بسم الله الرحمن الرحيم

عدالة عقوبة إعدام المرتد عن الإسلام

 

نبيـل الكرخي

 محور المسألة هو أنَّ الإسلام هو الحالة الطبيعية والأصلية التي ينبغي للإنسان أن يكون عليها ، وقوانينه هي القوانين التي يجب ان تجري على البشر في أجيالهم المتعاقبة ، فإذا حدث هناك خلل وإنحرف الإنسان وأبتدع أديان وضعية فإن ذلك لا يعطي العلوية للفكر المنحرف على حساب الفكر الأصيل. ويبقى القانون الإسلامي نافذاً يجب تطبيقه. فإعدام المرتد ليس فيه أي ظلم للإنسان سواء كان مرتد عن فطرة أم عن ملّّة. بل الإرتداد هو الظلم بعينه ، لأن فيه عصياناً للإرادة الإلهية المقدسية.

 

ولو نظرنا إلى المسيرة الإنسانية لوجدنا أن الغالبية العظمى من البشر يخضعون لقوانين مفروضة عليهم في المجتمع الذي يعيشون فيه ، فعلى سبيل المثال يخضع شعب معيّن لقانون يقول بإنزال عقوبة الإعدام على من يتاجر بالمخدرات ، ويخضع شعبٌ ثانٍ لقانون يقول بالسجن مدى الحياة لمن يتاجر بالمخدرات ، فمن يولد في الشعب الأول ويتاجر بالمخدرات سوف يتعرض للإعدام ولا ذنب له سوى أن "حظّه العاثر" قد جعله يولد في مجتمع يخضع لتلك القوانين ، فهل يصح أن نقول ان هناك ظلماً قد أصابه بسبب عقوبة الإعدام التي طالته بسبب وجود شعوب وقوانين أخرى تطبق عقوبة أخرى غير الإعدام ؟! بالتأكيد ليس لهذا الإعتراض أي قبول عند البشر لأن من يولد في بيئة ومجتمع يخضع لقوانينه. وهذا ما أتفق عليه البشر.

وهكذا نجد أن المسلم الذي يولد في مجتمع مسلم وفي عائلة مسلمة ويعتنق الإسلام وليس له ميزة فكرية قادته لهذا الإعتناق ، نجده ملزماً بالخضوع لقوانين الإسلام وليس من الظلم أبداً إنزال عقوبة الإعدام به إنْ إرتد عن الإسلام لأن قوانين مجتمعه الإسلامية تفرض هذه العقوبة على المرتد.

هذا بخصوص المرتد عن فطرة.

 

وأما المرتد عن ملّة فمن الطبيعي أن لا يمكن وصف إنزال عقوبة الإعدام به بالظلم بل هو العدالة بكل صورها ، لأنه حين إعتنق الإسلام قد إعتنقه بعد دراية لأحكامه ، ومنها عقوبة المرتد بالإعدام ، فحين يدخل في حوزة المسلمين ويقبل بالخضوع لقوانينهم ، ويرتد فحين ذاك يكون من الحق إنزال العقوبة التي قبل هو بالخضوع لها حين إعتناقه للإسلام. أي أنه حين إعتنق الإسلام وقبل بالخضوع لأنظمته يكون مما قبل به من إنظمته هو ان تكون عقوبة المرتد هي الإعدام ، ولذلك فحين تطبق هذه العقوبة بحقه فليس هناك أي ظلم أو تجاوز على الحرية الفكرية ، بل هو إحترام للحرية الفكرية التي إختارت أن تخضع لعقوبة الإعدام حين الإرتداد.

 

وفي مقاله تحت عنوان [(الارتداد ... هل هو حق من حقوق الإنسان ؟)] ، والمنشور في موقع كتابات بتاريخ 30 تشرين الأول 2005م ، قال الدكتور كامل النجار : [(والمادة 18 من حقوق الإنسان، كما تكرم السيد جاسم بذكرها، تقول: " (( لكل شخص حق في حرية الفكر والوجدان والدين ، ويشمل هذا الحق حريته في تغيير دينه أو معتقده ، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم ، بمفرده أو مع جماعة ، وأمام الملأ أو على حدة )). فالمادة هذه صريحة فيما تقول ولا مجال للتخبط في فهمها، غير أن فقهاء الإسلام اختاروا ما يعارضها وساروا عليه، وليس لديهم أي سند فيما ذهبوا إليه غير حرب أبي بكر للمرتدين بعد موت الرسول. فلا القرآن ولا أفعال النبي محمد تساند ما ذهبوا إليه. ولكن أولاً دعونا نناقش تعريف العلامة الحلي ( 648-726 هجرية))] ، فكيف يختار فقهاء الإسلام مناقضة المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مع انهم قد عاشوا قبل مئات السنين ، فالعلامة الحلي (قده) الذي عاش في (648-726)هـ قد سبق ظهور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي كتب في سنة 1948م بمئات السنين ، فكيف يدعي أنهم يناقضون أمراً لم يكن موجوداً في زمانهم ؟!!!

 وتساؤل الدكتور كامل النجار في عنوان مقاله المذكور آنفاً (الارتداد ... هل هو حق من حقوق الإنسان ؟) هو أمر مماثل لمن يمكنه أن يتسائل (هل زواج مثيلي الجنس هو حق من حقوق الإنسان؟) وتساؤل من يمكنه أن يتسائل (هل أنَّ زنى المحارم هو حق من حقوق الإنسان؟)، وأمور كثيرة مستهجنة يمكن أن يتم الدفاع عنها تحت عنوان حقوق الإنسان !

 والدكتور كامل النجار الذي يتحدث عن حقوق الإنسان وفقاً للإعلان العالمي الصادر سنة 1948م هو نفسه تحدث في مقالات أخرى ضد بعض بنود حقوق الإنسان ، فتحدث عن تغيير المناهج الدينية وتحدث عن منع التعليم الديني في المدارس الدينية غير الحكومية ، وهو الأمر الذي يتعارض مع المادة ( 18 ) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والتي تتحدث عن حق (التعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم بمفرده أو مع الجماعة وأمام الملأ أو على حده) وهو النص الذي يضمن حق التعليم الديني الخاص خارج المدارس الحكومية ، فلماذا هذه الإنتقائية في التعامل مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ! 

 ولا أدري لماذا يفهم الدكتور النجار النصوص التي ينقلها بشكل خاطيء أو يقوم بتحميلها غير معانيها ، فالنص الذي نقله عن العلامة الحلي وهو قوله : (قطع الإسلام من مكلف ، أما بفعل كالسجود للصنم وعبادة الشمس وإلقاء المصحف في القاذورات ، وشبه ذلك مما يدل على الإستهزاء. وأما بقول عنادا أو إستهزاءََ أو إعتقاداَََََ ، ولا عبرة بردة الصبي والمجنون والمكره والسكران) ، وإذا بالدكتور النجار يستنتج من هذا النص ما صرّح به بقوله : [(وتعريف الحلي يفترض أن كل من ارتد عن الإسلام يستهزئ به ويهينه، وهذا القول لا يمت للحقيقة بصلة. فالذين يرتدون عن أي دين يفعلون ذلك إما بدافع أن الأديان عامة تتعارض مع العقل وهم يودون احترام عقولهم دون أن يسيئوا إلى الدين المرتد عنه)] ، وأستنتاج الدكتور النجار هو الذي لا يمت للحقيقة بصلة ، فكلام العلامة الحلي (قده) واضح فهناك من يعلن الإرتداد عن طريق الإستهزاء مثلاً بإلقاء المصحف في القاذورات ، وهناك من يعلن الإرتداد بقولٍ (عنادا أو إستهزاءََ أو إعتقاداَََََ) وهذا هو نص ما ذكره العلامة الحلي (قده) ، فهو لم يقل بأن كل من يرتد عن الإسلام يستهزيء به ، وما نقله الدكتور النجار هو تصور خاطيء خاص به بعيداً عن الحقيقة !

ومرّة أخرى يقلب الدكتور كامل النجار الأمور ويستدل بالتواريخ والتسلسل الزمني بشكل معكوس ، نجد ذلك في قوله : [(ثم أن أصحاب النبي والتابعين لهم لم يعملوا بهذا التعريف. فعندما مزق الوليد بن يزيد بن عبد الملك المصحف وقال له:

أتوعد كل جبار عنيد *** فها أنا ذاك جبار عنيد

إذا لاقيتك ربك يوم حشر*** فقل يا ربي مزقني الوليد

لم يرمِ المسلمون يومئذ الوليد بالارتداد، بل بايعوه خليفةً على المسلمين، وهم كانوا أقرب عهداً بالنبي وتعاليمه من العلامة الحلي)] ، فمبايعة المسلمين للوليد بن يزيد إذا صحت أنها بصورة طوعية فقد كانت متقدمة على تمزيقه للقرآن ، أي أنه قد مزّق القرآن الكريم بعد المبايعة وهو خليفة ، فكيف يمكن الإستناد للمبايعة على نقض تعريف العلامة الحلي (قده) ! وهل يجهل الدكتور النجار أن الخلفاء الأمويين كانوا يحكمون المسلمين بالسيف والتقتيل والقوة المفرطة ، فضلاً عن أن وسائل الإعلام لم تكن منتشرة في ذلك الوقت ولم تكن هناك معارضة حرة يمكنها تنظيم فعل للإقتصاص من الوليد بن يزيد ، فضلاً عن دور السلطة في التشويش على كل فعل يمكنه أن يثير الناس ضدها من خلال إطلاق الشائعات المضادة ، وفي هذا الصدد يقول أبن خلدون في تاريخه ج3 ص106 ـ نشر مؤسسة الأعلمي في بيروت ـ وهو يتحدث عن هذه الحادثة : (ولقد ساءت القالة فيه كثيرا وكثير من الناس نفوا ذلك عنه وقالوا انها من شناعات الاعداء الصقوها به) !

وقال الدكتور النجار : [(ثم أن النبي نفسه عندما ارتد كاتب وحيه عبد الله بن سعد بن أبي سرح وقال إن القرآن ليس وحياً من الله وإنه كان يخترح على محمد بعض التعديلات وكان يقبلها، أمر النبي بقتله يوم الفتح ثم عفا عنه عندما جاء إليه مع أخيه من الرضاعة عثمان بن عفان. فإذا كان قتل المرتد حقاً إلهياً فليس من حق النبي أن يتنازل عنه. وإذا لم يكن حقاً إلهياً، فأفعال النبي لا تساند القول بقتل المرتد)] ، وهذا تخبط واضح من الدكتور النجار ، لأن عبد الله بن أبي سرح كان مرتداً عن ملة ، وهذا الصنف من المرتدين يعطون مهلة للتوبة والرجوع إلى الإسلام وإلا يقتلون ، ومن الواضح أن عبد الله بن أبي سرح قد أظهر التوبة ، فسقط عنه الحد.

فالإرتداد عن الإسلام نوعان : المرتد عن فطرة والمرتد عن ملة ، وفي هذا الخصوص يقول السيد الخوئي (قده) في كتابه (تكملة منهاج الصالحين) ص53 : (المرتد عبارة عمن خرج عن دين الاسلام ، وهو قسمان : ( فطري ) و ( ملي ) :

( الأول ) - المرتد الفطري وهو الذي ولد على الاسلام من أبوين مسلمين أو من أبوين أحدهما مسلم ويجب قتله وتبين منه زوجته وتعتد عدة الوفاة وتقسم أمواله حال ردته بين ورثته

( الثاني ) - المرتد الملي وهو من أسلم عن كفر ثم ارتد ورجع إليه ، وهذا يستتاب ، فان تاب خلال ثلاثة أيام فهو وإلا قتل في اليوم الرابع . ولا تزول عنه أملاكه وينفسخ العقد بينه وبين زوجته وتعتد عدة المطلقة إذا كانت مدخولا بها ).

 ثم قال الدكتور النجار : [(ثم أن تعريف العلامة الحلي فيه تناقضات عقلية واضحة، فهو يقول: " قطع الإسلام من مكلف " . والمكلف هو الشخص البالغ العاقل المالك لكل قواه العقلية، ولذلك قال: " ولا عبرة بردة الصبي والمجنون والمكره والسكران " لأن المذكورين ليسوا في كامل قواهم العقلية إما لصغر سنهم أو للجنون أو لتأثير المشروب عليهم. فإذا اشترط العلامة الحلي التكليف في المرتد، فالمنطق يتطلب أن يشترط نفس الشرط في اعتناق الإسلام أولاً قبل الردة عنه. والغالبية العظمى من المسلمين المعاصرين ورثوا الإسلام عن أبويهم وبيئتهم وهم صغار غير مكلفين. ومن شب على شئ شاب عليه)] ، وطبعاً فليس هناك أي تناقضات ، فحتى المواثيق الدولية تعطي الحق للأبوين بتربية أبنائهما وفقاً لمعتقدهم ، ففي إعلان القضاء على جميع أشكال التعصب والتمييز القائمين على أساس الدين أو المعتقد والصادر بموجب قرار للأمم المتحدة بتاريخ 25 تشرين الثاني 1981م ، نقرأ في المادة ( 5 ) الفقرات التالية :

ـ الفقرة (1 ) : (يتمتع والدا الطفل أو الأوصياء الشرعيون عليه ، حسبما تكون الحالة ، بحق تنظيم الحياة داخل الأسرة وفقاً لدينهم أو معتقدهم آخذين في الإعتبار التربية الأخلاقية التي يعتقدون ان الطفل يجب أن يتربى عليها(.

ـ الفقرة ( 2 ) : (يتمتع كل طفل بالحق في تعلم أمور الدين أو المعتقد وفقاً لرغبات والديه أو الأوصياء الشرعيون عليه ، حسبما تكون الحالة) إلخ...   

فمثلما عرفنا ان هناك نوعين للإرتداد عن الإسلام ، فهناك أيضاً طريقان لإعتناق الإسلام ، الأول هو أن يولد الطفل لأبوين مسلمين فيقومان بتنشئته على الإسلام ، والثانية أن يقتنع الإنسان غير المسلم بالإسلام بكونه الدين الحق فيعتنقه ويترك الدين الذي كان عليه. هذان الطريقان لإعتناق الإسلام يريد الدكتور النجار أن يتم التخلي عن أولهما ، أي أن يمتنع الأب عن تربية أبنه وفقاً لمعتقده ، مخالفاً بذلك كل الأعراف البشرية والقوانين الإنسانية وحتى القوانين والمواثيق الدولية المقدسة عند العلمانيين ؟!! أليس الدكتور كامل النجار يدور في تناقضات كبيرة ! فهو تارة يلتزم بالمواثيق الدولية والتي يشكل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أحدها ، وتارة يتجاهلها ثم ينسب التناقض للإسلام ؟!!!

وقال الدكتور النجار: [(ولذلك هم يتمسكون بالإسلام لأنهم لم يعرفوا ديناً غيره، خاصة وأن غالبيتهم أميين لا يستطيعون قراءة الأديان الأخرى التي غالباً لا تتوفر لديهم في بلادهم الإسلامية لأن السلطات الدينية تصادر أي عمل كتابي يشرح أو يدعو إلى دين آخر. فهؤلاء قد اعتنقوا الإسلام عن جهل في صغرهم واستمروا عليه في جهل نسبة لظروفهم والبيئة التي يعيشون فيها)] ، لكنهم لم يعتنقوا الإسلام عن جهل بل أعتنقوه وفقاً للطبيعة البشرية القائمة على تعليم الأب لمعتقده لأبنه والذي أقرّته المواثيق الدولية التي يلتزم الدكتور كامل النجار ببعضها ويعارض البعض الآخر فيما يبدو وفقاً لمطلبه المتعلق بالإساءة للإسلام.

 وقال الدكتور النجار : [(ولا شك أن الله يفضل أن يعتنق المسلمون الإسلام عن وعي وفهم وبمحض إرادتهم بدل أن يفرض عليهم وهم صغار جهلاء. والقوانين الوضعية في البلاد المتقدمة لا تقبل التوقيع على أي وثيقة إلا إذا أثبتت الجهة التي تقدم الوثيقة أن الشخص الموقع عليها فعل ذلك بمحض إرادته وبعد أن فهم فهماً تاماً كل ما تحتويه الوثيقة. ويسمون هذا الشرط Informed Consent  أي " موافقة عن إدراك ". فأنا كجراح لو أعطيت مريضاً مكتوباً يشرح العملية التي سوف أجريها له، ووقع الشخص على هذا " الفورم " ثم أجريت له العملية وحدثت له مضاعفات، فرغم أنه قد وقّع على " الفورم  إلا أن ذلك " الفورم " لا يساوي الحبر الذي كُتب به، لأني لم أشرح للمريض العملية والمضاعفات التي يمكن أن تحدث له، والعلاجات الأخرى المتوفرة له بخلاف العملية الجراحية. فلو وافق المريض بعد الشرح الوافي فهو ملزم بما وقّع عليه. فهل غالبية المسلمين أو المسيحيين تربوا في بيئة لا دينية ثم شرحوا لهم الأديان بعد أن صاروا بالغين مكلفين ثم اختاروا الإسلام أو المسيحية عن إدراك وفهم ؟)] ، وهكذا نجد ان الدكتور كامل النجار يتحدث عن أمور غير منطقية ، فكيف يمكن أن يتربى الإنسان في بيئة لا دينية مع أن أبويه متدينان ومجتمعه متدين ؟ ! هل يريد الدكتور النجار أن يتم عزل الطفل في "مصحات لا دينية" ! لكي يتم تجنيبه التعرض للأفكار الدينية !! ولماذا يصح أن يتعلم الطفل "اللادين" ولا يصح أن يتعلم الطفل "الدين" ! لماذا يمنع الدكتور النجار الطفل من أن تتم تربيته وفقاً للدين ويسمح له بأن يتربى وفقاً لللادين ، أليست اللادينية هي عقيدة أيضاً يفضل أن يعتنقها الإنسان عن قناعة لا عن تربية ! أليس هذا تناقضاً خطيراً فيما يطرحه الدكتور النجار ؟! وهل قام الدكتور النجار بتربية أطفاله وتوجيههم على المنهج الإلحادي (اللادين) أم تركهم بلا توجيه ؟

وأما ما ذكره حول المريض الذي يجب ان يعرف تفاصيل العملية التي يريد أن يجريها له الجرّاح وما يقدم عليه من مخاطر ، فالأمر أيضاً موجود بالنسبة لمن يعتنق الإسلام كما ذكرنا في بداية المقال ، فالذي يعتنق الإسلام ويتحوّل إليه ويترك دينه السابق يكون قد فعل ذلك بعد دراسة جيدة للإسلام ومعرفة أن من يرتد عن هذا الدين بعد إعتناقه تكون عقوبته الإعدام.

 وقال الدكتور كامل النجار : [(والمرتد عن الإسلام، كما يقول السيد جاسم، نوعان: الأول: فطري: وهو الذي ولد على الإسلام ثم كفر به. والثاني: الملّي: أي الذي لم يولد على الإسلام بل اعتنقه فيما بعد ( على الكبر) ثم ارتد عنه. وموقف الفقهاء المسلمين من هذين النوعين من الارتداد يظهر تناقض الإسلام جلياً. فالمرتد الأول لم يُعط خياراً في اتباع الإسلام وإنما شاء حظه أن يولد في عائلة مسلمة لقنته الإسلام وهو صغير فنشأ عليه. فإذا ارتد بعد أن كبر، يحكم عليه بالقتل ولا تُقبل توبته. بينما المرتد الآخر الذي دخل الإسلام طواعيةً بعد ن بلغ ودرس الإسلام وفهمه، إذا ارتد عنه، يمنحه الفقهاء ثلاثة أيام أو أكثر ليتوب ويرجع إلى الإسلام. فإن فعل فلا غبار عليه. فهل هناك تناقض أكثر من هذا ؟)] ، وفي الحقيقة فليس هناك تناقض بل قد يتوهم البعض أنَ هناك تناقضاً نتيجة قصورهم في فهم الطبيعة الإنسانية وكيفية هي مجريات الحياة. فقد ذكرنا في بداية المقال أن المجتمعات الإنسانية تسير وفق وتيرة أن الأبناء يولدون في مجتمعات ذات قوانين يكون ملزمين بإتباعها ، وضربنا لذلك مثل تاجر المخدرات الذي ولد في مجتمع تفرض فيه عقوبة الإعدام على من يتاجر بها ، بينما تاجر مخدرات آخر يولد في مجتمع آخر تفرض فيه عقوبة السجن المؤبد لنفس الجريمة ، فهل نقول ان التاجر الأوليكون مظلوماً لأنه ولد في المجتمع المذكور ! طبعاً لا فكل إنسان يكون ملزماً بالخضوع والعمل بالقوانين التي تحكم المجتمع الذي ينشأ فيه.

 وبناءاً على قول الملحدين بأن الصدفة هي التي خلقت العالم وفقاً لنظرية التطور ، فلماذا لم توجد الصدفة حلاً أفضل لهذا الأمر !

 وهذه المسألة تذكرني بقصة عودة الأبن الضال المروية في إنجيل لوقا ، وملخصها أن أباً كان له ولدان تركه أصغرهما وهاجر بينما الأكبر عاش معه يرعاه ، وبعد مدة عاد الأبن المهاجر ففرح به الأب أشد الفرح وألبسه أفخر الثياب ، فاعترض الأبن الأكبر لأنه قد عاش مع أبيه عمره كله ولكنه لم ينل الإهتمام الذي ناله الأبن العاق المهاجر بعد عودته. فقال له أبوه : (يابني أنت معي دائماً أبداً وجميع ما هو لي فهو لك ، ولكن قد وجب أن نتنعم ونفرح ، لأن أخاك هذا كان ميّتاً فعاش وكان ضالاً فوُجِدْ).

فالإنسان حين يولد في بيئة إسلامية وفي عائلة مسلمة فليس هناك إجبار ، وليس لمفردة الحظ التي ذكرها الدكتور النجار أي دور في الموضوع ، فكل ما يفعله الله سبحانه إنما ينطلق من حكمة بالغة ، فحين يولد الإنسان في مجتمع مسلم وفي عائلة مسلمة فهو يتحمل مسؤولية خطيرة ، هي مسؤولية حمله للدين الذين حرم منه الملايين غيره ، وهو لم يبذل المعاناة التي بذلها غيره من أجل أن يكون مسلماً بخلاف غيره ممن ضحى بالنفس والمال وهاجر وجاهد من أجل الإسلام ، فميزة ولادته في عائلة مسلمة ميّزته بأن كسرت الحاجز النفسي الذي يمنع الآخرين من إعتناق الإسلام نتيجة ولادتهم في عوائل غير مسلمة ، هذه الميزات التي توفرت له تتطلَّب منه أمراً واحداً هو الإلتزام بالإسلام الذي أكتسبه مجاناً بلا معاناة والذي أقرّه وأقتنع به بعد بلوغه ، فحين يقرر شخص ما أن يتنازل عن هبة الله سبحانه بإرتداده عن الإسلام ، فذلك معناه أنه لم يحافظ على المسؤولية الملقاة على عاتقه حين تم إختياره لكي يحصل على الإسلام مجاناً ، ومثل هذا الإنسان الذي يرفض أعظم نعم الله سبحانه علانية ، وهي نعمة الإيمان ، ويرتضي لنفسه أن يخرج من صف الإيمان الذي مهدّه الله عزَّ وجل له إلى صف الكفر والشرك ، ورغم ذلك فإنَّ الإسلام لا يتعرض لمن يرتد عنه مادام سوف يترك عائلته المسلمة ويخرج من المجتمع الإسلامي ويعيش في المجتمع الذي يختاره خارج نطاق الإسلام قبل أن تقوم عليه البينة بإرتداده. وأما إذا بقي المرتد يعيش في المجتمع الإسلامي ويتحداه بردته ، فيجازي النعمة والإحسان بالنكران والإساءة ، فليس امام الحاكم الشرعي سوى أن يحكم بقتله بدون توبة ، فليس هناك مجال للتوبة ، وليس كل الذنوب لها توبة ، فالذي يقتل مؤمناً متعمداً ـ على سبيل المثال ـ ليس له توبة في الحد اذا لم يعف عنه أولياء المقتول.

 وقال الدكتور النجار : [(أما المرأة المسلمة المرتدة فلا تُقتل سواء نشأت على الإسلام أو اعتنقته فيما بعد على الكبر. وهذا إن دلّ على شئ فإنما يدل على امتهان الإسلام لعقل المرأة. فالفقهاء هنا يعاملون المرأة كالطفل الذي لا عبرة بارتداده لأن عقله ناقص كالسكران أو المجنون. وبما أن المرأة ناقصة عقل ودين في الإسلام، فهي تعامل معاملة الطفل.

والقرآن، كلام الله، يقول صراحةً: " لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي " ولكن الفقهاء المسلمين قرروا أنهم أحرص من الله على الإسلام فقرروا أن المرأة المرتدة إذا أصرت على ارتدادها تُحبس في السجن ويُضيّق عليها في المأكل والمشرب، وتُضرب وقت كل صلاة حتى ترجع إلى الإسلام. هل سوف ينهار الإسلام إذا ارتدت عنه امرأة لا يقيم لها الإسلام وزناً أصلاً ؟ وهل هناك إكراه في الدين أكثر من هذا ؟)] ، فالدكتور النجار يسميه إمتهاناً للعقل وهو مخطيء في هذا التعبير ، ونحن نسميه معالجة مع مراعاة الخصوصية الذهنية والنفسية للمرأة ، ونحن نعرف بصورة قاطعة أنَّ ذهنية ونفسية المرأة تختلف عن الرجل ، ولا أتصور انَّ هناك من يختلف معنا في هذا الأمر. فحين يراعي الإسلام المرأة نظراً لطبيعتها وتركيبتها الأنثوية التي تجعلها ذات خصوصية ذهنية ونفسية مختلفة عن الرجل ، فيمنع من قتلها ، فهذا في نظر الدكتور النجار إمتهان لعقل المرأة ، ولعلّ الدكتور النجار يفضل ما كان يحدث في محاكم التفتيش في إسبانيا بعد سقوطها بيد الصليبيين ، حينما كانوا يقتلون المسلمين رجالاً ونساءاً بلا تمييز بسبب إنتمائهم الإسلامي !

والملاحظ ان المراة في معظم تفاصيل الشريعة الإسلامية لها حكم مساوي لحكم الرجل في القصاص والحدود ، إلا في مواضع معينة منها هذا الموضع الخاص بالإرتداد ، فلو كان هناك إمتهان لعقلها لما شملها حكم الرجم للزانية أسوة بالرجل الزاني ، ولما شملها حكم قطع اليد أسوة بالرجل ، بل لما شملها حكم الإرتداد نفسه أسوة بالرجل من حيث الثبوت ، وإنما الإختلاف في كيفية معالجة إرتدادها.

وأما قول الله تعالى : (( لا إكراه في الدين )) فهو موجّه لغير المسلمين ، فليس هناك إكراه لغير المسلم لكي يدخل الإسلام ويعتنقه ، وأما حين دخوله الإسلام وقبوله به بعد القناعة التامة فإن منظومة التعاليم الإسلامية هي التي تجري عليه.

 وقال الدكتور النجار : [(فالله الذي أنزل الإسلام يقول إن الذين يرتدون عنه لن يضروه شيئاً ولذلك لم يقرر عليهم عقاباً في الدنيا وإنما قال سوف يخلدون في نار جهنم. فهل الفقهاء أحرص على الإسلام من ربه ؟ أما الأحاديث التي أوردها الفقهاء فكلها أحاديث موضوعة ومتأخرة في توقيتها الزمني إذ أن الخليفة أبا بكر عندما قرر قتال القبائل العربية التي ارتدت بعد موت النبي، قد خالفه عمر وعلي بن أبي طالب، فقال لهم أبو بكر: والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه للرسول لحاربتهم عليه ". فلو كانت هذه الأحاديث معروفة وقتها لاستشهد بها أبو بكر، وربما لم يعترض عليه عمر وعلي لأنهما لا بد أن يكونا على علم بهذه الأحاديث لو كانت موجودة)] ، فالدكتور النجار يتجاهل ما ذكرناه في مقالات سابقة وما يعرفه كل الدارسين للشريعة الإسلامية من أن التشريع الإسلامي مبني على الكتاب والسنة كأهم مصدرين تشريعيين ، يضاف لهما الإجماع كمصدر تشريعي معتد به ومهم وفق ضوابط يعرفها الفقهاء مذكورة في موضعها ، والسنّة والإجماع صريحان في إنزال عقوبة الإعدام بالمرتد ، ولا يتعارض ذلك مع القرآن الكريم ، فالقرآن قد بيّن العقوبة الأخروية للمرتد والسنّة بيّنت العقوبة الدنيوية له ، فقد قال الله سبحانه : (( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول )) فهما طاعتان لله عزَّ وجل ولرسوله (صلى الله عليه وآله) ، أي طاعتان للكتاب والسنّة.

ومن الملفت للنظر أن الدكتور النجار يتهم بعض الأحاديث بكونها موضوعة ، مع أنه قد تجاهل كلياً ـ في مقالات سابقة ـ مسألة نقد الأحاديث قبل الإعتماد عليها والإستدلال بها ، بل رفض ذلك بصورة ضمنية ، ولكنه يعود الآن ليحكم على الأحاديث بكونها موضوعة بدون ان يبين سبب الوضع وكيفيته ، وبدون أن يمتلك الأدوات لتمييز الموضوع من الصحيح في الحديث.

وأما إستدلال الدكتور النجار بمسألة الردة المزعومة في زمن أبي بكر بن أبي قحافة ، فمسألة الردة المذكورة في أصلها مسألة سياسية حين لجأ الخليفة أبو بكر إلى وصم بعض القبائل الرافضة لسلطته بأنها مرتدّة ، وكان هناك فعلاً بعض القبائل التي ارتدت فعلاً ، فليس كل من قاتلهم أبو بكر كانوا مرتدين وفقاً للمنظور الشرعي للإرتداد ، وأما الإمام علي عليه السلام فقد كان مقاطعاً لأبي بكر ستة أشهر بعد خلافته وأثناء ما سمّي بحروب الردة في فترة معتد بها من نشوبها. وأما عمر بن الخطاب فقد كان شريكاً لأبي بكر في مخططاته.

 وقال الدكتور النجار في معرض تعقيبه ما نصّه : [(كيف تدافع عن حرية العقيدة بأن تقتل شخصاً أراد أن يغير عقيدته ؟ والقول إن العقائد الفاسدة تؤدي إلى تحلل المجتمع قول مفتوح لعدة أسئلة. ما هو تعريف العقيدة الفاسدة ؟ وهل إذا ارتد المسلم وأصبح مسيحياً، هل يعني ذلك أنه اتبع عقيدةً فاسدة ؟ فهل العقل يقبل أن نجبر الإنسان وهو صغير على اتباع عقيدة معينة ثم نمنعه من اتباع غيرها ؟ أين حرية الاختيار ؟)] ، بكل تأكيد فإن كل عقيدة غير صادرة عن الله سبحانه هي عقيدة فاسدة ، وقد بيّنا أن كل إنسان ينشأ في مجتمع يخضع لقوانين ذلك المجتمع ، وذكرنا أن مواثيق حقوق الإنسان تعطي الحق للآباء بتنشأة أبنائهم حسب دينهم ومعتقدهم.

 وتعقيباً على قول الأستاذ جاسم محمد الشيخ زيني ونصه : (إن صاحب الحق المطلق على الإنسان هو الله عز وجل ، فأن الإرتداد بما فيه من جحود وعناد ، وتمرد واستعلاء على صاحب هذا الحق وخروج عن دائرة العبودية ، لذا لابد أن يوقف المرتد عند حده) ، فقال الدكتور النجار معقّباً : [(فقد رأينا أن صاحب الحق ( الله ) لم يقل اقتلوا من ارتد عن دينه، بل قال الذين يرتدوا لن يضروا الله شيئاً، فمن أعطى الفقهاء الحق في أن تعلوا كلمتهم فوق كلمة الله ؟)] ، وقد بينّا آنفاً أن مصادر التشريع الرئيسية في الإسلام هي القرآن والسنّة وليس القرآن وحده ، والسنّة تحمل دلالات قطعية على قتل المرتد وفق الشروط المذكورة في كتب الفقهاء والتي يمكن مراجعتها لمعرفة تفاصيل ذلك.

 وتعقيباً على قول الأستاذ جاسم محمد الشيخ زيني ونصه : (وفقاََ للنظرية الإسلامية وما تؤمن به ، من إن آلاخرة هي الحياة الحقيقية للإنسان وأن الدنيا دار ممر ، وأن الكافر كلما بقي في هذه الدنيا زاد عذابه في آلاخرة ، قال تعالى : (( ولا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم خيرُ لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماََ ولهم عذاب مهين )) . لذا فأن قتل المرتد يعتبر رحمة به وتخفيفاََ من عذابه) ، فقال الدكتور النجار معقباً : [(فالكافر كلما بقى في الدنيا مدة أطول كلما زاد الله له العقاب يوم القيامة، والله يقول " ولا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم خيرُ لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماََ ولهم عذاب مهين " وهذا يعني أن الله يمد لهم في الحياة الدنيا حتى يزيد من عذابهم في الآخرة. فالمرتد الذي أصبح كافراً يريد الله أن يمد له في الحياة الدنيا حتى يزيد عقابه في الآخرة، فلماذا يقتله الفقهاء ويحرمون الله من أن يزيد في عقابه في الآخرة ؟)] ، وأجد من المناسب التعقيب على النصّين السابقين ، فالآية الكريمة تتحدث عن الكفار بصورة عامة ، وهم الكفار غير الخاضعين للمنظومة الشرعية الإسلامية ، بينما المرتد هو كافر ولكنه خاضع للمنظومة المذكورة ، فالآية الكريمة لا تمنع من إنزال القصاص ، وإلا فلو قتل كافرٌ مسلماً أو حتى كافراً آخر بتعمّد ، فهل يريد الدكتور النجار أن يتم التنازل عن الحقوق والقصاص بدعوى أن إبقائه حياً يزيد من عذابه في الآخرة !!

 وتعقيباً على قول الأستاذ جاسم محمد الشيخ زيني ونصه : (إن النظام الإسلامي الذي أقره المجتمع المسلم وأرتضى أطروحته يعتبر موافقاََ للديمقراطية في الكثير من جهاته. فموافقة الشعب على هذا النظام وتبنيه له جعل منه شريعة مختارةُ لا مفروضة عليه. والإختيار يولد مسوؤلية وإلتزام) ، فرد الدكتور النجار بقوله معقبّاً : [(وهذا لعمري عين الإجحاف وتحريف الكلم عن مواضعه. فالديمقراطية تعنى في المقام الأول بحرية الاختيار. فإذا منح المجتمع الإسلامي نفسه الحرية في أن يكون مسلماً فالديمقراطية تتطلب أن يمنح الشخص أو الفرد حرية الاختيار ليختار أي معتقد يريد. ثم أن المجتمعات الإسلامية كما بينا سابقاً لم تختر الإسلام وإنما تربوا عليه منذ صغرهم ولم يمنحوا حرية الاختيار عن علم.فمحاولة تبرير قتل المرتد ما هي إلا محاولات يائسة كمحاولة الغريق التشبث بما يطفوا أمامه مهما كان واهياً)] ، ويبدو أن الدكتور النجار ينظر للمسألة بصورة عكسية فهو يريد أن يجعل العلو للديمقراطية على حساب الإسلام ، بينما المسلمون يقولون أن لا شيء يعلو على الإسلام ، فالشعب الذي يختار نظاماً إسلامياً أو دستوراً إسلامياً إختياراً حراً وبصورة ديمقراطية ، هذا الإختيار يجب أن يحترم من قبل غير المسلمين في المجتمعات الأخرى والأنظمة الأخرى خارج الدولة أي من قبل المجتمع الدولي ، لأنه مبني وفقاً لقواعدهم التي وضعوها ، ونعني بها الديمقراطية ، فالشعب الذي يختار الإسلام نظاماً سياسياً أو دستورياً يجب ان يكون هناك إحترام له ، ومن جملة ما يحترم أن يتم تجريم المرتد عن الإسلام وإعدامه ، لأن الإختيار الديمقراطي للشعب كان في هذا الإتجاه.

 فنحن نتفق جميعاً على أهمية حرية الإنسان في إعتناق العقيدة التي يجدها الأصح أو الأفضل ، لأن حق تجريم المرتد هو حق يعتقده الملايين من البشر المعتنقين لذلك الدين وبالتالي لا يمكن تقديم حق فرد واحد على حق الملايين من الأفراد ، فحين ينص الإسلام على تجريم ومعاقبة المرتد عنه فإنَّ هذا الحق الديني ينادي به الملايين من الذين يعتنقون الإسلام وبالتالي ففي المجتمعات التي يسود فيها الإسلام ويعتنقه غالبية أفراده نجد من اللازم أن تسود فكرة تجريم ومعاقبة المرتد نزولاً عند إحترام عقيدة غالبية أفراد المجتمع المعتنقين للإسلام.

 ومن المربك أن تهتم بعض الجهات العلمانية بحق الفرد في إعتناق وممارسة عقيدته الدينية ولا تهتم مطلقاً بحق المجتمع في إعتناق وممارسة عقيدته ، مع أن المجتمع هو مجموع من الأفراد ، فيتحدثون دائماً حول حق الفرد ـ فقط ـ في إعتناق العقيدة التي يريد ، وفي هذا الصدد يقول توم فار مدير مكتب الحرية الدينية الدولي في وزارة الخارجية الأمريكية في مقابلة معه : (لكل إنسان ، إنطلاقاً من وجوده على الأرض ، الحق الذي لا يجوز إنتهاكه ليسعى إلى الحقيقة الدينية وليمارس الشعائر الدينية) ، ويقول أيضاً : (إن الحرية الدينية هي أحد حقوق الإنسان الأساسية وصيانة هذه الحرية تعني صيانة شيء مشترك بين كل البشر) ، نعم إنه كلام جميل ومطلوب ، ولكن حين نتطلع لمنح الأفراد حقوقهم الدينية وممارسة شعائرهم فكذلك علينا أن نتطلع لمنح المجتمع وهو المتكون من مجموعة كبيرة من الأفراد حقه في التعبد بعقيدته وممارسة تعاليمها. فالمادة ( 28 ) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تنص على : ( لكل فرد حق التمتع بنظام إجتماعي ودولي يمكن أن تتحقق في ظله الحقوق والحريات المنصوص عليها في هذا الإعلان تحققاً تاماً ) ، فهذه المادة تمنح الحق لفرد ، وتتجاهل جميع أفراد المجتمع !

فما يريدونه من منح الحق المذكور لفرد واحد وسلبه عن مجموع الأفراد المكونين للمجتمع فهذا توجه غير منطقي وبعيد عن العدالة والإنصاف.

 

 

مقالات ذات صلة :

·        الارتداد ... هل هو حق من حقوق الإنسان ؟ ـ جاسم محمد الشيخ زيني

http://kitabat.com/i9476.htm

 

·        الارتداد ... هل هو حق من حقوق الإنسان ؟ ـ كامل النجار.

http://kitabat.com/i9542.htm

الصفحة الرئيسية