بسم الله الرحمن الرحيم

إفلاس الصليبيين يدفعهم لإبتداع المصطلحات

نبيـل الكرخي

أبتدع أحد الصليبيين وأسمه بدر العراقي مصطلح (حروب هلالية إسلامية) واصفاً به الفتوحات الإسلامية ، مقابل الحروب الصليبية ، مع أن المسلمين أيام الفتوحات الإسلامية لم يتخذوا من الهلال شعاراً لهم ، بخلاف الصليبيين الذين كانوا يحملون الصليب في حروبهم التي خاضوها لغزو بلاد المسلمين ، وأتخذوا من الصليب شعاراً ، وأتخذوا من الحروب الصليبية أسماً لتلك الحروب يتداولونه بينهم ، ومثل هذا إبتداعه مصطلح (الإرهاب الهلالي) و(الشباب الهلالي) و(الإحتلال الإسلامي الهلالي) ! وما ذلك الإبتداع للمصطلحات الجديدة التي لا تملك أي مستند صحيح إلا بسبب إفلاس الصليبيين في تحسين الصورة القبيحة لتلك الحروب العدوانية.

أدعى بدر العراقي أن المسيحية تدعو للمحبة وانه ليس بها أي نص يدعو للعدوان والقتل !! فإذا كانت المسيحية خالية من أي نص عدواني في كتابها المقدس وصدر عنها كل هذا العدوان تجاه المسلمين باسم الدين إبتداءاً من الحروب الصليبية وإلى اليوم مروراً بمحاكم التفتيش وإبادة المسلمين في الأندلس وزرع الكيان الصهيوني في بلادهم ، فكيف سيكون الحال لو كان في الكتاب المقدس عند المسيحيين نصوص فعلية تدعو للحرب والقتل ؟! هل يمكن أن نتصور عدواناً أكبر يمكن أن يصدر منهم أكبر مما صدر فعلاً ؟!

وإذا كانت المسيحية ديناً يعالج جانباً واحداً من جوانب الحياة من خلال التركيز على إشاعة المحبة ، فما ذنب الإنسانية بوجود مثل هذا الدين غير الشامل لكافة جوانب الحياة ، فهل علينا أن نتحمل وزر النقص في الديانة المسيحية بإعتبارها تعالج بعض المشاكل النفسية والإجتماعية التي كانت سائدة في المجتمعات اليهودية في عصر المسيح عليه السلام ، أو في عصر بولس الذي وضع أسسها كما هي عليه اليوم ! أليس من حق الذين أبتدعوا العلمانية أن يفعلوا ما فعلوه من إبتداعها لما وجدوه من نقص في الدين المسيحي ومن تحكم رجال الكنيسة الذي لا يستند لأساس صحيح !

ورغم ثبوت النقص في الديانة المسيحية بإعتبارها ديانة غير شاملة لكافة جوانب الحياة إلا أن الإدعاء بعدم إحتوائها على أي نص عن القتال والعدوان هو ادعاء يراد منه إستغفال الآخرين ، فالكتاب المقدس المعتمد عند المسيحيين يحتوي في جزئه الأول (العهد القديم) على الكثير من النصوص التي تدعو للقتال بل وروايات كثيرة عن حروب وحملات الأنبياء إبتداءاً من موسى عليه السلام ، ومروراً بيشوع وداود وسليمان عليهم السلام ، ولا ننسى شاول أيضاً ، فإذا كان القتال هو سنة من سنن الأنبياء فلماذا تخلى "إبن الله" الأقنوم الثاني ـ بحسب الديانة المسيحية ـ حين تجسد على الأرض عن هذه السُنّة التي شرّعها للأنبياء الذين أرسلهم ؟! هل يتنزه "الرب وإبنه" أي الأقنومان الأول والثاني ـ بحسب الديانة المسيحية ـ عن أفعال أمرا الأنبياء الذين أرسلاهما بإتيانها ؟!!!

ثم يلجأ بدر العراقي إلى الكذب بكل وقاحة حين يقول : (اُحرقت الكثير من الكنائس في العراق وتركيا وباقي دول الشرق الاوسط. بالرغم من انتشار المسيحية في هذه الدول منذ الاعوام الاولى للمسيحية لكننا لا نجد اية كنيسة او دير تاريخي باقيا لحد الان) ، فهل يرى القاريء أي جرأة على الكذب يمتلكها ، ففي العراق وبلاد الشام الكثير من الأديرة والكنائس ما زالت شاخصة منذ عصر ما قبل الإسلام وإلى اليوم ، وبقيت مشمولة بالتسامح الإسلامي الذي رعاها ولم يمسها بسوء أبداً تبعاً للضوابط الإسلامية في عقد الذمة ، ولا حاجة لذكر اسماء الكنائس والأديرة التي تفضح كذبته لأن كذبته هذه واضحة البطلان.

وتستمر سلسلة مغالطاته وأكاذيبه حين يتحدث عن التسامح الإسباني للمسلمين بعد تحرير أسبانيا من المسلمين ، ويشير إلى معاناة الشعب الإسباني في ظل الإحتلال الإسلامي ؟! وهو بالتأكيد يريد قلب الحقائق ، فأي معاناة مكذوبة تلك التي يتحدث عنها في ظل الحرية الدينية لغير المسلمين من مسيحيين ويهود في الأندلس (إسبانيا) ، وأي تسامح إسباني يتحدث عنه في ظل محاكم التفتيش وإبادة المسلمين أما بقتلهم أو إجبارهم على التخلي عن الدين الإسلامي وأعتناق المسيحية لينجوا المرء من الموت في تلك الفترة التي تشكل وصمة عار في جبين الإنسانية وفي جبين من يدّعون وجود التسامح في الدين المسيحي.

وأما الحريات الدينية في أوربا في العصر الحديث وإنتشار المساجد فيها فهي حريات نشأت حين تخلى الأوربيون عن الدين المسيحي كأساس لإنسانيتهم وأتجهوا للعلمانية في بناء دولهم ومجتمعهم ، فنجحوا بالتخلص من الموروث المسيحي الذي يفرض عليهم رفض الآخر لمجرد انه لا يحمل فكرهم ، هذا الرفض الذي يغذيه الكتاب المقدس والذي ينسبونه إلى المسيح عليه السلام وحاشاه ، ففي إنجيل متى (12 : 46-50) نقرأ ما نسبوه للمسيح عليه السلام : ( وبينما هو يكلم الجموع ، إذا أمه وإخوته قد وقفوا في خارج الدار يريدون أن يكلموه ، فقال له بعضهم : إنَّ أمك وإخوتك واقفون في خارج الدار يريدون أن يكلموك ، فقال للذي أخبره بذلك : من أمي ومن اخوتي ؟ ثم أشار بيده إلى تلاميذه وقال : هؤلاء هم امي وأخوتي ، لأن من يعمل بمشيئة أبي في السموات هو اخي وأختي وأمي) ، فمفهوم رفض الآخر ولو كان من أقرب المقربين بسبب الإختلاف العقائدي هو مفهوم تغذيه الديانة المسيحية لأتباعها ، وقد نجح العلمانيون الرافضون للمسيحية بالتخلص منه ، ولذلك نجد المساجد والمدارس الإسلامية قد أنتشرت في بعض الدول الغربية حين أتجهت للعلمانية. ولكن العلمانية في الدول الغربية أخطأت في إطلاق العنان للحريات بلا ضوابط تحمي المجتمع ، فأنتشر الإدمان على الكحول وعلى المخدرات وإنتشرت ظاهرة البغاء والتجارة بالرقيق الأبيض والتفكك الأسري وعدم إحترام العائلة أو حتى الوالدين ، وإرتفاع نسبة جرائم القتل والإغتصاب والسرقة.

ثم ياتي بدر العراقي بدفاع عجيب عن الرئيس الأمريكي بوش نافياً أنه تحدث عن حملة صليبية ضد المسلمين بعد تفجير برجي مبنى التجارة العالمي في نيويورك في 11 ايلول ، مدعياً أن بوش أستعمل كلمة حملة ولم يذكر انها صليبية ! مع أن وسائل الإعلام العالمية قد نسبت إستخدام مصطلح الحرب الصليبية من قبل الرئيس الأمريكي صراحةً وفهمت ذلك من كلامه ، وأصبح الأمر مشكلة قائمة لدرجة أضطرت الرئيس الأمريكي بوش نفسه للتعبير عن أسفه لاستخدامه كلمة تذكر بالحملات الصليبية لوصف الحرب على الارهاب بعد اعتداءات الحادي عشر من ايلول/سبتمبر 2001م ، ويمكن لمن يرغب مراجعة الروابط الآتية للتأكد من خبر إطلاق صيغة الحرب الصليبية ومن خبر الإعتذار هذا :

http://www.alqanat.com/news/shownews.asp?id=47005

وأيضاً :

http://www.almenber.com/viewarticle.asp?ID=69

 فهل يخدع بدر العراقي إلا نفسه !

وأما بابا الفاتيكان الذي يدعو ـ بحسب أدعاء بدر العراقي ـ إلى (السلام والتآخي ونبذ الحروب والارهاب. في المدارس الدينية المسيحية فأن الدعوة دائما توجه الى التعايش مع الاخرين وقبول الرأي الآخر وعدم التفرقة بين المسيحي والملحد اومن اي دين آخر) ، فهذا البابا نفسه قد كشفت صحيفة دار الخليج بعددها المؤرخ في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2004م عن دوره في الحرب الباردة لتقويض الإتحاد السوفيتي ، حيث كشف أدوارد لاوني مستشار الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريغان لمحادثات الأسلحة النووية عن هذا الدور للبابا يوحنا بولس الثاني قائلاً : سعينا لكسبه حليفاً من أجل إسقاط الشيوعية التي كان يكرهها بشدة ، وبالفعل قدم بابا الفاتيكان كل ما يستطيع لإسقاط المطرقة والمنجل ، وأشار إلى أن الكنيسة الكاثوليكية قدمت معلومات وحركت عناصرها داخل الجمهوريات السوفيتية السابقة ، وأشار ريتشارد ألين مستشار الأمن القومي لريغان إلى أن ريغان أختار بعض أعضاء حكومته من الكاثوليك مثل مدير الإستخبارات المركزية وليم كيسي مما شجع البابا على الثقة بالإدارة الأمريكية والتعاون معها) ، فها هو البابا يتآمر ويكره ويرفض الآخر ويفكر من زاوية طائفية ضيقة ، كل ذلك تحت واجهة الدعوة للتسامح وهي دعوة مكذوبة بلا شك ، فإذا كان البابا لا يتسامح مع المسيحيين من المذاهب الأخرى لدرجة أن يضطر الرئيس الأمريكي ريغان لتعيين بعض المسيحيين الكاثوليك في حكومته البروتستانتية لكسب تأييده ، فكيف نتوقع ما سيكون عليه تسامحه المزعوم تجاه المسلمين والديانات الأخرى ! وهذا البابا لا يختلف عمن سبقه من البابوات من الذين قادوا الحروب الصليبية لإنقاذ بيت المقدس من المسلمين الكفرة بحسب تعبيرهم آنذاك.

واما ما ادعاه بدر العراقي من أن معظم خطب أئمة الجمعة في البلاد الإسلامية تدعو للجهاد فما ذلك إلا لحجم الظلم الذي يعاني منه المسلمون من قبل الغرب المسيحي والعلماني على السواء فقد أجتمعوا على ظلم المسلمين وتشريدهم وسلب حقوقهم في فلسطين ، وإذا كانت الحروب الصليبية القديمة نجحت في زرع آلاف المسيحيين في لبنان وفلسطين بعد تهجيرهم من أوربا حتى أصبحوا اليوم سكان البلاد الأصليين والغالبية الموهومة في لبنان لدرجة أنهم يمنعون أن يكون رئيس الجمهورية اللبنانية إلا مسيحياً ، فالمسيحية والعلمانية الغربية في عصرنا نجحت في زرع الكيان الصهيوني في فلسطين وتهجير آلاف اليهود من مختلف بقاع الأرض إليها ، ويضاف لهذا الظلم ما فعلته المسيحية والعلمانية الغربية من محاربة مباشرة للإسلام من خلال زرع الفكر القومي عند المسلمين والعمل على أن يكون بديلاً عن الإسلام في الفكر العربي ، وليس من قبيل الصدفة أن يكون أغلب دعاة القومية العربية من المسيحيين ، فمنهم بطرس البستاني وناصيف اليازجي ، وسليم البستاني ومنيف خوري وأنطوان سعادة وميشيل عفلق وجورج عبد المسيح ، وهم جميعاً من المسيحيين بل إنَّ ناصيف اليازجي هو الذي بدأ بترجمة الكتاب المقدس إلى اللغة العربية وهي النسخة الكاثوليكية المعتمدة اليوم عندهم مما يدل على شدة وثوقهم به وإخلاصه في خدمة المسيحية ! وأبرزهم من دعاة تحرير المرأة هو مرقص فهمي المحامي (مسيحي) الذي ألّفَ كتاباً في مصر في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي أسمه (المرأة في الشرق) دعا فيه إلى القضاء على الحجاب وإباحة الاختلاط وتقييد الطلاق ومنع الزواج بأكثر من واحدة وإباحة الزواج بين النساء المسلمات والرجال المسيحيين ، تبعه في ذلك قاسم أمين الذي ألَّف كتابين هما (تحرير المرأة) سنة1899م و (المرأة الجديدة) سنة1900م. ولا يتعلق الأمر بزرع فكرة القومية العربية بين العرب بل تعداه إلى الدعم والترويج للفكر القومي الفارسي بين الإيرانيين بعد إنتصار الثورة الإسلامية في إيران في محاولة منهم لتحجيم ذلك الإنتصار وتلك الثورة ثم التخلص منها لاحقاً عن طريق إشاعة الفكر القومي هناك.  

فهل كل ذلك إلا حرب صليبية مباشرة ضد الإسلام بأساليب جديدة بعد أن فشلت أساليبهم القديمة. هل ذلك إلا حرب مباشرة ضد المسلمين في عقر دارهم ، ومع ذلك ينكرون على المسلمين الدعوة للجهاد دفاعاً عن عقيدتهم بل عن وجودهم ، ونحن بهذا القول لا نعني أن ما يقوم به الوهابيون وحركتهم الجهادية التكفيرية هو أمر صواب بل نريد القول أن العدوان الغربي هو الذي يدفع الوهابيين المتطرفين لما يفعلوه من سلوك سيء تجاه الإنسانية ، ويخطيء أي شخص يظن أن الوهابية بفكرهم العقيم هم الوحيدون المتصدون للعدوان الغربي المذكور ، بل المسلمون جميعاً ناهضون في هذا الطريق ، وقد رفعت الجمهورية الإسلامية في إيران بقيادة السيد الإمام الخميني (رضوان الله عليه) شعار التصدي لأمريكا وللعدوان الغربي على العالم الإسلامي ، وأطلق تسمية الشيطان الأكبر على أمريكا ، في وقت كانت الدول الإسلامية والعربية تصطف مع الغرب وأمريكا ضد الجمهورية الإسلامية في إيران وتدعم جميعها نظام صدام المجرم في حربه ضد الإسلام المحمدي بالمال والعتاد والإعلام ، والمسلمون يراقبون ويعانون ولا يستطيعون أن يتكلموا بسبب الأنظمة القمعية المدعومة من الغرب والتي تحكمهم وتضطهدهم.

إنَّ الطريقة الوحيدة للقضاء على الإرهاب هو بأن تكف أمريكا والغرب عن التدخل بشؤون المسلمين وتكف عن دعم الحركات القومية العربية وغيرها المعادية للإسلام ، وتكف عن دعم الكيان الصهيوني وعند ذاك فقط يمكن التحدث عن الإنفتاح على الحضارات ، وأما ما يحاوله البعض ويدعو إليه اليوم فهو إخضاع المسلمين للحضارات الأخرى تحت مسمى (الإنفتاح على الحضارات).

وأما المسيحية التي يذكر بدر العراقي بأنها باقية منذ 2000 سنة وستبقى آلاف أخرى ، فلا تعني لنا شيئاً ، فكذلك المجوسية قد سبقت المسيحية في الظهور وما زالت ديانة يعتنقها الكثيرون ، وكذلك البوذية بل والوثنية أيضاً كلهم باقون إلى ما شاء الله سبحانه ، ومشكلتنا ليست مع المسيحية كديانة يعتنقها ملايين البشر بل مشكلتنا كما ذكرنا مع الصليبيين في الغرب الذين يحاربوننا بمختلف الوسائل التي ذكرناها آنفاً ، ويسعون جاهدين لمحو ديننا وتغيير معتقداتنا.

قال الله سبحانه في سورة الممتحنة :

(( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين * إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون ))

 

الصفحة الرئيسية