بسم الله الرحمن الرحيم

 

نسب يسوع المسيح

نبيـل الكرخي

قضى الله عز وجل في التوراة أن يتولى سبط لاوي من بين أسباط بني إسرائيل خدمة خيمة الاجتماع (مسكن الشهادة) ومن ثم هيكل سليمان ، وان يكون الكهنة من ذرية هارون بالتحديد[1].

وحدث في زمن موسى أن انتشر الفساد بين بني إسرائيل وشاع زنى بني إسرائيل مع بنات قبيلة موآب فسجدوا لآلهتهن وعبدوا إلههم بعل فغور ، فنهاهم الرب عن ذلك فلم ينتهوا حتى انتفض فينحاس بن العازار بن هارون الكاهن وقتل زمري ابن سالور وهو من زعماء سبط شمعون عندما كان يزني مع كزبى بنت صور وأبوها من زعماء مديان وقد قتلها فينحاس أيضا[2].  فرضي الرب عن فينحاس وكافأه فقال لموسى : ( ها انذا أعطيه ميثاقي ميثاق السلام فيكون له ولنسله من بعده ميثاق كهنوت ابدي لأجل انه غار لله وكفر عن بني إسرائيل )[3].

وهكذا انحصر منصب الكاهن في ذرية فينحاس بن العازار بن هارون .

ويتفق المسيحيون مع المسلمين في ان يسوع المسيح ولد من غير أبٍ ولادة معجزة حيث حملت به أمه الطاهرة مريم العذراء بمشيئة الله القادر على كل شيء ، وتعارف على تسميته (ابن مريم) في الديانتين المذكورتين[4].

وقد ورد في الأناجيل أن اليزابيث (اليصابات) زوجة زكريا هي من أقارب مريم العذراء[5]، وبما أن اليزابيث هي من ذرية هارون الكاهن[6]، فتكون مريم العذراء هي من ذرية هارون أيضا ، أي أن يسوع المسيح يعود في نسبه الى هارون أول كهنة بني إسرائيل ، ولعل هذا هو المستفاد من نبوءة سفر التثنية (18 : 15) : (يقيم لك الرب إلهك نبيا من وسطك من اخوتك مثلي له تسمعون) ، واللاويون هم اخوة موسى وعشيرته الذين وعد الرب بإظهار النبي منهم وهو يسوع المسيح .

وبذلك نفهم أن ليسوع المسيح إضافة لوظيفته النبوية وظيفة كهنوتية أيضا باعتباره آخر كهنة الهيكل من ذرية فينحاس بن العازار بن هارون الكاهن وهو ما سنتطرق أليه لاحقا بمشيئة الله جل وعلا .

ونسب مريم العذراء الى هارون أخي موسى يكشف لنا عن تفسير إحدى آيات القرآن المجيد وهي ما جاء بالقرآن المجيد (19 : 27)في الخطاب لمريم العذراء : (يا أخت هارون) ، وهذا ما يؤكد إنها من نسل هارون لان القرآن قد نزل بلغة العرب ، والعرب كانت إذا خاطبت شخصا عربيا تقول له : (يا أخا العرب) وللهاشمي : (يا أخا هاشم) ، ومثل هذه الشواهد في القرآن المجيد ما جاء في (26 : 105 و 106) : (كذبت قوم نوح المرسلين إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون ) وفي (26 : 123 و 124) : (كذبت عاد المرسلين إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون ) ، فيكون المقصود من خطاب مريم العذراء (يا أخت هارون) إنها من ذرية هارون أخي موسى كما أسلفنا ، وقد ذهب الى هذا التفسير أيضا الشيخ موسى السوداني في كتابه (البرهان لعلوم القرآن) ج1 ص302  .

 نسب مريم العذراء برأي اتباع بولس :

يذهب بعض اتباع بولس الى جعل مريم العذراء من نسل داود النبي ، واستدلوا بأدلة لا تدل على مرادهم حيث قالوا :

( لما كان يوسف خطيبا لمريم العذراء وقد ثبت انه من بيت داود كان ذلك تأكيدا لكون مريم أيضا من البيت عينه بدليل ما ورد في سفر العدد من قوله : ( كل بنت ترث ميراثا من أسباط بني إسرائيل فلتكن زوجة لواحد من عشيرة سبط آبائها ) (36 : 8) ، وما ذكر في إنجيل لوقا حيث قال : صعد يوسف من الجليل من مدينة الناصرة الى اليهودية الى مدينة داود التي تدعى بيت لحم لانه كان من بيت داود ومن عشيرته ليكتتب مع مريم امرأته المخطوبة (2 : 4 و5) فتبين من هنا أن مريم كانت من بيت داود لأنها صعدت مع يوسف إلى مدينة بيت لحم بنفس السبب الذي صعد يوسف لأجله وهو كون كل منهما من بيت داود)[7].

وهذا الاستدلال متهافت جدا بل ومريب من حيث أمانته العلمية ، ولا يمكن لأي إنسان يبحث عن الحق المفقود في علم الكذب والخداع أن يتقبله واليك الأسباب :

1.إن ما ذكره نقلا عن سفر العدد (36 : 8 ) تكملته في الجملة (8 و9) : (لكي يرث بنو إسرائيل كل واحد نصيب آبائه ، 9 ، فلا يتحول نصيب من سبط الى سبط آخر بل يلازم أسباط بني إسرائيل كل واحد نصيبه) .

   فهذا النص في التوراة خاص بمسألة الإرث والزم هذا النص كل بنت ترث ميراثا أن تتزوج من نفس عشيرتها ، فهو إذن لا يخص المرأة التي لا تملك ميراثا إذ أنها حرة بالزواج من عشائر بني إسرائيل .

  ولذلك وجدنا أن ميكال بنت شاول من سبط بنيامين[8]قد تزوجت من داود[9]وهو من سبط يهوذا[10]،وبنات القاضي يفتاح الثلاثون قد تزوجن جميعهن من رجال من غير عشيرتهن[11]، وابنة شيشان بن يشعي تزوجت من عبد مصري كان عبدا عند أبيها[12].

2.إن صاحب الاستدلال المذكور لم يلتزم بالأمانة العلمية لانه : أولا : نقل نصا مبتورا من التوراة وهو ما جاء في سفر العدد (36 : 8 ) وقد بينا تتمته آنفا ، فقد تعمد البتر للتمويه بان الحكم عام لجميع بنات إسرائيل فيما هو حكم خاص بذوات الإرث منهن . وثانيا : أن صاحب الاستدلال نفسه قد ذكر عند تعليقه على ما جاء في سفر القضاة (17 : 7 ) : (وكان غلام من بيت لحم يهوذا ن عشيرة يهوذا وهو لاوي متغرب هناك) قال : (هذا الفتى كانت أمه من سبط يهوذا وأبوه من سبط لاوي )[13]، مما يعني انه كان يعلم جواز أن تتزوج امرأة من سبط يهوذا رجلا من سبط لاوي ، فكيف ينكر ذلك عند حديثه عن نسب مريم العذراء ويموه انه غير جائز للبنت أن تتزوج من غير عشيرتها ؟!

   الجواب هو عدم التزامه بالأمانة العلمية  ……. مع الأسف  .

3.بعد موت سليمان انقسمت مملكته الى قسمين هما مملكة يهوذا بزعامة رصبعام بن سليمان وتضم سبطي يهوذا بنيامين وكهنة الهيكل وهم سبط لاوي ، ومملكة إسرائيل وتضم بقية الأسباط بزعامة يربعام الافرايمي[14]، فعاشت هذه الأسباط الثلاثة سوية وكونت شعبا واحدا ، وصاحب الاستدلال الذي نفنده قال أيضا في تعليقه على ما جاء في سفر الملوك الثاني (17 : 18 ) ما نصه : ( يراد بيهوذا في هذا الموضع سبطا لاوي وبنيامين أيضا لانهما اتحدا بسبط يهوذا حين أقاما بمملكة يهوذا حتى صارت الثلاثة الأسباط شعبا واحداً )[15]، وبعد سبي نبو خذ نصر الكلداني لمملكة يهوذا إلى مدينة بابل عام 586 ق.م ازداد اندماج هذه الأسباط الثلاثة التي كونت الشعب اليهودي لا سيما بعد عودتهم إلى مدنهم في عهد كورش .

فأصبح واضحا لنا أن ذهاب مريم العذراء مع يوسف النجار إلى مدينة واحدة لتسجيل أنفسهم في الإحصاء لا يقتضي كونهم من سبط واحد حيث بينا إن المدن اليهودية أصبحت تحوي خليطا من الأسباط .

وهكذا يتضح تهافت المزاعم القائلة بأن نسب مريم العذراء ينتهي لسبط يهوذا والصحيح هو ما ذكرناه من إن نسبها يعود إلى هارون الكاهن أخي موسى النبي .

 نسب يسوع المسيح عند العامة من اليهود :

بعد ولادة يسوع المسيح ولادته المعجزة من غير أب ، بدأ يوسف النجار يشرف على تربيته وتنشأته ورعايته حتى بلغ مرحلة الشباب لأن أمر الولادة المعجزة يسوع المسيح ظل خافيا على معظم اليهود ولا سيما بعد محاولة الحاكم الروماني هيرودس قتل يسوع بعد ولادته مباشرة ، لذلك نشأ وترعرع واليهود يظنونه ابن يوسف النجار من سبط يهوذا لان يوسف النجار كان من سبط يهوذا .

وعندما بدأت الوظيفة النبوية ليسوع المسيح ، اخذ الكثير من عامة اليهود يدعونه بلقب (ابن داود) ،وقد ورد ذلك في الأناجيل الأربعة بكثرة .  ولا نستبعد أن بعض هذه المواضع مكذوبة لان هناك من كان يرى مصلحة في إطلاق لقب (ابن داود)على يسوع المسيح لا سيما بولس واتباعه كما سنبين لاحقا .

 موقف الكتبة من نسب يسوع المسيح :

الكتبة هم علماء الكتاب المقدس ويقال لهم معلمو الشريعة[16]، وكانوا يفسرون التوراة للشعب[17] ، كانوا يعتمدون في تعليمهم على أقوال السلف فيكثرون من ذكر آراء المعلمين الأقدمين ، وقد اخذ عليهم يسوع المسيح تشددهم وقساوتهم وتمسكهم بالألفاظ دون المعنى[18].

وعندما ظهر يسوع المسيح وأعلن لليهود وظيفته النبوية والكهنوتية وأخذ يعلم في الهيكل ويقوم بواجبات الكاهن من شفاء الأمراض[19]، ثم قام بطرد الباعة من الهيكل وقلب مناضد الصيارفة ومقاعد باعة الحمام ومنع كل من يحمل بضاعة أن يمر من داخل الهيكل[20]، وفي المقابل رفض الكتبة الخضوع ليسوع المسيح واتهموه بالكذب والخداع وانه يخرج الشياطين من البشر بواسطة سيد الشياطين بعلزبول[21]، ولانه أعلن نفسه كاهناً سماوياً أي باختيار مباشر من الله عز وجل كما اختار من قبل هارون أخي موسى فقد اخذ الكتبة والكهنة يشيعون عن يسوع انه لا يمكن أن يكون كاهناً لانه من ذرية داود (كما هو الشائع عند عامة اليهود وكما أسلفنا قبل قليل ) والكهنة هم من ذرية هارون سبط لاوي كما قال الله عز وجل ، وهكذا قاوم الكتبة والكهنة كهنوت يسوع المسيح .

وقبل ظهور المسيح كان الكتبة يعتقدون أن المسيح المنتظر سوف يظهر من ذرية داود لانهم كانوا يفسروا نبوءة اشعياء (11 : 1 ) على إن المسيح من ذ رية يسى أبى داود أي من ذرية داود وأشاعوا بين الناس هذا الأمر[22]، وكانوا يتوقعون أن يكون المسيح منقذاً دنيوياً سياسياً[23]، في حين إن يسوع المسيح كان يأمرهم بدفع الجزية لقيصر ويقول: (أدّوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله )[24]، فانكر الكتبة والكهنة يسوع المسيح ورفضوا أن يذعنوا له لانه يدعوهم للتوبة وعمل البر ، وليس إلى الثورة ضد قيصر واعادة مجد مملكة داود المنقرضة .

وهكذا أعلن يسوع نفسه مسيحا وكاهناً ، فرفضه اليهود من حيث انه المسيح الموعود لانه لا يدعوهم لحرب قيصر واعادة مملكة داود ، ورفضوا كونه كاهنا لانه بحسب توهمهم ليس من ذرية هارون حيث اشتهر بينهم ابن يوسف النجار من ذرية داود .

إعلان يسوع المسيح حقيقة نسبه :

اخذ يسوع المسيح يعلن للناس عن حقيقة نسبه وانه ينتمي إلى سبط لاوي وان الله عز وجل قد بعثه نبياً وكاهناً وآتاه المعجزات التي رآها الناس ، ففي إنجيل متي ما نصه: (وبينما الفريسيون مجتمعون سألهم يسوع : ما رأيكم في المسيح ؟ ابن من هو ؟ قالوا له: ابن داود ، قال لهم : فكيف يدعوه داود رباً بوحي من الروح إذ يقول : (قال الرب لربي : اجلس عن يميني حتى اجعل أعدائك تحت قدميك ، فأذا كان داود يدعوه رباً فكيف يكون ابنه ؟ فلم يستطع أحد أن يجيبه بكلمة ولا جروء أحد منذ ذلك اليوم ان يسأله عن شيء)[25].

 موقف بولس واتباعه من نسب يسوع المسيح :

رفض الكتبة كهنوت يسوع لما شاع عنه من انه يوسف النجار من ذرية داود لان الكهنة من ذرية لاوي ، ورفضوا نبوة يسوع لأنهم كانوا ينتظرون نبياً مخلصاً دنيوياً وسياسياً يعيد لهم مملكة داود المنقرضة[26]، ولأن يسوع لم يعمل أو يدعُ لاعادة مملكة داود .

وفي المقابل وجدنا بولس واتباعه بعد أن تبنوا عقيدتهم في ألوهية يسوع اخذوا يردون على الكتبة واليهود ليثبتوا كهنوت يسوع المسيح ولكن بصيغة أخرى !!  حيث جعلوا من يسوع قربانا كهنوتيا حيث قدم يسوع الكاهن نفسه قربانا ليفتدي المؤمنين به من الخطيئة !!  

وتعتبر (الرسالة إلى العبرانيين ) التي كتبها بولس أو أحد تلامذته خير مصدر لفكرة كهنوت المسيح وفق العقيدة البولسية وابرز ما جاء فيها هو فكرته في انتقال الكهنوت من سبط لاوي إلى سبط يهوذا بحسب مزاعمه ، فقال :( فلو كان بالكهنوت اللاوي كمال وقد اخذ الشعب الناموس تحته إذن أية ُحاجة كانت بعدُ أن يقوم كاهن آخر على رتبة ملكي صادق[27]ولم يقل على رتبة هارون ، لان عند تحول الكهنوت لابد من تحول الناموس ،والحال أن الذي يقال هذا فيه إنما نسبه في سبط آخر لم يلازم أحد منه المذبح لانه من الواضح أن ربّنا ! ـ يقصد يسوع ـ خرج من يهوذا من السبط الذي لم يصفه موسى بشيء من الكهنوت ، ومما يزيد الأمر وضوحا انه يقوم على مشابهة ملكي صادق كاهن آخر لا يُنصب حسب ناموس وصيةٍ جسدية بل حسب قوة حياة لا تزول ، لانه يشهد أن أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق )[28].

وهذا كله تمويه للواقع لان ملكي صادق المذكور في سفر المزامير ( 110 : 4 )  قد انتهت به مرحلة تاريخية وبدأت أخرى بظهور النبي إبراهيم لأن اللقاء بين ملكي صادق والنبي إبراهيم يرمز لبدء تلك المرحلة الجديدة ( يذكر سفر التكوين ( 14 : 18 ) إنَّ ملكي صادق الذي كان كاهناً لله العلي قد إلتقى النبي إبراهيم ) وكذلك فأن يسوع المسيح وهو على رتبة ملكي صادق فأن ذلك يعني أن يسوع قد انتهت به مرحلة تاريخية أخرى وبدأت مرحلة جديدة تمثلت بظهور النبي محمد (صلى الله عليه وآله).

ومن التمويهات في ادعاءات اتباع بولس ما جاء في الرسالة إلى العبرانيين : (7 :9 و11) ونصه : (حتى انه يسوغ أن يقال أن لاوي نفسه الذي يأخذ العشور قد أدى العشور في إبراهيم لانه حين خرج ملكي صادق لملتقى إبراهيم كان هو في صلبه)!!

وكذلك كان يهوذا في صلبه أيضا !! وهل يعنون أن يسوع المسيح كان في صلب يهوذا عندما زنى مع كنته ثامار زوجة ابنه عِيْرَ فأنجبت له ابنه فارص[29]وهو من الأجداد المزعومين ليسوع المسيح ؟!

أن المسلمين لا يرتضون ليسوع المسيح ولا لغيره من الأنبياء عليهم السلام هذا النسب الملطخ بالفحش والزنى ، فهل يرتضي المسيحيون لربهم ! هذا النسب ؟[30]

 على كل حال فقد حاول بولس واتباعه حشو أفكار الناس بفكرة أن يسوع هو من ذرية داود ومن ثمّ قاموا بحشو الأناجيل التي كتبوها والرسائل بتلك الفكرة ، ولأن هناك من (أكابر الرسل)من كان يعرف حقيقة يسوع المسيح ونسبه اللاوي فقد بدأت معارضة أفكار بولس واتباعه بنشر النسب الحقيقي ليسوع بين الناس من قبلهم فأثاروا بذلك بما لديهم من حجج وبراهين بلبلة كبيرة في صفوف المؤمنين واتباع بولص خاصة وعليه فقد عمد بولس إلى التحذير من الخوض في مسألة الأنساب فقال في إحدى رسائله إلى تيموثاوس : (وتوصي بعض الناس إلا يعلموا تعليما مخالفا ولا ينصرفوا إلى خرافات وانساب ليس لها نهاية تثير المجادلات اكثر مما تعمل للتدبير الإلهي المبني على الإيمان )[31].

وهذه التعليمات التي أصدرها بولس لتيموثاوس تدل على آلاتي :

1.    وجود تيار فكري مخالف لبولس واتباعه .

2.  إنَّ تسخيف بولس للأنساب ونبزها بلفظ (الخرافات) يعتبر طعنا في قدسية الكتاب المقدس عامة والعهد القديم خاصة لانه يحوي على تفاصيل كثيرة لأنساب البشر من آدم إلى يسوع المسيح .

3.  أن تسخيف بولس للأنساب ودعوته إلى عدم الالتفات لها لم يمنعه من إعطاء الضوء الأخضر لتلميذه الحبيب[32] لوقا ليكتب نسبا مزعوما ليسوع المسيح في الإنجيل الذي كتبه حيث جعله فيه من ذرية داود ، مما يعني أن بولس كان يحارب الأنساب المخالفة لأفكاره والتي تجعل من يسوع المسيح من ذرية هارون ومن سبط لاوي أما الأنساب التي تجعل المسيح من ذرية داود فلا بأس بها من وجهة نظر بولس .

 تهافت النسب المزعوم :

ورد في إنجيلي متي ولوقا نسبين مختلفين[33] ليسوع المسيح ينتهيان به إلى داود ، وحيث أن النسبين المذكورين مختلفين ولا يوجد مرجح لصحة أحدهما دون الآخر لذا فأن النسبين يسقطان معا عن الاعتبار لتعارضهما وعدم ترجيح أحدهما على الآخر.

وقد حاول ـ دون جدوى ـ بعض اتباع بولس الدفاع عن الاختلاف بين النسبين بقولهم (واما الفرق الذي بين نسب المسيح في إنجيل متى ونسبه في إنجيل لوقا فأنما سببه أن يعقوب الذي ولد يوسف خطيب مريم العذراء كان بعدما توفي عالي أخوه قد تزوج امرأته عملا بما أمر الله به في الناموس (الشريعة) حيث يقول : إذا قام أخوان معا ثم مات أحدهما وليس له عقب فلا تصير زوجة الميت إلى خارج لرجل أجنبي بل أخوه يدخل عليها ويتخذها زوجة له ويقيم عقبا لأخيه (تثنية 25 : 5) ، وعليه فقد كان ليوسف نسبان أحدهما طبيعي والآخر شرعي لانه كان ابن عالي بحسب الناموس وابن يعقوب بحسب الطبيعة فذكر متى نسبه الطبيعي ولوقا نسبه الشرعي)[34].

انظر أيها القارئ ، بهذا التفسير الساذج يريدون أن يخدعوك ويبررون لك الاختلاف في النسبين المزعومين ليسوع في إنجيل متى وانجيل لوقا وليتهم اتخذوا تبريرا مقنعا وتفسيرا مقبولا احتراما لعقلك ووقتك الذي قد تهدره في قراءة ما يكبوه من أكاذيب في كتبهم المقدسة !  فببساطة نقول : أن المذكور في إنجيل متى هو :

·        يوسف بن يعقوب بن متان بن العازر بن اليهود ………… الخ

وفي إنجيل لوقا :

·        يوسف بن عالي بن متات بن لاوي بن ملكي …………… الخ

 فيعقوب بن متان ليس أخا العالي بن متات لان أسماء أجدادهما مختلفة فكيف يكونان أخوين يا اتباع بولس ؟!

ولعلّ مكابر يقول بأنهما أخوين من جهة ألام ! فنقول انه على افتراض هذا الادعاء (الذي ليس له اصل) ، فأن عدد الأباء بين يعقوب وداود بحسب إنجيل متى هو (24)أب وعدد الأباء بين عالي وداود بحسب إنجيل لوقا هو (39) أب ، وحيث انهم زعموا أن عالي ويعقوب أخوين وافترضا انهما أخوين من جهة ألام فعلى ذلك يكونان في زمن واحد وعصر واحد فيجب أن يكون عدد آبائهما متقارب ، وهذه مسألة طبيعية يعرفها كل خبير في التاريخ والأنساب ، في حين أن نسب عالي يزيد بـ(15) أب عن نسب يعقوب مما يعني إن هناك خللا في أحد النسبين على هذا النحو ، فيسقطان عن الاعتبار حيث لا مرجح لاحدهما على الآخر .

ومن الدلائل على إن الذين كتبوا الأناجيل أقحموا لفظة ( ابن داود ) كلقب ليسوع المسيح ما جاء في إنجيل مرقس (6 : 3) : (أما هو النجار بن مريم) مما يعني بان يسوع المسيح كان ينسب لامه صراحة ًفي ذلك الزمن وكما خاطبه القرآن المجيد بعد ذلك بقرون ، في حين إن كاتب إنجيل متى (13 :55) بدل العبارة لتصبح هكذا : (أما هو ابن النجار ، أليست أمه تدعى مريم ) والتي تعني أن يسوع هو ابن يوسف النجار وهو من ذرية داود ، ونحن نقول أن كاتب إنجيل متى غيّر عبارة إنجيل مرقس متعمداً لأن اتباع بولس (علماء المسيحية) يقولون بان كاتب إنجيل متى قد اطلع على إنجيل مرقس ونقل عنه كما في صفحة (25) من طبعة العهد الجديد في بيروت ( التي صادق على طبعها النائب الرسولي للاتين بولس باسيم ) عند مناقشته ما يسمى بالمسألة الازائية  .

وهكذا شوهوا التاريخ ونسبوا اليسوع المسيح نسبا قسريا بعيدا عن الحقيقة ، فاقتلعوه من جذوره اللاويّة وصنعوا له جذوراً يهوذية ، وما يخدعون آلا أنفسهم وما يشعرون .

 

الصفحة الرئيسية
 

[1] العدد (25: 1 ـ 16)  .

[2] المصدر السابق  .

[3] العدد (25: 12 و 13)  .

[4] في القرآن المجيد (3 : 45) وانجيل مرقس (6 : 3)  .

[5] إنجيل لوقا (1 : 36) ، وبعض الطبعات العربية للكتاب المقدس تستبدل كلمة (قريبة) بكلمة (نسيبه) ليضيع المعنى المقصود ، وفي

  طبعة الملك جيمس باللغة الإنكليزية استعملوا كلمة  (cousin) التي تعني ابنة العم أو ابنة الخالة .

[6] إنجيل لوقا ( 1 : 5 )  .

[7] الكتاب المقدس (اغناطيوس زيادة) ـ الحواش على إنجيل متى ، ص 467  .

[8] صموئيل الأول (9 : 1 و2 )  .

[9] صموئيل الأول (18 : 27 )  .

[10] أخبار الأيام الأول (2 : 3 ـ 15 )  .

[11] القضاة (12 : 9 )، وهي طبعة الكتاب المقدس (اغناطيوس زيادة) حذف من النص الجملة التي تقول أنهن تزوجن من غير رجال عشيرتهن ، لعن الله التحريف.

[12] أخبار الأيام الأول (2 : 35 )  .

[13] الكتاب المقدس (اغناطيوس زيادة) ـ قسم الحواش ص 9  .

[14] الملوك الأول (12 : 1 ـ 24 )  .

[15] الكتاب المقدس (اغناطيوس زيادة ) ـ قسم الحواش ص 12 .

[16] إنجيل لوقا ( 5 : 17) و (10 : 35)  .

[17] العهد الجديد (المطبعة الكاثوليكية ) ـ الفهرس السابع ص 978  .

[18] العهد الجديد (بولس باسيم ) ـ ص 56 (الهامش)  .

[19] انظر سفر اللاويين الفصلين (13) و (14)  .

[20] إنجيل مرقس (11 : 15 ـ 17)  .

[21] إنجيل متي (12 : 24)  .

[22] إنجيل يوحنا (7 : 42) ، وسنناقش لاحقا هذه النبوءة بالتفصيل  .

[23] العهد الجديد (بولس باسيم) ـ ص 56 (الهامش)  .

[24] إنجيل مر قس (12 : 17)  .

[25] إنجيل متي (22 : 41 ـ 46)  .

[26] كما في نبوءة صموئيل الثاني (7 : 13) :  (وأنا اثبت كرسي مملكته إلى الأبد )  .

[27] إشارة لما ورد في المزامير (110 : 4) : (أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق ) .

[28] الرسالة إلى العبرانيين (7 : 11 ـ 17)  .

[29] التكوين (38 : 1 ـ 29)  .

[30] انظر النسب المزعوم ليسوع المسيح في إنجيل متى (1 : 16)  .

[31] رسالة بولس الأولى إلى تيموثاوس (1 : 4)  .

[32] أطلق بولس لقب (الطبيب الحبيب) على تلميذه لوقا في رسالته إلى أهل كولسي (4 : 14)  .

[33] إنجيل متى (1 : 1 ـ 16) وانجيل لوقا (3 : 23 ـ 38)  .

[34] الكتاب المقدس (اغناطيوس زيادة) ـ الحواش على إنجيل متى  ص 467 .

الصفحة الرئيسية