاشم ـ يسير بسيرة من سبقه فإذا به يشهر يده لتشير نحو إيران بالعداء ، وليصبح هذا العداء سياسة دائمية لوزارة الدفاع العراقية كما هو حال النصب الماثل أمامها في باب المعظم ! ولتنظم يد وزير الدفاع إلى تلك الأيادي الأثيمة المتجهة لإيران والتي لم تجلب للشعب العراقي سوى الويلات والحروب والقتل والتشريد.

لكن الأمنية العمرية هذه المرة لها ابعاد جديدة ، إذ تم تفعيل هذه الأمنية من قبل قوى عالمية متمثلة بالولايات المتحدة الأمريكية وليس الحال كما هو من قبل حين كان الصراع إقليمياً ، فأمريكا تريد تطبيق الأمنية العمرية بسياسة جديدة مبنية على إيجاد حاجز نفسي ومعنوي بل مادي أيضاً إنْ أمكن بين الشعب العراقي والشيعة بصورة خاصة وبين إيران ، حتى إذا نجح المخطط الأمريكي بإيجاد حالة من الكراهية الشعبية في العراق تجاه إيران فإنَّ مسألة إستخدام أمريكا لأراضي العراق للهجوم براً أو جواً على إيران لن تلقى معارضة جدية من قبل شيعة العراق خاصة ، الذين يشكلون العقبة الوحيدة في هذه المسألة ، ولن يشكل ذلك الهجوم حرجاً على الحكومة العراقية المؤقتة أو الدائمية بسبب وجود قبول شعبي له أو لا مبالاة شعبية تجاهه قائمة على أساس الكراهية المزروعة في نفوس شيعة العراق تجاه إيران.

فالتهم التي توجهها أمريكا لإيران بالتدخل في العراق هي تهم ساذجة ولكنها مع الأسف بدأت تلقى قبولاً داخل بعض الأوساط الشيعية ، فلو كانت إيران تسعى للتدخل في العراق لمصالح خاصة بها لكان من السهولة عليها دعم الإرهابيين من الوهابية وفلول النظام السابق وبنفس الطريقة التي يزعمون بها أنها دعمت تيار السيد مقتدى الصدر ، فالأمر ليس بعسير لاسيما مع الإنفلات الأمني في العراق.

الأمنية العمرية هذه المرة أخطر من سابقتها إذ إنها إنتقلت لتنفذ بيد قوى عالمية متنفذة ، وليس أمام المؤمنين في العراق وأعني بهم الشيعة المظلومين وهم يشعرون بأنهم وسط قوى معادية كثيرة تعمل ضدهم في الخفاء والعلن ، قوى مخابراتية وإقتصادية وسياسية تكالبت عليهم ، وهم يتعرضون للتصفية المنظمة عبر الإغتيالات ، ولا حول لهم ولا قوة إلا بالله ، ليس امامهم ليواجهوا هذه المؤامرة الشرسة سوى أن يتذكروا أنهم يُحارَبون من أجل شهادة ( أنَّ علياً ولي الله ) ولولا هذه الشهادة لما توجه أحد بالعداء للشيعة لا في العراق ولا في إيران ، فعليهم أن يعودوا لهذه الشهادة وليتمسكوا بها أشد مما كانوا يفعلون في القرون الماضية ، إذ إنَّ هذه الشهادة هي جسر عبورهم إلى شاطيء الأمان.

( أشهد أنَّ علياً ولي الله ) تعني فشل مؤامرات الأعداء بالتفريق بين الشيعة في العراق وإيران.

( أشهد انَّ علياً ولي الله ) تعني أنَّ إيران لم تكن ولن تكون العدو الأول للعراق ولا العدو الثاني ولا الثالث ولا أي عدد آخر من الأعداء ، إذ إنَّ الشيعي لا يعادي الشيعي ، والشيعي أخو للشيعي سواء كانوا عرباً أم كرداً أم فرساً أم أفغان أم غيرهم...

( أشهد أن علياً ولي الله ) تعني إنَّ النظام الجديد في العراق إذا أراد أن يصر على عدائه لإيران فهو بذلك يصر على معاداة شهادة ( أن علياً ولي الله ) ، ولم يحدث سابقاً ولن يحدث في المستقبل أنَّ سلطة أو دولة جاهرت بالعداء لهذه الشهادة ولم تندحر أمامها ، فشهادة ( أنَّ علياً ولي الله ) باقية والإندحار لكل أعدائها.

الأمنية العمرية سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقول : ( لو كان الدين في الثريا لتناوله رجال من فارس ) ومع ذلك كانت تلك الأمنية تسعى لمنع أولئك الرجال من أن يصلوا إلى الثريا ، أفنجحت أم أندحرت تلك الأمنية العمرية ؟ بلى لقد إندحرت لأن أولئك الرجال حين وصلوا للثريا وجدوا شهادة ( أن علياً ولي الله ) ، فعلموا أنها الدين الذي يستحق الصعود إلى الثريا من أجله.

 

الصفحة الرئيسية