بسم الله الرحمن الرحيم

هل يمكن إنتخاب النبي !

نبيـل الكرخي

هل يمكن للإنسانية في المجتمع الذي تعيشه ووفقاً للدين الذي تعتنقه أن تقوم بإنتخاب نبيها ، فيفوز النبي الذي يحمل أكثر عدد من الأصوات ؟!!!

ربما يجد البعض هذه الفكرة ذات قدر معتد به من السخافة ، إذ كيف يمكن أن يتم إنتخاب النبي ، فمنزلة النبي هي منزلة إلاهية ، فالله سبحانه هو الذي يختار النبي ويرسله للبشرية من أجل سعادتها وتكاملها.

ولكن من المؤسف أن هناك أشخاص يريدوننا فعلاً أن نقوم بإنتخاب النبي بطريقةٍ ما ، ويذكرون ذلك ضمنياً وبدون تصريح ، ويذكرون ذلك بشكل خاص حينما يشككون في مواضيع مثل الإجتهاد والتقليد عند الشيعة ، ودور المرجعية وجدواه وشرعيته ، ومطالبتهم بتقليص دور المرجعية وإبتعادها عن التدخل في العمل السياسي حتى وإنْ كان تدخلها يصب في مصلحة الشعب !

 ولابد أن نعرف إحدى أهم الأسس التي قام عليها مذهب الشيعة هي أن كل شيء عند الشيعة مبني على التعيين ، فالنبي يتم تعيينه من قبل الله سبحانه ، وكذلك الأئمة المعصومون خلفائه ، وحتى في عصر الغيبة الكبرى يذهب فقهاء الشيعة إلى أن المرجع يتم تعيينه بالصفات لا بالشخص ، وبالتالي فإنّ من تنطبق عليه تلك الصفات يكون قد تم تعيينه بطريقة غير مباشرة من قبل الله جلّ شأنه.

يقول السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قده) في بحثه القيّم الموسوم (خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء) المنشور في كتابه (الإسلام يقود الحياة) ما نصه :

( المرجعية التي تعتبر أمتداداً رشيداً للنبي والإمام في خط الشهادة )

( وأما المرجعية فهي عهد رباني إلى الخط لا إلى الشخص أي إن المرجع محدد تحديداَ نوعياَ لا شخصياَ ، وليس الشخص هو طرف التعاقد مع الله بل المركز كمواصفات عامة ، ومن هذه المواصفات العدالة بدرجةٍ عاليةٍ تقرب من العصمة ، فقد جاء في الحديث عن الإمام العسكري عليه السلام (( فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاَ لدينه مخالفاَ على هواه مطيعاَ لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه )) . ولكن هذه العدالة ليس من الضروري أن تبلغ إلى درجة العصمة ولا أن يكون المرجع مصوناَ من الخطأ بحالِ من الأحوال)

( أن الشهيد سواء كان نبياً أو إماماً أو مرجعاً يجب أن يكون عالماً على مستوى استيعاب الرسالة ، وعادلاً على مستوى الإلتزام بها والتجرّد عن الهوى في مجال حملها ، وبصيراً بالواقع المعاصر له ، وكفوءاً في ملكاته وصفاته النفسية )

( وهكذا نعرف أن دور المرجع كشهيد على الأمة دور ربّاني لا يمكن التخلي عنه ، ودوره في إطار الخلافة العامة للإنسان على الأرض دور بشري إجتماعي يستمد قيمته وعمقه من مدى وجود الشخص في الأمة وثقتها بقيادته الإجتماعية والسياسية )

وبذلك يكون المرجع المعين بصفاته غير قادر على تولي مسؤوليته الشرعية المرجعية العامة إلا بتوفر القبول والقناعة من قبل الجماهير بأهليته وإنطباق الصفات عليه ، فالمرجع في حقيقة الأمر هو إنسان منتخب من قبل مقلديه ، منتخب ضمن مواصفات عامة تم تعيينها من قبل الله جلَّ وعلا في الشريعة التي أرساها وأعلن إكمالها ورضاه تعالى بها.

يقول السيد الشهيد (قده) في المصدر المذكور آنفاً ما نصه : ( والمرجع الشهيد معيَّن من قبل الله تعالى بالصفات والخصائص ، أي بالشروط العامة في كل الشهداء التي تقدم ذكرها ، ومعيَّن من قبل الأمة بالشخـص ، إذ تقع على الأمة مسؤولية الإختيار الواعي له )

 حسناً ، فإذا كان الأمر كذلك نجد أن هذه الفكرة في إنتخاب المرجع قد تم الإستفادة منها في الجمهورية الإسلامية في إيران في إنتخاب رئيس الجمهورية أيضاً ، فهناك مواصفات عامة يضعها الولي الفقيه ومجلس صيانة الدستور لقبول ترشيح المرشحين ، وضمن إطار تلك المواصفات يقوم الشعب بإنتخاب الرئيس الذي يجده الأكثر جدارة في حمل المسؤولية. غير أن هذا الأمر لا يقنع العقل الغربي العلماني فنجد الرئيس بوش على سبيل المثال ينتقد طريقة الإنتخاب في إيران ويذكر بما معناه أن هناك أشخاص غير منتخبين يسيطرون على العملية الإنتخابية ، وهذا من وجهة نظره إنتخاب غير ديمقراطي !

وفي نفس السياق فإن المواصفات التي تحدد صفات المرجع عند الشيعة هي مواصفات وضعها أشخاص غير منتخبين ، ولذلك فهم وفقاً لرأي الرئيس بوش مراجع غير ديمقراطيين !

 فماذا على الغربيين أن يفعلوا إزاء هذا الأمر ؟

لقد وجد الغربيون أنفسهم ملزمين بالتدخل في مواصفات الفقيه ، فلا بد للفقيه أن يكون منتخباً وفقاً لقواعد الديمقراطية الغربية ، ومن أبرز تلك القواعد هي :

·        إلتزامه بعدم التدخل بالسياسة مطلقاً.

·        عدم خضوع الفقيه لضوابط الترشيح الطبيعية التي سار عليها منهج الشيعة لأنها ضوابط غير ديمقراطية.

·        الظهور العلني للمرجع والتحدث لوسائل الإعلام ، وهو الأمر الذي يورث حب الظهور ، (وحب الظهور عند المسلمين الشيعة من الكبائر).

·        إزالة الهالة المقدسة حول شخصية المرجع ، حيث أن المرجع هو شخص عادي يقدم لنا وصفة دينية عبادية كما هو حال الطبيب الذي يقدم وصفة طبية ، فإذا كان المرجع ذو هالة مقدسة فليكن الطبيب كذلك. واما النظرة الشيعية حول شخصية المرجع بأنه الحامل لعلوم آل محمد (صلى الله عليه وآله) والمؤتمن عليها وأنَّ دوره هو دور ربّاني ، فهي نظرة يجب أن تختفي وفقاً لمقاييس الديمقراطية العلمانية الغربية.

·        تشويه صورة المرجع وتنفير مقلديه عنه حتى يتركوا تقليده وذلك بصنع حواجز نفسيه بينهم وبين مرجعهم في التقليد عن طريق إشاعة الأكاذيب عنهم والمعلومات المخادعة ، وبذلك لن يكون هناك أي إنتخاب من قبل المسلمين للمرجع ضمن المواصفات التي تم تعيينها سابقاً وفقاً للطريقة الإسلامية المعتادة ، وبذلك يتم إفشال الأسس التي يقوم عليها مبدأ التشيع وأعني أساس تعيين المرجع من حيث صفاته وإنتخابه بقبول المسلمين له وتقليدهم إياه ، كما ذكرناه آنفاً. ويستفاد من هذا التشويه أيضاً في شل حركة المرجع الذي يعارض السياسات الغربية ومصالحها ، فيجد المرجع نفسه عاجزاً عن تحريك الجماهير بسبب الحاجز النفسي الذي أبعد الجماهير عنه وأفقدهم الثقة به وفقاً لأسس مكذوبة ومخادعة.

·        دفع أشخاص مؤمنون بالمنهج الغربي الديمقراطي للتصدي والوصول للمرجعية ، وبذلك يتمكن الغربيون من السيطرة على المؤسسة الدينية الشيعية وتسخيرها لأغراضهم ومشاريعهم.

ولكي تتمكن العقلية الغربية من تحقيق أهدافها في تغيير مواصفات المرجع لكي تكون أكثر ديمقراطية وإنفتاحاً ! كان لا بد من عدة وسائل لتحقيق هذا الأمر ، فمن تلك الوسائل :

ـ تهيئة شخصيات تحمل المواصفات الغربية المذكورة آنفاً بحيث تدعي المرجعية الدينية لكي تكون مثالاً يقتدى به وصورة مبهرجة ومزروقة وتقدمية لمرجع يحمل مواصفات ديمقراطية ! فتقوم تلك الشخصيات بكسر قاعدة الترشيح الطبيعي للمرجع ، فنجد أشخاصاً وقد أدعوا المرجعية وهم لم يقضوا في الحوزة سوى سنوات قليلة غير كافية للوصول الطبيعي لمرحلة البحث الخارج فضلاً عن الإجتهاد ثم المرجعية !

ـ الطعن في شخصية المرجع الشيعي المعترف به من قبل عموم الشيعة ، وتشويه شخصيته لغرض إزالة القدسية التي ذكرناها آنفاً ، ولإيجاد حاجز نفسي يخدم المخططات التي ذكرناها آنفاً.

فتكون النتيجة هي ظهور مرجع له تاريخ متواضع في الدراسة الدينية ، وله ظهور علني في وسائل الإعلام ، يبتعد عن التدخل في السياسة ، يحمل أفكار متواضعة وسطحية عن سيرة آل البيت عليهم السلام وبذلك لن يكون متزمتاً إزاء المصالح الغربية المتعارضة مع المصلحة الإسلامية أو عائقاً في وجه تحقيقها.

 فإذا تمكن الغربيون العلمانيون من إيجاد صيغة ديمقراطية للتدخل في إنتخاب المرجع في عصر الغيبة الكبرى بعيداً عن الصيغة الإسلامية المتعارف عليها ، فإن ذلك يفتح المجال لهم لإنتخاب الإمام ثم إنتخاب النبي ، إذ أن الفكرة واحدة ، ولذلك نجد في بعض أسطر المقالات التي تطعن بالمرجعية العليا المباركة طعناً أيضاً بعصمة الأئمة وتعلن صراحة خطأ الأئمة عليهم السلام في موضوع ٍ ما ؟!! وما هذا إلا تمهيد للطعن في منزلة الإمام وفي منزلة النبي سعياً لتحويل هذه المناصب الإلهية إلى مناصب ديمقراطية ؟!!!

 فنحن نخشى أن يأتي اليوم الذي نصبح فيه مضطرين لقبول النبي الذي أنتخبته غالبية الشعب وفقاً للمواصفات الغربية ـ حتى لو لم يكن مبعوثاً من قبل الله عزَّ وجل ـ والتخلي عن كل أسس ديننا وتشيعنا ، إرضاءاً لشروط الديمقراطية الغربية وعلمانيتها المفرطة.

 

الصفحة الرئيسية