بسم الله الرحمن الرحيم

يسوع المسيح كاهن الهيكل

قراءة جديدة للكتاب المقدس

 

نبيـل الكرخي

أمرت التوراة أن يتولى سبط لاوي من بين أسباط بني إسرائيل خدمة خيمة الاجتماع مسكن الشهادة) ومن ثم هيكل سليمان) ، وان يكون الكهنة من ذرية هارون بالتحديد .
      وحدث في زمن موسى أن انتشر الفساد بين بني إسرائيل وشاع زنى بني إسرائيل مع بنات قبيلة موآب فسجدوا لآلهتهن وعبدوا إلههم بعل فغور ، فنهاهم الرب عن ذلك فلم ينتهوا حتى انتفض فينحاس بن العازار بن هارون الكاهن وقتل زمري ابن سالور وهو من زعماء سبط شمعون عندما كان يزني مع كزبى بنت صور وأبوها من زعماء مديان وقد قتلها فينحاس أيضا . فرضي الرب عن فينحاس وكافأه فقال لموسى : (ها انذا أعطيه ميثاقي ميثاق السلام فيكون له ولنسله من بعده ميثاق كهنوت ابدي لأجل انه غار لله وكفر عن بني إسرائيل) ، وهكذا انحصر منصب الكاهن في ذرية فينحاس بن العازار بن هارون.

ويتفق المسيحيون مع المسلمين في ان يسوع المسيح ولد من غير أبٍ ولادة معجزة حيث حملت به أمه الطاهرة مريم العذراء بمشيئة الله القادر على كل شيء ، ووردت تسميته (ابن مريم) في الديانتين المذكورتين .
      وقد ورد في الأناجيل أن اليزابيث (اليصابات) زوجة زكريا هي من أقارب مريم العذراء ، وبما أن اليزابيث هي من ذرية هارون الكاهن ، فتكون مريم العذراء هي من ذرية هارون أيضا ، أي أن يسوع المسيح يعود في نسبه الى هارون أول كهنة بني إسرائيل ، وبذلك نفهم أن ليسوع المسيح إضافة لوظيفته النبوية وظيفة كهنوتية أيضا باعتباره آخر كهنة الهيكل من ذرية هارون الكاهن.
     ونسب مريم العذراء الى هارون أخي موسى يكشف لنا عن تفسير إحدى آيات القرآن المجيد وهي ما جاء بالقرآن المجيد (19 : 27) في الخطاب لمريم العذراء : ((يا أخت هارون)) ، وهذا ما يؤكد إنها من نسل هارون لان القرآن الكريم قد نزل بلغة العرب ، والعرب كانت إذا خاطبت شخصا عربيا تقول له : (يا أخا العرب) ، وللهاشمي : (يا أخا هاشم) ، ومثل هذه الشواهد في القرآن الكريم ما جاء في (26 : 105و106) قوله تعالى : ((كذبت قوم نوح المرسلين إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون )) وفي (26 : 123و124) قوله تعالى : ((كذبت عاد المرسلين إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون )) ، فيكون المقصود من خطاب مريم العذراء ((يا أخت هارون)) إنها من ذرية هارون أخي موسى كما أسلفنا ، وقد ذهب الى هذا التفسير أيضا الشيخ موسى السوداني رحمه الله في كتابه  (البرهان لعلوم القرآن) ج1 ص302.

     إذن فالمسيح عليه السلام هو من نسل هارون النبي عليه السلام وهو من سلالة كهنة الهيكل ، فكان هو الكاهن الشرعي المنصوب من قبل الله تعالى ، وهذا أحد أسباب رفض اليهود وكهنتهم له لأن دعوته ووجوده فيه تهديد لمصالحهم الدنيوية.

 إنَّ إعلان المسيح كاهنا للهيكل هو السبب في ذهاب يسوع المسيح للهيكل ، فقلب مناضد الصيارفة وكراسي باعة الحمام وطرد الباعة من الهيكل ولم يدع أحد يجتاز الهيكل بمتاع كما في إنجيل مرقس (11 : 15 و16) لانه هو كاهن الهيكل والمسؤول عنه ، فللمسيح وظيفة كهنوتية إضافة لوظيفته النبوية كما اسلفنا.

وقد بين المسيح لأنصاره حقيقة نسبه بلا شك ، وفي إنجيل متى (22 : 41 ـ 46) نقرأ : (وفيما كان الفريسيون مجتمعين سألهم يسوع قائلا : ماذا تظنون في المسيح ، ابن من هو قالوا له: ابن داود ، قال لهم : فكيف يدعوه داود بالروح ربا قائلا : قال الرب لربي اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئا لقدميك ، فان كان داود يدعوه ربا فكيف يكون ابنه ؟! فلم يستطع أحد أن يجيبه بكلمة ، ومن ذلك اليوم لم يجسر أحد أن يسأله بتة ) ، فالمسيح كان يعلمهم أنه ليس من ذرية داود ، وأنه آخر كهنة الهيكل ، حيث قد ذكرنا في مقال سابق حول نسب المسيح أنه بعد ولادة يسوع المسيح ولادته المعجزة من غير أب ، بدأ يوسف النجار يشرف على تربيته وتنشأته ورعايته حتى بلغ مرحلة الشباب لأن أمر الولادة المعجزة ليسوع المسيح ظل خافيا على معظم اليهود بسبب محاولة الحاكم الروماني هيرودس قتل يسوع بعد ولادته وهرب أمه مريم به مع يوسف النجار ـ لا سيما وقد تكتم على أمر تكلم المسيح في المهد من حضر الحادثة من اليهود خوفاً من الإضطهاد ـ لذلك نشأ وترعرع واليهود يظنونه ابن يوسف النجار من سبط يهوذا لان يوسف النجار كان من سبط يهوذا .
      وعندما بدأت الوظيفة النبوية ليسوع المسيح ، اخذ الكثير من عامة اليهود يدعونه بلقب (ابن داود) ، وقد ورد ذلك في الأناجيل الأربعة بكثرة ، ولا نستبعد أن بعض هذه المواضع مكذوبة لان هناك من كان يرى مصلحة في إطلاق لقب (ابن داود) على يسوع المسيح لا سيما بولس واتباعه.

وهذا النص الذي ذكره إنجيل متى فيه إشارة لما ورد في المزامير (110 : 1-7) : (قال الرب لربي اجلس على يميني حتى أضع أعداءك موطئا لقدميك يرسل الرب قضيب عزك من صهيون ، تسلّط في وسط أعدائك ، شعبك منتدب في يوم قوتك في زينة مقدسة من رحم الفجر لك طلّ حداثتك .اقسم الرب ولن يندم أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق ، الرب عن يمينك يحطم في يوم غضبه ملوكا ، يدين بين الأمم ، ملأ جثثاً أرضاً واسعة سحق رؤوسها من النهر يشرب في الطريق لذلك يرفع الرأس ) ، وقد يقصد بقوله ( إلى الأبد ) الاستغراق في الزمن ، أي فترة طويلة ، وهو أي يسوع المسيح آخر الكهنة من سبط لاوي من ذرية هارون ، ويقصد بقوله ( على رتبة ملكي صادق ) ، هو أن ملكي صادق المذكور في تكوين (14 : 18) كان كاهنا وهو يمثل نهاية مرحلة تاريخية ( مرحلة ما بعد الطوفان ) وبداية مرحلة أخرى هي مرحلة الوعد الإلهي لإبراهيم وذريته ( بنو إسرائيل ) ، واما يسوع المسيح وهو كاهن أيضاً فهو يمثل نهاية مرحلة تاريخية ( مرحلة الوعد لبني إسرائيل ) وبداية مرحلة جديدة تمثلت بظهور النبي العربي الصادق الأمين محمد(صلى الله عليه وآله) من جبل فاران كما في سفر حبقوق (3 :3) وكما في سفر التثنية (33 : 2) ونبوءة اشعياء (21 : 13) ، الصادق الأمين الذي ذكره يوحنا اللاهوتي في رؤياه (19 : 11).

وإذا كان ملكي صادق قد التقى إبراهيم في بداية المرحلة التاريخية تلك فان يسوع المسيح قد التقى النبي العربي محمد (صلى الله عليه وآله) في بداية المرحلة التاريخية الجديدة في أورشليم في بيت المقدس عند الإسراء بالنبي محمد (صلى الله عليه وآله) وإذا كان يسوع قد دخل أورشليم علانية بقافلة تتقدمها مجموعة من المؤمنين به وبالهتاف له ـ كما في إنجيل متى (21 : 7 ـ 11) ـ فان النبي محمد (صلى الله عليه وآله) قد دخل أورشليم بصورة فجائية وغير متوقعة أي (بغتة) كما ذكرت نبوءة ملاخي (3 : 1) : (ويأتي بغتة إلى هيكله السيد الذي تطلبونه ) فمرتبة ملكي صادق أذن هي نهاية مرحلة تاريخية وبداية أخرى ، وكذلك كانت مرتبة يسوع المسيح الذي أنتهت مرحلته بظهور الإسلام ، وأنتقال القبلة إلى أورشليم الجديدة المذكورة في رؤيا يوحنا اللاهوتي (16:21) وهي مكعبة الشكل (الطول والعرض والأرتفاع متساوية) في مكة المكرّمة.

 

الصفحة الرئيسية