بسم الله الرحمن الرحيم

قتلوا الإمامة ثم قتلوا الإمام

نبيـل الكرخي

مأساة المسلمين لم تبدأ حين ضرب السيف المسموم غدراً رأس مولانا أبا الحسن علي بن أبي طالب عليهما السلام ، بل لقد بدأت تلك المأساة حين صرَّح "فلان" معلناً أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله) قد هجر ـ والعياذ بالله ـ فلم تكن المشكلة تكمن في أبي الحسن عليه السلام بشخصه بل كانت تكمن فيما يمثله من مكانة ومنصب إلهي قد فرضه الله عزَّ وجل على جميع المسلمين ، فرضه تعالى كفريضة الشهادتين والصلاة والصوم والحج والزكاة ، فقد كان منصب الإمامة هو المستهدف ، إذ إنَّ بعض المسلمين لم يكونوا راضين أن تكون الخلافة في بني هاشم وقد قبلوا من قبل على مضض أن تكون النبوة فيهم ، ربما كانوا يتصورون أنهم يمنّون على الإسلام بقبولهم أن يكون النبي هاشمياً ، ولكن جميلهم توقف عند هذا الحد ، فلا يمكن أن يكون الخليفة أيضاً هاشمياً ، فحتى الكرم العربي بحدوده القصوى لم يكن يسمح بمثل هذا الكرم ، لقد كان أكثر ما عرفوا من كرم هو ذبح حاتم الطائي لفرسه ، فحدود الكرم عندهم لا تتعدى مقدار ذبح الفرَس ، وأما أن يسمحوا أن تكون الزعامة الدينية في عائلة واحدة هي عائلة النبي الذي أعلنوا الإيمان بنبوته مضطرين ، فهو أمر يتجاوز ما يمكن أن يسمحوا به ، وسواء فهموا أنَّ أمر الخلافة والإمامة هو أمر إلهي أم لم يفهموا فلا فرق عندهم ، فقد سبقوا وتعاملوا مع أمر النبوة كواقع حال مفروض عليهم ، وأمر إنكار الإمامة عندهم أهون من إنكار النبوة.
      فكانت بيعة الغدير وإنكارها ، وكانت هبة فدك وسلبها ، وكانت الإمامة وحرفها إلى أحياء في قريش ، حتى يكون الرعية متساوون في الظلم ، فقد سنّوا قانون أنتقال الخلافة بين أحياء قريش ، ليكون في كل حيٍ خليفة ، كما سعوا من قبل بجمع فتى من كل بطن من بطون قريش ليقتلوا النبي (صلى الله عليه وآله) ليلة الهجرة ، نفس النمط من التفكير : جمعوا من كل حي من أحياء قريش فتى ليقتل النبي (صلى الله عليه وآله) ثم صنعوا في كل حيٍ من أحياء قريش خليفة ليقتلوا الإمامة ، فكانت خلافة تيم وعدي وأمية ، ولولا لطف الله لما كان من بني هاشم خليفة أبداً ، فقد بايعوه مضطرين ثم نكثوا فكانت موقعة الجمل ، ثم ظلموا فكانت موقعة صفين ، ثم مرقوا فكانت النهروان ، فهل تدرون من هم أصحاب النهروان ، نعم أنكم تعرفون أنهم الخوارج ، ولكن هل تعلمون حقيقة الخوارج ، هل تعلمون من هم الخوارج ؟ لقد جرى التمويه عليهم لمئات من السنين ، لم يتم التركيز على الخوارج ولم يقم أحد بفضح فكرهم المسموم ، نعم قد تضمنت المؤلفات الدينية والتأريخية لعلماء المسلمين الشيء الكثير عنهم ، ولكن هناك نقطة يمرون عليها مرور الكرام ، لقد كان الخوارج يكفرون عثمان في النصف الثاني من خلافته ويكفرون علياً عليه السلام بعد التحكيم ، ولكنهم كانوا يحبون ويترضون عن أبي بكر بن أبي قحافة وعمر بن الخطاب ، لقد كان الخوارج يسيرون بسيرتهما ويستنون بسنتهما ، وكانوا في حربهم لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهما السلام يريدون أن يعيدوا العمل بسنة أبي بكر وعمر ، أرادوا أن يعود الإسلام نقياً بزعمهم كما كان في عهد أبي بكر وعمر ، وأما عهد علي عليه السلام فلم يكن يرضي الخوارج ، ولذلك فقد تجرأ السيف المسموم غدراً وضرب أمير المؤمنين علي عليه السلام ، لقد كان الخوارج من تلاميذ تلك المدرسة التي نقضت بيعة الغدير وسلبت فدك ، فهم إمتداد لتلك المدرسة المعادية للإمامة ، بل إنهم التعبير الصادق عنها ، وأما أهل السنة الذين ظهروا بعد ذلك بعشرات السنين ، فهم غير متجانسين في أفكارهم فهم يجمعون بين أدعاء حب علي عليه السلام وحب قتلته ، بين الإعتراف بواقعية حدوث إعلان يوم الغدير وبين عدم الإنصياع لمضمونه ، يجمعون بين أدعاء الحب والولاء لصحابة تقاتلوا فيما بينهم وسفكت بينهم الدماء ، يجمعون بين الحب والولاء ليزيد أمير الفاسقين وبين الحب والولاء للتابعين من أهل المدينة الذين سفك يزيد دمائهم وهتك أعراضهم ، لقد كان الخوارج أشجع من أهل السنة في أعلان عقيدتهم ، كانوا واضحين في تشريع أتباع سنة الشيخين أبي بكر وعمر ، ورغم أن أهل السنة يطبقون هذا الأمر واقعاً إلا أنهم يدعون ويظهرون غير ذلك. ولذلك فقد كان علماء أهل السنة يعترفون بأن الخوارج هم أصدق "أهل الأهواء" ، وذلك لجرأتهم في إظهار الخلاف لعلي عليه السلام.
      ثم ظهر "شيخ إسلام الخوارج" أبن تيمية الحراني الذي يمثل مرحلة متقدمة من سيطرة فكر الخوارج على مذهب أهل السنة فوجد أبن تيمية الحراني أنْ لا مناص من إظهار الخلاف لعلي عليه السلام ، تقريباً لفكر أهل السنة والخوارج وإنتصاراً لمدرسة نقض بيعة الغدير وسلب فدك ، فقام بإدعاء أن فقه علي عليه السلام مخالف لفقه النبي (صلى الله عليه وآله) ثم إظهاره القول ببطلان الإمامة كمنصب إلهي ، ثم إعلن كفر الشيعة الذين يشكلون القاعدة الشعبية لمذهب علي عليه السلام والأئمة من بنيه المعصومين عليهم السلام ، وبذلك تتهيأ الأجواء لإنتصار مدرسة الشيخين ، وإعلان صحة مذهب الخوارج في التمسك بسنة أبي بكر وعمر ، ولكن لا بأسم الخوارج الذي أصبح مثقلاً بمشاعر الكراهية عند الأمة الإسلامية كلها ، بل تحت مسمى جديد ، هو مسمى أتباع السلف الصالح ، فكانت السلفية وكانت الوهابية ، وكانت النسخة المنقحة من "أهل السنة" !
      ورث الوهابية عن أسلافهم الخوارج تحليلهم لدماء المسلمين وسفكها ، لا سيما دماء الشيعة ، وقد كان الخوارج والوهابية من الساعين في طمس معالم الإمامة كمنصب إلهي ، ومن الساعين في الفتك بالشيعة باي وسيلة كانت ، فكان غدر أبن ملجم الخارجي بأمير المؤمنين عليه السلام ، وغدر الوهابية بالشيعة في زماننا الحاضر ، يريدون من كل ذلك طمس عقيدة الإمامة وأستبدالها بسنة الشيخين.
      سلسلة متعاقبة بأشكال ومسميات متعددة ولكنها مرتكزة على مبدأ واحد هو التمسك بسنة الشيخين ، فأهل السنة والخوارج والوهابية والصوفية ما هم إلا حلقات متعددة في حزب الشيطان الساعي لهدم عقيدة الإمامة والقضاء عليها ، لا قدّر الله ، وما يحدث اليوم في العراق الجريح ما هو إلا مثال مهم لدورهم ومساعيهم في هذا الإتجاه ، فالوهابية ليسوا وطنيين ولا يهمهم مَنْ يحكم البلاد الإسلامية ما دام ذلك الحاكم غير معتنق للتشيع ، فنراهم في زمن حكم صدام المجرم ـ رغم علمانيته ومحاربته للإسلام ـ بعيدين عن المعارضة السياسية له سواء المعارضة السلمية أو المسلحة ، وكانوا راضين بحكمه يصومون بقرار من صدام المجرم ويفطرون بقرارٍ منه ، معتبرين أنه ولي أمرهم ، ولا يهمهم سوى أخراج الشيعة من دينهم وإضلالهم وراء عقيدتهم الباطلة. فما نراه اليوم من رفعهم شعار محاربة المحتلين وإخراج المحتلين وتطبيقهم هذا الشعار عبر تقتيل الشيعة ومحاولة إثارة الفتنة الطائفية بين المسلمين في العراق الجريح ، سببه أنهم لا يرضون أن ينال الحرية والحقوق المدنية أناس لا يتبعون سنة الشيخين ، فمن أجل هذه السنة نقض أجدادهم بيعة الغدير ومن أجلها سلبوا فدك ومن أجلها قتلوا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهما السلام ثم قتلوا الحسين عليه السلام ثم فتكوا بالأمة جميعها وغيّروا ما أستطاعوا من دينها وعقيدتها الصحيحة ، فهم لديهم موروث تأريخي مليء بالموبقات والجرائم في سبيل تثبيت عقيدتهم بأتباع سنة الشيخين فلا نتصور الآن أنهم سوف يتنازلون ببساطة عن ذلك الموروث التأريخي الذي شكّل جانباً مهماً من شخصيتهم الدينية مقابل أن يعيش العراقيون بسلام وأمان وحرية ، لا يمكن أن يفعلوا ذلك ، فإنَّ أصل عقيدتهم وسيرة السلف "الصالح" الذي يتبعونه لا تسمح لهم بالعيش في أجواء الحرية وحقوق الإنسان وإلا فإنهم سوف ينقرضون إنْ قبلوا بذلك. لقد بنيت كل الحكومات الظالمة التي تلت حكومة النبي (صلى الله عليه وآله) على فكرة إستخدام القوة في إغتصاب الحكم ، وهم لم يطبقوا شيئاً من نظام الحكم الإسلامي ، لذلك نجد الوهابية في زماننا الحاضر ترفض الأنصياع للأنتخابات رغن أنه قانون يحكم بصلاحه العقلاء والحكماء ، وذلك لأنهم يعلنون تكفير الشيعة بجريمة عدم أتباعهم سنة الشيخين ، فما ذنب الشيعة إذا كان إمامهم صاحب بيعة الغدير قد رفض سنة الشيخين ، رفض تلك السنة البغيضة رفضاً قاطعاً وصريحاً ، فحين أنعقد مجلس الشورى السداسي بعد الطعنة الفيروزية لـ "فلان" صاحب بدعة هجر ، قام عبد الرحمن بن عوف بالطلب من أمير المؤمنين علي عليه السلام بكل صراحة ووقاحة أن يعلن أتباعه لسنة الشيخين ليكون هو الخليفة بعد "فلان" ، ولكن أمير المؤمنين عليه السلام رفض ذلك رفضاً قاطعاً وصريحاً ، فجاء عبد الرحمن بن عوف إلى عثمان فقال له : هل انت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وسنة الشيخين ، قال عثمان : نعم ، فبايعه ، وأصبح عثمان هو الخليفة لقبوله العمل بسنة الشيخين ! يقول الآمدي في الأحكام ج4 ص207 : (وبايع عبد الرحمن بن عوف عثمان على أتباع سنة الشيخين أبي بكر وعمر ، ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة) ، فلماذا لم يعتبر الآمدي رفض أمير المؤمنين علي عليه السلام ولم يعده من الصحابة ؟! فزعم إجماع الصحابة على قبول سنة الشيخين وكأنها تشريع مقدس ، الجواب بسيط فأن الآمدي والخوارج والوهابية والأشعرية والماتريدية والصوفية لهم منهج واحد هو أتباع سنة الشيخين ليكون قانوناً مقدساً ، ومن يرفض هذا القانون فمصيره الإبعاد عن صفوف الأمة ثم القتل ، سواء كان ذلك الرافض هو علي بن أبي طالب عليهما السلام أمير المؤمنين أم شيعته ، وليس عندهم لمن يرفض هذا القانون المقدس سوى السيف والقتل ، فكان مقتل الأمير عليه السلام وكان مسلسل القتل للشيعة الممتد من ذلك الزمن وإلى يومنا هذا وسيستمر ما شاء الله سبحانه.

     قال عمر بن عبد العزيز الأموي : (ألا إنَّ ما سنّه أبو بكر وعمر فهو دين نأخذ به وندعو إليه).
     ولسان حال الشيعة يقول : (ألا إنَّ ما سنّه أبو بكر وعمر فهو بدعة ننكرها ، وندعو لنبذها).
وعلى هذا القول نعيش ونضحي وقدوتنا فيه مولانا أمير المؤمنين علي صلوات الله عليه.

 

الصفحة الرئيسية