بسم الله الرحمن الرحيم

هستيريا فصل الدين عن الدولة

نبيـل الكرخي

هستيريا مفتعلة أصابت بعض الجهات الإعلامية تجاه تصريح مجهول المصدر منسوب للمرجعية العليا حول وجوب أن يكون الإسلام هو المصدر الوحيد للتشريع ، أو ما روجت له وسائل الإعلام المتهسترة من إقامة دولة إسلامية في العراق. هذه الهستيريا المفتعلة مبنية على تصريح مجهول المصدر ، ونحن لا نعيب على وسائل الإعلام المغرضة إستخدامها لوسائل غير مشروعة في محاولةٍ منها لإجهاض النجاح الكاسح الذي حققته القائمة 169 في الإنتخابات العراقية إذ إننا لا نتوقع من وسائل الإعلام المذكورة سوى ان تحيطها عدم المشروعية في الوسيلة الإعلامية والمنهج الذي تتبعه ومصدر التمويل الذي تمتلكه ، فعدم المشروعية هو صفة ملاصقة لوسائل الإعلام المذكورة ، إنما نعتب على بعض الإخوة المؤمنين ممن ينخدع بسهولة بما تروجه وسائل الإعلام المذكورة ، وعدم إنتباههم لمؤامرات أعداء الإسلام المحمدي الذي يتخذ بين الحين والآخر وسائل متنوعة تصب في إطار واحد هو تحجيم الإسلام المحمدي ثم القضاء عليه ـ لا قدّر الله ـ فلماذا نجد المؤمنين وقد أهتز إيمانهم لأبسط غمامة تريد التشويش عليهم وعلى علاقتهم بالمرجعية العليا وثقتهم المطلقة بها ؟

وقد ورد في الحديث الشريف : (المؤمن كيِّسٌ فطِنْ) ، فما علينا إلا أن نرتقي لمستوى الصفات التي وردت في هذا الحديث الشريف وأن ننتبه لكل محاولة مهما كان حجمها ضئآلةً للنيل من تمسكنا بالمرجعية العليا الذي هو جزء من التمسك بالثقلين اللَذين أمرنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالتمسك بهما.

أما أولئك الإعلاميون المتهسترون فلا حاجة لنا للومهم فما يقومون به لا يخرج عن أحد حالين فإما أن يكونوا ساذجين تقودهم سذاجتهم وتجعلهم يميلون مع كلِّ ريح ، وأما أن يكونوا إعلاميين مدفوعي الأجر فمهما قلنا لهم لن يصغوا لأننا لن ندفع لهم ما يدفعه الآخرون من أعدائنا ، فنحن لا ندفع لأحد بل ندعوهم لأن يكون ضميرهم هو الرقيب.

وأما اكذوبة محاولة إقامة دولة إسلامية في العراق من قبل المرجعية العليا فهي اكذوبة مفضوحة ومفتعلة ، فلم تطالب لا المرجعية العليا ولا أيٍ من الأحزاب الإسلامية بمثل هذا الطلب ، فالمجتمع العراقي مجتمع مسلم والمهم فيه هو حماية الهوية الإسلامية للشعب العراقي ، وتثبيت هذا الأمر في الدستور ثم تطبيقه هو الكفيل بإيجاد مثل تلك الحماية.

ألم يكن يجدر ببعض المؤمنين ممن أنجرف وراء الحملة المغرضة أن يتثبتوا قبل أن يتفوهوا بما تفوهوا به من إساءة للمرجعية العليا وهي إساءة محرمة في الإسلام كما بيّنا في مقالِ سابق وذكرنا لهذا التحريم نموذج ما أفتى به السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قده) حين قال : (وقد جرى ديدن العلماء على التمييز بين الأمرين : بين الإفتاء وإصدار ما يتضمن ذلك لمن يحتاج إليه في عمله الديني الشخصي وبين الإلتزام بمتطلبات المرجعية العليا وصيانتها. ونحن نرى لزوم التمييز بين هذين الأمرين فلا يجوز الخلط بينهما ولا يجوز مس مقام المرجعية العليا ، ولا يجوز أي عمل يقصد به تفتيت الشمل المجتمع للمؤمنين على مرجعيتهم العليا وتمزيق كلمتهم).

ومن إفرازات تلك الحملة المضادة للإسلام والمرجعية العليا ، نجد أحد الكتاب وقد أنبرى ليكتب مقالاً في موقع كتابات يطالب فيه أن يكون العراق فوق العروبة والإسلام !! ويستخدم جمل عنيفة وجسيمة الخطأ منها : [إذا أصبح العراقي مستعربا و متأسلما بالقوة و العنف ، فإنما  على طريقته الخاصة ، دون أن يأخذ القيم العربية والإسلامية ، بجدية كبيرة أو يعير لهما أهمية خاصة] و[العراقي أقرب إلى فنان الحياة والوجود ، منه إلى ببغاء الصرامة الدينية والأيديولوجية المتحجرة] ، فمتى كان الإسلام المحمدي يوصف بهذه الأوصاف المقيتة ومتى كانت آيديولوجيته متحجرة !! فهل نسينا مذهب آل البيت عليهم السلام لنتقبل أن يوصف مذهبهم بمثل هذه الأوصاف المسيئة ؟!

فهذه الجمل إنما تعبر عن تطرّف بعض العلمانيين في طرح أفكارهم ، وهي أفكار بعيدة عن الواقع ، فمتى كان العراقي بعيداً عن العروبة والإسلام ! ومتى كان العراقي غيرَ جادٍ بهما ؟! فهذه عشائر الجنوب والفرات الأوسط والجزيرة الفراتية تعتز بإنتمائاتها العربية وتحفظ أنسابها وتفتخر بها ، وهي عشائر تفتخر بإنتسابها للإسلام وتضحي من أجله بالمال والدم ، فنجد تلك العشائر تقاتل الأنكليز أبتداءاً من سنة 1914م وإلى نهاية ثورة العشرين تلبيةً لنداء الإسلام الذي اطلقته الحوزة العلمية في النجف الأشرف ، فهل يريدون جدية أكبر للعراقي في إلتزامه بالقيم الإسلامية من التضحية بالدم والمال تلبية لنداء الإسلام. وهل يريدون جدية أكبر للعراقي في إلتزامه بالقيم الإسلامية من مئات الآلاف من المعدومين والمقبورين في المقابر الجماعية والمفقودين من أبناء العراق وليس لهم من ذنب إلا أنهم كفروا بعقيدة عفلق وأرادوا للإسلام البقاء ومنعوا من فناءه في أرض العراق ، فهل نسينا ما قاله السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قده) في نداءه الثاني : (أيها الشعب العظيم : إنك تتعرض اليوم لمحنة هائلة على يد السفاكين والجزارين الذين هالهم غضب الشعب وتململ الجماهير بعد أن قيدوها بسلاسل من الحديد ومن الرعب والإرهاب ، وخُيّل للسفاكين أنهم بذلك أنتزعوا من الجماهير شعورها بالعزة والكرامة وجردوها من صلتها بعقيدتها وبدينها وبمحمدها العظيم لكي يحولوا هذه الملايين الشجاعة المؤمنة من أبناء العراق الأبي إلى دمى وآلات يحركونها كيف يشاؤون ويزقّونه ولاء عفلق وأمثاله من عملاء التبشير والإستعمار بدلاً من ولاء محمد وعلي صلوات الله عليهما) ، فكانت التضحيات وكان مئات الآلاف من شهداء الإسلام ومن المهجرين والمهاجرين من أجل أن تكون كلمة الله عزّ وجل هي العليا ، فهل يريدون لنا أن نتخلى ونتنكر لدماء مئات الآلاف من الشهداء وتضحيات مئات الآلاف بل الملايين من المهجرين والمهاجرين ، ونتنكر قبل ذلك كله للإسلام العظيم الذي نستمد منه عزتنا وكرامتنا ووجودنا ، ونضحي من أجله بكل شيء وأي شيء.

إننا نتعهد لدماء الشهداء التي لن تجف باننا لن نتخلى عن القضية التي أستشهدوا من أجلها ، وإننا على الطريق لماضون ، ولن نتخلى عن هويتنا الإسلامية مهما كان حجم المؤامرات ، وهيهات منّا الذلة.

 

الصفحة الرئيسية